الخطبة : 0458 - قوة المؤمن1 - عناصرها وأسسها - فريضة الجمعة فريضة تعليمية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0458 - قوة المؤمن1 - عناصرها وأسسها - فريضة الجمعة فريضة تعليمية .


1993-11-05

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإيمان بالله قوة تعين الإنسان و تشدّ أزره :

 أيها الأخوة الكرام ؛ للإنسان في الحياة آمال عريضة ، وأهداف كبيرة ، لكن الطريق إليها شائك وطويل ، والعقبات متنوعة ، والمعوقات كثيرة ، بعضها من طبيعة الطريق ، وبعضها من البشر .
 أيها الأخوة الكرام ؛ دائماً هناك مسافة بين موقعك وبين هدفك ، ولا بد من تخطي هذه المسافة ، والطريق شائك وطويل ، والعقبات كثيرة ومتنوعة ، بعضها من طبيعة الطريق ، وبعضها من البشر .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ كلما كان الهدف كبيراً كانت الطريقة طويلة ، وكلما كان المغنم عظيماً كانت المشقات عديدة ، وكلما كانت نهاية الطريق متألقة كانت المعوقات كثيرة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ما أحوج الإنسان إلى قوة تعينه ، إلى قوة تشد أزره ، إلى قوة تأخذ بيده ، إلى قوة تذلل له العقبات ، إلى قوة تقهر أمامه الصعوبات ، إلى قوة تنير له الطريق، هذه القوة أين نجدها ؟ أين مظانها ؟ إنها محصورة في رحاب الإيمان ومن خلال عقيدة المسلم ، ما أحوجنا إلى قوة تعيننا ، تذلل لنا العقبات ، تنير لنا الطريق ، تدعمنا ، تقهر خصومنا ، هذه القوة لن نجدها عن يمين ولا عن شمال ، لن نجدها عند زيد ، ولا عند عبيد ، لا نجدها إلا بالله عز وجل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإيمان بالله هو الذي يمدنا بهذه القوة ، هو الذي يمدنا بروح هذه القوة ، وبقوة هذه الروح ، الإيمان بالله هو الذي يعطينا هذا الاندفاع نحو أهدافنا .

 

المؤمن الحق يتخطى الصعوبات لمعرفته بالله :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ المؤمن الحق لا يرجو إلا فضل الله ، ولا يخشى إلا عذاب الله ، ولا يبالي بشيء في جنب الله ، إنه قوي قوي ، وإن لم يكن في يديه سلاح ، غني غني ، وإن لم تمج خزائنه بالفضة والذهب ، عزيز عزيز ، وإن لم يكن وراءه عشيرة وأتباع ، راسخ ، وإن اضطربت الأمواج ، قوي ، وإن اشتدت العقبات ، استمعوا أيها الأخوة إلى الحديث الشريف الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام :

((ولو عرفتم الله تعالى حق معرفته لزالت لدعائكم الجبال ))

[ الحكيم عن معاذ في الجامع الصغير ]

 على مستوى الفرد ، وعلى مستوى الأمة ، وعلى مستوى القضية إن كانت الأهداف تبدو للبعض ضعيفة المنال ، بعيدة المنال ، فالمؤمن الحق بقوة إيمانه بالله ، وبتوكله على الله ، وبيقينه أنه على الحق المبين يستطيع أن يتخطى هذه الصعوبات ، وأن يذلل تلك العقبات ، وأن يجعل من الطريق التي يخشاها الناس طريقاً سالكة إلى أهدافه ، لا تنسوا حديث رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ‏

((ولو عرفتم الله تعالى حق معرفته لزالت لدعائكم الجبال ))

[ الحكيم عن معاذ في الجامع الصغير ]

 أي أنت قوي قادر على تحقيق أهدافك بقدر ما أنت مؤمن بالله ملتزم بشرعه ، أما إذا بعد الإنسان عن ربه ، واضطربت سيرته ، ولم يلتزم منهج الله عز وجل ، فتخور قواه ، وتضعف عزيمته ، وتخنع للقوي ، ويصبح لا يقوى على تحريك ساكن ، الذين أشركوا قذف الله في قلوبهم الرعب بما أشركوا ، وهذا قانون ينطبق على الفرد كما ينطبق على المجتمع ، في اللحظة التي تدعو فيها مع الله إلهاً آخر يقذف الله في قلبك الخوف ، يقذف الله في قلبك الوهن.

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾

[ سورة آل عمران : 146 ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه القوة في الفرد هي مصدر القوة في المجتمع ، وما أسعد المجتمع إذا كان أبناؤه أقوياء بالله عز وجل ، وما أشقى المجتمع إذا خارت نفوس أفراده فأصبح بمجموعه عرضة لكل شر ، ولكل ضيم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان الضعيف ضعيف الإيمان ، المنقطع عن الله عز وجل الذي يلهث وراء شهواته ، هذا الإنسان ضعيف هزيل لا يستطيع أن ينصر صديقاً ، ولا أن يخيف عدواً ، ولا أن تقوم به عزيمة ، ولا أن ترتفع به راية ، مثل هذا الإنسان ألف كأف ، بينما المؤمن واحد كألف .
 اخترت هذا الموضوع أيها الأخوة ليشعر المؤمن أنه قوي بالله ، وأنه إذا أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ، وأنه إذا كان على الحق المبين فلا يخش في الله لومة لائم.

 

عناصر القوة في شخصية المؤمن :

1 ـ الإيمان بالله الإيمان الصحيح :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ عناصر هذه الخطبة مؤلفة من خمس فقرات .
 لماذا أنت قوي كمؤمن ؟ يا أيها المؤمن متى تشعر بقوتك ؟ متى تشعر بتحدي خصمك ؟ متى تشعر أن الجبال ممكن أن تزول بدعائك ؟ هناك خمسة شروط ، أو هي خمس فقرات لخطبة اليوم .
 الفقرة الأولى : إيمانك بالله الإيمان الصحيح .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ﴾

[ سورة النساء : 136 ]

 معنى ذلك أن الله حينما خاطب المؤمنين ، ووصفهم بالإيمان ، ليس إيمانهم كافياً لينجيهم من عذاب الله ، ولا من الفتنة التي قد يتعرضون لها ، لا بد من الإيمان الصحيح.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ﴾

[ سورة النساء : 136 ]

 قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

[ سورة آل عمران : 102 ]

﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾

[ سورة الحج : 78 ]

 ثلاث آيات ، المؤمنون دعوا إلى الإيمان ، الإيمان الكامل ، والأتقياء دعوا إلى مزيد من التقوى ، والمجاهدون دعوا إلى الجهاد الحق ، فيا أيها الأخوة الكرام قد يفرغ الإيمان من مضمونه ، فيصبح شكلاً بلا مضمون ، وقد يفرغ الدين من مضمونه فيصبح طقوسًا بلا معنى ، وقد تفرغ العبادات من مضمونها فتصبح حركات وسكنات لا تقدم ولا تؤخر .
 أيها الأخوة الكرام ؛ المؤمن الحق يستمد قوته من الله العلي الكبير ، يؤمن به ويتوكل عليه ، ويعتقد أن الله معه ، معه بالنصر ، والتأييد ، والحفظ ، والتوفيق ، يعتقد المؤمن الحق أن الله سبحانه وتعالى ناصر المؤمنين ، يدافع عنهم ، يعتقد المؤمن الحق كما ورد في القرآن الكريم :

﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة آل عمران : 160 ]

التوكل على الله أول ثمرة من ثمرات الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كل شيء له ثمرة ؛ وأولى ثمرات الإيمان التوكل على الله لا في المعنى الساذج الذي يفهمه ضعاف المؤمنين ، ليس التوكل على الله استرخاء ، ولا كسلاً ، ولا انسحاباً ، ولا تركاً للأسباب ، هذا ليس هو التوكل الحق ، سيدنا عمر رضي الله عنه رأى أناساً فقال من أنتم ؟ قالوا : نحن المتوكلون ، قال : كذبتم ، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله ، التوكل من عمل القلب ، فإذا جعلته من عمل الجوارح فقد ضللت سواء السبيل ، المؤمن يأخذ بالأسباب ، ولا يعتمد عليها ، بل يعتمد على الله عز وجل ، هذا هو الخيط الدقيق بين الشرك وبين التوكل الصحيح ، المشرك يأخذ بالأسباب ، ويعتمد عليها ، بينما المتوكل الحق يأخذ بالأسباب ، ويعتمد على الله عز وجل ، فمن أخذ بالأسباب ، واعتمد عليها فقد أشرك ، ومن لم يأخذ بها فقد عصى ، ومن أخذ بالأسباب ، واعتمد على الله عز وجل فهو المتوكل الحق .
 أيها الأخوة الكرام ؛ التوكل يعطي المؤمن شحنة نفسية ، يغمر قلب المؤمن بروح المقاومة ، والتحدي ، يشحذ التوكل في المؤمن العزيمة والإيمان والإرادة الصلبة ، القرآن الكريم بين أيدينا ، سيدنا هود خاطب قومه :

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[ سورة هود : 55 ـ 56 ]

 فرد واحد يتحدى أمة بأكملها :

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[ سورة هود : 55 ـ 56 ]

 هذه الآيات لمن ؟ هذه القصة لمن ؟ أهي قصة تاريخية ؟ لا ورب الكعبة ، قصص القرآن يجب أن نستنبط منها المغزى ، ألا تستمعون إلى قوله تعالى حينما قال يصف سيدنا يونس :

﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الأنبياء : 87 ـ 88 ]

 يجب أن تجعل من القصة قانونًا ، يجب أن تستنبط من القصة حقيقة ، يجب أن تستنبط من قصص القرآن الكريم نوراً تهتدي به في حياتك ، سيدنا شعيب :

﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾

[ سورة الأعراف : 88 ـ 89 ]

 هذه قصص منتزعة من القرآن الكريم ، سيدنا موسى :

﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾

[ سورة يونس 84 ـ 86 ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ جميع الرسل قالوا :

﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾

[ سورة إبراهيم : 12 ]

التوكل الحقيقي ثمنه طاعة الله عز وجل :

 لكن هناك نقطة دقيقة وخطيرة هي أن الإنسان ما لم يستقم على أمر الله لا يستطيع أن يتوكل عليه ، التوكل على الله الذي يجعلك أقوى الناس ، والذي يبث فيك روح التحدي والمقاومة ، والذي يجعلك عزيز النفس ، رافع الرأس ، هذا التوكل الحقيقي ثمنه طاعة الله عز وجل ، فإذا كان في الاستقامة خللٌ ، وفي الالتزام ضعفٌ ، وفي التطبيق مسافة بعيدة بين ما تعتقد وبين ما تفعل ، فأغلب الظن أنك لن تستطيع التوكل على الله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ إذاً إيمانك بالله عز وجل ، وتوكلك عليه هو أحد مصادر القوة في شخصيتك ، تشعر أن خالق الكون معك ، تشعر أن من بيده ملكوت السموات والأرض معك ، تشعر أن كل خصومك مهما كثروا ناصيتهم بيد الله عز وجل ، وأنت معه وهو معك ، هذا معنى قوله تعالى :

﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الأنفال : 19 ]

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾

[ سورة البقرة : 194 ]

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[ سورة البقرة : 153 ]

 قالوا العلماء : هذه معية خاصة ، معية النصر ، والتأييد ، والحفظ ، والتوفيق ، هذا الشعور أن الله معك ، أن الله لن يتخلى عنك ، أن الله يدافع عنك ، أن الله سيأخذ بيدك كلما عثرت ، أن الله سينصرك على خصومك ، هذا الشعور هو أحد مصادر القوة في شخصية المؤمن .

2 ـ إيمانه بالحق المبين :

 عنصر آخر هو ثاني عناصر القوة في شخصية المؤمن ، أن تؤمن أنك على الحق المبين ، المؤمن لا يعمل لشهوة عارضة ، ولا لنزوة طارئة ، ولا لمنفعة شخصية ، ولا لعصبية جاهلية ، ولا يبتغي أن يبغي على أحد من خلق الله ، ولكنه يعمل للحق الذي قامت عليه السموات والأرض ، فتوكل على الله إنك على الحق المبين ، المؤمن أحد أسباب قوته أنه يعمل لهدف نبيل ، قامت عليه السموات والأرض ، يعمل لهدف كبير ، خلق البشر من أجله ، يعمل لما جاء به القرآن الكريم ، فهذا أحد أسباب قوة المؤمن ، الحق أيها الأخوة أحق أن ينتصر ، والباطل أولى أن يندثر :

﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾

[ سورة الأنبياء: 18 ]

 ربيع بن عامر أحد أصحاب رسول الله ، كان مبعوث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما في حرب القادسية ، دخل على رستم قائد جيش الفرس ، وحوله الأتباع والجنود ، والفضة والذهب ، فلم يبالِ بشيء ، دخل عليه بفرسه القصيرة ، وترسه الغليظ ، وثيابه الخشنة ، فقال رستم : من أنت - ازدراءً - ومن أنتم ؟ أي من ورائك ، فقال هذا الصحابي الجليل ورأسه شامخ مرتفع الجبهة : نحن قوم بعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا الموقف الجريء ، وهذا الرأس المرتفع ، أساسه أن هذا الصحابي يعلم أنه على الحق ، يعلم أنه ذو أهداف نبيلة ، يعلم أنه يعمل وفق المراد الإلهي ، يعمل وفق الخطة التي أرادها الله عز وجل ، يحقق الهدف الذي من أجله خلق ، قال تعالى :

﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾

[ سورة البقرة : 256 ]

 أيها الأخ الكريم ، دقق أنه لا بد من أن تكون عبداً ، إما أن تكون عبداً لله ، فأنت أعز الناس ، وأنت أقوى الناس ، وأنت أكرم الناس ، وأنت الحر الحقيقي ، وإما أن تكون عبداً لعبد لئيم ، فاختر أيهما شئت ، هذا الصحابي الجليل قال : لقد بعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، من عبادة العباد إلى عبادة الله سبحانه وتعالى ، من ضيق الدنيا إلى سعتها ، من جور الأديان إلى عدل الإسلام .
 أيها الأخوة الكرام ؛ إيمان المؤمن يشعره أنه ليس مخلوقاً ضائعاً ، ولا كمًّا مهملاً، إنه خليفة الله في الأرض ، إن تظاهر عليه أهل الباطل فإن الله هو مولاه ، وجبريل ، وصالح المؤمنين ، والملائكة بعد ذلك ظهير ، كيف ينحني المؤمن للخلق وهو على الحق ومع الحق ؟

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾

[ سورة آل عمران : 173ـ 174 ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ ألا تقرؤون يوم الجمعة سورة الكهف ؟ هؤلاء الفتية الضعاف الذين جابهوا ملكاً جباراً ، وقوماً متعصبين ، غلاظ القلوب ، مع قلة عددهم ، وانعدام الحول ، والطول منهم .

﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾

[ سورة الكهف : 13 ـ 14 ]

 هذا الذي يقرأ القرآن ، ولا يتدبر آياته ، هذا الذي يقرأ القرآن ، ولا يعقل معانيه ، هذا الذي يقرأ القرآن ، ولا يستنبط الحقائق والمواعظ والعبر ، هذا الذي يقرأ القرآن هو في واد ، ومضمون القرآن في واد ، هذا كأنه ما قرأ القرآن .
 أيها الأخوة الكرام ؛ العنصر الأولى من عناصر قوة المؤمن إيمانه بالله وتوكله عليه .
 العنصر الثاني من عناصر قوة المؤمن اعتقاده الجازم أنه على الحق ، وأنه يسعى لهدف قامت من أجله السموات والأرض ، لا لشهوة عابرة ، ولا لهدف مادي ، ولا لنزوة طارئة .

3 ـ إيمانه بالخلود :

 العنصر الثالث من عناصر قوة المؤمن إيمانه بالخلود ، مخلوق لجنة عرضها السموات والأرض ، إن عمره في الدنيا عمر تافه وخطير في وقت واحد ، إذا أمضاه في اللهو واللعب ، حتى لو أمضاه في المباحات فهو عمر تافه ، لأنه سريعاً ما ينقضي ، سريعاً ما يأتي ملك الموت ، سريعاً ما يصعق الإنسان ، حينما يغادر الدنيا ، يغادرها من كل شيء إلى لا شيء ، الإنسان في خسارة محققة ، مضي الزمن وحده يحقق له خسارة ، فإذا آمن الإنسان بالدنيا وحدها فهو أكبر مقامر ، وأكبر مغامر ، لأن كل مكتسباته في الدنيا ، وكل إنجازاته فيها منوطة بدقات قلبه ، فإذا توقف القلب لسبب أو لآخر انهارت كل أهدافه ، وضاعت منه كل مكتسباته ، والدنيا التي جمعها في ستين عاماً يخسرها في ثانية واحدة ، لذلك ترى أن غير المؤمن خائف ، دائماً يخشى الموت ، ترتعد فرائسه لا من الموت بل من لوازم الموت ، حتى أن قراءة القرآن لأنها تقترن في ذهنه بالتعازي يكره قراءة القرآن ، من شدة خوفه من الموت ، لأنه آمن بالحياة الدنيا فقط ، وهذه الحياة الدنيا تتناقص ، كلما امتد بك العمر ضعفت قدرتك على الاستمتاع في الحياة ، والزمن أيها الأخوة ليس في صالح الكافر ، لأن الزمن يقربه من نهايته المحتومة ، يقربه من أجله ، يقربه من الحساب العسير ، لكن المؤمن الزمن في صالحه ، لأنه يقربه من هدفه الكبير ، يقربه من عرسه الحقيقي ، يقربه من رضوان الله عز وجل ، فإيمان الإنسان بالخلود أحد أسباب قوته ، حياته الحقيقية ليست هذه الأيام المعدودة في الأماكن المحدودة إنها حياة الأبد ، إنما ينتقل الإنسان من دار الفناء إلى دار القرار ، من دار التعب إلى دار الراحة ، من دار التكليف إلى دار التشريف ، من دار التعب والنصب إلى دار السرور ، من دار العمل إلى دار الجزاء .
 أيها الأخوة الكرام ؛ خبيب بن عدي أحد أصحاب رسول الله وقع أسيراً في يد قريش ، وأرادت قريش أن تنتقم لقتلاها في بدر ، أرادت أن تقتله صلباً ، علق على الحائط ، أو على جزع نخلة ، وقبل أن تلقى عليه السهام سئل أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت في أهلك معافى ؟ فقال هذا الصحابي الجليل : والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي ، وعندي عافية الدنيا ونعيمها ، ويصاب رسول الله بشوكة ، هذا هو الإيمان ، إيمانه بأنه قادم على جنة عرضها السموات والأرض ، هو أحد أسباب قوته ، المؤمن قوي لأنه يؤمن بالله عز وجل ، ويتوكل عليه ، المؤمن قوي لأنه يؤمن أنه على الحق المبين ، وعلى الطريق الصحيح ، ونحو الهدف الصحيح ، ويسعى لهدف قامت من أجله السموات والأرض ، هذا أحد أسباب قوة المؤمن، والسبب الثالث إيمانه بأن هذه الحياة الدنيا لهو ولعب وزينة ، وأن الآخرة هي الحياة الحق ، يا ليتني قدمت لحياتي ، هكذا يقول الرجل حينما يشارف الموت ، يا ليتني قدمت لحياتي، أي حياة هذه ؟ عاش حياة الدنيا وهو مقبل على حياة علية ، لكنه خسرها .

4 ـ إيمانه بالقضاء و القدر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أحد أسباب قوة المؤمن إيمانه بالقضاء والقدر ، فالإيمان بالقضاء والقدر يذهب الهم والحزن ، لكل شيء حقيقة ، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه .

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران : 166 ]

((اعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ على أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا على أنْ يَضُرُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُوكَ إِلا بِشَيءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ))

[ أخرجه الترمذي عن ابن عباس ]

 الأمر كله بيد الله ، هو المعطي ، وهو المانع ، هو القابض ، وهو الباسط ، ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمئنك أن الأمر كله بيده .

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

[ سورة هود : 123 ]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حينما يؤمن الإنسان إيماناً كإيمانه بوجوده ، أن حياته لا يستطيع أحد دون الله أن ينهيها ، وأن رزقه لا تستطيع جهة مهم كبر شأنها أن تمنعه ، من أين يأتي القلق ؟ قلق الناس جميعاً على حياتهم ، وعلى أرزاقهم حينما يتوهمون أن ما سوى الله يمكن أن ينهي حياتهم ، أو يمكن أن يقطع أرزاقهم ، تضعف نفوسهم ، يأتي النفاق ، يأتي التزلف ، التملق ، يأتي أن يفعل الإنسان بخلاف قناعته ، هذا كله من أسباب الشرك بالله وعدم الإيمان به ، أما إذا أيقنت أن كلمة الحق لا تقطع رزقاً ، ولا تقرب أجلاً رفعت رأسك ، ولم تأخذك في الله لومة لائم ، لذلك حينما وصف الله الدعاة إلى الله ، كان من الممكن أن يصفهم بعشرات الصفات المتحققة فيهم ، ولكن الله سبحانه وتعالى اكتفى بصفة واحدة ، جامعة مانعة ، هذه الصفة لو أنها تخلفت لألغي الموصوف ، قال :

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾

[ سورة الأحزاب : 39 ]

 لأن هذا الذي يدعو إلى الله ، ولو أنه خشي غير الله فتكلم بالباطل ، وسكت عن الحق ماذا بقي من دعوته إلى الله ؟ انتهت دعوته كلها ، وانتهى معها ، وأصبح في ملف النسيان .

 

ارتباط نصر الله و حمايته لنا بطاعته :

 أيها الأخوة الكرام ؛ علينا أن نطيع الله عز وجل كما أمرنا ، وهو يرزقنا كما وعدنا ، امرأة صحابية ، حينما انطلق زوجها إلى الجهاد أراد بعض المنافقين أن يضعف عزيمتها ، ليحملوها على أن تثني زوجها عن الجهاد في سبيل الله ، قالت : زوجي عرفته أكّالاً ولم أعرفه رزّاقاً ، فإذا ذهب الأكّال بقي الرزاق ، هكذا قالت هذه الصحابية الجليلة ، صحابي آخر أراد منافق أن يثنيه عن بذل روحه في سبيل الله ، فقال : علينا أن نطيعه كما أمرنا ، وعليه أن يرزقنا كما وعدنا .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الحقيقة في القرآن الكريم دقيقة جداً ، أنت كمؤمن عليك أن تطيعه ، وعلى الله الباقي .

﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾

[ سورة الزمر : 66 ]

 عليك أن تطيعه فقط ، لأن الآمر هو الضامن ، الآمر ضامن ، ما دمت قد أطعته ، فعلى الله سبحانه وتعالى أن يوفقك ، وأن ينصرك ، وأن يدافع عنك ، وأن يحميك ، وأن يحفظك ، لذلك الآية الكريمة :

﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾

[ سورة الزمر : 66 ]

 بل تفيد الإضراب ، تنفي ما قبلها وتثبت ما بعدها ، عليك أن تعبده ، ثم تأتيك الخيرات من كل جانب ، إذاً عليك أن تشكره ، وانتهى الأمر .

﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾

[ سورة الأعراف : 144 ]

 المعنى نفسه :

﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾

[ سورة الأعراف : 144 ]

 وقوله :

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

[ سورة هود : 123 ]

5 ـ أخوة المؤمنين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ العنصر الأخير من عناصر قوة المؤمن ، الأول إيمانه بالله ، وتوكله عليه ، الثاني إيمانه بالحق ، أنه على الحق المبين ، والثالث إيمانه بالخلود ، وأن حياته الدنيا ليست بشيء إذا قيست بالحياة الأبدية ، والرابع إيمانه بالقضاء والقدر ، لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، العنصر الأخير من عناصر قوة المؤمن ، أخوة المؤمنين ، قال تعالى :

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

[ سورة الحجرات : 10 ]

 المؤمن ليس وحده في الحياة ، يشعر بيقين أنه لإخوانه ، وأن إخوانه له ، وأن مجتمع المؤمنين كالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وأن المؤمنين في تعاملهم كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً ، شعورك أنك لست وحدك في الحياة هذا شعور مسعد ، شعورك أن المؤمنين جميعاً بكل إمكاناتهم ، وقدراتهم ، وطاقاتهم ، في خدمتك إذا تعثرت ، هذا الشعور يرفع معنويات المؤمنين ، هذا الشعور يشحذ المؤمن بقوة كبيرة، أن تشعر أن مجتمعاً بأكمله معك يقدم لك كل ما في إمكاناته ، كلما ضعفت الأخوة الإيمانية ضعف المجتمع وتفتت ، وصار كالخرقة البالية ، وكلما قوي شعور المؤمنين بأنهم جميعاً لكل واحد منهم ، وأن كل واحد منهم للمجموع ، هذا التعاون ، قال تعالى :

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

[ سورة المائدة : 2 ]

 هذا الشعور أيها الأخوة هو الذي يرفع من قيمة المؤمنين ، ويبث فيهم القوة والاندفاع نحو تحقيق أهدافهم ، فالمؤمنون أيها الأخوة يعينون أخاهم إذا حضر ، ويحفظونه إذا غاب ، يواسونه عند الشدة ، يؤنسونه عند الوحشة ، يأخذون بيده إذا عثر ، يدعمونه إذا ضعفت قوته ، يجب أن نعتقد أيها الأخوة أن القوة على قدر الإيمان ، وعود على بدء ، لو عرفتم الله حق معرفته لزالت بدعائكم الجبال ، وفي تاريخ السلف الصالح آلاف القصص التي تؤكد أن المؤمن حينما يتعرف إلى الله ، وحينما يستقيم على أمره ، وحينما يخلص له ، يصبح قوة يحسب حسابها ، ويرهب شأنها .

 

الإسلام سلوك و التزام و نظام :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إذا كانت الأهداف كبيرة ، وبيننا وبينها مسافات شاسعة ، فلا بد من أن نستعين بقوة تدعمنا ، وتدفعنا ، وتحفظنا ، وتدافع عنا ، وتنصرنا إنها قوة الله عز وجل ، أما إذا اختلى الإيمان ، إذا كان إيماناً تقليدياً ، إيماناً عفوياً ، إيمان العجائز كما يقولون، شهواته مستعرة ، وسلوكه منحرف ، وأعماله ليست وفق منهج الله عز وجل ، والشرك مستحكم في قلبه ، يرى كل الناس أقوى منه ، وعلاقته بالدين علاقة أسطورية ، أو علاقة تقصي إن صح التعبير ، علاقة عادات ورثها عن آبائه وأجداده ، فمثل هذا المجتمع الذي يحسب على الناس مؤمناً هو ليس مؤمناً ، مثل هذا المجتمع الذي لا يقاوم الإسلام في البيوت ، ولا في الأعمال ، ولا في العلاقات ، هذا المجتمع محسوب على العالم أنه مجتمع مسلم ، ولكن الله لا ينصره وكأنه قد تخلى عنه ، لأنه أين الالتزام ؟ أين التطبيق ؟ أين إسلامك إن لم يظهر في سلوكك ؟ إن لم يظهر في علاقاتك ؟ في تجارتك ؟ في بيعك ؟ في شرائك ؟ في بيتك ؟ في دكانك ؟ في مكتبك ؟ في عيادتك ؟ في معملك ؟ في حرفتك ؟ الإسلام سلوك ، الإسلام التزام ، الإسلام نظام ، الإسلام دستور ، فما لم نأخذ به فلا يحق لنا أن نطالب بما لنا ، علينا أن نؤدي ما علينا قبل أن نطالب بما لنا ، علينا أن نؤدي ما علينا قبل أن نطلب من الله بما وعدنا به .

 

طاعة الله وحدها ترفع الإنسان عند الله عز وجل :

 مرة ثانية وثالثة ورابعة أقول ربنا عز وجل حينما قال :

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

[ سورة النور : 55 ]

 هذا وعد الله عز وجل ، الاستخلاف والتمكين والتأييد ، ثم يقول الله عز وجل :

﴿يَعْبُدُونَنِي﴾

[ سورة النور : 55 ]

 هؤلاء المؤمنون لا يستحقون هذه الوعود إلا إذا عبدوني ، فإذا أخلّ الفريق الثاني بما عليه كان الله عز وجل في حلّ من وعوده الثلاثة ، هذا ملخص الملخص ، إذا أردتم نصر الله عز وجل ، إذا أردتم أن تزول بدعائكم الجبال ، إذا أردتم أن يكون الله معكم في الحفظ ، والتأييد ، والنصر ، والتوفيق ، إذا أردتم أن تقطفوا ثمار الإيمان ، إذا أرتم أن تشعروا أن الإيمان عطاء عظيم ، إذا أردتم أن تشعروا أن الإيمان شيء لا يقدر بثمن ، عليكم بطاعة الله ، ولا تنسوا أن المقياس الوحيد الذي يرفع الإنسان عند الله ، قد يرتفع الإنسان عند الناس بماله ، قد يرتفع بشهاداته العليا ، قد يرتفع بوسامته ، قد يرتفع بذكائه ، قد يرتفع بعشيرته ، قد يرتفع بجمعه الذي حوله ، هذه كلها مقاييس البشر ، ولكن ما مقياس خالق البشر ؟ ما الذي يرفعك عند الله ؟ إنها طاعة الله وحدها ، قال تعالى :

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

[ سورة الحجرات : 13 ]

 وانتهى الأمر . استمعوا أيها الأخوة لقول سيدنا عمر حينما خاطب سعد بن أبي وقاص ، وهو خال رسول الله الذي كان إذا دخل على النبي داعبه ، وقال : " هذا خالي ، فأروني خالاً مثل خالي " وكان عليه الصلاة والسلام في بعض الغزوات قد قال قولاً ما قاله إلا لسعد بن أبي وقاص ، قال :

((ارم سعد فداك أبي وأمي))

[ أخرجه الشيخان عن علي بن أبي طالب ]

 ومع ذلك قال له سيدنا عمر : " يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينهم وبينه قرابة ، إلا طاعتهم له ".
 أيها الأخوة الكرام ؛ مرة ثانية : حجم قوتك بحجم إيمانك بالله ، وتوكلك عليه ، وكونك على الحق المبين ، وكونك تؤمن بأن هذه الحياة الدنيا تافهة ، وأن الآخرة هي الباقية ، وإيمانك بالقضاء والقدر ، وإيمانك بأن المؤمنين جميعاً إخوة لك ، إذا توافرت فيك هذه الشروط الخمسة شعرت بقوة الإيمان ، شعرت بأنك تستطيع أن تجابه أمة بأكملها .
 اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

فريضة الجمعة فريضة تعليمية :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ملاحظة إدارية أجريها لكم ، أشعر أنكم جميعاً والله أنكم تقبلون على هذا المسجد برغبة صادقة ، ولكن يؤلمنني أن الخطبة التي تلقى هي خطبة متكاملة، لا تقل مقدمتها عن مؤخرتها ، فإذا جاء أحدكم في منتصف الخطبة أو قبيل نهايتها ، أو بعد فقرة أول من فقراتها ، أو بعد المقدمة الأساسية ضيع عليه الشيء الكثير ، هذه ساعة في الأسبوع ، فما دمت قد أتيت إلى طاعة لا تنسوا قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال : من جاء إلى صلاة الجمعة مبكراً فكأنما قرب بدنة ، الذي يأتي بعده فكأنما قرب بقرة ، في الساعة الثالثة فكأنما قرب غنمة ، في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، فإذا صعد الخطيب المنبر رفعت الأقلام ، وجلست الملائكة تستمع الخطبة ، مفاد هذا الحديث أن هذه الفريضة فريضة تعليمية ، فالإنسان يحتاج من حين إلى آخر إلى أن يتزود بالعلم :

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾

[ سورة طه : 114 ]

 والعلم إن لم يكن متكاملاً فلا جدوى منه ، ماذا يستفيد من أتى في نصف الخطبة؟ فاته المقدمة ، والعنصر الأول والثاني الموضوع عنده مهزوز ، ليس واضحاً ، فأرجو من الله سبحانه وتعالى أن يلهمكم أن تكونوا جميعاً في أول الخطبة كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، وهذه الملاحظة طبعاً قد يتوهم المتوهمون لمجرد أن أدركت ركعة مع الإمام فقد أديت صلاة الجمعة ، هذا كما قال عنه الفقهاء سقط الوجوب ، وإن لم يحصل المطلوب ، سقط الوجوب لكن المطلوب لم يحصل ، الله عز وجل قال :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾

[ سورة الجمعة : 9 ]

 ومن معاني السعي إلى ذكر الله أن تبكر إلى المسجد ، لأن الموضوع الذي يلقى عليك موضوع متكامل ، موضوع مترابط ، موضوع مقسم ، ومبوب ، فإذا فاتتك المقدمة وبعض العناصر فقد اهتز الموضوع في ذهنك ، بقيت عناصر لا معنى لها ، هذا من باب الحرص على أن تكون الفائدة عميمة في الأسبوع القادم ، أرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون جميعاً بهذا العدد بأول الخطبة .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018