أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 013 ب - اسم الله المحسن 2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 013 ب - اسم الله المحسن 2


2007-06-25

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علنا، وارنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وارنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين.

من أسماء الله الحسنى: ( المحسِن ):

1 – إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ:

 أيها الإخوة الكرام، لا زلنا مع اسم الله ( المحسن )، فقد ورد في صحيح مسلم من حديث شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ))

  حتى لو قتلت حية، أو قتلت عقرباً.

 

(( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ))

 

 

2 – الحسنى هي الجَنة، لأن فيها كمال مطلقٌ:

 أيها الإخوة، الإنسان خُلق للجنة.

﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

( سورة الليل )

 صدق أنه مخلوق للجنة، وهذه الدنيا دار أعداد، دار تكليف، سمّى الله الجنة ﴿ ِالْحُسْنَى ﴾، لأن فيها الكمال المطلق.

﴿ لَهُم مَّا يَشَاءونَ فِيهَا ﴾

( سورة ق الآية: 35 )

 أما الدنيا فطبيعتها الكدح.

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾

( سورة الانشقاق )

  نظام الدنيا شيء، ونظام الآخرة شيء آخر، نظام الدنيا هي دار تكليف، نظام الآخرة دار تشريف، نظام الدنيا دار عمل، نظام الآخرة دار جزاء، الحسنى مبنية على قوله تعالى:

 

﴿ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾

 

( سورة ق الآية: 35 )

  أي شيء تطلبه وأنت في الجنة هو بين يديك:

﴿ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾

( سورة ق الآية: 35 )

  لأن الإنسان دفع ثمن الجنة في الدنيا، في الدنيا أودع الله فيه الشهوات، أعطاه الاختيار، سخره له ما في السموات وما في الأرض، فيه قبضة من قبضات الأرض، وفيه نفخه من نفخات الله، فلذلك عندما تنجح في الدنيا تستحق الجنة.

 

﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى ﴾

 

( سورة يونس الآية: 26 )

 فالذي صدق أنه مخلوق للجنة يتقي أن يعصي الله، ويبني حياته على العطاء.

المكذِّب بالحسنى مؤمن بالدنيا فقط:

 لو سألتني عن فرق صارخ بين المؤمن وغير المؤمن فإن المؤمن حياته مبنية على العطاء، قمة سعادته في أن يعطي، لا أن يأخذ، وغير المؤمن قمة سعادته في أن يأخذ.
  لذلك الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا:

﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى ﴾

( سورة يونس الآية: 26 )

﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

( سورة الليل )

  الذي كذب أنه مخلوق للجنة، واعتقد أنه مخلوق للدنيا استغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ، وأنت ببساطة يمكن أن تكتشف ما إذا كنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة، فإذا أسعدك أن تأخذ، وتتوهم أنك ذكي جداً حينما تأخذ ما ليس لك فأنت من أهل الدنيا، وتسمى عند الناس ذكيًّا، أما إذا أسعدك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة.
  إذاً: الحسنى هي الجنة، ثمن الجنة:

 

﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى ﴾

 

( سورة يونس الآية: 26 )

 

3 – ينبغي للمؤمن أن يتحلى بصفة الإحسان:

 كما أن الله محسن ينبغي أنت أيها المؤمن ينبغي أن تتخلق بهذا الكمال، أي يكون عملك مشمولاً بالإحسان، فإن أعطيت فأعطِ دون أن تمن، وإنْ عاقبت فعاقب دون أن تحقد، وإنْ عملت فاعمل عملاً متقناً، وإن زرت فكن متواضعاً، لا تصغر دنيا هذا الإنسان في نظره، انقله إلى الآخرة.

4 – الإحسان شامل لكل شيء:

 قضية الإحسان لا أعتقد أن شيء أوسع منها، يمكن أن تحسن وأنت، تعاقب أن تحسن وأنت تمنع، أن تحسن وأنت تعطي، أن تحسن وأنت تقاتل:

(( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ))

 حتى ولو قتلت حيواناً مؤذياً أمرك الله بقتله فينبغي ألاّ تعذبه، هذا شأن المؤمن.
 إن المؤمن يحترم أن تكون السمكة في أعلى درجة الحركة، ثم يأخذ أحشاءها وينظفها، قبل أن تثبت وتموت، قال تعالى:

﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾

( سورة الحج الآية: 36 )

 بعد أن تخرج روحها تماماً، وتستقر، وتثبت الآن نظفها:

 

(( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ))

 

 

5 – وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ

 أيها الإخوة، الآن الآية الكريمة:

﴿ مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾

( سورة النساء الآية: 125 )

 المعنى دقيق جداً، لن تستطيع أن تقبل على الله إلا إذا كنت محسناً، يقول لك أحدهم: لا أخشع في الصلاة، إن كنت محسناً تخشع في الصلاة.

﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾

( سورة البقرة )

 الذي استقام على أمر الله، وخضع له في الصلاة يشعر بهذه الصلة، الصلة لها ثمن:

 

﴿ مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾

 

( سورة النساء الآية: 125 )

 المؤمن الخشوع سهل عليه، والركوع سهل عليه، لأنه أحسن في كل أعماله.

 

6 – الإِحسَانُ أَنْ تعَبْدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ

 من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام:

(( الإِحسَانُ أَنْ تعَبْدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 لاحظ نفسك إن جاءك ضيف مِن علية القوم، ضيف محترم جداً، فهو على فهم، وعلى علم، وعلى قوة، وعلى تفوق، وعلى أخلاق، جاءك زائراً هل يعقل أن تجلس أمامه بثياب غير متبذله ؟ هل يعقل أن تجلس أمامه، وتضع رجلاً على رجل ؟ لا تستطيع، هل يعقل أن تجلس أمامه وتعبث بالسبحة، لا تستطيع، هل يعقل أن تقول كلاما لا يليق ؟ لا تستطيع.
 أنت أمام إنسان من علية القوم تضبط كلامك، تضبط جلوسك، تضبط ثيابك، تضبط حركتك، وهو إنسان دخل إلى بيتك فتلاقيه بالنظر إلى جهة واحدة، لأنه ليس من أدب الضيف أن يزيغ البصر عنه.

﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾

( سورة النجم )

 لذلك الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.
 وأنا أقول لكم أيها الإخوة: أفضل حالة من حالات المؤمن أن تشعر أن الله معك لذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ))

 

[ الترمذي]

 الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هذا حال المراقبة.
 والله أيها الإخوة، هناك آيات في كتاب الله تكفي:

﴿ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾

( سورة النساء الآية: 1 )

 

تفعل هذا مع إنسانْ مثلِك فكيف برب العالمين ؟!!

 أنت مع إنسان، لو وصل إلى سمعك أنك مراقب مِن قِبَل إنسان فإنك تضبط حركتك، إذا مشيت على رصيف وإلى جانب هذا الرصيف سفارة تنتقل إلى الرصيف الآخر، لأنك مراقب، هذا شأن المراقب.
 حينما تشعر أن الله معك، وأن الله يراقبك، هذه درجة من الإيمان عالية جدا، هذه الدرجة تقتضي الانضباط، وحينما تشعر أن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، ولا يمكن أن تعصيه، بل تكون عندئذٍ محسناً.
 وقد ضربت لكم من قبل هذا المثل: إنسان مواطن من الدرجة العادية أو الدرجة الثانية، وقف عند الإشارة الحمراء، والشرطي واقف، والضابط واقف، وشرطي آخر على دراجة واقف، فالأول يضبطه، فإذا خالف يلحقه الثاني، والثالث لئلا يتواطأ هذا الشرطي مع هذا المواطن، وهو من الدرجة الثانية هل يعقل أن يخالف ؟ مستحيل، مع إنسان وضع قانون السير لا يمكن أن تخالفه، لأنك موقن أن علمه يطولك، عن طريق هذا الشرطي، وعن طريق الشرطي الثاني، وعن طريق الضابط في السيارة، وأن قدرته تطولك، تسحب منك الإجازة، وتصادر السيارة، مثلاً، أنت مع إنسان من بني جلدتك، لكن علمه يطولك، وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، لكن بحسب الواقع في إنسان يخالف الإشارة في الساعة الثالثة ليلاً، لأنه علم واضع القانون لا يطوله، وقد يخالفها في رابعة النهار، إذا كانت قدرة واضع النظام لا تطوله، إن طالك علمك أو طالتك قدرتك فلا يمكن أن تعصيه، أما إن توهمت أن علمه لا يطولك، وأن قدرته لا تطولك فإنه يمكن أن تعصيه، فكيف مع خالق السموات والأرض ؟ لا تخفى عليه خافية.

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾

( سورة غافر الآية: 19 )

 كتوضيح لهذه الآية: طبيب أمامه مريضة، وقد سمح له الشرع أن ينظر إلى مكان المرض، لو اختلس نظرة إلى مكان آخر لا تشكو منه، ليس في الأرض كلها جهة يمكن أن تضبط هذه الخيانة، إلا الله، فإنه:

 

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور﴾

 

( سورة غافر الآية: 19 )

  فهو مطّلع عليك، تتكلم يسمعك، تتحرك يراك، تضمر شيئاً يعلمه، لا تخفى عليه خافية، هذا مقام الإحسان، حينما تشعر أن الله معك، لكن معك بلطف، سميع بصير عليم، سميع إذا تكلمت، بصير إذا تحركت، عليم إذا أضمرت، مقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هو محسن في كل شيء، الدليل:

 

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

 

( سورة السجدة الآية: 7 )

 

صورٌ من إحسان الله في مخلوقاته:

 هذا الفرخ الذي في البيضة، ينشأ في منقاره نتوء مؤنف حاد يكسر بهذا النتوء البيضة، فإذا خرج منها ضمر هذا النتوء، هل هناك من إحسان أدق من ذلك ؟ في منقار الصوص، وهو في البيضة، كيف يخرج منها، ينمو له نتوء مؤنف كالإبرة تماماً من أجل أن يكسرها، يكسر القشرة بهذا النتوء، فإذا خرج من البيضة ضمر هذا النتوء، وتلاشى.
 في طحال الرضيع كمية حديد تكفيه عامين، الحليب ليس فيه حديد:

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

( سورة السجدة الآية: 7 )

 قرنية العين شفافة، تنفرد بنظام تغذية خاص، تتغذى لا عن طريق الشعريات، بل عن طريق الحلول:

 

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

 

( سورة السجدة الآية: 7 )

 الماء بدرجة زائد أربع يتمدد، ولولا تمدده لما كان هذا الدرس، ولما كانت هذه البلدة، ولما كان إنسان على وجه الأرض:

 

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

 

( سورة السجدة الآية: 7 )

 الصقر يرى ثمانية أمثال رؤية الإنسان، يرى طعامه في الماء وهو في أعالي الجو، الإنسان يرى، أما الصقر فسوف يغامر، ويسقط من أعالي السماء ليأكل، فإذا لم يكن بصره حادًّا يرى طعامه على سطح الأرض وهو في أعالي السماء لا يكون خلقه حسنًا.
 الحديث عن الآيات التي تؤكد أن الله ( محسن ) لا تنتهي:
 هذا الصوان، هذه السطوح، والتجاويف لتغطي كل الاتجاهات، أي صوت يتعامد مع سطح من سطوح الصوان بالأذن، لو أن ثقب الأذن كان أوسع بقليل فإن الطفل دون أن يشعر يخرق غشاء طبله، لكن ثقب الأذن أضيق من أي إصبع، بل من أصغر إصبع.
 أحيانا يحمل إنسان ابنه، الأربطة هنا مدروسة بشكل أنها تحمل جسم الطفل، وقد يكون الأب غضبان فيحمله بعنف، الوزن تضاعف، وأحيانا تقتني محفظة تملأها بالأغراض، وتحملها فتنخلع يدها، يقول لك: صناعة غير متقنة، كيف أن الإنسان مدروس، وأن وزنه متناسب مع متانة الأربطة التي في ذراعه:

 

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

 

( سورة السجدة الآية: 7 )

7 – إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ

 لذلك أيها الإخوة، الآن عندنا أمر:

﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ﴾

( سورة النحل الآية: 90 )

  أنت مأمور بالعدل، ومأمور مع العدل بالإحسان، فأحياناً المشكلة تحل بالإحسان لا بالعدل، فلان ليس له عندك شيء، هذا صحيح، لكنه بحاجة إلى مساعدتك، فأنت حينما تفهم هذه الآية يمكن أن تحل بهذه الآية آلاف المشكلات، القضية التي لا تحل بالعدل يجب أن تصرفه، يجب أن تدمره، يجب أن تفضحه، أما بالإحسان فيجب أن تعينه على الشيطان.
 لذلك التوجيه الدقيق أن تعين أخاك على الشيطان، لا أن تعين الشيطان على أخيك، بالإحسان طبعاً.
 أحيانا يكون للإنسان جار سيئ جداً، يستطيع أن يقطع لسانه، لا بالمقص، بل بالإحسان، الإحسان يسكت، وأنا أنصح إنسانا عنده جار سيئ أن يقدم له هدية، تجد الأمور كلها انضبطت، من يقطع لسانه ؟ مَن يحسن إليه حتى يسكت ؟ بالبر يستعبد الحر.
  والله أيها الإخوة، موضوع الإحسان يدور مع الإنسان في كل حياته.
 سمعت عن قاضٍ أمر يحجز حرية إنسان، والمحامي طلب إطلاق سراحه، ما استجاب القاضي ولم يقتنع، قدم طلبا ثانيا، وطلبا ثالثا، وطلبا رابعا، وطلبا خامسًا، القاضي ما استجاب، فموكِّلو المحامي عزلوه، وعينوا محامياً جديداً، القاضي بعد أن عُين محامي جديد بدا له أن يطلق سراحه، فإن أطلق سراحه يسقط الأول ويتألق الثاني، قال: ائتوني بالمحامي السابق ليقدم طلب إخلاء سبيل حتى أخلي سبيله، ما قَبِل أن يخلي سبيله إلا بطلب من المحامي السابق، هذا منتهى الإحسان، وقد كان غير قانع بإطلاق سراحه، ما استجاب لخمس طلبات، أما لما بدا له وهو يطلق سراحه عيِّن محامٍ جديدٌ، سوف يصول ويجول، ومن أول طلب أطلق سراحه، قال: ائتوني بالمحامي السابق ليقدم طلبا لإطلاق سراحه حتى أطلق سراحه.
  الإحسان أن تفكر، وقد تكون ابتسامة في غير مكانها فيها إساءة، أو جلسة فيها كِبر، أو سؤال، ماذا قدم لك زوجك في العيد ؟ هو يحبها وهي تحبه، وزوجها فقير، ضعضعها وحجّمها بسؤاله، وأربكها، ثم هي تألمت لأنه ما قدم لها شيئًا فعلاً، هذا سؤال محرج.
 أينما دخلت يجب أن تحبّب الناس بالله عز وجل، لا أن تكرههم بحياتهم.
  والله مرة أذكر أني دخلت بيتا بحجم غرفة الضيوف، غير معقول إطلاقاً، لا مكان للجلوس، فخجل صاحب البيت، قلت له: بالعكس، سيد الخلق وحبيب الخلق غرفته لا تكفي لصلاته و نوم زوجته، وهو قمة البشر، فاستبشر.
 إذا زرت أختك يجب أن تمتّن علاقتها بزوجها، عن طريق الثناء على زوجها، على أخلاقه، لا على دخله، لا تقل: كم دخله ؟ ما يكفيكم هذا المبلغ، هذا عدم إحسان، الإحسان أن تلاحظ نفسك على الخطرة، على النظرة، على الكلمة، على الابتسامة، أحياناً ابتسامتك تكون إساءة.

 

(( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ))

 

﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى ﴾

( سورة يونس الآية: 26 )

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾

( سورة التغابن )

  النبي علّمنا أنك إذا وقفت أمام المرآة، ورأيت خَلقك سليماً فقل:

 

(( اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي ))

 

[ أحمد عن ابن مسعود ]

 هناك عاهات، ودمامة أحياناً، ومشكلة، وعضو مبتور،

(( اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي ))

 

8 – فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ

 قال تعالى:

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )

 غسيل الدم بالأجهزة الصناعية يحتاج إلى ساعات، أعتقد 6 ساعات، كل الأسبوع ثلاث مرات، وفي كل مرة تغرز إبرةٌ في مكان معيَّن، لكن الله هيأ لك كُلية حجمها كالبيضة تعمل بلا صوت، وبلا تعب، وبلا مشقة، وبلا أجر، وتصفي تصفية تامة.
  سمعت من أحد الأطباء أن الكلية الواحدة فيها عشرة أضعاف حاجتك، والكليتان عشرون ضعفا، هذا احتياط، لذلك يمكن أن يستغني الإنسان عن إحدى كليتيه:

 

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

 

( سورة السجدة الآية: 7 )

 هذه الآية تدور مع الإنسان، مع خلق الإنسان، مع حاجاته، مع طعامه، مع شرابه.

﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ ﴾

( سورة الطارق )

 اللقاء الزوجي بحاجة إلى حوين واحد، وأحيانا الزوج يفرز من 300 مليون إلى500 مليون حوين:

 

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

 

( سورة السجدة الآية: 7 )

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )

  كم مِن خالق ؟ خالقٌ واحدٌ، لكن سمّى الصانع خالقا مَجازاً.
  وزانْ بين غسيل الكلية الصناعية والكلية الطبيعية، وازن بين آلة التصوير التي فيها في الميليمتر عشرة آلاف مستقبل ضوئي، وبين عينك التي في الميليمتر في الشبكية مئة مليون مستقبل ضوئي، في الشبكية في كل مليمتر مربع فيها 130 مليون عصية ومخروط، عصيات ومخاريط، للون الأبيض والأسود، والألوان، لذلك أنت تفرق بين 8 ملايين لون.

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

( سورة السجدة الآية: 7 )

﴿ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

( سورة يوسف الآية: 23 )

 جعلك من أبٍ، هذه نعمة كبيرة، لك أبٌ معروف، لك أم طاهرة شريفة، عندها أولاد، بيتك مستقر، هذه من نعم الله الكبرى.

9 – وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ

 لذلك الآية الكريمة:

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾

( سورة القصص الآية: 77 )

 أي شيء آتاك الله إياه ينبغي أن يوظف للآخرة كيف ؟ قال:

 

﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾

 

( سورة القصص الآية: 77 )

 لا تنس المهمة التي آتيت من أجلها.

 

﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾

( سورة القصص الآية: 77 )

 هذا أمر آخر:

 

﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾

 

( سورة القصص الآية: 77 )

  الله عز وجل صبر عليك حتى اهتديت، فإذا كان عندك زوجة لم تستقم على أمر الله فاصبر عليها، لا تأخذها بالعنف، الله كان حليما عليك، كيف أن الله صبر عليك، فاصبر عليها، كيف أن الله ذكرك فذكّر الآخرين.

 

﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾

 

( سورة القصص الآية: 77 )

﴿ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ﴾

( سورة القصص الآية: 77 )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018