الخطبة : 0440 - محبة المؤمنين ، وجبت محبتي للمتحابين.... - قصة امرأة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0440 - محبة المؤمنين ، وجبت محبتي للمتحابين.... - قصة امرأة.


1993-06-11

الخطبة الأولى:
الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

وجوب المحبة بين المؤمنين :

أيها الأخوة المؤمنون ؛ ذكرت لكم قبل أسابيع أنه ما من وقتٍ تشتد فيه الحاجة إلى التعاون والتعاضد فيما بين المسلمين كهذا الوقت العصيب ، وذكرت لكم أن العلاقات الاجتماعية موضوعٌ دقيقٌ أَلَحَّ عليه الدين الحَنيف ، وقد وردت آياتٌ كثيرة ، وأحاديث صحيحة تحضُّ على ذلك . فقد روى الإمام مالك عن معاذ بن جبل بإسنادٍ صحيح قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يقول الله عز وجل :

((وجبت محبتي للمتحابين فيّ ، والمتجالسين فيّ ، والمتزاورين فيَّ ، والمتباذلين فيَّ ))

[الترمذي عن أبي إدريس الخولاني]

وهناك روايةٍ عند الترمذي يقول الله عزَّ وجل :

(( المتحابون في جلالي على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء ))

وقد روى عمر بن الخطاب فيما رواه أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :

(( إن من عباد الله لأُناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله . قالوا : يا رسول الله تخبرنا من هُم ؟ قال عليه الصلاة والسلام: قومٌ تحابّوا بروح الله على غير أرحامٍ بينهم ، ولا أموالٍ يتعاطونها ، فوالله إن وجوههم لنور ، وإنهم لعلى نور ، لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس))

[ أبو داود عن عمر بن الخطاب ]

وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية من سورة يونس :

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة يونس : 62]

هذا الحديث القدسي يُعَدُّ أصلاً في المَحبة القائمة بين المؤمنين ، وفي التعاون فيما بينهم ، وفي التزاور ، وفي المجالسة ، وفي التباذل ، كل هذه المعاني نستنبطها من هذا الحديث القدسي الذي يعدُّ أصلاً في هذا الباب .

 

المحبة في الله تسمو على كلّ محبة :

أيها الأخوة الأكارم ؛

(( إن من عباد الله لأُناساً ما هم بأنبياء ، ولا شهداء ، يغبطهم الأنبياء والشهداء ))

لعلو مقامهم عند الله ، لقربهم من الله عز وجل :

(( قالوا يا رسول الله تخبرنا من هم ؟ قال : هم قومٌ تحابوا بروح الله ))

علامة إيمانك هذه المحبة التي تعتلج في صدرك تجاه أخيك المؤمن ، إن أبغضته ، إن حسدته ، فقد وضعت نفسك في خندق المُنافقين ، أما إن أحببته وشعرت بالأنس به ، وشعرت أنك وإيَّاه من عنصرٍ واحد ، من بُنيةٍ واحدة ، فهذه علامة الإيمان قال :

((قومٌ تحابوا بروح الله على غير أرحامٍ بينهم ، ولا أموالٍ يتعاطونها ))

أشار النبي بهذه الفقرة من حديثه الشريف إلى طبيعة الحياة ، هناك محبةٌ أودعها الله في قلب الأقارب ، علاقة النسب علاقةٌ أساسية لدفع حركة الحياة ، لا بد من فطرةٍ أساسيةٍ تقوم بها الحياة ، إنها علاقات النَسَب ، وإنها علاقات المَصالح ، فربما مال قلبك إلى من يربطك به نسب أو مصلحة ، ولكن الحب في الله يسمو عن هذا وذاك ، يسمو عن علاقة النسب الفطرية ، ويسمو عن المصلحة الذاتية ، ويرقى إلى مستوىً رفيع من المحبة الخالصة لوجه الله تعالى ، تحبه في الله ، وتكرمه لله ، وتزوره لله ، وتبذل له لله ، قال تعالى :

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة يونس : 62]

استنبط النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الآية . .

(( فوالله إن وجوههم لنور ، وإنهم لعلى نور ، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ))

هذا استنباطٌ آخر .
أيها الأخوة الكرام ؛ هناك الخط العريض في المجتمع ، الأكثرية من الناس الغارقون في دنياهم ، الغارقون في الشِرْك ، الغارقون في حُب الدنيا ، المبتعدون عن ربِّهم ، هؤلاء كثيراً ما يخافون ، وهؤلاء كثيراً ما يحزنون ، ولكن علامة المؤمن الصادق ، علامة المُتَّصِل بالله عز وجل ، أنه لا يخاف إذا خاف الناس ، ولا يحزن إذا حزن الناس ، إذاً هناك تميُّز ، هناك علاقةٌ خاصة ، هناك بُنيةٌ خاصة يتمتع بها المؤمن .

 

الحديث التالي يُعَدُّ أصلاً في التعامل بين المؤمنين :

أيها الأخوة الكرام ؛ الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما رويا عن أنسٍ رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :

(( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))

[ متفق عليه عن أنس ]

وفي روايةٍ ضعيفة :

(( وحتى يُبغض له ما يبغض لنفسه ))

وقد أجمع شُرَّاح الحديث على أن هذا الحديث من أشمل الأحاديث الشريفة ، إذ أن الأخ هو الأخ في الإنسانية أولاً ، وثانياً هو الأخ في الإيمان ، فما لم تحب لأخيك المؤمن - وهذا من باب أولى - ما تحبه لنفسك ، وما لم تبغض له ما تبغض لنفسك ، فأنت لست في خندق المؤمنين ، إن الإنسان الذي لا يشعر بهذه المشاعر هو في خندق المنافقين المنقطعين عن الله عز وجل .

(( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))

[ متفق عليه عن أنس ]

طَبِّق هذا في البَيْع والشراء ، ألا ترى أن البائع المؤمن لا يتمنى لمن يشتري منه من المؤمنين ومن إخوته في الإنسانية إلا ما يتمنى لنفسه ، إذاً الغُش يتناقض مع هذا الحديث ، الكذب يتناقض مع هذا الحديث ، الغَبْنُ يتناقض مع هذا الحديث ، التدليس يتناقض مع هذا الحديث ، خذ أوسع نشاطٍ من نشاطات المجتمع وهو البيع والشراء ، لو طُبِّق هذا الحديث في البيع والشراء لحلت كل مشكلات الناس في البيع والشراء .

(( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))

[ متفق عليه عن أنس ]

لا يعطيه بضاعةً إلا يقبلها لنفسه ، لا يعطيها بسعرٍ إلا يرضاه لنفسه ، لا يُعامل الناس إلا كما يحب أن يعاملوه ، هذا مقياسٌ دقيق ، هذا الحديث الشريف يُعَدُّ أصلاً في التعامل بين المؤمنين . .

((لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ ..))

نفى عنه الإيمان كلياً ، الذي يفعل خلاف هذا الحديث ليس مؤمناً إنه منافق ، إنه مقطوعٌ عن الله عز وجل ، لو أن هذا الحديث طُبِّقَ بين المؤمنين لكنا في حياةٍ سعيدةٍ غير هذه الحياة ؛ التي يشعر بها الإنسان ، أن كل حركةٍ يتحرّكها إنما هي معركةٌ يجب أن يخوضها بسلاح من الوَعْي ، ومن الحيطة ، ومن الاهتمام .

 

طاعة الله هي أساس الإصلاح بين المؤمنين والتقريبِ بينهم :

يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

[ سورة الحجرات : 10]

المؤمنون هم الأخوة الحقيقيون ، وأيَّة أخوةٍ لا تقوم على أساس الإيمان هي أخوةٌ واهية ، ربما لا تدوم طويلاً ، ربما لها ظاهرٌ ولها باطن ، لها ظاهرٌ يُرضي ، ولها باطنٌ لا يرضي ، لكن الأخوة الحقيقية هي أخوة الإيمان . .

﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾

ويتّضح من هذه الآية أنه ما لم تشعر بهذه الأخوة فلست من المؤمنين ، وقد يطرأ بين المؤمنين بعض المشكلات، لذلك جاء التوجيه الإلهي مباشرةً :

﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾

هذه حالةٌ مَرَضِيّة لا ينبغي أن تدوم ، ولا ينبغي أن تستشري ، ولا ينبغي أن تتفاقَم ، ولا ينبغي أن تُهْمَل . .

﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾

ما أساس الإصلاح ؟ قال :

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾

طاعة الله هي أساس الإصلاح بين المؤمنين ، طاعة الله هي أساس التقريبِ بينهم ، لأن الانتماء إلى الذَّات يفرِّق ، بينما الانتماء إلى الحق يَجْمَع ، إذا أقرّ كل الأطراف بأن هذا الكتاب كلام الله ، وأنه حقٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأن النبي عليه الصلاة والسلام هو المُخَوَّل وحده بتفسير كلام الله عز وجل ، ووضع النقاط على الحروف ، إذا آمنت بأن الكتاب والسنة هما الحكمان في كل مشكلةٍ تنشِب بين الناس ، وعُدت إلى الكتاب والسُنة ، ورضيت بالكتاب والسنة، فقد أقمت حكم الله عز وجل ، إذاً يجتمع الناس على الحق ، ويتفرقون على الباطل ، يجتمع الناس على حبّ الحق ، ويتفرقون على حبّ الذات ، إذا أحبّ الإنسان ذاته ، وذاته لها مصالح ، ولها نزوات ، ولها طموحات قد لا تتفق مع طموحات الآخرين ، عندئذٍ تصطدم المصالح ، وتنشب المنازعات ، وتقع البَغْضاء والكراهية بين المؤمنين .

أساس الاجتماع والتوحّد عند المؤمنين هو حبل الله عز وجل :

أيها الأخوة الأكارم ؛ سرّ لقاء المؤمنين أنهم يجتمعون على مُنْطَلَقاتٍ فكريةٍ واضحة ، يجتمعون على عقيدةٍ واضحة ، يجتمعون على تصوراتٍ واضحة ، يجتمعون على مُسَلَّماتٍ واضحة ، يجتمعون على جانبٍ فكريٍ موحَّد ، هذا هو سرّ لقاء المؤمنين ، وفضلاً عن ذلك يجتمعون على عاطفةٍ دينيةٍ واحدة ، يحبّون الله ورسوله ، يحبون الحق ، يحبون الخَيْر ، يحبون الإحسان ، يحبون العِفَّة ، يحبون الكَرَم .
مكارم الأخلاق ، والمشاعر الإنسانية ، ومشاعر الدين هذه تجمع المؤمنين ، وفضلاً عن هذا وذاك لهم أهدافٌ واحدة ، ما الذي يجمعهم ؟ أنهم جميعاً يبتغون وجه الله عز وجل ، أنهم جميعاً يبتغون مرضاة الله عز وجل ، أنهم جميعاً يؤثرون الآخرة على الدنيا ، إذاً منطلقاتٌ فكريةٌ واحدة ، ومشاعر واحدة ، وأهدافٌ واحدة ، وسلوكٌ واحد ، سواءٌ كان هذا السلوك في عباداتهم ، أم في أخلاقهم ، أم في آدابهم ، أم في الأحكام الفقهية التي يتعاملون بها ، أم في الآداب التي يتأدَّبون بها ، أم في النظام العام الذي يخضعون له ، إنهم موحَّدون ؛ فكراً ، وقلباً ، وأهدافاً ، وسلوكاً ، ولابد من أن ينضووا تحت توجيهٍ واحد ، وتحت قيادةٍ واحدة ، لأن الله قال :

﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 46 ]

أيها الأخوة الكرام ؛ المجتمعات القائمة على أساسٍ غير ديني ، ليست مجتمعات مؤهَّلة كَيّ تنمو وتتقدم ، لذلك بما أن الأهواء كثيرة ومتعارضة ، والمصالح كثيرة ومتناقضة ، والاتجاهات متعددة ، فلابد من أن يقع النزاع ، وأن تقع الخصومات ، وهذا بين أيديكم على مستوى الأسرة الواحدة ، على مستوى العَشيرة الواحدة ، على مستوى القبيلة الواحدة ، على مستوى أبناء القرية الواحدة ، خصوماتٌ ما بعدها خصومات ، وأحقاد ما بعدها أحقاد ، لأن الباطل يفرِّق ، لكن الحق يَجْمَع ، لذلك قال تعالى :

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾

[ سورة آل عمران : 103]

أساس الاجتماع وأساس التوحّد هو حبل الله عز وجل ، هناك شيءٌ بإمكاننا أن نلتف جميعاً حوله ، أن نعتصم به ، أن نلتقي عنده ، الدين هو الذي يوحِّد ولا يفرِّق .

 

المحبة التي أودعها الله في قلوب المؤمنين تجاه بعضِهِم هي من علامات الإيمان :

أيها الأخوة الأكارم ؛

((وجبت محبتي للمتحابين فيّ ... ))

[الترمذي عن أبي إدريس الخولاني]

المتحابين ؛ ما بين المؤمنين من مودةٍ صادقةٍ لا يعلمها إلا الله ، ما بينهم من مودةٍ لا تستطيع أكبر الأحداث أن تقوِّضَها ، لا تستطيع أكبر الزلازل أن تهدمها ، إن هذه المحبة التي أودعها الله في قلوب المؤمنين تجاه بعضِهِم بعضاً ، هي من علامات الإيمان . .

(( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))

[ متفق عليه عن أنس ]

الآن بعد هذا الحُب ، وبعد هذا الاجتماع ، وبعد هذه المشاعر الصادقة ، الصُحبة والمجالسة هي الفقرة الثانية في الحديث القدسي :

((وجبت محبتي للمتحابين فيّ ، والمتجالسين فيّ ، والمتزاورين فيَّ ، والمتباذلين فيَّ ))

[الترمذي عن أبي إدريس الخولاني]

فقد روى أبو داودٍ والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :

(( لا تصاحب إلا مؤمناً ، ولا يأكل طعامك إلا تقي ))

[الترمذي عن أبي سعيد الخدري]

علاقات العمل ليس لك فيها خيار ، لكن العلاقات الحميمة ، الصُحْبَة ، الزيارات، النُزُهات ، العلاقات الحميمة أنت كمؤمن هذه ينبغي ألا تجعلها إلا مع المؤمنين ، لأن المؤمنين إذا اجتمعوا على منهجٍ واحد ، وعلى أهدافٍ واحدة ، وعلى قيَمٍ واحدة ، وعلى سلوكٍ واحد ، وعلى أنماطٍ واحدة ، كلهم يأتمرُ بأمر الله ، وينتهي عما نهى الله عنه ، كلهم يقوم للصلاة في وقتها ، أما إذا أقمت علاقاتٍ حميمة مع غير المؤمنين ، فهناك خطرٌ كبير ، ما هو الخطر ؟ أن يَجُرَّك هؤلاء الذين أحببتهم حباً جماً إلى صفِّهم ، وإلى سلوكهم ، وإلى أنديتهم ، وإلى عاداتهم، وإلى تقاليدهم .

 

اختيار الأصحاب أخطر شيء في الحياة الاجتماعية :

لذلك قال عليه الصلاة والسلام في حديثٍ صحيح رواه أبو داودٍ والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه :

(( لا تصاحب إلا مؤمناً ، ولا يأكل طعامك إلا تقي ))

[الترمذي عن أبي سعيد الخدري]

هذه الصحبة أيها الأخوة المرحلة الأولى في العلاقة الاجتماعية ، هناك مرحلةٌ أعلى منها : المودة والمخاللة . المودة والمُخاللة أعلى مستوىً من الصُحبة ، هذه إذا وقعت ولم يكن هذا الذي تودُّه أو تخالل مؤمناً وقعت في خطرٍ مُحَقَّق ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داودٍ والترمذي بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

هذا حديثٌ خطير ، فأنت إذا ارتقت العلاقة بينك وبين إنسان ، ارتقت إلى مستوى الصحبة ، فهناك خطر أن يسحبك إليه ، ارتقت إلى مستوى أعلى ؛ مستوى المودة والمخاللة ، هذا المستوى لابد من أن تطغى إرادة الصاحب الأقوى على الصاحب الأضعف ، فيجره إلى صفِّه ، يجرّه إلى ناديه ، يجره إلى مُعْتَقده ، يجره إلى سلوكه ، لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام :

((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

أيْ أخطر شيء في الحياة الاجتماعية اختيار الأصحاب ، إن اخترت صاحباً فاسد العقيدة من خلال جلساتٍ طويلة ، بث فيك سُمَّ عقيدته الفاسدة وأنت لا تدري ، وإن اخترت صاحباً من أهل الأهواء ، أقنعك بما هو عليه من انحرافٍ وضلال وأنت لا تدري ، فما دامت الصُحبة ارتقت إلى مستوى المُخاللة والمودَّة فأقوى الصاحبين يجر الطرف الآخر إلى ناديه لا محالة ، لذلك يجب أن تكون حذراً في اختيار الأصحاب ، لا تصاحب إلا مؤمناً ، لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله ، ويدلُّك على الله مقاله ، صاحب صحيح العقيدة ، صاحب مستقيم السلوك ، صاحب كريم الأخلاق ، صاحب المتصل بالله عز وجل ، لأنه يأخذ بيدك رويداً رويداً إلى ما هو عليه . هذا حديثٌ خطير :

((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

شاء أم أبى ، رضي أو لم يرض ، وفي حديثٍ آخر رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

(( إنما مثلُ الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المِسك ونافخ الكير ، فحامل المسك إما أن يحذيك - أيْ يعطيك- وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة ))

[ متفق عليه عن أبي موسى الأشعري]

أيْ أنَّ المؤمن إذا صاحبته - كيفما كانت علاقتك به - لابد من أن تسمع منه كلاماً طيباً ، لابد من أن تلقى منه معاملةً طيبة ، لابد من أن تلقى منه إيناساً ، إكراماً ، إقناعاً، رقياً ، كصاحب المسك ، إما أن يحذيك- يعطيك - وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة :

((... ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك ، وإما أن تجد منه ريحاً مُنتناً ))

لذلك أخطر ما في هذه الخطبة موضوع اختيار الأصحاب ، الإنسان له أشخاص فُرِضَ عليه أن يتعامل معهم بحُكْم العمل ، علاقات العمل لا تقرِّب ولا تؤخِّر ، ولا تبعدُ عن الله عز وجل ، علاقات العمل علاقاتٌ جادة ، وعلاقاتٌ موضوعية ، وعلاقاتٌ محدودة ، ولكن أخطر من هذا علاقات المُجالسة ، علاقات الصُحبة ، العلاقات الحَميمة ، العلاقات التي تعلو عن مستوى الصحبة إلى الخُلَّة والمواددة ، هذه علاقاتٌ تخترق خطوط دفاعك وأنت لا تدري ، تصل إلى صميم قلبك وأنت لا تشعر ، تقوَّض عقيدتك الصالحة وأنت لا تحس .
فلذلك أيها الأخوة كما يقول العوام : الصاحب ساحب .

لا تَسَأل عن الـمرء و اسـأل عن قرينه فإن القرين إلى المقارن ينسبُ
* * *

شروط الصحبة في الله :

أيها الأخوة الكرام ؛ موضوعٌ آخر في الحديث القدسي .

((وجبت محبتي للمتحابين فيّ ، والمتجالسين فيّ ، والمتزاورين فيَّ ، والمتباذلين فيَّ ))

[الترمذي عن أبي إدريس الخولاني]

قبل أن ننتقل إلى الفقرة الثالثة لابد من أن نؤكِّد على أن الصحبة في الله لها شروط - ودققوا فيها أيها الأخوة - ينبغي أن تكون هذه الصحبة ، وهذه الزيارة ، وهذا اللقاء ، وهذه النزهة في الله ، وابتغاء مرضاة الله ، ثانياً : ألا تشتمل على معصيةٍ لله ، فإن كانت فلا تقعُد معهم إطلاقاً ، وأن يتناصح الأصحاب والجلساء فيما بينهم ، وأن يتآمروا بالمعروف ، وأن يتناهوا عن المنكر ، وأن يتعاونوا على البر والتقوى ، وألا تكون هذه العلاقة الحميمة مدعاةً إلى الانحياز الأعمى نحو الأصدقاء ، بدل الانحياز إلى الحَق .
هذه الشروط إذا توافرت فلا بأس من العلاقات ، من اللقاءات ، من النداوت ، من السهرات ، من النزهات ، لأنها تقوّي إيمان المؤمن ، لكن إذا كان في هذا المجلس منكرٌ ، أو فيه معصيةٌ لله ، ولم يكن هناك تناصحٌ ، ولا أمرٌ بالمعروف ، ولا نهيٌ عن المُنكر ، ولا تعاونٌ على البر والتقوى ، وكانت هذه العلاقة مدعاةً إلى التعصُّب عندئذٍ الوحدة خيرٌ من الجليس السوء .

 

أفضل الأعمال الصالحة :

أيها الأخوة الكرام ؛ روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه بإسنادٍ حَسَن ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( من عاد مريضاً ، أو زار أخاً في الله ، ناداه منادٍ : أن طِبْتَ وطاب مَمْشاك وتبوَّأت من الجنة منزلاً ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

حديثٌ رواه الترمذي عن أبي هريرة بإسنادٍ حسن ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( من عاد مريضاً ، أو زار أخاً في الله ، ناداه منادٍ : أن طِبْتَ وطاب مَمْشاك وتبوَّأت من الجنة منزلاً ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

من أجل الأعمال الصالحة أن ترتدي ثيابك ، وأن تتوجَّه لزيارة أخ مؤمنٍ ، إكراماً له ، أو تمتيناً للعلاقة فيما بينك وبينه ، أو عيادةً له إذا كان مريضاً ، أو ناصحاً له إذا رأيته قد انحرف ، أو مستفسراً عن حاله

(( أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً ))

وقد روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه :

(( أن رجلاً زار أخاً له في قريةٍ أخرى ، فأرصد الله على مدرجته - أي على طريقه - مَلَكَاً ، فلما أتى عليه قال : أين تريد ؟ قال : أريد أخاً لي في هذه القرية . قال : هل لك عليه نعمةٌ تربُّها - أي تمتنها ؟ - قال : لا ، غير أني أحببته في الله ، فقال هذا المَلَكْ لهذا المؤمن : فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبَّك كما أحببته فيه ))

[مسلم عن أبي هريرة]

توجهت لزيارة أخٍ في الله ، ليس بينك وبينه علاقة ، ولا مصلحة ، ولا نَسَب ، ولا صفقة ، ولا شيء من هذا القبيل ، إنما توجَّهت إليه حباً له في الله ، فالله جلّ جلاله أرصد لهذا الأخ الزائر مَلَكَاً على مدرجته على شكل إنسان ، قال : أين تريد ؟ قال : أريد أخاً لي في هذه القرية . قال : هل لك عليه نعمةٌ تربُّها ؟ قال : لا ، غير أني أحببته في الله ، فقال الملك في صورة الرجل لهذا المؤمن :

((فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه ))

إذاً :

((وجبت محبتي للمتحابين فيّ ، والمتجالسين فيّ ، والمتزاورين فيَّ ....))

[الترمذي عن أبي إدريس الخولاني]

المواساة بِفُضُول المال :

بقي :

((...والمتباذلين فيَّ ))

[الترمذي عن أبي إدريس الخولاني]

روى الإمام البخاري عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام :

(( طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة ))

[البخاري عن أبي هريرة]

أي طعامك المحدود إذا ابتغيت أن تطعم منه أخاً فهو يكفي هذا الأخ الزائد .

(( طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة ))

[البخاري عن أبي هريرة]

وقد روى الإمام مسلمٌ في صحيحه ، عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

(( طعام الواحد يكفي الاثنين ، وطعام الاثنين يكفي الأربعة ، وطعام الأربعة يكفي الثمانية ))

[مسلمٌ عن جابر بن عبد الله]

وروى مسلمٌ أيضاُ عن أبي سعيد الخِدْرِيّ رضي الله عنه قال :

(( بينما نحن في سفرٍ مع النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ جاء رجلٌ على راحلة له ، فجعل يصرف بصره يميناً وشمالاً ، فقال عليه الصلاة والسلام - أدرك محتاجاً إلى طعام -: من كان معه فضل ظهرٍ- أي دابة - فليعد به على من لا ظهر له ، ومن كان معه فضل زادٍ فليعد به على من لا زاد له ، فذكر من أصناف المال ما ذكر ، حتى رأينا أنه لا حق لأحدٍ منا في فضلٍ عنده ...))

[مسلمٌ عن أبي سعيد الخدري]

محبة الله أثمن ما في الوجود :

أيها الأخوة الكرام ؛ عودٌ على بَدْء . . روى الإمام مالك عن معاذ بن جبل ، بإسنادٍ صحيح قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول : يقول الله عز وجل :

((وجبت محبتي ....))

[الترمذي عن أبي إدريس الخولاني]

وجبت محبة الله ، ومحبة الله أثمن ما في الوجود ، إن نلتها نلت كل شيء ، وإن لم تنلها لم تنل شيئاً . .

((وجبت محبتي للمتحابين في ، والمتجالسين في ، والمتزاورين في ، والمتباذلين فيَّ ، والمتحابون في جلالي على منابر من نور ، يغبطهم عليها النبييون والشهداء ))

وإن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله . قالوا : يا رسول الله تخبرنا من هُم ؟ قال : قومٌ تحابوا بروح الله على غير أرحامٍ بينهم ، ولا أموالٍ يتعاطونها ، فوالله إن وجوههم لنور ، وإنهم لعلى نور ، ولا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس ، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية :

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة يونس : 62]

هذه الخُطبة حول محبة المؤمنين ينبغي أن تترجم إلى وقائع ، وإلى ممارسات، وإلى سلوك ، وإلى أفعال لا أن نبقى في الأقوال ، الأقوال لا تنفعنا ، هذا العلم الذي لا يطبَّق حُجَّة على صاحبه ، يزداد حسابه يوم القيامة ، أما إذا طبِّق فكان نعمةً عظمى ، ينبغي أن تعامل إخوتك المؤمنين في الحد الأدنى ، إخوتك المؤمنين كما تعامل نفسك ، ينبغي أن تحبَّهم ، ينبغي أن تجالسهم ، ينبغي أن تبذل لهم ، ينبغي أن تنصحهم ، ينبغي أن تكون وإيَّاهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .

* * *

الخطبة الثانية :

أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

العلاقات التي حرَّمها الله سبب لكثير من الأمراض الفتاكة :

أيها الأخوة الكرام ؛ إذا أردت أن تبرز شأن الإسلام فهناك طرقٌ كثيرة ، من هذه الطرق أن تبرز الأخطار الوبيلة التي تعانيها المجتمعات غير الإسلامية ، التي تحللت من قيود الشرع ، ومن قيود الأخلاق .
رويت لكم في خطبٍ سابقة قصتين عما تعانيه المجتمعات الغربية من انحلالٍ ومن أمراض لا قِبَلَ للمجتمع البشري بتحملها ، وقد قرأت قصةً جديدة في إحدى الصحف اليومية ، أقرأ لكم بعض التفاصيل لأن فيها موعظةً بالغة ، تقول هذه القصة : قبل سنواتٍ عِدَّة سافرت إحدى السيدات السوريّات ، البالغة من العمر خمسين عاماً ، لإجراء عملٍ جراحيٍ في بلدٍ أجنبي ، برفقة ابنها البالغ من العمر اثنتين وعشرين سنةً ، وقد اصطحبت معها ولدها هذا ليقدِّم لها ما تحتاج من مساعدةٍ ، وتأمين دخولها المشافي ، ومسائل السفر والعناية بها في المَشفى ، وقد اصطحبت السيدة ابنها لكونه الأصغر والذي يحظى بمحبَّتها الخالصة ، وبعد أن دخلت المستشفى وفي أثناء تنفيذ العمل الجراحي لها ، الذي كان يتلخص باستئصال أحد أعضائها ، ونتيجةً للنزف الشديد الذي حصل لها ، اضطر الأطباء لإعطائها كميةً من الدم ، وكانت زمرة دم السيدة نادرة ، ولا يوجد منها في المشفى ، وتحت إصرار الابن وإلحاحه ، ونتيجةً لحال أمه المريضة وافق الأطباء على سحب كميةٍ من الدم لأمه ، ونجح العمل الجراحي بنسبةٍ كبيرة . لكن بعد عودة الأم وابنها إلى الوطن بدأت تشكو من آلامٍ عديدة في مختلف أنحاء جسمها ، ومن التهاباتٍ مختلفة ، واختلاطاتٍ مرضية ، وقد عالجها العديد من الأطباء دون جدوى .
لكن أحد الأطباء أثار انتباهه عدم استجابة الأم لكل أنواع الأدوية التي أُعطيت لها ، وعدم تسجيل أي تقدّمٍ في حالتها الصحية ، فطلب منها إجراء فحصٍ للدم في أحد مشافي وزارة الصحة ، دون أن يُعْلِمها أن الفحص المطلوب هو للتحري عن فيروس الإيدز في الدم ، وكانت الصاعقة بعد ظهور نتيجة التحليل التي أكَّدت أن الأم مصابةٌ بالإيدز ، وكالعادة تمّ استجلاء الأمر من قبل الجهات الصحية بهدف التحري والحؤول دون انتشار العدوى لأشخاصٍ آخرين ، فتبين نتيجةً لاستجواب السيدة أنها من الأمهات العفيفات المحترمات الديِّنات ، ولم تعرف طوال حياتها أي علاقة إلا مع زوجها المتوفى ، ولا تعرف من المخدرات إلا الاسم ، وخلال سردها لبعض مفردات حياتها ، وقف الأطباء والمعنيون في الصحة عند مسألة نقل الدم من الابن إلى الأم ، فكان القرار بإجراء تحليل دمويٍ للابن فوراً ، وكانت النتيجة أنه مصابٌ بفيروس الإيدز ، وقد ذكر الابن أثناء سرد بعض مفردات حياته أنه أقام علاقةً مع بعض بنات الهوى خلال وجوده في البلد الغربي أثناء معالجة أمه .
وقال الأطباء : إن الشاب عندما علم أنه نقل فيروس الإيدز إلى أمه في أثناء تبرّعه بالدم لها ، وأنه أعطاها الموت الزؤام والسُم القاتل ، بدلاً من مساعدتها على الحياة والشفاء ، انهار باكياً وضرب نفسه ورأسه بالحائط ، وبدأ يجهَش كالأطفال ويلعن نفسه ويقول : إني مستعدٌ لأن أفدي أمي بحياتي وكل ما أملك ، إنها أمي وحياتي . ولكن كيف له وقد صعب على العلم أن يبحث عن علاجٍ لهذا المرض ؟ وبعد شهورٍ عدة من إصابة الأم بفيروس الإيدز اشتد مرضها ، واستفحل هذا الفيروس فتكاً في دمها ، وكل أنحاء جسمها ، وفارقت الحياة . وقد قال بعض معارفها أنها كانت تقول أثناء مرضها : سامح الله ولدي . وكانت دموعها لا تنقطع ، وتدعو الله له بالشفاء ، الابن اليوم حالته صعبةٌ جداً ، وخطيرةٌ جداً ، وقد استوطنت الأمراض جسده وخاصةً السرطانات ، وهو يصارع الموت حالياً ، ويكرر قوله باستمرار : لقد قتلت أمي بسبب نزوتي . هذه قصةٌ ثالثة تنشرها الصحف اليومية عن العدوى بهذا المرض .
أيها الأخوة الكرام ؛ يؤكد الأطباء أن هذا الفيروس أخطر مرضٍ تعرَّضت له البشرية منذ وجود الخليقة ، وحتى الآن لم يكتشف له دواءٌ ولا مَصْلٌ ضاد ، رغم مليارات الدولارات التي تنفقها مراكز البحوث العلمية في العالم ، ورغم الجهود الدؤوبة من قِبَل العلماء والباحثين ، وهناك فريقٌ من العلماء يقول : إن جميع الجهود العلمية لا يمكن أن تتوصل إلى عقارٍ ضد هذا المرض ، لكون هذا الفيروس يندمج في خلايا الجسم المناعية ، ويأخذ شكلها ، فهو يدمرها أولاً بأول ، لذلك تجنُّب طُرُق العدوى لحصر هذا المرض .
الشيء الذي نشكر الله عليه أن العلاقات علاقات العمل ، والعلاقات الاجتماعية لا تكون سبباً لنقل هذا المرض ، إلا العلاقات التي حرَّمها الله ، العلاقات التي حرمها الله هي التي تنقُل هذا المرض ، وهذا المرض مما قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم :

(( لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعملوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ))

[أخرجه البزار عن عبد الله بن عمر ]

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018