الندوة : 24 - معجزات قرآنية5 ، الإعجاز في خلق الإنسان - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠07ندوات مختلفة - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الندوة : 24 - معجزات قرآنية5 ، الإعجاز في خلق الإنسان


2010-09-06

مقدمة :

الأستاذ مخلص:
 أعزائي المستمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج: "معجزات قرآنية"، معنا اليوم فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، أهلاً وسهلاً بكم.
 سيدي الكريم القرآن الكريم ذكّر الإنسان في خلقه في كثير من آياته، وشرح له كيف خُلق، وكيف جهزه الله سبحانه وتعالى بملكات واستعدادات خاصة، ميزه فيها عن سائر المخلوقات الأخرى، يقول عز وجل في كتابه الكريم:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً *إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

[سورة الإنسان]

 هذه الآية وغيرها الكثير من الآيات تشير إشارة واضحة إلى خلق الإنسان، هذا الإنسان الذي كلفه الله عز وجل بعمارة هذا الكون، وبالنظر فيه وفي أطرافه، حتى يصل إلى الحق المبين.
 دكتور راتب هل لك أن تحدثنا عن الإعجاز في خلق الإنسان، وخاصة في بعض الطاقات والإمكانيات التي خلقها الله سبحانه وتعالى فيه، كي يستطيع العيش على سطح الأرض، منيعاً من كل الأخطار والأوبئة، والأمراض التي يمكن أن يتعرض لها؟.

 

الإنسان هو المخلوق الأول والمكرم والمكلف :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أستاذ مخلص جزاك الله خيراً بادئ ذي بدء: ذكرنا القرآن الكريم بأن هذا الإنسان هو المخلوق الأول، والمخلوق المكرم، والمخلوق المكلف، فمن دلائل تكريمه أنه خلقه:

﴿ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[سورة التين]

 ومن دلائل تكريمه أنه ذكّره بكمال خلقه، فقال تعالى:

﴿ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾

[سورة الانفطار]

الله سبحانه و تعالى خصّ الإنسان بأجهزة دفاع بالغة الدقة :

 لقد خص المولى جلّ وعلا الإنسان بأجهزة دفاع بالغة الدقة، أول هذه الأجهزة الجلد، وهو درع سابغة على البدن، ترد عنه الجراثيم، والأوبئة، وهو خط الدفاع الأول، وخص المولى جلّ وعلا كل عضو في الإنسان، وكل جهاز، وكل حاسة، بجهاز دفاع خاص به، فالعين مثلاً لها الأهداب، والأجفان، والدمع، وهذه الأجهزة الخاصة هي خط الدفاع الثاني، وأما خط الدفاع الثالث فهو الدم، بجنوده من الكريات البيضاء، وعدد هذه الكريات التي هي خط الدفاع الثالث يقدر بخمسة و عشرين مليون كرية في أيام السلم، ويتضاعف هذا العدد في حال الاستنفار إلى مليون كرية أيضاً، بل إلى مئات الملايين في حال القتال، في فترة لا تتجاوز الساعات أو الأيام، ولهذه الجيوش الجرارة من الكريات البيضاء سلاح إشارة، مؤلف من بضع مواد كيماوية، يعد وسيلة الاتصال والتفاهم فيما بينها.
 أستاذ مخلص جهاز المناعة المكتسب بكل ما في هذا الكلمة من معنى جيش من أرقى الجيوش، أما خطة هذا الجهاز في الدفاع عن الجسم فهي من الدقة والتنسيق والفعالية بحيث يصعب تصديقها، ذكية جداً، خلايا الدم البيضاء كما يقول بعض العلماء: إن في عملها، أو في توزيع الأفراد القتالية على أفرادها، أو في تحقيق المهمات المناطة لها، بعد ثوان معدودة مثلاً من اجتياز أي جسم غريب لخطوط الدفاع الأولى والثانية تتوجه طائفة من كريات الدم البيضاء إلى هذا الجسم الغريب بمهمة استطلاعية فقط، تتوجه إليه لتأخذ شفرته الكيماوية الخاصة به، وتحتفظ بها، ثم تنقلها إلى مركز العقد اللمفاوية، وهو مكان تصنيع السلاح، مكان تصنيع المصول المضادة، تقوم هذه الخلايا بتفكيك رموز الشفرة تمهيداً لصنع المصل المضاد، لقد صدق الله العظيم إذ يقول:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[سورة التين]

 لكن لا بد من لفتة دقيقة أن العقد اللمفاوية التي أوكلها الله لصنع المصل المضاد تتمتع بذاكرة لا تصدق، لو أن هذا الجرثوم حينما دخل صُنع له مصل مضاد قاومه، وشفي الإنسان من هذا المرض، ملف هذا الجرثوم وشفرته تخبأ فلو عاد بعد سبعين عاماً المصل جاهز، ولولا هذه الذاكرة العجيبة في جهاز المناعة المكتسب لما كان هناك معنى للتلقيح إطلاقاً،

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

الانحراف عن منهج الله يهوي بالإنسان إلى دركات لا يصل إليها مخلوق :

 ثم يقول الله عز وجل :

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾

[سورة التين]

 فحينما ينحرف الإنسان عن منهج ربه، ويستجيب لنداء غريزته، من دون ضابط من شرع، أو رادع من فطرة، أو زاجر من عقل، حينما ينحرف الإنسان يبطل عمل هذا الجهاز، ويموت الإنسان لأدنى مرض، وما مرض نقص المناعة المكتسب الذي يهدد العالم المتفلت من منهج الله إلا تأكيد لهذه الحقيقة،

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾

 الحقيقة أيها الأخوة، ربما كان تركيز الآيات على الجانب الروحي من الإنسان، فهو مهيأ إذا عرف ربه، وسار على منهجه، وتقرب إليه بالعمل الصالح، أن يبلغ من الرفعة ما يفوق الملائكة المقربين،

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

 أما إذا أعرض الإنسان عن ربه وتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه، هوى إلى دركات لا يصل إليها مخلوق إطلاقاً،

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾

 عندئذٍ تصبح البهائم أرفع منه، وأقوم لاستقامتها على فطرتها وتسبيحها لربها، وحسن أدائها لوظيفتها.

 

خاتمة و توديع :

 أيها الأخوة الكرام، إلى لقاء آخر إن شاء الله.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018