موضوعات علمية من الخطب - الموضوع : 271 - جهاز المناعة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1موضوعات علمية من الخطب
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات علمية من الخطب - الموضوع : 271 - جهاز المناعة.


1993-12-17

 هذا الإنسان أعقد آلة في الكون. هو المخلوق الأول، هو المخلوق المكرم، هو المخلوق المكلف، في خلاياه وأنسجته، في أعضائه وأجهزته من التعقيد والدقة والإتقان ما يعجز عن فهم بنيتها وطريقة عملها أعلم علماء الطب، وفي هذا الإنسان نفس تعتلج فيها المشاعر والعواطف وتصطرع فيها الشهوات والقيم والحاجات والمبادئ بحيث يعجز عن إدراك خصائصها أعلم علماء النفس. وفي هذا الإنسان عقل فيه من المبادئ والمسلمات والقوى الإدراكية والتحليلية والإبداعية ما أهله ليكون سيد المخلوقات. لقد خصه الله جل وعلا بأجهزة دفاع بالغة الدقة أولى هذه الأجهزة الجلد، وهو درع سابغة على البدن ترد عنه الجراثيم والأخطار، وهو خط الدفاع الأول، وخص المولى جل وعلا كل عضوٍ وكل جهازٍ وكل حاسةٍ بجهاز دفاع خاص به، فللعين مثلاً الأهداب والأجفان والدمع. هذه الأجهزة الخاصة بكل عضو وبكل جهاز هي خط الدفاع الثاني، وأما خط الدفاع الثالث فهو الدم وجنوده كريات الدم البيضاء، وعددها خمسة وعشرون مليون كرية في أيام السلم ويتضاعف هذا العدد في أيام الاستنفار وقد يصل إلى مئات الملايين في حال القتال، في فترة زمنية لا تتجاوز الساعات والأيام.
 لهذه الجيوش الجرارة من الكريات البيضاء سلاح إشارة مؤلف من بضع مواد كيماوية يُعد هذا السلاح وسيلة التفاهم فيما بينها، أما خطة جهاز المناعة في الدفاع عن الجسم فهي من الدقة والتنسيق والفعالية بحيث يصعب تصديقها، خلايا الدم البيضاء ذكية جداً، كما يقول بعض العلماء إنْ في نظام عملها، أو في توزيع الأدوار القتالية على أفرادها، أو في تحقيق المهمات المنوطة بها. فبعد ثوان معدودات من اجتياز أي جسم غريب لخطوط الدفاع الأولى والثانية تتوجه هذه الكريات البيضاء إلى الجسم الغريب بمهمة استطلاعية فقط، حيث تأخذ الشيفرة الكيماوية من هذا الجسم الغريب وتحتفظ بها ثم تنقلها إلى المراكز اللمفاوية مراكز تصنيع السلاح، وهنا تنتهي مهمتها. وفي المراكز اللمفاوية تقوم الكريات البيضاء الأخرى والتي تدعى الكريات المحصنة الصانعة بتفكيك رموز هذه الشيفرة تمهيداً لصنع المصل المضاد، وتنتهي مهمتها بعد صنع المصل المضاد، ثم تأتي الكريات المقاتلة وتحمل هذا المصل المضاد والسلاح الفعال وتتوجه به لتهاجم الجسم الغريب، وتنشب المعركة بين هذه الكريات المقاتلة وهذا العدو المهاجم إلى أن تصرعه، وعندئذ تنتهي مهمتها. ثم تأتي الكريات اللاقمة لتنظف ساحة المعركة من جثث الأعداء.
كريات مستطلعة وكريات مصنعة وكريات مقاتلة وكريات منظفه وهذه الكرية لا يزيد قطرها عن خمسة عشر مكروناً وفي الميلمتر المكعب هناك سبعة آلاف كرية،

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)﴾

[سورة التين]

 لكن الإنسان حينما ينحرف عن منهج ربه ويستجيب لنداء غريزته من دون ضابط من شرع أو رادع من فطرة أو زاجر من عقل يبطل عمل هذا الجهاز فيموت الإنسان لأدنى سبب.
وما مرض نقص المناعة المكتسب بالإثم أي الإيدز إلا تأكيد لهذه الحقيقة. لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم فلما انحرف عن منهج ربه، ثم رددناه إلى أسفل سافلين.
لو نظرت إلى شاب مصاب بهذا المرض الخطير، مرض نقص المناعة المكتسب بالآثام:
 لـرأيته صار إلى فتـىً هــزيل الجسم منجرد متلجلج الألفاظ مضطرب متواصل الأنفاس مضطرد عيناه عالقتان في نفق كسراج كـوخ نصف متقد تهتز أنمله فتحسـبهـا ورق الخريف أصيب بالبرد ويمج أحياناً دماً فعلـى منديله قطع مــن الكبد قطع تقول له تموت غــداً وإذا ترق تقـول بعد غــد والموت الزؤام هو المصير المحتوم لكل مسرف مصاب بهذا المرض مات الفتى فأقيم في جدث مستوحش الإرجاء منفرد كتبوا على حجراته بـــدم سطر به عظة لذي رشد هذا قتيل هوى ببنت هوىً فـإذا مررت بأختها فحـد
يا أيها الإخوة الكرام في دنيا العروبة والإسلام:
 من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ما رواه ابن ماجه والبيهقي واللفظ له عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا معشر المهاجرين خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ".
هذا الحديث الشريف من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم:

 

(( ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدواً من غيرهم يأخذ بعض ما في أيديهم ))

 

[رواه ابن ماجه رقم4019 والحاكم في المستدرك وقال هذا حديث صحيح الإسناد ورواه البزار والبيهقي ومال في الموطأ موقوفاً]

أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام:
 لقد عمَّ العالم مرض وبائي معد سببه فيروس لم يكن معروفاً من قبل وبحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية قبل ستة أشهر هناك أربعة وثلاثون مليون مصاب في العالم. لكن هناك خبراء يؤكدون أن العدد الحقيقي قد يكون ضعف هذا العدد أو أكثر، ومما يزيد الحالة سوءاً عجز العالم بكل مؤسساته وهيئاته العلمية وإمكاناته المالية عن صنع لقاح مضاد لهذا المرض. إن هذا الفيروس لا ينتشر في أكثر حالاته إلا من خلال الإباحية والفوضى الجنسية والإدمان على المخدرات ومن خلال انتشار السياحة من أجل الجنس، أي إنه وهذه حكمة الخالق، أي أنه مرتبط بالسلوك الشخصي، في الدرجة الأولى. وهناك مفارقة حادة يختص بها هذا الوباء فبينما نجد أن معالجته مستعصية إلى درجة الاستحالة فالموت الزؤام مصير كل مصاب به نجد في الوقت نفسه أن الوقاية منه سهلة إلى درجة أن كل إنسان لم يصب بهذا المرض يملك الوقاية التامة من خلال التزامه بالمنهج الإلهي من حيث العفة والاستقامة، فكل شهوة أودعها الله بالإنسان جعل الله لها قناةً نظيفة تتحرك فيها، وأوامر الدين ضمان لسلامتنا وليست قيوداً لحريتنا.
أيها الأخوة الكرام حضوراً ومستمعين:
 الشيء المحير أن هذا الفيروس يستطيع أن يغير شكله في أي وقت فلو أنفقت ألوف الملايين في البحث العلمي عن لقاح مضاد له تذهب هذه الأموال أو تلك الجهود أدراج الرياح حينما يغير هذا الفيروس شكله فضلاً عن أن لهذا الفيروس سلالات عديدةً فمن نجا من سلالة أردته أخرى، وكأن الله جل جلاله يريد من الإنسان المتفلت أن ينجو من هذا المرض بالعفة والاستقامة لا باللقاح والدواء، قال تعالى:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾

 وشيء آخر يقوله العلماء وهو أنه لو افترض جدلاً وهذا أقرب إلى المستحيل، أن جهود العلماء في السنوات الخمس القادمة توصلت إلى لقاح مضاد لهذا الفيروس فإن تكاليف معالجة المريض الواحد تزيد عن عشرة ملايين ( الواحد )

 

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾

أيها الإخوة الكرام حضوراً ومستمعين:
 في دراسة إحصائية دقيقة أجريت في بلد تفاقم فيه انتشار هذا المرض بسبب الإباحية والفوضى الجنسية وجدوا أنه في كل عشر ثوانٍ يموت إنسان بهذا المرض. وأُذيعت هذه الدراسة في بعض الإذاعات العالمية ذلك بأن هذا المرض ينتشر بمتوالية هندسية. ويبدو أن المتوالية الهندسية لا تعبر عن حجم انتشاره ينبغي أن نقول أن هذا المرض ينتشر بمتوالية انفجارية مخيفة. وهناك دراسات إحصائية أخرى تتوقع أن يكون عدد المصابين في العالم في عام ألفين مائة وعشرين مليون مصاب نشر هذا في صحيفة تصدر في دمشق وهناك من يعتقد أن هناك مصاباً بهذا المرض وحاملاً له، لكنه وجد أن الحامل لفيروس هذا المرض مصاب به حتماً لكنه لا يزال في دور الحضانة وأما أعراضه المرعبة ففي طريقها إلى الظهور فلا معنى للتفريق بين المصاب والحامل لأن الفرق بينهما فرق وقت لا فرق نوع.
أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام:
 من المفارقات الحادة أن العالم كله ولاسيما الدول المتقدمة بمقياس العصر المادي، العالم كله بكل إمكانياته المادية والعلمية يقف عاجزاً مكتوف اليدين أمام أضعف فيروس حتى الآن يفتك بالملايين الذين انحرفوا بأخلاقهم عن المنهج القويم، وكأن هذا الفيروس جند من جنود الله وما يعلم جنود ربك إلا هو، جعله الله عقاباً عاجلاً لمن خرج عن الفطرة السليمة فضل وأضل وفسد وأفسد، إذ لا سبيل إلى الخلاص منه إلا بالعودة إلى المنهج القويم والصراط المستقيم.
 ومما يؤكد ذلك وهذا ما حير العلماء أن البعوضة تغرس خرطومها في جسم مصاب بهذا المرض وتأخذ من دمه الملوث ثم تنتقل إلى إنسان سليم من هذا الفيروس وتغرس خرطومها في دمه النظيف ويختلط دم السليم بدم المصاب ولا ينتقل المرض، أليست هذه آية صارخة تدل على أن الله جل جلاله جعل هذا المرض الفتاك عقاباً على السلوك الإباحي ليس غير ولم يجعل الإصابة به عشوائية ؟.
أيها الإخوة الكرام
 لو أن بلدةً تشرب ماءً ملوثاً، فظهر في أبنائها الأمراض والأوبئة فهل من العقل والحكمة أن ندع الماء الملوث يفتك بأبناء هذه البلدة، ثم نبحث عن المصل المضاد واللقاح الشافي وأن نستقدم الأطباء ونشيد المشافي ونستورد الأجهزة، أم العقل والحكمة يقتضي أن نوقف الماء الملوث أو أن نطهره من التلوث، وعندها نطوق المشكلة ونحد من انتشارها ثم نلتفت إلى معالجة المصابين.
أيها الإخوة الكرام من المؤسف أن هذا ما يجري في العالم كله إنهم لا يقفون في وجه أسباب المرض بل يحاولون أن يمنعوا أعراضه ونتائجه. إن درهم وقاية خير من قنطار علاج.

 

 

﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)﴾

 

[سورة الجاثية]

 الشاب الذي يبحث عن عمل ثم يبحث عن زوجة، هو في الظاهر يبحث عن كفايته ويقضي حاجته وهو في الحقيقة يسهم في بناء أمته لأن الأسرة النظيفة المتماسكه هي الخلية الأولى في جسم المجتمع السوي المتقدم، والشاب الذي يهمل عمله ويقضي وطره من طرق غير مشروعة ومع فتيات ساقطات، يسهم من حيث يريد أو لا يريد من حيث يعلم أو لا يعلم في تدمير نفسه وأسرته ومجتمعه، وهل الأمة إلا بشبابها الأصحاء الأقوياء المستقيمين وشاباتها.

 

يا بنات الجيل هيـا حصنوا هذا البناء
احفظوا جيل الشباب أرشدوهم للصواب
فهم النبع الغزيـــر ولك عذب الشراب
حصنوا كل الشبـاب لينيروا كالبـــدور
يسروا أمر الــزواج لا تغالوا بالمــهور
واحذروا داء التباهي بالأثاث والقصــور
إنما نبع السعــادة كامن ضمن الصدور

 

 

 احذروا الفيروس فهو الآن، جمر يختفي تحت الرماد، إن تجاهلنا الحقيقة فاجأتنا، النار يوماً واكتوى كل العباد، بددوا الجهل بعلم أيقظوا أهل الرقاد، توجوا العلم بطهر صادق فهو العماد، هاهو الفيروس يغتال الضحايا قاصداً كل البلاد، وهو أعمى عن شباب طاهر يأبى الفساد، إنما العفة ماء بارد عذب زلال، يطفئ الجمر ويروي كل من طلب الحلال.
 ولكن أيها الإخوة ينبغي أن ننوه أنه بفضل الله علينا وبسـبب من تمسك مجتمعنا بمبادئ دينه القويم فإن هذا المرض الخطير الذي يعد الخطــر الأول في العالم كله لا يعد مشكلة في بلدنا الطيب فالإصابات لا تزيد عن مائة أو أكثر بقليل وأكثر هذه الإصابات من الوافدين من بلاد أجنبية، وهناك إجراءات حازمة تحد من انتشاره:

﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)﴾

[سورة طه ـ سورة البقرة]

 لا يضل عقله ولا تشقى نفسه ولا يندم على ما فات ولا يخشى مما هو آت.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018