الخطبة : 0771 - شهر القرآن. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0771 - شهر القرآن.


2000-12-15

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيّته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظر أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهم صلّ وسلم و بارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومَن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، و انفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علماً، وأرِنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

وصف القرآن الكريم في الكتاب و السنة :

 أيها الأخوة المؤمنون، شهر رمضان شهر التوبة، وقد كان موضوع الخطبة الأولى، وشهر رمضان شهر الإنفاق، وقد كان موضوع الخطبة الثانية، وشهر رمضان شهر القرآن، وهو موضوع هذه الخطبة.
 فيا أيها الأخوة الكرام؛ كان عليه الصلاة و السلام يكثر من تلاوة القرآن في رمضان، هذا القرآن كما يصفه القرآن هدى و بيان، وموعظة و برهان، ونور على الملأ، و ذكر و بلاغ، ووعدٌ ووعيد، وبشرى و نذير، يهدي إلى الحق، وإلى الرشد، و إلى الصراط المستقيم، يخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى الصراط المستقيم، يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فيه تبيان لكل شيء، و هو شفاء لما في الصدور، كلها كلمات من آيات في القرآن الكريم تصف القرآن، هدى وبيان، و موعظة و برهان، ونور و شفاء، وذكر و بلاغ، ووعد ووعيد، و بشرى و نذير، يهدي إلى الحق و إلى الرشد و إلى الصراط المستقيم، يخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فيه تبيان لكل شيء، هو شفاء لما في الصدور، ماذا وصفه النبي عليه الصلاة والسلام؟ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ قَدْ خَاضُوا فِي الْأَحَادِيثِ؟ قَالَ: وَقَدْ فَعَلُوهَا، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( أَلَا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ فَقُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدّ،ِ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ))

[الترمذي عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

 هذه فقرات من آيات كريمة تتحدث عن القرآن الكريم، وهذا حديث شريف يتحدث عن القرآن الكريم.

 

التفكر في آيات الله الكونية و التكوينية و القرآنية :

 أيها الأخوة الكرام؛ لا يغيب عن بالكم أن لله آيات في خلقه، له آيات كونية؛ خلقُه، وله آيات تكوينية؛ أفعالُه، وله آيات قرآنية؛ كلامُه، فآياته الكونية ينبغي أن نتفكر بها، قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[سورة آل عمران: 190-191]

 الآيات الكونية ينبغي أن نتفكر بها من أجل أن نعرف الله، و الآيات التكوينيّة؛ أفعاله ينبغي أن ننظر فيها من أجل أن نعرف الله، قال تعالى:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[سورة الأنعام: 11]

 لا تنظر إلى المكذبين في حالهم، انظر إلى مآلهم، انظر في عواقبهم، و الآيات القرآنية كلامه، نحن مكلفون أن نتدبرها، فمن أجل أن تعرف الله ينبغي أن تفكر في آياته الكونية، وأن تنظر في آياته التكوينية، وأن تتدبر آياته القرآنية، إنك إن عرفته ثم عرفت أمره تفانيت في طاعته، أما إذا عرفت و لم تتعرف إلى ذاته العلية تفننت في التفلت من أمره.
 أيها الأخوة الكرام، في هذا القرآن الكريم آية دقيقة جداً يقول الله عزوجل:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ﴾

[ سورة الكهف: 1]

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾

[ سورة الأنعام : 1]

 فالكون كله في كفة، وكلامه في كفة أخرى، خلق الكون و نوّر بالقرآن، شُقّ الطريق ووُضعت الشارات التنبيهية، خلق الكون على أتمّ وجه و في أكمل حال، أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، هداهم بهذا الكتاب.

 

الإيمان بالله وبرسوله وبكتابه إن لم يحملك على طاعة الله فليس إيماناً مجديًا :

 أيها الأخوة الكرام، الحقيقة أن جهدًا ينبغي أن تبذله كي تتأكّد يقيناً قاطعاً أنّ هذا القرآن كلامه، إن تأكدتَ أنه كلامه لا على إيمان تقليدي، ولا على إيمان سماعي، و لا بفرص نادرة تستمع إلى بعض الخطباء، هذا منهجك، هذا فيه مصيرك، إن تأكدت على وجه اليقين أنه كلامه لا يمكن أن تخالف أمره، وما يخالفه المخالفون إلا لنقص في يقينهم، إلا لنقص بمعرفتهم، فالإيمان بالله، و الإيمان برسوله، والإيمان بكتابه إن لم يحملك على طاعته ليس إيمانا مجديًا، فمن يشهد لك أن هذا القرآن كلامه؟ إنه الله، يقول الله عزوجل:

﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾

[ سورة النساء : 166]

 كيف؟ قد تسأل إنساناً أنك رأيت كذا و كذا؟ يقول لك: نعم، سهل جداً أن تستنطق شاهداً بكلامه، و لكن كيف يشهد الله لك أن هذا القرآن كلامه؟ هنا الدقة، يقول الله عز وجل:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[سورة النحل: 97]

 فالذي يؤمن و يستقيم على أمر الله يحيا حياة طيبة هي من خلق الله عز وجل، من تقديره، والحياة الطيبة التي يحياها المؤمن هي شهادة من الله على أن هذا القرآن كلامه، كلام نظري تبِعه تطبيق عملي، فحينما تحيا حياة طيبة و أنت مؤمن معنى ذلك أن هذا القرآن كلامه:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 فالحياة التي يعيشها المعرِض، الحياة الضنك، ضيق القلب والقلق و الخوف و الحيرة، الحياة الضنك التي يعيشها المعرض، والتي هي من خلق الله عز وجل شهادة الله له أن هذا القرآن كلامه، الله يشهد أن القرآن كلامه، حينما يتلف مالُ المرابي شهادة الله له أن هذا القرآن كلامه، و حينما يزيد مال المتصدِّق شهادة الله أن هذا القرآن كلامُه:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ﴾

[ سورة النساء : 174]

هداية الإنسان تكون بالعقل و الوحي معاً :

 يا أيها الأخوة ؛ يجب أن نعلم علم اليقين أن هذه العين مهما تكن حادّة البصر، مهما تكن دقيقة في أعلى درجات رؤيتها، لا يمكن أن ترى شيئاً من دون وسيط وهو النور، لا قيمة لها، يستوي في غرفة مظلمة ظلاماً مطبقاً الأعمى و البصير، لأن العين تحتاج إلى وسيط، هذه الحقيقة نفسها تنسحب على العقل و الوحي، العقل لا يمكن أن يهتدي إلا عن طريق الوحي، بالعقل وحده يضل، أما بالعقل والوحي فيهتدي.
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ لا بد من وحي إلهي يستنير به العقل، أما لو عُزل العقل عن الوحي لخرج منه ما يضحك، من السخافات و الترهات، يقول الله عز وجل:

﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[سورة طه: 123]

 وهذا القرآن هدى الله عز وجل:

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[سورة طه: 123]

 لا يضل عقله و لا تشقى نفسه:

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[سورة البقرة : 38]

 اجمع الآيتين، من يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت.
 أيها الأخوة الكرام ؛ ورد في الأثر أنه لا يحزن قارئ القرآن، كيف يحزن قارئ القرآن وهو يتلو قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[ سورة الحج : 38]

 كيف يحزن قارئ القرآن وهو يتلو قوله تعالى:

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الروم: 47]

 كيف يحزن قارئ القرآن وهو يتلو قوله تعالى:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 128]

 كيف يحزن قارئ القرآن وهو يتلو قوله تعالى:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[سورة الجاثية: 21]

 كيف يحزن قارئ القرآن وهو يتلو قوله تعالى:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[سورة القصص: 61]

 لا يمكن أن يحزن قارئ القرآن لأن الله يشرع ويطمئنه ويعطيه من رحمته الشيء الكثير.

 

القرآن الكريم نور يُقذف في قلب المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام، كتب الأرض من آدم إلى يوم القيامة، و يُطبع في اليوم من الكتب ما لا يستطيع الإنسان قراءته في مئتي عام، بلغة واحدة، باللغة الإنجليزية في اليوم الواحد ما لا يستطيع المرء قراءته في مئتي عام، ومع ذلك ورد في بعض الأحاديث عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( فَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى كَلَامِ خَلْقِهِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ))

[الدارمي عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ]

 كم هي المسافة كبيرة بين خالق الأكوان وبين هذا الإنسان الضعيف؟ أيُعقل ألا تشتغل بفهم القرآن وتدبر القرآن والعمل بالقرآن؟ و قد فهم بعض العلماء من قوله تعالى:

﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾

[سورة البقرة: 121]

 يتلونه وفق أصوله، و يفهمونه، و يتدبرونه، ويطبقونه، عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنْ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ ))

[الترمذي عَنْ صُهَيْبٍ]

(( رُبَّ تَالٍ للقرآن و القرآن يلعنه..))

[ ورد في الأثر]

 أيها الأخوة الكرام ؛ القرآن الكريم نور يُقذف في قلب المؤمن، العمل وراءه رؤية، فإن كنت مستنيراً بكتاب الله عز وجل جاء عملك صواباً، إن كان الإنسان منقطعاً عن الله امتلأ قلبه ظلمة، وهذه الظلمة في القلب تنعكس سلوكاً منحرفاً وحمقاً وسفاهة.

 

معية الله العامة أنه مع كل مخلوق و لو كان كافراً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كيف يحزن قارئ القرآن وهو يتلو قوله تعالى:

﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾

[ سورة المائدة: 12 ]

 وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟ و يا رب ماذا وجد من فقدك؟ وماذا فقَد من وجدك؟

﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾

[ سورة المائدة: 12 ]

 ولكن لهذه المعية ثمن:

﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾

[ سورة المائدة: 12 ]

 ادفع ثمن هذه المعية، ومعية الله العامة هو مع كل مخلوق ولو كان كافراً:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

 لكن معية التوفيق، معية النصر، معية التأييد، معية العطاء، هذه لها ثمن، ثمنها:

﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾

[ سورة المائدة: 12 ]

على كل إنسان أن ينظر أين هو من كتاب الله :

 أيها الأخوة سأذكر لكم قصة سريعة وردت في بعض الكتب، ذكر الحافظ محمد بن نصر المروزي في جزء قيام الليل عن الأحنف بن قيس أنه كان يوماً جالساً فعرضت له هذه الآية:

﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 10]

 هذا الأحنف بن قيس قرأ هذه الآية فانتبه فقال: عليّ بالمصحف لألتمس ذكري اليوم، لأعلم من أنا ومن أشبه، وينبغي أن يفعل كلٌّ منا هذا ونحن في رمضان، فانتبه لما علم أن القرآن قد ذكر جميع صفات البشر و ذكر طبقاتهم و مراتبهم أراد أن يبحث عن نفسه، في أيّ الطبقات هو، وفي أي المراتب، ففتح المصحف وقرأ، مرّ بقوم:

﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[سورة الذاريات: 17-19]

 ومر بقوم:

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[سورة السجدة: 16]

 ومرّ بقوم:

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 134]

 و مرّ بقوم:

﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الحشر : 9]

 فوقف الأحنف وقال: اللهم لستُ أعرف نفسي ها هنا، أي لم يجد هذه الصفات في نفسه حتى يعدّ نفسه من هؤلاء، ثم أخذ الأحنفُ السبيل الآخر فمر بالمصحف على قوم:

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾

[ سورة الصافات : 35]

 و مرّ على قوم:

﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾

[سورة المدثر: 42-48]

 فقال الأحنف: اللهم إني أبرأ إليك من هؤلاء "، لست من الأوائل ولا من هؤلاء، فما زال يقلِّب أوراق المصحف و يلتمس في أي الطبقات هو حتى وقع على الآية:

﴿وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآَخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة التوبة: 102]

 فقال - واللهِ أظنها قالها متواضعًا - قال: أنا من هؤلاء " فإذا قرأ أحدنا القرآن فلينظر أين هو من كتاب الله؟ ليقرأ قراءة تدبر، هل هو مع الذين آمنوا؟ مع الذين تقشعر جلودهم لذكر الله؟ مع الذين إذا قرؤوا القرآن وجلت قلوبهم؟ مع الذين هم عند الله صادقون محبون تائبون؟

 

تعليم القرآن وتدبره والعمل به جهادٌ كبيرٌ :

 وقد وردت في كتب الحديث الصحيحة أحاديث كثيرة عن القرآن الكريم، من هذه الأحاديث ما روي عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( خَيْرُكُمْ - على الإطلاق - مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))

[البخاري عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 مقياس خالق السموات والأرض، لأن النبي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، بل إن تعليم القرآن؛ تعليمَ تلاوته وتدبره والعملَ به جهادٌ كبيرٌ، قال تعالى:

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان : 52]

 وروي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قَالَ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ:

(( إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ ))

[ مسلم عن عمر]

 و من أحاديث متفق عليها ؛ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ ))

[البخاري عَنْ عائشة]

 وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرّ،ٌ وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا ))

[البخاري عَنْ أبي موسى الأشعري]

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ فَقَالَ رَجُلٌ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ))

[البخاري عَنْ أبي هريرة]

 ومن حديث موجه لسيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه:

(( يا معاذ المؤمن لدى الحق أسير يعلم أن عليه رقيباً على سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وبطنه وفرجه، إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من هوى نفسه وشهواته وحال بينه وبين أن يهلك فيما يهوى بإذن الله ))

[ أبو نعيم في الحلية]

 وقد ورد عنه أيضا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:

(( اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ الْمَصَاحِفُ الْمُعَلَّقَةُ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يُعَذِّبَ قَلْبًا وَعَى الْقُرْآنَ ))

[ الدارمي عن أبي أمامة]

 وورد أيضاً:

(( من جمع القرآن متّعه الله بعقله حتى يموت ))

[ السيوطي في الجامع الصغير عن ابن عباس]

 وورد :

(( اقرأ القرآن ما نهاك، فإن لم ينهك فلست تقرأه ))

[ السيوطي في الجامع الصغير عن ابن عمرو]

 ووردَ عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنْ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ ))

[الترمذي عَنْ صُهَيْبٍ]

قراءة القرآن و العمل به عبادة :

 أيها الأخوة الكرام، آية كريمة تقول:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾

[سورة فاطر: 29]

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾

[سورة فاطر: 29]

 فعل مضارع، يقرؤونه دائماً، صباحاً مساء، ليلاً و نهاراً، في حضر وفي سفر، في صلاة و في غير صلاة، يقرأ قراءة تعبد، و يقرأ قراءة فهم، وقراءة تدبر، وقراءة عمل، قراءة العمل، أين أنا من هذه الآية؟ هل أنا مطبِّق لها؟ يمكن أن تقرأ القرآن بنية أن تعرف أين أنت منها، و يمكن أن تقرأ القرآن لتتعمق في معانيه، أو أن تقف على بعض معانيه، أو أن تحسن تلاوته، من أية جهة أتيت هذا الكتاب فالعمل به عبادة. ورد في بعض الأحاديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الله سبحانه و تعالى:

((مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ]

 قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
 وعن سيدنا عثمان بن عفان يقول: " لو أن قلوبنا طهرت ما شبعت من كلام ربنا " هذا كلام دقيق، إن كنت طاهراً، مستقيم السريرة، محباً لله، مقبلاً عليه، وقرأت القرآن لا تشبع منه، و كأنك في جنة، أما إذا كانت هناك مخالفات، و تقصير، تفتح القرآن لتقرأ فلا تجد انشراحاً، لا تجد أنك تقرأ صفحات طويلة، تقرأ قليلاً وتقف، هذا من علة في قلب الإنسان، يقول هذا الصحابي الجليل: " لو أن قلوبنا طهرت ما شبعت من كلام ربنا "وله كلمة أخرى يقول: " إني لأكره أن يأتي عليّ يومٌ لا أنظر فيه إلى المصحف " لا بد لك من قراءة يومية، فإن فاتتك لأمر قاهر عند بعض علماء القلوب ينبغي أن تقضيها في وقت آخر، لا بد لك من حصة تمضي فيها وقتاً في تلاوة القرآن الكريم:

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾

[سورة الإسراء: 78]

 قال بعضهم: قرآن الفجر هو القرآن الذي يُتلى في صلاة الفجر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الشُّهَدَاءُ؛ الْغَرِقُ وَالْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْهَدِمُ، وَقَالَ: وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَاسْتَهَمُوا ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يَطْلُبَنَّكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ))

[ مسلم عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّه]

 وبعضهم قال: هو القرآن الذي تقرأه قبل صلاة الفجر، أو بعد صلاة الفجر، و قد روي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ ))

[ الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 وأخرج البيهقي عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( إن أفضل عبادة أمتي تلاوة القرآن ))

[البيهقي عن النعمان بن بشير]

 تلاوته عبادة، و فهمه عبادة، وتدبره عبادة، والعمل به نهاية العبادة، و قد ذكرت قبل قليل عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ ))

[ الترمذي عَنْ عائشة ]

 الشيء المؤسف أن تجد شاباً مثقفاً يحمل شهادة عليا لا يحسن قراءة سطر في القرآن الكريم، وقد ورد عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم فيما رواه الديلمي:

(( إذا أحبَّ أحدكم أن يحدِّث ربَّه فليقرأ القرآن ))

[الديلمي عن أنس رضي الله عنه]

 إن أردت أن تحدث الله بكلامه فاقرأ القرآن.

 

القرآن الكريم فيه شفاء لما في الصدور :

 أيها الأخوة ؛ القرآن الكريم فيه شفاء لما في الصدور، القلق بتلاوة القرآن و تدبره يزول، الخوف يزول، أحياناً يضيق صدر الإنسان، يقلق، له عدو مخيف يهدِّده، حينما يقرأ القرآن يشد إلى الله عز وجل، الله عز وجل يطمئنه و يبشِّره، يلقي في قلبه الأمن، هذا كله من فضائل القرآن الكريم، وقد ورد أيضاً عن ابن مسعود رضي اله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( من أحبَّ أن يحبه الله و رسوله فلينظر، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله))

[ الطبراني عن ابن مسعود]

 وعندئذ يحبه الله و رسوله، وفي حديث آخر:

(( إن البيت إذا قُرئ فيه القرآن حضرته الملائكة، وتنكّبت عنه الشياطين، واتسع على أهله، وكثر خيره، وقلَّ شره، وإن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن تحضره الشياطين، وتتنكب عنه الملائكة، و ضاق على أهله، وقلَّ خيره و كثر شره...........))

[ ورد في الأثر]

 هناك بيوت كالجحيم، خصومات و ضرب وحراب وقطيعة و مشاحنات، وهناك بيت فيه الملائكة، فيه سرور و سعادة وودّ، إن جعلتَ بيتك مكاناً يُتلى فيه القرآن حضرته الملائكة، وغابت عنه الشياطين، و قد ورد في بعض الأحاديث عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ

(( إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ ))

[ مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

 فهو نكد في نكد، واللهِ الذي لا إله إلا هو هناك بيوت قطعة من الجحيم، لأن ذكر الله فيه معدوم، ولأن القرآن لا يتلى فيه، أما ما يظهر على الشاشة من الموبقات، هذا الذي يعني هؤلاء، الإنسان وعاء، فبأيّ شيء تغذِّيه من أعلى يعطيك من صنبوره الأسفل، فإذا غذّيت نفسك بالقرآن، و بسيرة سيد الأنام، وبأفعال الصحابة الكرام، لو أردت أن تتكلم بماذا تقول؟ بما استقر في قلبك، بما استقر في هذا الوعاء، أما إذا غذّيت نفسك بكلام الساقطين والساقطات الأحياء منهم والأموات، وملأت هذا الوعاء بسخافات العصر، و انحراف الإنسان، و سقوط المرأة، و شيوع الفاحشة، ماذا يُنتظر منك أن تقول؟ سوف تعبِّر عما تغذيت به، لذلك قال عليه الصلاة و السلام:

(( إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، قيل: يا رسول الله فما جلاؤها؟ قال: تلاوة القرآن ))

[ البيهقي في الشُّعب عن ابن عمر]

 القلب يصدأ، الأمور المادية جيدة جداً، هناك ملل، هناك ضجر، هناك ضيق، جلاؤها تلاوة القرآن.

 

ثمار القرآن لا تُقطف إلا إذا طبق في حياتنا :

 أيها الأخوة الكرام ؛ بقي شيء، تصور وصفة طبية بكلام واقعي لو قرأتها هل تشفى؟ لو قرأتها قراءة صحيحة، لو سألت الطبيب عن مكونات الأدوية، وقال: هي المواد التالية، لا تشفى، لو اشتريت الدواء لا تشفى، لا بد من أن تستعمل الدواء، هذه حقيقة و لو كانت مُرة، لا تُقطف ثمار هذا القرآن إلا إذا طُبِّق، قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[سورة الأنفال: 33]

 مادام منهج النبي مطبقاً في حياتنا لن نُعذّب.
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حِذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

النّاس ثلاثة أصناف :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله عز وجل:

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

[ سورة فاطر: 32]

 الناس حيال القرآن ثلاثة أصناف، ظالم لنفسه و مقتصد و سابق بالخيرات، الإمام النووي رحمه الله تعالى فسّر هذه الآية، قال: الظالم هو المخلِّط، ترك أمراً محتماً في القرآن، أو أو فعَل نهيًا محرّماً، خلط عملاً صالحاً و آخر سيئًا، هو من أمة سيدنا محمد، لكن له معاص و انحرافات، له تجاوزات في علاقاته الاجتماعية، في دخله مثلاً، في إنفاقه، ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، المقتصد هو الذي أدى الواجبات و ترك المنهيات فيما بينه وبين الخلق، وفيما بينه وبين الخالق، الأمر عنده أمرٌ، والنهي نهيٌ، والواجب واجب، والحرام حرام، والمكروه مكروه، والمباح مباح، طبّق الأوامر وترك المنهيات، هذا مقتصد، أما الثالث؛ ومنهم سابق بالخيرات، ففسّر الإمام النووي رحمه الله تعالى هذا السابق بالخيرات بأنه الذي أدّى جميع الأوامر، وانتهى عن جميع النواهي، وفعل النوافل، و النوافل من فضائل الأعمال، وفضائل العبادات؛ مع تطبيق جميع الأوامر، فليسأل أحدُنا نفسَه: مِن أيّة زمرة هو؟ من المقتصد الذي أدّى أوامره بالتمام و الكمال؟ أم من المقصّر الظالم لنفسه الذي فعل شيئاً و ترك آخر؟ خلط عملاً صالحاً و آخر سيئاً؟ أم من السابق بالخيرات الذي أدّى الفرائض وأدى النوافل و أحب الله عز وجل؟ هذه أيها الأخوة جزءٌ من الخطبة التي جُعلت عن القرآن الكريم.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن تولَّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت، و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هبْ لنا عملاً صالحاً يقرِّبنا إليك، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا و بين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، و من اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا و لا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا ما لا يخافك و لا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء و من شماتة الأعداء و من السلب بعد العطاء، اللهم إنا نعوذ بك أن نضل أو نُضل، أو نذِل أو نذَل، أو نجهل أو يُجهل علينا، يا رب العالمين ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيمن تحب، يا رب العالمين، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك، يا رب العالمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018