الخطبة : 0644 - الدعاء - ثلث الليل. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0644 - الدعاء - ثلث الليل.


1997-12-26

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

العبادة هي علة وجود الإنسان على وجه الأرض :

 أيها الأخوة الكرام: يقول الله عز وجل في كتابه العزيز:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات: 56]

 العبادة علة وجود الإنسان على الأرض
فالعبادة هي علة وجود الإنسان على وجه الأرض، خلقه الله عز وجل وجاء به إلى الدنيا ليعبده، فما العبادة ؟ من التعاريف الجامعة المانعة للعبادة التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الأحاديث الصحيحة أن الدعاء هو العبادة، ولعل سائل يسأل: من أين استنبط النبي عليه الصلاة والسلام هذا وهو سيد الخلق، سيد العلماء، سيد البشر الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، والذي يُعد كلامه، وإقراره، وأحواله سنةً تشريعية، ألم يقل الله عز وجل:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾

[ سورة غافر: 60]

 ما أمرنا أن نعبده إلا وقد أراد أن يستجيب لنا،

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

  إن الذين يستكبرون عن عبادتي.. لم يقل إن الذين يستكبرون عن دعائي، قال:

﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾

[ سورة غافر: 60]

 من هنا يتبين أن العبادة في مجملها دعاء من المخلوق إلى الخالق.. اتصال أساسه الافتقار، اتصال أساسه الطلب، اتصال أساسه الحاجة، اتصال أساسه الاعتراف بعظمة الخالق، بقدرته اللامتناهية، بكرمه اللامتناهي، برحمته اللامتناهية.

العبادة دعاء من المخلوق إلى الخالق :

 إن اتصلت بالله عز وجل اتصالاً حقيقياً كما أراد الله عز وجل فهذا نوع من العبادة التي قال عنها النبي عليه الصلاة والسلام الدعاء هو العبادة، أنت أيها الإنسان في دنياك هل تدعو جهة لا تؤمن بوجودها ؟ لا يمكن ذلك..
 إذاً حينما تدعو الله أنت بالبديهة مؤمن بوجوده، وفي الدنيا هل تسأل إنساناً لا يسمعك ؟ موجود ولكن في مكان بعيد، في بلد آخر، في مدينة أخرى، ليس هناك اتصال مباشر بينك وبينه، هل تدعو جهةً أو إنساناً لست موقناً أنه يسمعك؟ وأنت حينما تدعو الله عز وجل معنى ذلك أنك مؤمن بوجوده وأنه يسمعك، والأبلغ من ذلك أنه يعلم ما في نفسك، والأبلغ من ذلك أنه يعلم ما خفي عنك.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 24]

 وأنت في حياتك الدنيا هل تدعو إنساناً أنت مؤمن بوجوده، ومؤمن بأنه يسمعك ولكنه لا يستطيع أن يلبيك ؟ هل تسأل طفلاً صغيراً مالاً كثيراً ؟.. هل تسأل إنساناً ضعيفاً أن يعينك في معمعة كبيرة ؟.. أنت إذاً في الدنيا بفطرتك، بإمكاناتك المتواضعة، لا تدعو إلا من أنت مؤمن بوجوده، ومؤمن بأنه يسمعك، ومؤمن بأنه قادر على أن يلبيك.
 وأنت في الدنيا هل تدعو إنساناً أنت مؤمن بوجوده، مؤمن بأنه يسمعك، مؤمن بأنه قادر على تنفيذ رغبتك ولكنه لا يحبك؟ يقدر على تنفيذها ولكن لن ينفذها لك لأنه لا يحبك، إذاً أنت في الدنيا تسأل من ؟ تسأل جهةً موجودة؟ تسأل جهةً تسمعك؟ تسأل جهة قديرة على إنجاز طلبك؟ تسأل جهة قديرة ومحبة؟ لمجرد أن تدعو الله عز وجل الدعاء الذي أراده فأنت بالبديهة مؤمن بوجوده، مؤمن بأنه يسمعك، مؤمن بأنه على كل شيء قدير، مؤمن بأنه يحبك ويرحمك، فالدعاء هو العبادة، آمنت بوجوده، وآمنت بعلمه، وآمنت بقدرته، وآمنت برحمته، قال تعالى:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾

[ سورة غافر: 60]

توسط كلمة قل بين السؤال والجواب إلا في آية واحدة :

 شيء آخر ؛ في القرآن الكريم آيات كثيرة :

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 219 ]

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 189 ]

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة: 219 ]

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾

[ سورة البقرة: 222 ]

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾

[ سورة البقرة: 217 ]

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ﴾

[ سورة الأعراف: 187]

 هناك أكثر من عشر آيات، يسألونك وقل لهم يا محمد كذا وكذا، فكلمة قل تتوسط بين السؤال والجواب إلا في آية واحدة:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 186 ]

 لم تأت كلمة قل، لأنه ليس بينك وبين الله وسيط، ليس بينك وبين الله إذا دعوته وسيط:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 186 ]

 فليستجيبوا لي.. ولعل سبب استجابتهم لي إيمانهم بي.

﴿ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾

[ سورة البقرة: 186 ]

 إلى الدعاء الصحيح..

 

من آمن بالله واستجاب لأمره غدا مستجاب الدعوة :

 آمن بالله أولاً، آمن بوجوده، آمن بوحدانيته، آمن بكماله، كل شيء في الكون ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، آمن بالله أولاً، واستجب لأمره ثانياً، تغدو مستجاب الدعوة. ليكن الطعام الذي تأكله من مال حلال

 

((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وَقَالَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))

 

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

 ما معنى أطب مطعمك ؟.. اجعل الطعام الذي تأكله من مال حلال، وكيف يكون المال حلالاً ؟.. إن اكتسبته من غير كذب، من غير غش، من غير احتيال، من غير احتكار، من غير استغلال، من غير إيهام، من غير تدليس، من غير نهب، المال الذي تكسبه حلالاً، وتشتري به طعاماً، هذا الطعام طيب لأن ثمنه مال حلال، كسبته بكد يمينك، وعرق جبينك.
 أيها الأخوة الكرام: من عاش تقياً عاش قوياً، ومن كان كسبه حلالاً بارك الله في كسبه ومتعه بقواه وسمعه وبصره، وفي الدعاء الصحيح:

(( ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا ))

[الترمذي عن ابن عمر ]

الدعاء هو العبادة :

 العبادة دعاء، الدعاء هو العبادة، ولكنك لن تدعو الله إلا إذا عرفته، إذاً قبل الدعاء لا بد من أن تعرفه حتى تدعوه، أو حتى تفرده بالدعاء، الإنسان يدعو آلاف الأشخاص من أجل أن تفرده بالدعاء أن تدعوه وحده ولا تدعو أحداً معه، ينبغي أن تعرفه، ينبغي أن تعرفه خالقاً، وينبغي أن تعرفه إلهاً، وينبغي أن تعرفه رباً، وينبغي أن تعرف أن الأمر كله بيده.. أبداً، الأمر كله بيد الله، قال تعالى:

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة هود: 123]

﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾

[ سورة الزمر: 63]

﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

[ سرة يس: 83]

﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة الحديد: 3]

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾

[ سورة الفتح: 10]

 يد الله تعمل في الخفاء، يجب أن تعلم علم اليقين أنه:

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[ سورة فاطر: 2]

 يجب أن تعلم علم اليقين أنه المقدم والمؤخر، والظاهر والباطن، والرافع والخافض، والمعطي والمانع، والمعز والمذل، إذا عرفته، وعرفت وحدانيته، وعرفت أن الأمر كله راجع إليه عندئذ تدعوه وحده، ولا تبذل ماء وجهك أمام غيره، تمرغ جبهتك في أعتابه، وترفع رأسك عزيزاً أمام خلقه. المؤمن يتذلل لله وهو يشعر بعزة ما بعدها عزة أمام الخلق، أما غير المؤمن فيتأبى على الله، وأمام أحقر مخلوقاته أذل من الشاة عند الذبح، المؤمن عزيز لأنه تذلل إلى الله، وغير المؤمن ذليل لأنه تأبى على الله.
 الدعاء هو العبادة.. هل سألته في جوف الليل ؟ هل رجوته أن يعفو عنك ؟ هل عاهدته على الطاعة ؟ هل أقمت علاقةً بينك وبينه أساسها الدعاء ؟.. فمن أجل أن تدعوه وحده، ومن أجل أن تدعوه وأنت موقن بإجابته، ومن أجل أن تدعوه وأنت موقن بأنه على كل شيء قدير ينبغي أن تعرفه، فإذا عرفته وعصيت أمره تستحي أن تدعوه، تخجل أن تقف ببابه وأنت مقيم على معصيته، إن عرفته واستجبت له تدعوه وأنت موقن بالإجابة.

اتصال المخلوق بالخالق اتصال افتقار وطلب وحب :

 أيها الأخوة الكرام: هذا الكلام تمهيد لموضوع الخطبة ألا وهو الدعاء، ونحن على أبواب رمضان الكريم، شهر القرب، شهر الحب، شهر التقوى، شهر الدعاء، شهر العتق من النار، شهر أن تنتهي منه وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، شهر أن تفتح مع الله فيه صفحة جديدة، شهر أن تُلقي عن كاهلك كل الخطايا التي اقترفتها قبل رمضان.
أيها الأخوة الكرام:

((ذكر يوم الجمعة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: في هذا اليوم ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 في يوم الجمعة ساعة إجابة، أين هي؟ تُركت مُبهمةً لتكون طوال يوم الجمعة في عبادة، في هذا اليوم ساعة، هذا في صحيح البخاري:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 كل ليلة فيها ساعة إجابة
هل أنت مستغن عن الله ؟ أليست لك قوائم وقوائم ترجوها من الله ؟ ألا ترجو صلاح الدنيا ؟ ألا ترجو صلاح أمرك في الدنيا ؟ ألا ترجو صلاح أمرك في الآخرة ؟ ألا تسأله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ؟ ألا تسأله أن تُرزق رزقاً طيباً حلالاً ؟ وأن يستعملك الله استعمالاً طيباً صالحاً ؟ اللهم ارزقني حلالاً واستعملني صالحاً.. ألا تسأله التوفيق في مساعيك ؟ أقل مؤمن له مع الله قوائم من الطلبات، والدعاء هو العبادة، أي اتصال مخلوق بخالق، اتصال افتقار، اتصال طلب، اتصال حب، اتصال يقين بفضله، وقدرته، ولطفه، ورحمته، هذا في يوم الجمعة، فهو يوم عيد، يوم اتصال بالله، يوم تهيئ نفسك لخطبة الجمعة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الجمعة: 9]

 قال المفسرون: ذكر الله هو الخطبة، اسعوا إلى هذه العبادة التعليمية وذروا البيع.
 حديث آخر:

(( إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ ))

[ مسلم عن جابر ]

 أيضاً في كل ليلة ساعة إجابة، فإذا توافقت هذه الساعة وأنت في مصلاك تدعو الله عز وجل، فإذا سألته من خيري الدنيا والآخرة، إذا الشاب سأل الله زوجة صالحة، تسره إن نظر إليها، وتحفظه إن غاب عنها، وتطيعه إن أمرها، فقد سأل خير الدنيا، إن سأل الشاب ربه عملاً يرضيه، رزقاً يكفيه، بيتاً يؤويه، إيماناً قوياً يقيه الزلل، أليست هذه مطالب مشروعة لكل شاب ؟ وفي كل ليلة ساعة إجابة، والحديث في صحيح مسلم:

((عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ ))

[ مسلم عن جابر ]

 كل ليلة.. فيها ساعة إجابة، وكأن الله سبحانه وتعالى يحب أن نربح عليه، يحب أن نفرده بالسؤال.

لا تسألن بني آدم حاجــــــــة  وسل الذي أبوابه لا تُغـــــــلق
الله يغضب إن تركت سؤاله  وبني آدم حين يُسأل يغضب
***

 إن أردت أن يحبك الله ويحبك الناس معاً ازهد بما في أيدي الناس وارغب فيما عند الله.

 

تمثل أمر النبي الكريم في كل شيء :

 أيها الأخوة الكرام:

(( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا قَالَتْ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ- هي لا تعلم أن في مجتمع الصحابة رجلاً خيراً من أبي سلمة- أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا - وهي تعتقد أن ليس في الأرض أكرم ولا أفضل من زوجها أبي سلمة- فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي لَهُ فَقُلْتُ: إِنَّ لِي بِنْتًا وَأَنَا غَيُورٌ فَقَالَ: أَمَّا ابْنَتُهَا فَنَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَذْهَبَ))

[مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ]

 هذا دعاء عن النبي: اللهم أجرني في مصيبتي- اكتب لي بها أجراً - واخلفني خيراً منها. عليك أن تمتثل أمر النبي:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران: 31]

((وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ حِينَ يَأْتِي أَهْلَهُ: بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، ثُمَّ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ أَوْ قُضِيَ وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا ))

[البخاري و مسلم عن ابن عباس]

 بعض الأبناء يجعلون بيت آبائهم جحيما لا يطاق
أي هناك أولاد يجعلون بيت آبائهم جحيماً لا يُطاق، منحرفون، شرسون، ضالون، منغمسون في ملذاتهم، هؤلاء الأولاد عبء على آبائهم وأمهاتهم، هؤلاء الأولاد مصائب من أكبر المصائب، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

((أَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ حِينَ يَأْتِي أَهْلَهُ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا ثُمَّ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ أَوْ قُضِيَ وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا ))

[ البخاري و مسلم عن ابن عباس]

 وهذا من السنة..

((عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ قَالَ: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا فَفَتَحَتِ الْبَابَ ثُمَّ قَالَتْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 قياساً على هذا الحديث إذا قام الإنسان في جوف الليل ودعا ربه أن يهدي أولاده ، دعا ربه أن يهدي زوجته ، دعوة الأخ لأخيه في ظهر الغيب لا تُرد..
 دعا الله أن يلين قلب أمه وأبيه، دعا الله أن يلين قلب من معه من أصدقائه، من شركائه، من زملائه، من جيرانه، فهذا الدعاء مستجاب ـ

((قَالَ فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ قَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ خَيْرًا قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ: حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

الانفضاض و الالتفاف :

 أن يحبك الناس شيء ثمين، جداً، هناك إنسان مهما عمل من الصالحات لا يحبه الناس، أن يحبك الناس، أن يلقي الله حبك في قلوبهم هذا شيء ثمين جداً، هذا يعبر عن محبة الله لك:

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾

[سورة طه: 39]

 إن أردت أن يحبك الناس فتعرف إلى الله
فتفسير هذه الآية: أي ألقيت حبك في قلوب الخلق، وما أخلص عبد لله إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودة الرحمة ، والأدق من ذلك أن الله عز وجل يقول:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 159]

 هذا قانون تعرف الله به، تتصل به من خلال هذا الاتصال يستقر في قلبك أثر من رحمته، تغدو رحيماً، فإذا كنت رحيماً كنت ليناً، لم تكن فظاً غليظاً، فإذا كنت ليناً التف الناس حولك وأحبوك.
 بالمقابل لا تعرف الله، لا تعرف الله، أنت منقطع عنه لا سمح الله مادام القلب بعيداً عن الله فهو قاسٍ كالصخر، القشرة الداخلية منعكساتها الداخلية غلظة وفظاظة، ومادام الإنسان غليظ القلب فظاً ينفض الناس من حوله. فإن أردت أن يحبك الناس فتعرف إلى الله واتصل به حتى يمتلئ قلبك رحمة عندئذ تلين لهم، فإذا كنت ليناً لهم أحبوك، والذي لا يعرف الله منقطع عنه، قلبه ممتلئ قسوةً، القسوة في الداخل منعكسها في الخارج غلظة وفظاظة، وما دمت فظاً غليظ القلب ينفض الناس من حولك.

 

من أحبّ المؤمنين عاش معهم و سكن في ديارهم :

 قال أبو هريرة رضي الله عنه:

((يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 أي إنسان تحبه ولا يحبك، تقدره ولا يقدرك، أما الشيء الجميل جداً فأن تحبه ويحبك، أن تقدره ويقدرك، أن ترعى مكانته ويرعى مكانتك، فقال عليه الصلاة والسلام:

((اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 فشيء ثمين أن يحبك المؤمنون، وشيء ثمين أن تحبهم، هؤلاء الذين يحبون الكفرة، ورد أنه من هوي الكفرة حشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً، أحياناً الإنسان يذهب إلى بلد غربي، يأتي ممتلئ إعجاباً يعلم أنهم زناة، وأنهم متحللون من كل قيمة، يعلم أنهم يأكلون أموال الناس بالباطل، يعلم أنهم يبنون مجدهم على أنقاض الشعوب، يعلم انحرافهم يعلم أنهم غارقون في شرب الخمر وهو ممتلئ إعجاباً بهم لذلك: من هوي الكفرة حشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً:

(( ومن أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله ))

[ابن المنذر عن جرير بن عبد الله البجلي]

 أبو هريرة رضي الله عنه يقول: وحبب إلينا المؤمنين، إن أحببتهم عشت معهم وسكنت في ديارهم.

 

استثناءان من شروط الدعاء؛ المظلوم والمضطر :

 ثم قال عليه الصلاة و السلام:

((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 أي إنسان كنت، إذا كنت مظلوماً فدعاؤك يخترق سبع سموات ليس بين الله وبين دعائك حجاب لأن الله يستجيب لك، لا لأنك مستقيم على أمره بل لأنك مظلوم، وهذا عائد إلى اسمه العدل، وإذا كنت مضطراً لا يستجيب لك لأنك مضطر، بل لأنه رحيم يرحمك، هو الرحمن الرحيم فهناك استثناءان من شروط الدعاء؛ المظلوم والمضطر.

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 معنى هذا الحديث أنه لمجرد أن تقترب إلى الله بطاعة، أو بتوبة، أو بعمل صالح، أو بنية طيبة، أو بخدمة لخلقه، أي حركة نحو الله، لابد من أن تجد أضعافاً مضاعفة من الرحمة تجاهك، لو أنك عقدت توبةً، لو أنك ندمت على معصية، لو أنك أردت أن تتصدق، أن تنصح، أن تأمر بالمعروف، أن ترحم حيواناً، أية حركة نحو الله، إن أتيته مشياً أتاك هرولة، فشيء كبير جداً أن خالق السموات والأرض ينتظرك، فإن تحركت نحوه حركة بسيطة قابلك بأضعاف مضاعفة من حركتك، إكراماً، وتوفيقاً، وتأييداً، وحفظاً، وسروراً، وأمناً، وطمأنينةً، وسعادةً. من هو البخيل؟ هو الذي يبخل أن يدعو الله عز وجل.

((صعد النبي المنبر قال: آمين قالوا: علام أمنت؟ قال: جاءني جبريل فقال لي: رغم أنف عبد أدرك رمضان فلم يُغفر له، إن لم يُغفر له فمتى؟ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

استغلال المؤمن الصادق شهر رمضان ليصل إلى أعلى درجات القرب مع الله :

 نحن على أبواب شهر كريم، شهر العتق من النار، شهر المغفرة، شهر التوبة، المؤمن الصادق يستغل هذا ليصل إلى أعلى درجات القرب مع الله عز وجل. شهر رمضان شهر التوبة والقرب من الله

((عن أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ قَالَ نَعَمْ كُنْتُ أَقُولُ اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبْحَانَ اللَّهِ لَا تُطِيقُهُ أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ أَفَلَا قُلْتَ اللَّهُمَّ (آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) قَالَ فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ حَدَّثَنَاه عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ و حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعُودُهُ وَقَدْ صَارَ كَالْفَرْخِ بِمَعْنَى حَدِيثِ حُمَيْدٍ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ لَا طَاقَةَ لَكَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ ))

[ متفق عليه عن أنس]

 من هذا الذي يستطيع أن يقول: يا رب أصبني بمصيبة أنا أتحمل؟ ما هكذا قال النبي، قال:

((لكن عافيتك هي أوسع لي ))

 اسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، اسأل الله الحسنة في الدنيا والآخرة.
 أيها الأخوة الكرام حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

صلاة جوف الليل من أرقى أنواع الصلاة :

 أيها الأخوة الكرام : الإنسان قد تصيبه بعض المشكلات، قد تضيق الأمور، قد يلوح له شبح مصيبة، قد يخشى من مرض عضال، قد تنشأ أزمة بينه وبين من حوله، قد يشعر أنه ضعيف، قد يشعر أنه في ورطة، قد يشعر أنه في حقل ألغام، قد يحس أن الآخرين يأتمرون عليه، قد يشعر أن هذا الدخل سينتهي، وأن هذا الرزق سينقطع، قد يشعر أن ابنه ليس في ملكه، هناك آلاف المصائب، النبي عليه الصلاة والسلام علمنا، كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، وأرقى أنواع الصلاة صلاة جوف الليل، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم في صحيحه:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ يَنْزِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ ))

 صلاة الليل أرقى أنواع الصلاة
هذا كلام النبي، وكلام النبي لا ينطق عن الهوى، الله جل جلاله ينتظرك في ثلث الليل الأخير، أليس لك عنده حاجة؟ آلاف المصائب آلاف الحاجات التي لا تنقضي، قم في الثلث الأخير من الليل وصلّ صلاة الليل واسجد واسأله هذه الحاجة، ثم انظر كيف تقضى هذه الحاجة .

((هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ ))

 إلى طلوع الفجر، كل ليلة، كل ليلة ينزل الله جلّ جلاله إلى السماء الدنيا لكن العلماء شرحوا هذا الحديث على الشكل التالي، قالوا: إنها حق على ما يليق بالله تعالى، النزول الذي يليق بالله تعالى، وأن ظاهر النزول المتعارف في حقنا غير مراد الحديث، نحن ننزل من درجة إلى درجة، وسيدنا عمر حينما خطب أول خطبة نزل درجة، فقال: ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر، أي ما تحمل أن يقف في مكانه، فنزل درجة، طبعاً لهذا التصرف تتمة، سيدنا عثمان ما نزل درجة، أحد الخلفاء سأل نديماً أو مستشاراً لمَ لم ينزل عثمان درجة؟ فقال له هذا النديم: لو أنه فعلها لكنت في قعر بئر، أيضاً هناك حكمة بالغة من أن سيدنا عثمان ما نزل درجة، أما سيدنا عمر فنزل درجة، قالوا: النزول في حق الله على ما يليق به هو الحق، أما على ظاهر النزول المتعارف في حقنا فغير وارد إطلاقاً، أو يجب أن نعتقد تنزيه الله سبحانه وتعالى عن صفات المخلوقين وعن الانتقال والحركات وسائر صفات الخلق، أي علينا أن نؤولها بما يليق بالله عز وجل.
 قال مالك بن أنس: معنى النزول أن تنزل رحمته وأمره وملائكته، ومعناه أيضاً الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف والله أعلم.
 على كلّ أنت في هذا الثلث الأخير لك موعد مع الله، فإذا صليت صلاةً فيها خشوع، وسألته في هذه الحاجة التي تقض مضجعك، والتي تقلقك، والتي تخاف منها، أو التي ترجوها، فهذا أفضل وقت للدعاء، وهذا الحديث في صحيح مسلم.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم إنا نعوذ بك من كل ما يضرنا وما يؤذينا يا رب العالمين.اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018