الخطبة : 0543 - أسباب الفقر ، الفقر بسبب الكسل - الجريمة في المجتمعات الغربية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0543 - أسباب الفقر ، الفقر بسبب الكسل - الجريمة في المجتمعات الغربية .


1995-10-13

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق والبشر ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الفقر من خلال القرآن و السنة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ موضوع الخطبة اليوم يتعلق بالفقر كظاهرة اجتماعية ، وكيف عالجها الإسلام من خلال نصوص الكتاب والسنة الصحيحة معالجة قوية . موضوع الفقر موضوع قديم ، وقد حاولت جميع الشرائع والفلسفات أن تحل هذه المشكلة ، تارةً عن طريق الوصايا والمواعظ ، والترغيب والترهيب ، وتارةً عن طريق التحليق النظري في عالم مثالي ، لا تفاضل فيه ولا حرمان .
 أيها الأخوة الكرام ؛ تحتل هذه المشكلة في عصرنا الحاضر مكاناً فسيحاً من عقول الناس ، ومن قلوبهم ، كيف عالج الإسلام هذه المشكلة من خلال أصوله ومصادره الخالصة من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة المجتهدين ؟ هذا محور الموضوع .
 أولاً أيها الأخوة من الخطأ الفادح أن يُنسب إلى الإسلام أنه يقدس الفقر ، الإسلام لا يقدس الفقر ، وليس في الإسلام كله آية واحدة تقدس الفقر ، بل العكس هو الصحيح ، ولكن قبل أن أبدأ لابد من حقيقة أضعها بين أيديكم . عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قال:

((قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[أحمد عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

 هناك فقر أساسه الكسل ، هناك فقر سببه التواني ، تضييع الوقت ، عدم إتقان العمل ، الخلود إلى الراحة ، الخلود إلى الاسترخاء ، هذا الفقر الذي بسبب الكسل ، وكره العمل، وعدم الإتقان ، والتسيب ، والخلود إلى الراحة هو الذي أعالجه في هذه الخطبة ، لكن الإنسان قد يسعى ويسعى ، ويبذل كل جهد ، ويستنفذ كل وسيلة ، ثم لا يجد إلا ما سمح الله له به ، عندئذ يمكن أن نقول : ذاك فقر الكسل ، وهذا فقر القدر .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لا يعنيني في هذا الموضوع إلا ضيق ذات اليد الناتج عن الكسل الناتج عن عدم إتقان العمل ، الناتج عن التواني ، عن التسويف ، عن التسيب ، عن الخلود إلى الراحة ، عن مؤاثرة الاسترخاء على بذل الجهد ، هذا الذي أعالجه في هذه الخطبة .

 

الغنى نعمة يمتن الله بها على عبده ويطالبه بشكرها :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كما قلت قبل قليل : الإسلام ينكر أشدّ الإنكار نظرةً قوامها تقديس الفقر ليس في كتاب الله آية واحدة ، ولا يوجد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث واحد يثني على الفقر ، لكن هذه النظرة التقديسية للفقر وفدت إلينا من ثقافات أخرى لا تمت إلى الإسلام بصلة .
 لكن الأحاديث الشريفة التي تمدح الزهد في الدنيا ، لا تعني أنها تمدح الفقر ، فإن الزهد يقتضي أن تملك شيئاً ، وأن تزهد فيه ، فالزاهد حقاً من ملك الدنيا فجعلها في يده ، ولم يجعلها في قلبه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ العكس هو الصحيح ، الإسلام يجعل الغنى نعمة يمتن الله بها على عبده ، ويطالبه بشكرها ، أريد أن أوضح ، الموضوع متشعب كثيراً . النبي عليه الصلاة والسلام دعا على من أحبه بالكفاية ، الكفاية ليس أن تكون فقيراً :

((اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 أي أن يجد ما يغطي حاجاته ، هذا ليس فقراً ، هذه كفاية ، والنبي دعا بالكفاية لكل من أحبه ، الفقر ألا تجد حاجاتك الأساسية ، والغنى شيء ، والكفاية شيء آخر ، فإذا دعا النبي لمن أحبه بالكفاية فليس معنى هذا أنه دعا عليه بالفقر ، لا . . دعا له بالكفاية .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ألم يقل الله عز وجل مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم:

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى ﴾

[سورة الضحى: 6-8]

 معنى أغنى أي أغناك عن الناس . الغنى ليس بالمعنى المألوف أن تملك الملايين المملينة ، لكن الغنى أن تستغني عمن حولك ، أن تكتفي برزقك ، أن تحفظ ماء وجهك ، أن تكون يدك هي العليا ، أن تعمل :

((من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له))

[ الطبراني في الأوسط عن ابن عباس بلفظ من أمسى كالا من عمل يديه أمسى مغفورا له]

 الإسلام دين العمل ، أمسك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد عبد الله بن مسعود وكانت خشنة من العمل ، فقال عليه الصلاة والسلام:

((إن هذه اليد يحبها الله ورسوله))

[ ورد في الأثر ]

 الله جلّ جلاله أمرنا بعمارة الأرض ، أمرنا بأن نكسب الرزق ، أمرنا بأن نعمل من أجل أن نكفي أنفسنا ، وأن نكفي أولادنا ، وأن نكفي أهلنا ، وأن نكفي المسلمين ، وأن نتصدق.

 

الغنى الذي قصده القرآن الكريم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أحد أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم ، وأظنه أبا ذر الغفاري ، يقول : " حبذا المال أصون به عرضي ، وأتقرب به إلى ربي" .
 أيها الأخوة الكرام ؛ آية ثانية :

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾

[ سورة نوح: 10-12 ]

 الغنى أن تستغني عن الناس ، الغنى أن ترفع رأسك ، الغنى أن تحفظ ماء وجهك ، الغنى أن تكون يدك هي العليا ، الغنى أن تنتفع بمالك لآخرتك ، الغنى أن تنفق المال في طاعة الله ، أن تنفقه في التقرب إلى الله ، أن تنفقه في تمتين العلاقة بأهلك ، هذا هو الغنى الذي قصده القرآن الكريم ، وليس الغنى الفاحش ، وليس تبذير الأموال ، ولا الترف الذي لا يُحتمل ، هذا كله نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه حينما بيّن القرآن الكريم أن المبذرين إخوان الشياطين ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾

[سورة الإسراء :27]

﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال صلى الله عليه وسلم :

((نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ))

[ أحمد عن عمرو بن العاص بسند صحيح]

الأخطار الناجمة عن الفقر المدقع :

 أيها الأخوة الكرام ؛ سأستعرض وإياكم الأخطار الناجمة عن الفقر المدقع ، حينما لا تجد طعاماً ، حينما لا تجد مأوى ، حينما لا تجد كساءً . الفقر المدقع الذي إلى جانبه ثراء فاحش ، ولا سيما إذا كان الفقير هو الساعي المجهد ، والمترف هو القاعد المتبطل ، هذه الصورة ربما زلزلت عقيدة المسلم ضعيف الإيمان . روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني بسند ضعيف : " كاد الفقر أن يكون كفراً " .
 ربما زعزع عقيدة ضعيف الإيمان ، وروي عن بعض السلف أنهم قالوا : إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر : خذني معك . وكان عليه الصلاة والسلام يدعو فيقول :

((اللهم إني أعوذ بك من الفقر والكفر))

[ الطبراني عن عثمان بن أبي وقاص]

 ودائماً أحدد المصطلحات ، الفقر الذي نعنيه هو فقر الكسل ، فقر التواني ، فقر عدم إتقان العمل ، فقر التسويف ، فقر الخلود إلى الراحة ، فقر إيثار البطالة على العمل الشاق:

((من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له))

[ الطبراني في الأوسط عن ابن عباس بلفظ من أمسى كالاً من عمل يديه أمسى مغفوراً له]

 يقول سيدنا عمر : " إني أرى الرجل ليس له عمل فيسقط من عيني" .
 يقول سيدنا علي كرم الله وجهه: " قيمة المرء ما يحسنه " .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ذكرت هذا كثيراً ، وأذكره مئات المرات ، العمل الذي ترتزق منه حرفتك ، خبرتك ، وظيفتك ، دكانك ، مكتبك ، العمل الذي ترتزق منه إذا كان في الأصل مشروعاً ، وسلكت فيه الطرق المشروعة ، ولم يصرفك عن طاعة ، ولا عن عبادة ، ولا عن طلب علم ، وأردت منه كفاية نفسك ، وأهلك ، والمسلمين ، وأردت منه نفع المسلمين ، انقلب هذا العمل الذي يفعله كل الناس بحكم الضرورة ، انقلب هذا العمل عند المسلم إلى عبادة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الفقر المدقع الناتج عن الكسل والتواني ربما زلزل عقيدة الإنسان: كاد الفقر أن يكون كفراً ، والفقر خطر على الأخلاق والسلوك . الفقير المدقع المحروم الذي إلى جانبه الطاعم الناعم ، يدفعه فقره إلى سلوك لا ترضاه الفضيلة ، ولا الخلق الكريم . بعضهم قال : صوت المعدة أقوى من صوت الضمير .
 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري عن أثر الدَّين في انحراف الأخلاق :

((إن الرجل إذا غرم - أي إذا ركبه الدين- حدث فكذب ، أو وعد فأخلف))

[البخاري عن أثر الدَّين]

 والبخاري ومسلم يرويان معاً في صحيحيهما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه :

((عن الرجل الذي تصدق بالليل على رجل لا يعرفه ، فصادفت صدقته سارقاً ، فتحدث الناس بذلك رجل تصدق على سارق ، ثم تصدق مرةً أخرى على امرأة فصادفت صدقته زانية ، فأصبح الناس يتحدثون بذلك ، فجاءه في المنام من قال له : أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته ، وأما صدقتك على زانية فلعلها تستعف عن زناها))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 إشارة إلى أن بعض أنواع الانحراف الأخلاقي بسبب الفقر المدقع .

 

خطر الفقر على الفكر الإنساني و العقيدة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ والفقر خطر على الفكر الإنساني ، فمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة ، يُروى أن جاريته أخبرته يوماً في مجلسه أن الدقيق قد نفد فقال لها: ويحك لقد أضعت من رأسي أربعين مسألة من مسائل الفقه .
 أبو حنيفة رضي الله عنه يقول : لا تستشر من ليس في بيته دقيق . والفقهاء يقولون : لا يقض القاضي حين يقضي وهو غضبان ؛ لأن حكمه لا يأتي صحيحاً ، وقد حمل الفقهاء على هذه القاعدة ثلاثاً وثلاثين حالة ، منها شدة الجوع ، وشدة العطش .
 أيها الأخوة الكرام ؛ كما أن الفقر خطر على العقيدة ، وخطر على الأخلاق والسلوك ، وخطر على الفكر الإنساني ، وخطر على الأسرة ، و خطر على تكوينها ، وعلى استمرارها ، وعلى تماسكها ؛ لأن الذي لا يجد ما يتزوج لن يتزوج ، قال تعالى:

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

[ سورة النور : 33]

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة النور : 32]

 من أجل أن تنشأ الأسرة لابد من مأوى صغير ولو غرفة واحدة ، من أجل أن تنشأ الأسرة لابد من دخل ثابت ، من أجل أن تنشأ الأسرة لابد من سرير ، لابد من خزانة ، لابد من أدوات مطبخ ، المال قوام الحياة ، فالذي يسعى لبناء الأسرة ، فالذي يسعى لترسيخ نظام الأسرة في المجتمع ماذا يحل محل الأسرة ؟ السفاح ، والانحراف ، والنوادي الليلية ، والأفلام التي لا ترضي الله عز وجل ، والزنا ، هذا كله بديل الأسرة ، فينبغي أن نشجع تأسيس الأسر ، ينبغي أن نشجع الزواج ، ينبغي أن نتساهل ، قال تعالى:

﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

[سورة القصص: 27]

﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِين﴾

 هذا كلام سيدنا شعيب لسيدنا موسى ، يجب أن يكون شعاراً لكل أب عنده فتيات :

﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾

 أخبرني الأخوة القضاة أن محكمة النقض اجتهدت أن غرفة فيها سرير وخزانة تُعد مسكناً شرعياً يجب على الزوجة متابعة زوجها فيه ، هذا اجتهاد أخير .
 سمعت أن بعض قرى دمشق اجتمع وجهاؤها وقرروا أن أقصى مهر يدفعه الشاب خاتم بسيط مع ساعة ، هذا كل شيء ، يجب أن نيسر الزواج ، قال تعالى:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة النور : 32]

 الفقر المدقع خطر على تكوين الأسرة ، لا تتكون ، يحل محلها الزنا ، وهذا خطر على استمرارها ، ربما انفصمت عرى الزوجية لفقر الزوج ، والفقر المدقع خطر على تماسكها ، التماسك يحتاج إلى إنفاق ، فحينما يجد الابن أباه يعطيه حاجاته الأساسية ، الابن يشد إلى والده، أما إذا وجد أباه لا يستطيع أن يقدم له شيئاً ، ربما ضعفت هذه العلاقة .

 

خطر الفقر على الأسرة و تكوينها و استمرارها :

 مرةً ثانية : أتحدث عن الفقر الذي بسبب الكسل ، بسبب التواني ، بسبب التسيب ، بسبب الميل إلى الراحة ، بسبب التسويف ، بسبب الخلود إلى الاسترخاء ، هذا الفقر الذي هو من صنع الإنسان ، هو الذي أعالجه في هذه الخطبة ، أما الفقر الذي هو قدر الإنسان فموضوع آخر له خطب أخرى .
 أيها الأخوة الكرام ؛ تأكيداً لهذه الحقيقة ، قال تعالى:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾

[ سورة الأنعام : 151]

 من أي من فقر واقع ، نحن نرزقكم وإياهم ، وقال تعالى :

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾

[سورة الإسراء: 31]

 سئل عليه الصلاة السلام : أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال :

((أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ، قُلْتُ : إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ: وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ ، قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ))

[متفق عليه عن عبد الله]

 أيها الأخوة الكرام ؛ الفقر خطر على الأسرة ؛ على تكوينها ، وعلى استمرارها ، وعلى تماسكها . وقد يصبر المرء إذا كان الفقر ناشئاً عن قلة الموارد وكثرة الناس ، أما إذا نشأ عن سوء توزيع الثروة ، وبغى بعض الناس على بعض ، وترفت أقلية في المجتمع على حساب الأكثرية ، فهذا هو الفقر الذي يثير النفوس ، ويحدث الفتن والاضطراب ، ويقوض أركان المحبة والإخاء بين الناس .
 وللفقر أخطاره على الصحة العامة ، كسوء التغذية ، وسوء التهوية ، وسوء المسكن. وللفقر أخطاره على الصحة النفسية ، كالضجر ، والتبرم ، والقلق ، والسخط .
 أعيد وأكرر : العمل المشروع ، وأن تسلك فيه الطرق المشروعة ، وأن تبتغي فيه خدمة نفسك ؛ كفاية نفسك وأهلك ، ونفع المسلمين ، ولم يشغلك عن طلب علم ، ولا عن فريضة، ولا عن واجب ديني ، هو عبادة .

 

لكلّ معضلة في الكون حلّ و لكلّ داء دواء :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك من يزعم أن الفقر والغنى أمر محتوم ، وقدر مقسوم ، ولا راد له ، ولا حول في دفعه ، وأن غنى الغني بمشيئة الله ، وأن فقر الفقير بمشيئة الله - هناك من يزعم - ومشيئة الله تعني رضاه ، لكن علماء العقيدة يقولون : شاء ولم يرض .
 فليرض كل بوضعه ولا يطلب له تبديلاً ، هذه الفكرة أيها الأخوة رفضها الإسلام أشدّ الرفض ، قال تعالى:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[سورة يس: 47]

 هذه مقولة أهل الكفر ، أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ؟ قضية مقسومة ومنتهية ، وأن الغني غني بمشيئة الله ، وأن الفقير فقير بمشيئة الله ، وأنه عليك أن ترضى بهذه المشيئة دون أن تغير وضعك إطلاقاً .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ من أعظم المبادئ التي غرسها الإسلام أن لكل معضلة في الكون حلاً ولكل داء دواء ، فالذي خلق الداء هو الذي خلق الدواء ، والذي قدر المرض هو الذي قدر العلاج ، فالمرض بقدر الله ، والعلاج بقدر الله ، والمؤمن الصادق يدفع قدراً بقدر ، كما يدفع قدر الجوع بقدر الغذاء ، ويدفع قدر العطش بقدر الشرب ، لهذا قال عمر عملاق الإسلام رضي الله عنه حين رجع بمن معه من الشام خشية الوباء ، قيل له : أفراراً من قدر الله يا أمير المؤمنين ؟ قال: نعم ، نفر من قدر الله إلى قدر الله .
 سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أدوية يتداوون بها هل ترد من قدر الله شيئاً:

((يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا ، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا ؟ فَقَالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ))

[الترمذي وابن ماجه]

 لماذا الدواء إذا قدر الله علينا مرضاً ؟ إنه قدر ، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأدوية هل ترد من قضاء الله شيئاً ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : إنها من قدر الله . .إذا كان المرض من قدر الله فالدواء من قدر الله ، وعليك أن تدفع قدراً بقدر ، لو دخل إلى بيتك لص ، هذا من قدر الله ، هل تبقى ساكتاً ؟ هل تنظر إليه ؟ هل تستقبله ؟ هل ترحب به ؟ ما دام هذا قدر من الله فيجب أن ترد القدر بقدر من الله .

 

تقديس العمل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ما أردت من هذا الموضوع إلا أن نقدس العمل ، وأن نعد العمل عبادة ، أردت من هذا الموضوع أن المسلم قدوة لغيره ، المسلم منتج ، المسلم يعمل عملاً مشروعاً ، المسلم يدعو إلى الله من خلال عمله ، هل تصدقون أن أكبر دولة إسلامية على الإطلاق - إندونيسيا - تعد مئة وخمسين مليوناً قبل عشر سنوات ، الآن لا أذكر كم تعد ، هذه الدولة المسلمة إنما أسلمت من خلال التجارة ، تجارة المسلمين :

((التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين))

[الترمذي والدارمي عن أبي سعيد الخدري]

 لأنه داعية إلى الله من خلال أسلوبه في التعامل ، من خلال صدقه وأمانته ، من خلال نصحه للمسلمين .
 قال سيدنا عمر : إني أرى الرجل ليس له عمل يسقط من عيني .
 قيمة الرجل ما يحسن ، الطلاب عليهم أن يدرسوا ، أصحاب المهن عليهم أن يتقنوا ، أصحاب النشاطات الأخرى عليهم أن يخلصوا ، لابد من الإتقان ، لابد من الإخلاص ، لابد من الإنتاج ليكون المسلم قدوةً ، لا ينبغي أن يكون المسلم في الطبقة الدنيا من المجتمع ، في الدرجة الأخيرة من السلم ، في الدنيا ، لا . يجب أن تتفوق في اختصاصك ، في عملك يجب أن يُشار إليك بالبنان ، يقال : إسلامه جعله بهذا التفوق . . يجب أن تؤكد للناس أن الإسلام يفجر طاقات الإنسان ، يجب أن تؤكد للناس أن المسلم صادق لا يكذب ، أمين لا يخون ، متقن في عمله ، أليس من العار أن يكون أهل الدنيا أهل المعاصي والفجور هم المتقنون في عملهم ؟ وأن أهل الإيمان يتسكعون في الزوايا ؟ أهذا هو الدين ؟ ! . هذا الذي رأى رجلاً يقرأ القرآن في النهار ، قال : إنما أنزل هذا القرآن ليعمل به ، أفتخذت قراءته عملاً ؟! . . اقرأه آناء الليل وأطراف النهار ، اقرأه في صلاة الفجر ، هذا وقت عمل . النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يصلي في المسجد قال : من يطعمك ؟ قال : أخي ، قال : أخوك أعبد منك .
 والله أيها الأخوة شاب أراه منكباً على عمله المشروع ، يسلك به الطرق المشروعة يتقنه من أجل أن يكسب رزقاً حلالاً ، ينشئ أسرةً ، هذا والله عندي مقدس .
 الإنسان الذي يعمل ليكف نفسه عن الحرام ، يعمل ليتزوج فتاة تنتظر الزواج ، يعمل لينفق على والدين كبيرين ، يعمل ليربي أولاداً تربية سليمة ، يعمل ليكفي أسرته ، هذا إنسان عند الله عظيم ، وهناك أحاديث كثيرة لا تحضرني الآن تؤكد هذه المعاني ، فالصحابة الكرام ما فتحوا العالم ، ولا وصلوا إلى أطراف الدنيا بكسلهم ، وتوانيهم ، واستسلامهم لقدر موهوم ، هذا قدر موهوم ، قدر الله يُعالج بقدر الله ، كما قال سيدنا عمر عندما قالوا له : يا أمير المؤمنين أتفر من قدر الله ؟ قال : نعم بكل بساطة نفر من قدر الله إلى قدر الله ، ولهذه القصة زيادة ، قال : لو أن غنماً معك ترعاها في أرضين الأولى مجدبة والثانية مخصبة ، أليس إن رعيتها في الأرض المجدبة رعيتها بقدر الله ؟ أليس إن رعيتها في الأرض المخصبة رعيتها بقدر الله ؟ قال : نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله . كيف تريد من الناس أن يعظموا المسلمين وهم متخلفون ؟ كيف تريد من الناس الذين لا يعرفون عن الإسلام شيئاً أن يقدسوا هذا الدين ؟ من خلال المسلمين بأعمالهم ، وإنتاجهم ، وإتقانهم ، وكفاية أنفسهم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مرةً ثانية : هناك فقر ناتج عن الكسل ، وعن التواني ، وعن التسويف ، وعن الميل إلى الراحة . .
 لذلك سيدنا عمر لما سأل أحد الولاة ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال : أقطع يده ، قال : إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك ، قال : إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم ، ونستر عورتهم ، ونوفر لهم حرفتهم ، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها ، إن هذه الأيدي خُلقت لتعمل ، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

ضرورة الدين للفرد و المجتمع :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك أدلة إيجابية على ضرورة الدين للفرد والمجتمع ، على أن الفرد من دون دين ، وأن المجتمع من دون دين هالك ، فإذا رأيت مجتمعاً مزدهراً ، تسوده العلاقات الإيجابية ، فهذا أثر من آثار الدين ، لكن هناك أدلةً أخرى سلبية تدل على أحقية الدين ، حينا تجد مجتمعاً متفلتاً غارقاً في الجريمة ، هذا المجتمع إنْ هو إلا أثر من آثار ترك الدين .
 مقال نُشر في مجلة ثقافية عربية واسعة الانتشار عن الجريمة في المجتمعات الغربية ، ففي عام ألف وتسعمئة وثلاثة وتسعين وقعت في بلد من أقصى الغرب أربعة ملايين وأربعمئة ألف جريمة ، بين قتل واغتصاب وسرقة ، استُخدم فيها السلاح ، في بلد واحد . . من بين هذه الجرائم أربعة وعشرون ألفاً وخمسمئة جريمة قتل ، أعدم من هؤلاء الذين قتلوا ثلاث وثلاثون مجرماً ، ومليون ونصف مجرم تضمهم سجون هذا البلد ، قال : جرائم المراهقين تزداد بسرعة هائلة ، فالمراهق يقتل إنساناً من أجل شراء حذاء رياضي ، أو من أجل الحصول على سترة جلدية .
 أجري إحصاء في هذا البلد ، أجرته مجلة واسعة الانتشار هناك طرحت هذا السؤال على آلاف مؤلفة من الناس ، هل تخاف الجريمة ؟ فكان ثمانية وسبعون بالمئة قالوا : نشعر بالخوف ونحن في بيوتنا ، وثمانون بالمئة قالوا : نخشى التجول في الشوارع ليلاً ، وأربعون بالمئة قالوا : إن حماية الشرطة وحدها لا تكفي ، وثلاثون بالمئة يحتفظون بأسلحة للدفاع عن أنفسهم .
 هذا مجتمع التفلت ، هذا مجتمع العلمانية ، هذا المجتمع الذي لا يحكمه دين ، ولا رادع ، ولا هدف مقدس . إحدى الأمهات قالت للمحامي : أرجوك دعهم يسجنوا ولدي ، فإنني على الأقل أعرف أين هو . طالب أجنبي طرق باب منزل خطأً ، فكان الجواب رصاصة استقرت في رأسه ؛ لأن صاحب المنزل خائف . ذاك البلد خصص ثلاثمئة مليار من عملته الصعبة لمنع الجريمة ، عشرة مليارات لبناء السدود ، وثمانية مليارات وثمانمئة مليون لتجنيد مئة ألف شرطي ، وسبعة مليارات لتمويل برامج اقتصادية واجتماعية تساهم في تحسين أوضاع المناطق الفقيرة ، وهذا متعلق بخطبتنا .
 أيها الأخوة الكرام ؛ يجب أن نشكر الله كثيراً على نعمة الأمن في بلدنا ، يجب أن نشكر الله كثيراً على أن أحدنا يتجول طوال الليل هو وأهله وأولاده وهو مطمئن ، يجب أن نشكر الله كثيراً على أن أحدنا إذا دخل بيته ينام آمناً مطمئناً ، هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها ، هي بسبب بقايا التدين ، لا أقول التدين الحقيقي ، بقايا ما في النفوس من عادات أساسها الدين .
 أيها الأخوة الكرام ؛ من أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله ، أقم في بلد تُقام فيه شعائر الدين ، أقم في بلد فيه بقية حياء ، فيه بقية وفاء عهد .
 أيها الأخوة الكرام ؛ يجب أن نعرف قيمة بلدنا ، يجب أن نعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة كثيرة تزيد عن ثلاثين حديثاً مدح السكنى بالشام ، وقال:

((رأيت عمود الإسلام قد سلّ من تحت رأسي ، فأتبعته بصري فإذا هو بالشام ، فعليكم بالشام في آخر الزمان))

[ الحافظ أبو بكر النجار في جزء التراجم عن أبي الدرداء]

 أيها الأخوة الكرام ؛ مقالة علمية ، فيها أرقام ، وإحصاءات من البلد نفسه ، أربعمئة مليون وأربعمئة ألف جريمة في عام ثلاثة وتسعين ، مليون ونصف مجرم في السجون ، أي الأرقام خيالية ، ثلاثمئة مليار تُنفق لمكافحة الجريمة لا وازع ديني ، لا هدف للناس . فالإنسان إذا عرف سرَّ وجوده ، وغاية وجوده ، إذا عرف أن الله يراقبه ، هذه أساسيات الدين .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018