الخطبة : 0642 - الدين هو الخلق. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0642 - الدين هو الخلق.


1997-12-12

الخطبة الأولى:
  الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر.
 وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

التلازم الضروري بين التدين الصحيح والخلق القويم :

 أيها الأخوة الكرام: الحديث عن أخلاق المؤمن ينطلق أساساً من أن هناك تلازماً ضرورياً حتمياً بين التدين الصحيح والخلق القويم، ولا يغيب عن خاطركم أن سيدنا جعفر بن أبي طالب، حينما تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن هذا الدين الجديد، قال:

(( كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار.. - هذه الجاهلية القديمة والحديثة- حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه- هذه أخلاق- ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ))

[أحمد عن أم سلمة أم المؤمنين ]

 معنى ذلك أن هناك تلازماً ضرورياً وحتمياً بين التدين الصحيح والخلق القويم، فالنبي صلى الله عليه وسلم حدد الغاية الأولى من بعثته، والمنهج الأمثل لدعوته، فقال :

((إنما بُعثت معلماً، إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))

[ أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة]

 فالهدف الأول لدعوته هو إرساء البناء الأخلاقي للفرد والمجتمع لأنه ثمن سعادة الدنيا والآخرة، والوسيلة هي التعليم - إنما بُعثت معلماً - الوسيلة هي التعليم لا التعنيف، فقد ورد:

(( علموا ولا تُعنِّفوا، فإن المعلم خير من المُعنِّف))

[ البيهقي في شعب الإيمان وابن عدي في الكامل عن أبي هريرة]

 والمتتبع لنصوص القرآن الكريم، وللسنة المُطهرة الصحيحة، يجد ذلك التلازم الضروري بين التدين الصحيح والخلق القويم، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾

[سورة الماعون: 1ـ 7]

 وقال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص: 50]

 وقال عليه الصلاة والسلام:

(( ألا لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له ))

[ الطبراني في الكبير عن ابن مسعود]

 أرأيتم إلى هذا التلازم الضروري والحتمي بين التدين الصحيح والخلق القويم..

 

الإيمان أساس الفضائل ولجام الرذائل :

 أيها الأخوة الكرام:

(( الإيمان والحياء قُرناء جميعاً، فإذا رُفع أحدُهما رُفع الآخر ))

[ الحاكم عن عبد الله بن عمر ]

 فالإيمان أساس الفضائل ولجام الرذائل وقوام الضمائر، لقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقاً، وأن أكملهم إيماناً أحسنهم خلقاً، وأن من أحبِّ عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً، وأن من أقرب المؤمنين مجلساً من رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنهم خلقاً، وأن خير ما أُعطي الإنسان خلق حسن، وأنه ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وأن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم، بل إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، والخلق الحسن يُذيب الخطايا كما يُذيب الماء الجليد، والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل. هذه كلها أحاديث صحيحة، عن التلازم الضروري بين التدين الصحيح والخلق والقويم. وقد ورد في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم و هذا الحديث أساسي جداً في موضوعنا:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 هذا الذي يصلي والصلاة فرض، هذا الذي يصوم والصيام فرض، هذا الذي يحج البيت والحج فرض، لكنه يطعن في الآخرين بلا دليل، يسيء إليهم بلا سبب، يأخذ أموالهم، يشتمهم، هذا الذي يفعل هذا؛ دققوا فيما يقوله عليه الصلاة والسلام:

(( ...فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 هذا الحديث أيها الأخوة أصل في هذا الموضوع، في التلازم الضروري بين التدين الصحيح والخلق القويم، الحديث في صحيح مسلم أتى بصلاة، وصيام، وصدقة، لكنه شتم هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا، يأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته طرحوا عليه سيئاتهم، حتى يُطرح في النار.. ما بال هؤلاء الذين يجعلون الدين في جانب والتعاون اليومي في جانب؟ ما بال هؤلاء الذين فصلوا الدين عن الحياة؟ ما بال هؤلاء الذين فصلوا شعائر الدين عن شعائر الحياة؟..

 

التّواضع :

 يا أيها الأخوة الكرام، لا تنسوا أبداً أن في الإسلام عبادة شعائرية وأن في الإسلام عبادة تعاملية، إذا صحت العبادة التعاملية قطفت من العبادة الشعائرية ثمرتها، أما إن لم تصح العبادة التعاملية؛ يا رسول الله إن فلانة تذكر أنها تكثر من صلاتها، وصيامها، وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار، موضوع الخطبة اليوم أن التلازم ضروري وحتمي بين التدين الصحيح والخلق القويم..
 أيها الأخوة الكرام: هذه مقدمة، لكن الموضوع الأساسي هو خلق التواضع، وانطلاقاً من أن الحق وسط بين طرفين، وأن الفضيلة مكرمة بين رذيلتين، وأن الكمال في الوسط وأن النقص في التطرف، التواضع قد ينجرف إلى الذل، وقد يصبح غلافاً للكبر.. والذل رذيلة ونقيصة وسيئة، وقد يصبح التواضع غلافاً للكبر، وفي كلا الطرفين انحراف بالتواضع عن الموقع الصحيح الذي أراده الله، وتزييف لهذا الخلق الذي سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 يا أيها الأخوة الكرام: قد ينطوي المرء على نفس تتصف بأشدّ حالات الكبر، ولكنه يسلك مع بعض الناس سلوك المتواضعين، توصلاً بهذا السلوك إلى تحقيق المصالح المادية، إن هذا ليس من التواضع في شيء، إنه موقف ذكي أساسه المصلحة الراجحة، وليس هذا السلوك متعلقاً بخطبتنا اليوم. أما الكبرياء على العباد فصفة رب العباد الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي إذا ظهر قهر، وإذا تجلى طاشت لأنوار جلاله ألباب البشر.

﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[سورة الجاثيةُ: 36-37]

 أي له وحده.. الكبرياء إزاري فمن نازعني منهما شيئاً أذقته عذابي ولا أبالي .

 

ذلة العباد لربهم بالحق لا بالباطل :

 أيها الأخوة الكرام: ذلة العباد لربهم بالحق لا بالباطل، أن تتذلل وأنت ساجد لله رب العالمين هذا هو الحق، وهذه العبودية وأنت لا شيء.
 ذلة العباد لربهم بالحق لا بالباطل، فهو الخالق العظيم، والرب الرحيم، والميسر الحكيم، بديع السموات والأرض، ذو الفضل العظيم، رب العزة، ذو الجلال والإكرام، إليه يُرجع الأمر كله.

﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة يونس: 24]

 يجب أن تعرف موقعك، أنت عبد لله، بقدر افتقارك إلى الله يغنيك الله عز وجل، بقدر افتقارك إلى الله يقويك الله عز وجل، بقدر تذللك لله عز وجل يعزك الله عز وجل.
 مصائر العباد رهن مشيئته وطوع إرادته، وهم إنما يكونون في أزكى أحوالهم ساعة تعنو جباههم لربهم، خاضعين له، مُنيبين إليه، عندئذ يعرفون حجمهم ووضعهم فيلزمون حدهم، ولا يتجاوزونه، قال صلى الله عليه وسلم:

(( من كان في قلبه مثقالُ حبة من خردل من كبر كبه الله في النار ))

[ أحمد عن عمرو]

 المتكبِّر أيها الأخوة مبطل متطاول، يزعم لنفسه ما ليس لها، والكبر جملة من الخصال الخسيسة، في طليعتها جحد الحق، وجهل الواقع، وسوء العشرة، وتجاوز القدر، وتحقير الفضل.

 

العزة أساسها التوحيد و إتقان العمل :

 يا أيها الأخوة الكرام: وقد يجهل الإنسان حقائق التوحيد، أو يعتقد اعتقاداً فاسداً أساسه الشرك فيُذِّل نفسه، ويقبل الدنية في دينه ودنياه لواحد من أمرين؛ إما خوف أن يصاب برزقه، أو أن يصاب بأجله.
 الإنسان متى يذل؟ متى يخنع؟ متى يتضعضع أمام قوي أو أمام غني؟.. حينما يخشى على رزقه أن ينقطع، أو على أجله أن ينتهي، مع أن الله جل جلاله قطع سلطان البشر عن الآجال والأرزاق جميعاً، فليس لأحد إليهما سبيل، وبيّن لنا جل جلاله في كتابه العزيز أن البشر ولو اجتمعوا بأسرهم أذلُّ من أن يمنعوا شيئاً أعطاه الله، وأقل من أن يعطوا شيئاً منعه الله، قال تعالى:

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[سورة يونس: 107]

 هذا الذل ذل الشرك والخوف ليس من التواضع في شيء. وقد يقصِّر الإنسان في أداء واجبه، وقد يهمل علمه، أو صنعته، أو يسيء إلى الناس في تعامله معهم، فيأتيه اللوم والتقريع، فيتطامن ويستخذي، وهذا الذّل ذلّ التقصير والإهمال والإساءة ليس من التواضع في شيء. فالإنسان يذل إذا أشرك، خوفاً على رزقه أو خوفاً على أجله، ويذل إذا قصَّر أو أساء، خوفاً من اللوم أو التقريع، فالعزة أساسها التوحيد، والعزة أساسها إتقان العمل.

 

اعتزاز المسلم بنفسه ودينه وربه هو عزة الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام: إن ذلة العبد لعبد مثله باطلة لا ريب فقد حرَّم الإسلام على المسلم أن يهون، أو يُستذل، أو يُستضعف، قال تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 139]

 وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه :

(( من أعطى الذلة من نفسه طائعاً غير مُكره فليس منا ))

[ الطبراني عن أبي ذر]

 وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((من أصبح حزيناً على الدنيا أصبح ساخطاً على ربه، ومن أصبح يشكو مصيبة، نزلت به فإنما يشكو الله تعالى، ومن تضعضع لغني لينال مما في يده أسخط الله تعالى ))

[المنذري في الترغيب والترهيب وقال رواه الطبراني في الصغير عن أنس]

 إذاً لا ينبغي للمؤمن أن يُذل نفسه، فقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( ابتغوا الحوائج بعزِّة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير))

[ابن عساكر عن عبد الله بن بسر بسند ضعيف]

 قال بعض الحكماء: احتج للرجل تكن أسيره، واستغن عنه تكن نظيره، وأحسن إليه تكن أميره، وشرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن النــاس.
 إن اعتزاز المسلم بنفسه ودينه وربه هو عزة الإيمان، وعزة الإيمان غير كبرياء الطغيان، إنها أنفة المؤمن أن يصغر لجهة، أو أن يتضعضع في مكان، أو أن يكون ذنباً لإنسان، إنها ترفُّع عن مغريات الأرض، ومزاعم الناس، وأباطيل الحياة، وفيها انخفاض إلى خدمة المسلمين، والتبسُّط معهم، واحترام الحق الذي يجمعه بهم، إنها إتيان البيوت من أبوابها، وطلب العظمة من أصدق سبلها، قال تعالى:

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾

[سورة فاطر: 10]

اجعل لربك كل عــزك يستقر ويثبـت  فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
***

 العزة حق يقابله واجب، وليس يسوغ لامرئ أن يطالب بماله من حق حتى يؤدي ما عليه من واجب، فإذا كُلِّفت بعمل ما فأدّيته على أصح وجوهه، عندئذ لا سبيل لأحد عليك، ولا يستطيع من فوقك، ولا من دونك، ولا من في مستواك أن يعرض لك بلفظ جارح، أو مُحرج، وتستطيع أن تحتفظ بعزة نفسك أمام كل الناس على اختلاف مراتبهم حين تسدُّ الثغرات التي ينفذ منها إليك اللوم والتقريع، إن ألدَّ أعدائك حينئذ يتهيبك، قال تعالى:

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[ سورة يونس: 26]

 هذا قانون العزة، إذا أردت أن تكون عزيزاً أحسن في عملك:

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[ سورة يونس: 26]

التواضع الذي يريده الله تواضع العزيز القوي المنتصر :

 متى يذل الإنسان؟ إذا كسب السيئات، إذا قصر في عمله، إذا أهمل في عمله، إذا عمل سوءاً، عندئذ يأتيه اللوم والتقريع والتحجيم والذل ويُهان، قال صلى الله عليه وسلم:

(( إياك ما يعتذر منه ))

[الطبراني عن عبد الله بن عمر ]

 أيها الأخوة الكرام ، الكبر وبطلانه، والذلة باطلة، والفضيلة بين رذيلتين، بين الكبر بغير حق، وبين الذل الذي أساسه الشرك أو التقصير، الكبر بلا حق، أنت عبد لله، تكون قوياً إذا افتقرت إلى قوته، تكون غنياً إذا افتقرت إلى غناه، تكون عالماً إذا افتقرت إلى علمه، مادمت مفتقراً إليه فأنت قوي غني عالم، فإذا اعتززت بما عندك ونسيت الله عز وجل أذلك الله، فالإنسان عزيز إذا افتقر إلى الله، وذليل إذا أشرك أو إذا قصر في عمله.
 أيها الأخوة الكرام ، التواضع الذي يريده الله عز وجل تواضع العزيز، لا تواضع الذليل، تواضع القوي لا تواضع الضعيف، تواضع المنتصر لا تواضع المنهزم، حينما دخل النبي مكة المكرمة، وقد ناصبته العداء عشرين عاماً، وبإمكانه أن يقضي عليهم جميعاً، حنى رأسه تواضعاً لله عز وجل، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره، من تواضعه لله عز وجل، تواضع العزيز لا تواضع الذليل، تواضع المنتصر لا تواضع المنهزم، تواضع الشريف لا تواضع الخسيس، تواضع المؤمن لأن الأمر كله بيد الله، لا تواضع المشرك الذي استحوذ الخوف على قلبه، تواضع المؤدي لواجبه لا تواضع المقصر فيه، تواضع المتقن لعمله لا تواضع المهمل له، تواضع المحسن لا تواضع المسيء .

 

حقيقة التواضع :

 أيها الأخوة الكرام ، تواضع في اللغة على وزن تفاعل، هذا الوزن يفيد فيما يُفيد إظهار ما ليس في الواقع، فالمتواضع ليس وضيعاً، كما أن المتمارض ليس مريضاً، كما أن المتكبر ليس كبيراً، والمتعاظم ليس عظيماً، إظهار خلاف ما أنت عليه، فالتواضع ليس ضعة وليس ذلاً.
 أيها الأخوة الكرام، فالتواضع في حقيقته رؤية صحيحة لعظمة خالق الأكوان، وشعور واقعي بضعف الإنسان، وسلوك أصيل أساسه الانضباط والإحسان، فهو مظهر لعبودية الإنسان تجاه خالقه، ونتيجة لرؤية افتقاره لفضله، وليست سلوكاً ذكياً، أساسه مصلحة راجحة، ولا ضعفاً نفسياً أساسه توهُّم باطل، أو رؤية ضبابية، أو تقصير، أو إهمال، أو إساءة.
 إنه فضيلة الفضائل، وهو بين دناءة الذلِّ وغطرسة الكبر.

(( ..ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ...))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

 والتواضع في أدق تعاريفه خضوع العبد لسلطان الحق، والانقياد له والدخول تحت مظلته، ومن تكبر عن الانقياد للحق أذله الله، وصغره، وحقره، ومن تكبَّر عن الانقياد للحق ولو جاءه من صغير أو بعيد أو عدو فإنما تكبره على الله، فإن الله هو الحق، وكلامه حق، ودينه حق، والحق صفته، والحق منه، والحق إليه. إن كان لك صديق أقل منك شأناً، وأسدى إليك نصيحة، وجاء بالدليل من كتاب الله وسنة رسوله، أنت إذا قبلت هذه النصيحة لم تقبلها منه قبلتها من الحق، فإذا أبيت أن تنصاع لهذه النصيحة، أنت رددت الحق.
 أيها الأخوة الكرام: لهذا قيل من عرف نفسه عرف ربه، ومن لم يعرف نفسه فهو مغرور، ومن نظر بعين المعرفة إلى سلطان ربه فني عن سلطان نفسه، ومن نظر إلى عظمة ربه صَغُرت عنده عظمة نفسه، وقُهرت تحت جلاله وهيبته.

 

الدين هو الخلق والخلق هو الانضباط :

 أيها الأخوة الكرام: المؤمنون الصادقون المخلصون المتصلون بالله عز وجل فرغ الله قلوبهم من الكبر، وجعل رحيق محبته مشروبهم، وأطال على باب خدمته وقوفهم، وجعل رضاه وقربه مطلوبهم، وغضبه وبعده مخوفهم، فهم من خشيته مشفقون، ومن هيبته مطرقون، إن تواضعوا فلرفعته، وإن تذللوا فلعزته، وإن طمعوا ففي فضله، وإن خضعوا فلعظمته، إلى الله افتقارهم، وبالله افتخارهم، وإلى الله استنادهم، وهو كنزهم وعزهم وفخرهم وذخرهم ومعبودهم ومقصودهم، وقل للواقفين بغير باب الله: يا طول هوانكم، وقل للعاملين لغير الله: يا عِظم خسرانكم، وقل للآملين لغير فضل الله: يا خيبة آمالكم، وقل للساعين لغير وجه الله: يا ضيعة أعمالكم.
 أيها الأخوة الكرام ، هذا الموضوع هو من أساسيات الدين، لأن الدين هو الخلق، والخلق هو الانضباط، وإذا كان أهل الغرب سيطروا على الطبيعة بزعمهم فإن حقيقة الإيمان سيطرة على الذات، ضبط للنزوات، ضبط للأهواء، وقد قال بعض زعماء الغرب: ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا.. والمؤمن الحق هو الذي ملك نفسه وعمل للآخرة.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شمائل النبي صلى الله عليه و سلم :

 أيها الأخوة الكرام : كنت أقول دائماً: إن للنبي عليه الصلاة والسلام مهمتين، مهمة التبليغ ومهمة القدوة، ولعل مهمة القدوة أكبر وأخطر من مهمة التبليغ، هذا النبي الكريم ما أمرنا بأمر إلا كان السّبّاق إليه، وما نهانا عن شيء إلا كان أكثر الناس بعداً عنه، لذلك كان قدوة، وقد قال الله عز وجل:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[سورة الأحزاب: 21]

 النبي عليه الصلاة والسلام كان جمَّ التواضع، وافر الأدب، يبدأ الناس بالسلام، وينصرف بكله إلى محدثه، صغيراً كان أو كبيراً، ويكون آخر من يسحب يده إذا صافح، وإذا تصدق وضع الصدقة بيده في يد المسكين، وإذا جلس جلسَ حيث ينتهي به المجلس، لم يُرَ ماداً رجليه قط، ولم يكن يأنف من عمل لقضاء حاجته، أو حاجة صاحب، أو جار، كان يذهب إلى السوق ويحمل حاجته بيده ويقول: أنا أولى بحملها، وكان يجيب دعوة الحرِّ والعبد والمسكين، ويقبل عذر المعتذر، وكان يرفو ثوبه، ويخصف نعله، ويكنُس داره، ويخدم نفسه، وكان في مهنة أهله، وكان يأكل مع الخادم، ويقضي حاجة الضعيف والبائس، وكان يمشي هوناً خافض الطرف، متواصل الأحزان، دائم الفكرة، لا ينطق من غير حاجة، طويل السكوت، إذا تكلم تكلم بجوامع الكلم، كان دمثاً ليس بالجاف، ولا المهين، يعظم النِّعم وإن دقَّت، ولا يذمُّ منها شيئاً، ولا يذمُّ مذاقاً، ولا يمدحه، ولا تُغضبه الدنيا ولا ما كان منها، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، إذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، كان يؤلِّف ولا يُفرق، ويُقرب ولا يُنفر، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، يُحسَّن الحسن ويصوبه، ويُقبِّح القبيح ويوهِّنه، لا يُقصِّر عن حق، ولا يتجاوزه، ولا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منــه، من سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو ما يَسره من القول، كان دائم البشر، سهل الخُلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخَّاب، ولا فحّــاش، ولا عيّاب، ولا مزّاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يُخيِّب فيه مؤمله، وكان لا يذم أحداً، ولا يعيِّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يُرجى ثوابه، يضحك مما يضحك منه أصحابه، ويتعجب مما يتعجبون، ويصبر على الغريب وجفوته، في مسألته ومنطقه، لا يقطع على أحدٍ حديثه حتى يجوزه.
 أيها الأخوة الكرام: الحديث عن شمائله لا تتسع له المجلدات ولا خطب في سنوات، ولكن الله جل في علاه لخَّصها في كلمات فقال:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم: 4]

 محور هذه الخطبة الدين هو الخلق، تعبده العبادة التعاملية كما أمرك من أجل أن تقطف ثمار العبادة الشعائرية. الدين هو الخلق. لولا الخلق، ولولا الصلة بالله عز وجل، صار الدين طقوساً، وصارت المعلومات ثقافات ليس غير.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء. اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018