الخطبة : 0464 - الوقاية من الإيدز1- لا ينتقل هذا المرض إلا في العلاقات المحرّمة ونقل الدم الملوث - حالة المصاب. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0464 - الوقاية من الإيدز1- لا ينتقل هذا المرض إلا في العلاقات المحرّمة ونقل الدم الملوث - حالة المصاب.


1993-12-17

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أصْل المرض خروج عن منهج الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أُقيمَ في قطرنا أسبوع لِمُكافحة مرض الإيدز ، وقد تمنَّتْ وزارة الأوقاف على خطباء المساجد أن يُخَصِّصوا خُطبةً عن هذا المرض الفتّاك وطرق الوقاية منه .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ بادئ ذي بدء يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

[ سورة الشعراء : 78-80]

 الذي يلفتُ النّظر في هذه الآية أنّ المرضَ عُزِيَ إلى الإنسان ، وإذا مرِضْتُ ، لمْ يقل الله عز وجل : وإذا أمْرضني فهو يشفين ، اسْتنبط علماء التفسير أنّ أصْل المرض خروج عن منهج الله عز وجل .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ من دلائل نبوّة النبي عليه الصلاة والسلام ما رواه ابن ماجه والبزار والبيهقي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :

((يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ ؛ لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))

[ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 الفاحشة انْتشرَت وتفاخر الناس بها ، انتشار الفاحشة مع المُباهاة بها ، وهذه الخَصل أيّها الأخوة كلُّ خَصْلةٍ منها تحتاج إلى خُطبٍ طويلة ، ولكن نكتفي بالفقرة الأولى :

(( لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ ))

[ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

  أيها الأخوة الكرام ؛ معنى أنّ هذا الحديث من دلائل النبوّة أنّ الله عز وجل هو الذي أعلم نبيَّهُ بما سيَكُون ، أما أن يعلم النبي بِذاتِهِ ما سيَكُون فهذا مُستحيل ، لأنّ الله سبحانه وتعالى :

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الجن : 26]

 لا يعلم الغيب إلا الله ، ولكن هذا من إعلام الله للنبي عليه الصلاة والسلام ، ومن دلائل نبوّته صلى الله عليه وسلّم .

 

الفرق بين الحياة الطيبة و المعيشة الضنك :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ قال تعالى :

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 والحياة الطيّبة بِكُلّ معانيها تَشْملُ سلامة الجسم ، وسلامة العقل ، وسلامة النّفس، وسلامة العلاقات ، وطُهْر العلاقات ، وطُهْر البيت ، وطُهر الحركة ، هذا مِمّا تعنيه الآية الكريمة :

﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

 وبالمقابل قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾

[ سورة طه : 124]

 ما العلاقة بين الإعراض عن ذِكر الله والمعيشة الضّنك التي توعّده الله بها ؟ العلاقة أيّها الأخوة أنّه من أعرض عن ذِكر الله أعْرض بالتالي عن منهجه ، ومن أعرضَ عن منهج الله عز وجل ، وتحرَّك في الدنيا بحَسب ما تُمليه عليه شهواتهُ وقعَ في شرّ أعماله ، لأنّ منهج الله عز وجل مِن عند الصانع الحكيم ، ومن عند الخبير ، ومن عند العليم ، ومن عند الربّ الرحيم ، فمن خرج عن منهج الله فقد وقع في شرّ أعماله ، فلذلك ما من مشكلةٍ تُعاني منها الإنسانيّة على الإطلاق إلا بِسَبب خُروجٍ عن منهج الله ، وارتِكابٍ للمعاصي ، وما من خروج عن منهج الله ، وارتِكابٍ للمعاصي إلا بِسبب الجهل الذي هو أعدى أعداء الإنسان .
 أيها الأخوة الكرام ، يجب أن تعلموا أنّ عدوّكم الأوّل هو الجهل ، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعِلْم ، وإذا أردتَ الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معًا فعليك بالعلم .

 

الشهوات حيادية إنها سلم نرقى به أو دركات نهوي بها :

 شيءٌ آخر أيها الأخوة هو أنّ هذه الشهوات التي أوْدعها الله فينا هي شهواتٌ حِيادِيَّة ، إنّها سُلّمٌ نرقى به إلى أعلى عِلِيِّين ، أو دركات نهْوي بها إلى أسفل سافلين ، من المُمْكن أنّ هذه الشّهوة الجِنسيّة التي أوْدعها الله في الرجل أن ترقى به إلى أعلى الدرجات ، إذا سلكَ فيها القناة النظيفة التي رسمها الله عز وجل ، فالشَّهوات نرقى بها مرّتين ؛ مرّةً صابرين ، ومرّةً شاكرين ، إذا قمَعْنا أنفسنا عن الذي لا يُرضي الله عز وجل ارتقينا إلى الله صابرين ، فإذا سمَحْنا لأنفسنا ما سُمح لنا في الشّرع ارتقَينا شاكرين ، لو أنّ الإنسان غضّ بصرهُ عن محارم الله ، وفي نفسه رغبةٌ شديدة أن ينظر ارتقى إلى الله صابرًا ، فإذا نظر إلى من تحِلُّ له ارتقى إلى الله شاكرًا ، فهذه الشهوات أيّها الأخوة كما كنتُ أمثِّلُ دائمًا هي كالوقود السائل إذا وُضِعَ في مستودعاته المحكمة ، وسار في الأنابيب المحكمة ، وانفجر هذا الوقود في المكان المناسب ، وفي الوقت المناسب ولَّد حركةً نافعة تنقلُكَ أنت وأهلك إلى مصيفٍ جميل ، أما إذا خرج هذا الوقود عن مساره ، وأصابتْ المركبةَ شرارةٌ ، أحْرقَ المركبة ومن فيها ، تلكم هي الشهوات ؛ قِوَى محرِّكة ، أو قِوى مُدمِّرة ، فإذا اتَّقينا الله فيها ارتقَينا بها إلى ربّ الأرض والسماء ، هل من سعادةٍ تعُمُّ قلبَ الرّجُل من أن يرى له أولادًا صالحين ، وبناتٍ صالحات ، وأزواج لِبناته صالحين؟ هذه العلاقات الأُسريّة التي تتنامى ، والتي تزيدُ وشاجةً ، وتمكُّنًا ، والتي تُضفي على الأسرة سعادةً لا توصف ، إنَّها عن طريق هذه الشهوة التي أوْدعها الله فينا ، وهل ترى امرأةً ضائعةً في الطريق أمْضَتْ شبابها من إنسانٍ إلى آخر ثمّ أُلْقِيَت كالشيء التافه الحقير ؟
 أيها الأخوة الكرام ، السعادة كلّ السعادة ، والفَوْز كلُّ الفوْز ، والنجاح كلّ النجاح، والتّفوُّق كلّ التفوُّق في طاعة الله ، والشقاء كلّ الشقاء ، والهلاك كلّ الهلاك ، والنَّدم كلّ النّدم ، في معصية الله عز وجل .

المرض الذي تُسبِّبُه الشهوة المنحرفة عِقابٌ إلهي عاجل لِمَن لمْ يخْشَ ربَّه :

 ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن : 46]

 بعض المفسّرين قالوا : جنّة في الدنيا ، وجنّة في الآخرة ، ولعلماء الأصول قاعدةٌ لطيفةٌ جدًّا ، هذه القاعدة هي المعنى المخالف : إذا كان لِمَن اتَّقى ربّهُ جنَّتان ، جنّة في الدنيا ، وجنّة في الآخرة ، إذًا لِمَن عصى ربّه جهنَّم ؛ جهنّم في الدنيا ، وجهنّم في الآخرة ، جهنّم الدنيا هذه الأوْبِئة ، وتلك الأمراض الفتّاكة التي تجعل حياة الإنسان جحيمًا لا يُطاق بِسبب معصِيَة الله عز وجل ، والأمراض التي سببها الانحراف الأخلاقي ، هناك أمراضٌ هي من قضاء الله وقدره ، هذه يرقى الإنسان بها ، أما هذا المرض الذي تُسبِّبُه تلك الشهوة المنحرفة فإنَّه عِقابٌ إلهي عاجل لِمَن لمْ يخْشَ ربَّه ، ولم ينْه نفسه عن الهوى .
 أيها الأخوة الكرام ، من أشدّ ما يعجب الإنسان له أنّ العالم كلّه الآن يبحثُ عن مَصْلٍ مُضادّ لهذا الفيروس ، ويُوظِّف من أجل هذا بلايين الدولارات ، وما سمعتُ من جهة محترمةٍ كلامًا يدْعو إلى العفّة ، لو أنّ مدينةً تشربُ ماءً ملوَّثًا فانتشرَتْ بها الأمراض والأوْبئة ، فما كان من أولي الأمر إلا أن أرسلوا الأطبّاء إلى جهات غربيّة لِيَسْتقوا وسائل العلاج ، ولِيَأتوا بالأجهزة ، وأجهزة التحليل ، أليس من الأجدى أن نمنع هذا الماء الملوّث ؟ أليسَ الحلّ بالعِفَّة ؟ أليسَ الحلّ بالاستقامة على أمر الله ؟ أليسَ الحلّ بِتَطبيق ما سمح الله به وما أمر به ؟ أليسَ الحلّ بالعَودة إلى الفِطرة السليمة ؟
 أيها الأخوة الكرام ، الحلّ في أيدي الناس جميعًا في شتَّى بِقاع الأرض ؛ أن يعودوا إلى منهج الله ، إما مُقْتنِعين أو مُضطرِّين ، هناك مجتمعات الآن حرَّمَت الخمر لا إيمانًا بدِين الله ، ولكن اضْطرارًا لِدَرء المخاطر الجاثمة على مجتمعاتهم ، إذًا قد يعود الإنسان إلى الله قانعًا ، وقد يعود إلى منهج الله مضطرًّا ، وكأنِّي بالعالم اليوم سوف يضْطرّ شاء أم أبى إلى أن يعود إلى منهج الله وِقايةً له من هذه الأمراض الفتاكة .

 

حاجة المرء اليوم إلى حماية نفسه وأهله من التأثيرات السَّلبيّة للحضارة الغربيّة :

 أيها الأخوة الكرام ، طبيعة العالم اليوم لها صورة خاصّة ، فهذه الوسائل الراقِية جدًّا في الاتِّصالات ، وفي المواصلات ، جعَلَتْ العالم قريَةً صغيرة ، لذلك الأمراض تنتقل ، والثقافات تنتقل ، والضلالات تنتقل ، والأوْبِئَة تنتقل ، لأنّ العالم أصبح كالقرية الصغيرة بِسَبب رُقيّ وسائل الاتِّصالات والمواصلات ، إذًا الأمراض الفتاكة في بلدٍ يمكن أن تنتقل إلى بلدٍ آخر بِسُرعة عجيبة ، الضلالات تنتقل ، والثقافات تنتقل ، والانحطاطات تنتقل ، لذلك إذا كان المرءُ المسلم في الأيّام الغابرة يحتاج إلى أن يقيَ نفسه وأهله مضرّة ، فهو اليوم يحتاج إلى أن يقِيَ نفسهُ وأهله ألف مرّة من شِدّة التأثيرات السَّلبيّة للحضارة الغربيّة .
 أيها الأخوة الكرام ، الذي يلفتُ النّظر في هذا المرض ، وأنا لا أتحدّث باخْتِصاص إنّما بمَعلوماتٍ بسيطة يعرفها كلُّ الناس ، هذا المرض الوبيل الخطير لا ينتقل في العلاقات البريئة أبدًا ، ولا في العلاقات التي سمح الله بها ، ولا في العلاقات التي أقرَّها الشَّرع ، هذا المرض الوبيل الخطير لا ينتقل إلا في العلاقات المحرّمة ، إلا في العلاقات الشاذّة ، إلا في العلاقات التي يهتزّ لها عرشُ الرحمن ، هذه الأمراض لا تنتقل إلا في بُؤر المعاصي ، هذه الأمراض لا تنتقل إلا في مجتمع الانحطاط والتخلّف ، إلا في مجتمع الانحلال ، لذلك شيءٌ آخر يلفتُ النّظر وهو أنّ البعوضة لو لدَغَت إنسانًا مُصابًا بِمَرض الإيدز ، وأدْخلَت خرطومها إلى دمه ، وسحبَت من دمه ما تشاء ، ثمّ انتقلت إلى إنسانٍ صحيح لم يُصب بهذا المرض ، المرض لا ينتقل عن طريق البعوض ‍‍، مع أنّ المنطق والعقل يقول : ينبغي أن ينتقل ، لا ينتقل هذا المرض إلا في العلاقات المحرّمة ، طبعًا وعن طريق نقْل الدّم الملوّث .

 

اتباع منهج الله السبيل الوحيد للوقاية من الأمراض الفتاكة :

 أيها الأخوة الكرام ، الإحصاءات التي بين أيدينا عن هذا المرض أنا أجْزم أنّها غير صحيحة ، لأنّ طبيعة هذا المرض ، وما يُسبِّبُ لِصاحبهِ من خِزْيٍ وعار ، يدْفعهُ إلى كِتمان مرضه ، فالإحصاءات التي بين أيدي المسؤولين عن الصحّة في كلّ أقطار العالم هي إحصاءات خُلبيَّة ، المرض أخطر بِكثير ، فهناك من يقول : هناك عشرون مليون إنسان مصاب في العالم ، وأنّه في كلّ دقيقة يموت إنسانٌ بهذا المرض ، وأنّ هذا المرض بِكُلّ صراحةٍ، وبِكلّ وُضوح ، ومن دون مواربةٍ لمْ يصِل الإنسان له حتى الآن إلى شيءٍ يَحدُّ من انتشاره ، بل إنّ الأغرب من ذلك هو أنّ بعض مرضى الإيدز حينما فُحِصَت دماؤُهم تبيَّن أنّ الإجابة أو النتيجة كانت سَلبِيّة وليْسَت إيجابيّة ، مع أنّ كلّ علائم المرض فيهم ، فاسْتنبط العلماء أنّ لهذا الفيروس طوائف كثيرة ، وسُلالات كثيرة ، وأنّ كلُّ هذه الجُهود المضْنيَة التي تأنّت لها البشريّة إنّما كانت مُوجَّهةً لِنَوعٍ واحد من هذه الفيروسات ، وهناك أنواع منوّعة أخرى لا سبيل لِحَصرها ، لذلك الطُّرق للبحْث عن مَصْلٍ يقي الإنسان وهو مُقيمٌ على شهواته يكادُ يكون هذا الطريق مسْدودًا ، فلا بدّ من اتِّباع منهج الله عز وجل ، طبعًا أنا لا أُخاطبُكم أنتم ، فأنتم من رُوَّاد المساجد ، وأنتم من المؤمنين الطيِّبين إن شاء الله تعالى ، ولكن أُخاطب فيكم الأب ، وأُخاطب فيكم من كان وليًّا لأمر بعض الناس ، لأنّ الإنسان أيها الأخوة إذا شَقِيَ أولادهُ شقيَ بِشَقائهم ولو كان من أرقى الناس ، ومهمّة الأب اليوم خطيرةٌ جدًّا ، ينبغي أن يبْذل من وقته الجزء الكبير لِرِعايَة أولاده ، ولِضَبْط حركاتهم وسكناتهم ، ولِمعرفة عقائدهم وانتِماءاتهم ، ولِمَعرفة أصدقائهم وأماكن تواجدهم ، لأنّ الأب الذي يفرّط في تربية أولاده يدْفعُ الثّمن باهظًا جدًّا ، وربّما شقي الأب بِشَقاء أولاده .

معرفة حدود الله عز وجل تمنع الإنسان من المعصية :

 أيها الأخوة الكرام ، المشكلة اليوم في حامليّ هذا المرض ، قد يبقى هذا الفيروس في الإنسان عشر سنين دون أن يُعلنَ عن وُجوده ، وأنَّ هذا الإنسان يبْدو في أتمّ حالات الصحّة، وهو يحملُ هذا المرض ، إذًا أيَّة علاقة مع هذا الإنسان ، أساسها نقْلُ سوائله إلى الإنسان الأوّل ، إنّها تُسبّب هذا المرض ، فلذلك أيّها الأخوة ينبغي أن يبتعد المؤمن عن غير المؤمنين ، ينبغي أن يبتعد عنه لأنّ مظنّة الخطر قائمةٌ ، ولأنّ مظنّة الذي يقعُ في انحرافات هو مظنّة أنّه يحملُ هذا المرض .
 قبل عدَّة أشهر ألْقيْتُ على مسامعكم من على هذا المنبر ثلاث قصص نشرتها صُحفٌ يوْميَّة ، القصّة الأولى عن موظَّف انتقل إلى بلدٍ أجنبي بِمُهمَّة رسْميّة ، وقد زلَّتْ قدمُه هناك ، وعاد إلى بلده بعد أشهر ، ومعه الهدايا التي يوزّعها على زوجته وعلى أولاده ، ولكن كان قد أُصيب بهذا المرض فنقله إلى زوجته ، ولابنه الذي أنجبهُ بعد إصابته بهذا المرض ، ثمّ زوَتْ زوجته ، وظهرَت عليها أعراض المرض ، فكادَ يتقطَّعُ قلبهُ أسفًا من أقوالها قبل أن يموت، تمنَّى أن يملك أموال الدنيا بأكملها ، ويدفعُ هذه الأموال ليُنقذ هذه المرأة التي لا ذنب لها بهذا المرض ، وينقذ ابنته التي أنجبها بعد إصابته بهذا المرض ، وبعد حينٍ مات هو حتْف أنفه ، وماتت زوجته ، وماتتْ ابنتهُ ، وبقيَ ابنه الذي أنجبهُ قبل المرض يتيم الأم والأب ، هذه القصّة ألقيتها على مسامعكم من على هذا المنبر .
 وقصّة أخرى ألقيتها بعد أسبوعَين ، عن امرأة ذهبت إلى بلاد الغرب لِتُعالجَ وتُجرى لها عمليّة جراحيّة ، وقد زلّتْ قدمُ ابنها الذي يرافقها ، فلمَّا احتاجَت إلى كميّة من الدّم أعطاها ابنها من دمه ، وحينما عادت إلى بلدها ظهرت عليها علائم خطيرة ، وهي امرأة مُحافظةٌ من أُسرةٍ متديِّنةٍ فلمّا حُقّق معها قالت : أنا لا أعرف إلا زوجي ، فلمّا ضُيّق عليها عُرف أنّ ابنها أعطاها الدم والمرض ، وحينما علم ابنها أنّه سبب موت أمّه كاد يتقطّع ألمًا .
ورَوَيْتُ لكم قصّة ثالثة ، إنّ بعض الصُّحف اليومية كانت تنشر مثل هذه القصص عن التَّدمير الشامل الذي ينتهي هذا المرض بِصَاحِبِه .
 أيها الأخوة الكرام ، طبيبٌ صديق ذكر لي أنّ امرأةً أخرى ذهبَت إلى بلدٍ غربي لِتُجْرى لها عمليّة أُعْطيَت دمًا مُلوَّثًا ؛ انتبِهوا ! انتبهوا قبل أن تتَّخِذوا قرارًا بإرسال أقاربكم إلى بلد غربيّ إذا كانوا يحتاجون إلى دمٍ ، هذا الدّم قد يكون ملوّثًا ، وقد يعود بالشرّ الوبيل على الأسرة بأكملها .
 أيها الأخوة الكرام ، في دمشق الشام حدثَتْ حادثة ذكرها لي أحد المسؤولين عن الشرطة ، قال لي : سائقُ تاكسي اسْتَوْقفتْهُ امرأة فلمّا ركبَت السيارة قالتْ له : خُذْني إلى أيّ مكانٍ تشاء ، فَهِمَ مُرادها ، ولمّا انتهى الأمر أعْطتْهُ رسالةً ، وظرفًا ، في الرِّسالة كلامٌ تقول فيه: مرحبًا بك في نادي الإيدز ، ومع الظّرف مبلغٌ من المال من العملة الصعبة ، فلمّا ذهبَ ليصرفهُ أُلقيَ القبض عليه بِتُهمة تداوُل العملة الصعبة .
 أيها الأخوة الكرام ، يقول الإمام عليّ كرَّم الله وجهه : " العلم خيرٌ من المال لأنّ العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والمال تنقصُه النّفقة ، والعلم يزْكو على الإنفاق " لو أنّ هذا الإنسان يعرف حدود الله عز وجل لامتنع عن هذه المعصيَة ، ولحمى نفسهُ من هذا المرض العضال .
 رجلٌ آخر ذهب إلى بلدٍ غربيّ ، وفي الفندق زلَّت قدمهُ ، اسْتيقظ صباحًا وقد كُتب على المرآة : مرحبًا بك في هذا المرض ، وما كان منه إلا أن انتحر من شدّة الألم !!

 

ضرورة رعاية الأولاد و توعيتهم و مراقبة علاقاتهم :

 هناك حالات نعوذ بالله منها أسبابها المعاصي ، فإذا أردنا أن نقي أنفسنا وأهلينا ، لا تنسَوا أيّها الأخوة أنّ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾

[ سورة التحريم : 6]

 الآباء الآن مُطالبون من أيّ وقتٍ مضى أن يرْعَوا أولادهم ، وأن يُوجِّهوا أولادهم ، أن يأتوا بهم إلى المساجد ، أن يعلِّموهم ، أن يثقِّفوهم ، أن يبصِّروهم ، أن يراقبوا تحرُّكاتهم وعلاقاتهم وأماكن ذهابهم ومجيئهم .
 أيها الأخوة الكرام ، أكثر السائحات اللاتي يأتين من بلاد شرقيّة أكثرهنّ مُصابات بهذا المرض ، فيا أيها الأخوة ينبغي أن تكون هذه الحقائق بين أيديكم ، وينبغي ان تُبلِّغوها أولادكم ، ينبغي أن تجلسوا مع أهلكم جلساتٍ طويلة لِتَوعيَتِهم من مغبَّة الاختلاط بأهل الانحراف والمعصيَة .
 أيها الأخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

حالة المصاب بمرض الإيدز :

 أيها الأخوة الكرام ، يقول علماء نفس هؤلاء المرضى : إنّ الذي يُصاب بهذا المرض تتولَّد في نفسه رغبةٌ شديدة لا توصَف في نشْر هذا المرض في أكبر عدد ممكن من الناس ، لذلك تجدُ المرأة المُصابة بهذا المرض تعْرضُ نفسها بأتفه الأثمان من أجل أن تُغْوِيَ شابًّا ، أو أن توقِعَهُ في حبائلها وحبائل هذا المرض ، هذه حقيقة ، الذي يُصاب بهذا المرض يتمنى أن يُصاب الناس جميعًا ، لذلك المؤمن يأوي إلى الكهف ، وكهفُه بيته ، وكهفهُ مسجده ، فلعلّ الله سبحانه وتعالى ينشر له من رحمته ، ويهيئ له من أمره رَشَدًا .
 أيها الأخوة الكرام ، طوبى لِمَن وسِعَتْهُ السنّة ، ولمْ تسْتهوِهِ البدعة ، طوبى لِمَن جعل علاقاته مع إخوانه المؤمنين النظيفين الطيِّبين الطاهرين ، اجْلِسْ معهم ، وتذاكر العلم معهم ، اقرأ القرآن معهم ، وامْحضّهم كلّ وُدّك ، قال تعالى :

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾

[ سورة هود : 113]

 أيها الأخوة الكرام ، نحن في أمسّ الحاجة إلى الحميَة الاجتماعيّة لأنّ المجتمع إذا فسد كأنّه حقْل ألغام ، في أيّة لحظة ينفجر لغمٌ وأنت لا تدري ، لغم مرضٍ عُضال ، لغم علاقة مشبوهة ، لغم تورّط لا قِبَل لك به ، إذًا من علامات عقل المؤمن أن يتجنّب الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يأوي إلى كهف ربّه ؛ إنْ في مسجده ، وإن في بيته ، وأن يجعل علاقاته نظيفةً طاهرة حتى يسعد في الدنيا والآخرة .

 

العلاقة بين الطاعة ونتائجها و بين المعصية و نتائجها علاقة علميّة :

 أيها الأخوة الكرام ، حقيقة أضعها بين أيديكم ، وهي أنّ العلاقة بين الطاعة وبين نتائجها علاقة علميّة ، أي علاقة سبب بِنَتيجة ، وأنّ العلاقة بين المعصية وبين نتائجها علاقة علميّة ، أي علاقة سبب بِنَتيجة ، وأنّ الإنسان إذا انطلق من حبِّه لذاته ، ومن حرصه على وُجوده ، ومن حرصه على سلامة وُجوده ، ومن حرصه على كمال وُجوده ، ومن حرصه على استمرار وُجوده . لا بدّ من أن يعرف الله ، ولا بدّ من أن يعرف منهج الله ، ولا بدّ من أن يعرف الحلال والحرام ، ولا بدّ من أن يعرف الحقّ والباطل ، وما يجوز وما لا يجوز ، وما ينبغي وما لا ينبغي ، وما هو مَسموحٌ له ، وما هو ممنوع عنه ، وإلا يعيش الإنسان كالبهيمة ، وكالدابة الجموح ، لا يعي على خير .
 أيها الأخوة الكرام ، من هنا كانت صلاة الجمعة عبادةً تعليميّة ، ومن هنا كان حُضور مجالس العلم يُنجي الإنسان من هلاك الدنيا ، ومن شقاء الآخرة .
 أيها الأخوة الكرام ، اُطلبوا العلم ولو بالصِّين ، كن عالمًا ، أو متعلِّمًا ، أو مستمعًا ، أو محبًّا ، ولا تكن الخامسة فتهلك ، ما من عدوٍّ أخطر علينا من الجهل ، اعْرِف ما لك وما عليك ، وما ينبغي وما لا ينبغي ، ما يجوز وما لا يجوز ، اعرف حكم الله في كلّ شيء، ما حكم الله في هذا الشيء ؟ أحلالٌ أم حرام ؟ أمكروهٌ كراهة تحريمية أم تنزيهيّة ؟ أمحرّم حرمة قطعيّة أم مندوب أم مستحبّ ؟ أحلال أم مباح أم واجبٌ أم فرض ؟ ينبغي أن تعلم لكلّ شيءٍ حكم الشرع فيه ، كي تسير على هدى .
 أيها الأخوة الكرام ، هذا الأعرابي الذي جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال : يا رسول الله عظني ولا تطل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : قل آمنت بالله ثمّ استقم ، فقال هذا الأعرابي : أريد أخفّ من ذلك - كما يقول الناس اليوم ؛ هذا تزمّت يا أخي !! وهذه شدّة ما أنزل الله بها من سُلطان ، تدعوه إلى طاعة الله الثابتة والقطعيَّة الدلالة ، تدعوه إلى حكم الله القرآني ، يقول لك : هذا تزمّت - هكذا قال الأعرابي ، فقال عليه الصلاة والسلام : إذًا اسْتعدّ للبلاء ، إذا رأيت هذا التكليف شديدًا ، اسْتعدَّ إذًا للبلاء ، هذا هو البديل ، وهذا هو الكلام الدقيق ، إما أن نستقيم على أمره ، وإلا فلْنستعِدّ للبلاء ، ، إما أن نستقيم على أمره ، وإلا فلْنستعِدّ للشقاء ، إما أن نستقيم على أمره ، وإلا فلْنستعِدّ للتفرّق ، والضَّعْف ، إذا هان أمر الله علينا هُنَّا على الله ، وإذا رخص لحْمُ النّساء عندنا ارتفع لحم الضأن ، وإذا قلّ ماء الحياء في وجوهنا قلّ ماء السماء ، هكذا فعْلُ الله عز وجل :

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾

[ سورة الجنّ : 16]

 وقال تعالى :

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ سورة الأعراف : 96]

 قال تعالى :

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾

[ سورة نوح : 10-14]

 إذا هان أمر الله علينا ، هان علينا أن نعصِيَهُ ، هانَ علينا أن نتجاهل حكم الشرع ، هان علينا أن نقع في مخالفات كثيرة ، هان علينا أن ندع فرائضهُ ، هان علينا أن ندع ما أمرنا به النبي عليه الصلاة والسلام ، إذا هان أمر الله علينا هنّا على الله ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي بدأتُ به الخطبة والذي يُعدّ من دلائل نبوّة النبي صلى الله عليه وسلّم ، روى ابن ماجه والبزار والبيهقي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال :

((يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ ؛ لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))

[ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018