الخطبة : 0323 - ظاهرة انفصال القول عن العمل ظاهرة خطيرة - الفرق بين الذكر والأنثى. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0323 - ظاهرة انفصال القول عن العمل ظاهرة خطيرة - الفرق بين الذكر والأنثى.


1990-11-16

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

انفصال القول عن العمل ظاهرة من أخطر الظواهر :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾

[سورة الصف : 2-3]

 ظاهرة انفصال القول عن العمل ظاهرة خطيرة ، ويبدو من خلال هذه الآية أن المؤمنين قد ينزلقون في هذه الظاهرة الخطيرة في دينهم ، جاء الخطاب الإلهي للمؤمنين :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾

[سورة الصف : 2]

 إذا أصبحت أقوالنا في واد ، وأفعالنا في واد ، إذا ابتغينا العلم لذاته وأصبحت حياتنا منفصلة عنه ، إذا عشنا كما نريد ، إذا استجبنا لأهوائنا ، إذا تحركنا وفق منهج غير منهج الله عز وجل ، إذا كنا كذلك ، وقعنا في شر كبير .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾

[سورة الصف : 2]

 المقت هو الكراهية الشديدة . وكبرت كراهية من الله عز وجل أن تكونوا كذلك .

 

ارتباط ثمار الدين بالاستقامة على أمر الله :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ كل ثمار الدين ؛ الثمار النفسية ، من طمأنينة ، ورضىً ، وتفاؤل ، وشعور بالأمن ، وشعور بأن الله سبحانه وتعالى راضٍ عن الإنسان ، كل الثمار النفسية ، وكل الثمار المادية ، وكل الثمار الاجتماعية ، إن هذه الثمار كلها لا نستطيع قطفها إلا إذا استقمنا على أمر الله ، إلا إذا كان السلوك مطابقاً للقول ، فلو أننا تعلمنا ولم نعمل، لو أننا انفعلنا ولم نطبق ، لو أننا أصبحنا بحالة الازدواجية ، الاثنينية ، أقوالنا في وادٍ ، وأفعالنا في وادٍ ، ما الذي يحصل ؟ المخالفات والمعاصي إنها حجب عن الله عز وجل ، كل أسرار الدين في تلك الصلة بالله عز وجل ، فإذا كانت المخالفات ، وكانت المعاصي ، وكانت الحركة وفق الهوى ، إن هذا الوضع يؤدي إلى قطيعة مع الله ، وحينما ينقطع الإنسان عن ربه ، يخسر كل الثمار التي وعد الله بها المؤمنين ، يصبح شأنه كشأن الناس تنتابه مشاعر الخوف ، تنتابه مشاعر الحقد ، تنتابه مشاعر القلق ، تنتابه الأنانية ، ينتابه الحرص على الدنيا ، الأمراض التي يعاني منها الناس يعاني منها المؤمنون المنقطعون عن الله عز وجل . إذاً يصبح الانتماء للدين انتماءً شكلياً ، يصبح التعصب للدين هو الانحياز الأعمى إليه ، وإن ما يعاني منه المسلمون في شتى بلادهم ، وأمصارهم ، إن هذه المعاناة هي ثمرة أو هي نتيجة حتمية لضعف صلتهم بالله عز وجل .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ حينما نفصل العلم عن العمل يقترب الدين من أن يكون طقوساً نمارسها ولا نفقه مدلولها ، حينما لا تجد إسلام المسلم في بيته ، ولا في دكانه ، ولا في معمله ، ولا في مكتبه ، عندئذ يسير المسلمون نحو الهاوية . النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " أنت على ثغرة من ثغر الإسلام ، فلا يؤتين من قبلك" .
 أي المؤمن إما أن يكون داعية وهو لا يدري ، وإما أن يكون في وظيفة تناقض عمل الداعية ، يصح أن نقول : منفر . إما أن يكون داعية إلى الله ورسوله ، وإما أن يكون منفراً من هذا الدين . الإمام علي كرم الله وجهه يقول : " قوام الدين والدنيا أربعة رجال ؛ عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه ، فإذا ضيع العالم علمه ، استنكف الجاهل أن يتعلم ".
 بمجرد أن ترى إنساناً له زي ديني ، أو له حديث في الدين ، أو له مظهر ديني، أو له مشاعر دينية ، فإذا عاملته وجدت فيه انحراف وكذب وأساليب غير مشروعة ، عندئذ تنفر من الدين .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا نستطيع أن نقطف ثمار الدين إلا إذا استقمنا على أمر الله ، لا نستطيع قطف ثمار الدين على المستوى الفردي ، في النواحي النفسية ، وفي النواحي المادية ، وعلى المستوى الاجتماعي ، وعلى المستوى العام ، وعلى المستوى الخاص ، وعلى كل المستويات ، لا نستطيع أن نقطف ثمار الدين إلا إذا تطابقت الأقوال مع الأعمال ، إلا إذا تواءم الفكر مع التطبيق ، إلا إذا انسجم القول مع العمل .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾

[سورة الصف : 2]

 هذا الذي يفعل على خلاف ما يقول ، ألا يذوب خجلاً من الله عز وجل إذا ألقى الله في قلبه ؛ أن يا عبدي لمَ تقول هكذا وأنت لست في هذا المستوى ؟

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾

[سورة الصف : 2]

 مرةً ثانية أيها الأخوة ؛ حينما تضع يدك على جوهر الدين تقطف ثماره ، أما حينما تنتمي إليه انتماءً شكلياً ، وتجارتك ، ووظيفتك ، ومهنتك ، وعملك ، ونشاطك ، ولهوك ، وسفرك ، وإقامتك ، ولقاءاتك ، وعلاقاتك . لا تسير وفق منهج الله عز وجل ، فعندئذ لا تقطف ثماره . إنها ازدواجية مرة ، إنه تمزقٌ لا يحتمل ، إنه شعور بالضياع ، إنه شعور بالنفاق . أن تقول شيئاً وأن تفعل شيئاً آخر .

 

الإسلام بناء أخلاقي :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ فكرةٌ مهمة جداً ، أتمنى أن يوفقني الله لتوضيحها لكم .
 في الإسلام عباداتٌ شعائرية ، وفي الإسلام عبادات تعاملية . العبادات الشعائرية : كالصلاة ، والصوم ، والحج . حينما فهم المسلمون الإسلام عبادات شعائرية ، وانتهى فهمهم عند هذا الحد ساروا نحو الهاوية . لأن النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاء بهذا الدين العظيم ، فهم أصحابه الدين كما فهمه سيدنا جعفر .
 سيدنا جعفر بن أبي طالب لما وقف أمام النجاشي ، وقال له : حدثني عن هذا الدين ، قال له :

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ، ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء))

[أحمد في مسنده عن أم سلمة أم المؤمنين ]

 هذا جوهر الدين كما قاله سيدنا جعفر . سيدنا جعفر ، وهو أحد أصحاب رسول الله ما فهم الدين صلاةً ، وصياماً ، وحجاً . فهم الدين صدقاً ، وأمانةً ، واستقامةً .
 لذلك بعض علماء الحديث حينما يفهمون قول النبي عليه الصلاة والسلام .

((بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان))

[البخاري وابن خزيمة عن عبد الله بن عمر ]

 فهموا هذا الحديث على أن هذه العبادات الشعائرية ليست هي الإسلام إنما هي دعامات للإسلام . الإسلام بناءٌ ، بناء أخلاقيّ ، فلو صلّينا طوال العمر ، ولو صمنا ما شاء لنا أن نصوم ، ولو حججنا في كل عام ولم نكن في المستوى الذي أراده الله عز وجل ، ما فعلنا إلا أن فرّغنا الدين من مضمونه ، وهذا ما يطمح إليه أعداء الدين ، أن يُفرّغ الدين من محتواه الأخلاقي ، من محتواه التعامليّ ، من محتواه البطوليّ ، يبقى طقوساً لا معنى لها.

 

أساس الدين اتصالٌ بالخالق وإحسانٌ إلى المخلوق :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا انقطع العبد عن الله عز وجل بسبب معصيةٍ ، أو مخالفةٍ فقد خَسِر كل ثمار الدين ، لأن أساس الدين اتصالٌ بالخالق ، وإحسانٌ إلى المخلوق :

﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

[سورة مريم : 31]

 إذا كنت متصلاً بالله ، كنت محسناً إلى الخلق ، إذا كنت منقطعاً ، كنت مسيئاً ، والناس رجلان لا ثالث لهما . متصلٌ بالله ، منضبطٌ بالشرع ، محسنٌ إلى الخلق . مقطوعٌ عن الله ، متفلّتٌ من الشرع ، مسيءٌ إلى الخلق . إذا لم نضع أيدينا على جوهر الدين ، هذا الجوهر التعاملي . كما قلت قبل قليل : في الإسلام شعائرية ، وفي الإسلام تعاملية . في كل حركاتك، في كل سكناتك ، في كل علاقاتك ، في كل أطوار حياتك ، في كل نشاطاتك ، في كسب المال، في إنفاق المال ، في اللهو الذي تلهو به ، في العلاقات التي تقيمها ، في النشاط الذي تنشط له ، في الحركة التي تتحرك بها ، في كل أطوار حياتك . إن لم تكن منضبطاً بمنهج الله عز وجل ، فالصيام ، والصلاة عبادات شعائرية لا تقدم ولا تؤخر .
 من الأمثلة الموضحة لهذه الحقيقة أن العبادات الشعائرية مثلها كمثل ساعات الامتحان . ما قيمة الساعات الثلاث إن لم تكن هناك دراسات طويلة طوال العام الدراسي ؟ إن جهد الطالب الذي يبذله في أثناء العام الدراسي يقطف ثماره في ساعات الامتحان ، إن الليالي الطويلة التي سهرها ، والدراسات الطويلة التي درسها ، والجهد الكبير الذي بذله ، والصعوبات الكثيرة التي ذللها ، والوقت الذي بذله . إن هذا كله يبدو في هذه الساعات الثلاث ، حينما يجيب عن السؤال الذي درسه ، واستوعبه . أما إذا أمضى عامه الدراسي كله في لهوٍ ، وفي حركات لا طائل منها ، وجاءت ساعات الامتحان العصيبة ، فتهيأ له وضع في صدره أقلاماً كثيرة ، وحباتٍ كي تُسكّن آلام رأسه ، ولبس أفخر الثياب ، وتناول أطيب الطعام ، وجلس على المقعد ليكتب . ماذا يكتب ؟ لو ارتديت أجمل الثياب ، وأنت في الطريق إلى المسجد ، لو فعلت كل ما أمرت به ، وقبل الصلاة لم تكن منضبطاً بشرع الله ، لم يكن كسبك حلالاً ، لم تكن علاقاتك مشروعة ، ماذا تفعل بين يدي الله عز وجل ؟ بإمكانك أن تقف ، وأن تقرأ ، وأن تركع، وأن تسجد ، وأن تفعل كل الحركات الظاهرة بالصلاة ، ولكنك لن تستطيع أن تصلي ، لن تستطيع أن تتصل بالله .
 إن كل ما في الدين من ثمار هو في الصلاة ، لذلك الصلاة من أجل الصلاة ، والصيام من أجل الصلاة ، والحج من أجل الصلاة ، والزكاة من أجل الصلاة ، وانضباطك في كسب المال من أجل الصلاة ، وانضباطك في إنفاق المال من أجل الصلاة ، وعلاقاتك الاجتماعية من أجل الصلاة .

(( الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ، ومن تركها فقد هدم الدين ))

[البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]

 إذا ألغينا العبادات التعاملية ، إذا أهملناها ، وركزنا على العبادات الشعائرية . ما الذي يحصل ؟ يحصل أن يُفرّغ الدين من مضمونه ، يصبح المسلمون شأنهم كشأن غيرهم ، تنتابهم المشكلات ، وتحل بينهم الفرقة ، ويتنافسون على حطام الدنيا ، ويقعون في الحسد ، والغيبة ، والنميمة ، تصيبهم مشاعر اليأس ، والقنوت ، والقهر ، والذل ، والحقد ، وما إلى ذلك. إن الأمراض التي يعاني منها الناس المنقطعون عن الله عز وجل هي الأمراض نفسها التي يعاني منها المسلمون إذا ابتعدوا عن تطبيق دينهم .

 

ارتباط العبادات الشعائرية بالعبادات التعاملية :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الأصحاب الكرام أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بلغوا أعلى درجةٍ أرادها الله لهم ، بلغوا مرتبة رضوان الله .

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾

[سورة الفتح: 18]

 لقد رضي الله عنهم ، كيف رضي الله عنهم ؟ بنزاهتهم ، واستقامتهم ، وحبهم للخير ، واندفاعهم لخدمة الخلق ، ونشرهم لهذا الدين بأفعالهم قبل أقوالهم . عندئذ رضي الله عنهم .
 فإذا اتجهنا إلى موضوعاتٍ بعيدةٍ عن الدين ، عن جوهره ، واختصرنا من أجلها، وبذلنا من أجلها الكثير من أوقاتنا ، وزهدنا ، وابتعدنا عن جوهر الدين . فما أحسنّا صنعاً ، ولا نجحنا ، ولا ارتقينا ، ولا قطفنا ثمار الدين . موضوعات كثيرة أصحاب النبي الكريم أعرضوا عنها والتفتوا إلى ما هو جوهري ، لا أدل على ذلك أن سيدنا عمر رضي الله عنه حينما التقى راعياً في رؤوس الجبال أراد أن يمتحنه ، قال : بعني هذه الشاة وخذ ثمنها ؟ قال هذا الراعي : ليست لي . قال : قل لصاحبها ماتت ، قال : ليست لي ، قال : خذ ثمنها ، قال : والله إني لفي أشدّ الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها ماتت ، أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادقٌ أمين ، ولكن أين الله ؟ هذا هو الدين بأبسط صوره ، هذا هو جوهر الدين ، أن تقول دائماً : أين الله ؟
 قبل أن تتحرك هل تملك جواباً لربك يوم القيامة ؟ لماذا فعلت كذا ؟ لم أخذت هذا الشيء ؟ لم قلت كذا ؟ لم أوقعت الأذى بفلان ؟ ما قيمة الصلاة ، والصيام ، والحج ، إذا اكتفينا بها ، ونهبنا أموال بعضنا بعضاً ، وأكلنا حقوق بعضنا ، واعتدينا على بعضنا ، وتجاوزنا حدودنا ؟ إن العبادات الشعائرية من صيام ، وصلاة ، وحج ، لا يمكن أن يقبلها الله عز وجل إلا إذا أدينا العبادات التعاملية .

 

تمثل الدين بالأفعال لا بالأقوال :

 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ أصحاب النبي عليهم رضوان الله ، رضي الله عنهم تقريراً لا ادعاءً ، لقد رضي الله عن المؤمنين ، لماذا ؟ لأنهم تمثلوا هذا الدين بأفعالهم .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾

[سورة الصف : 2]

 ما الذّنب ؟ ما المرض الخطير الذي استشرى في بني إسرائيل حتى استحقوا غضب الله ؟ قالوا :

﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾

[ سورة البقرة : 93]

﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾

[ سورة المائدة : 24]

 تعلقوا بالظواهر وتركوا الجواهر ، تعلقوا بالشكل وتركوا المضمون . سيدنا عمر حينما رأى إنساناً يشغل نفسه بالعبادة ، وتلاوة القرآن أثناء النهار ، ولا يعمل ، قال : إنما أُنزل هذا القرآن ليُعمل به ، أفاتخذت قراءته عملاً ؟ سيدنا عمر رأى جماعةً ، قال: من أنتم ؟ قالوا : نحن المتوكّلون ، قال : كذبتم ، المتوكل من ألقى حبةً في الأرض ، ثم توكل على الله . النبي عليه الصلاة والسلام أمسك بيد سيدنا عبد الله بن مسعود فرآها خشنة . فقال النبي عليه الصلاة والسلام :

((إن هذه اليد يحبها الله ورسوله ))

[ ورد في الأثر ]

 هذا المضمون مضمون العمل ، مضمون الانضباط ، أين هو ؟ ماذا قال بعض العلماء المشاهير ؟ قال : والله لترك دانقٍ من حرام - والدانق سدس الدرهم - خيرٌ من ثمانين حجةً بعد الإسلام . ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ؟

(( لأن أمشي مع أخ في حاجةٍ خير لي من أن أعتكف في مسجدي هذا ))

[ الطبراني عن ابن عمر ]

 لأن أمشي مع أخ في حاجته ، أن تخدم الناس ، أن تخفف عنهم آلامهم ، أن تحلّ لهم قضاياهم ، أن تفرج عنهم كربهم ، أن تيسّر لهم أعمالهم . هذا أفضل عند رسول الله من صيام شهرٍ من قِبَل النبي ، واعتكافه في مسجدي هذا . هذا هو الدين .

(( إن المرأة تذكر أنها تكثر من صلاتها ، وصيامها ، وصدقتها ، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها ، قال : هي في النار ))

[ أحمد عن أبي هريرة ]

(( دَخَلت امْرَأةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ ربطتها، فلم تُطْعِمها، ولم تَدَعْها تأْكُل مِن خَشاشِ الأرض ))

[متفق عليه عن ابن عمر]

 رجل رأى كلباً يأكل الثرى من العطش ، قال : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ بي ، نزل البئر ، ملأ خفّه ماءً ، ثم رقي به ، أمسكه بفيه ، ورقي به ، فسقى الكلب ، فشكر الله له ، وغفر له . ما العمل الذي أعددته كي تلقى الله به ؟ هل أنت منضبطٌ بشرع الله؟ هل ضبطت جوارحك قبل أن تصلي ؟ هل غضضت بصرك عن محارم الله ؟ هل كففت أذنك عن سماع ما لا يرضي الله ؟ هل ضبطت لسانك ؟

(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه))

[ أحمد عن أنس بن مالك ]

الإيمان بالله و تطبيق أمره :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يجب أن نضع أيدينا على جوهر الدين ، يجب أن نضع أيدينا على الجوهر الأساسي لهذا الدين العظيم .
 شيءٌ آخر ، يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أنت يجب أن تؤمن بالله إيماناً تحقيقياً ، وأن تؤمن بكتابه إيماناً تحقيقياً ، وأن تؤمن بسنة نبيّه إيماناً تحقيقياً ، وهنا ينتهي دور العقل . ويأتي دور الأمر والنهي .
 يجب أن تطبق الأمر فهِمت حكمته أم لم تفهمها ، أما إذا حكّمت عقلك في هذه الأوامر ، وقلت : هذا منطقي ، وهذا غير منطقي ، وهذا معقول ، وهذا غير معقول ، هذا ليس لهذا الزمان . أصبحت أنت المشرّع ، أنت عليك أن تصل إلى إيمانٍ حقيقيٍّ صحيحٍ قطعيٍّ ، جازمٍ ، دقيقٍ بالله عز وجل ، وبرسوله ، وبكتابه . وبعدئذٍ لك دورٌ وحيد ، دور التلقّي ، دور أن تتلقى أوامر الله عز وجل بالقبول والرضى ، وأن تطبقها ، إذا طبقتها معلناً بهذا التطبيق عن عبوديتك لله عز وجل ، لعلك إن فعلت هذا كشف الله لك عن بصيرتك ، فرأيت الحكمة التي تنطوي وراءها تلك الأوامر والنواهي .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ العلماء يقولون : الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع المعرفة به ، أي قد يأتي إنسان ، ويركب أغلى مركبة ، وينتفع بها ، ولا يعلم سرّ حركتها ، ولا سر تعقيداتها ، ما معنى ذلك ؟
 أنك إذا طبقت أمر الله عز وجل تقطف كل ثماره من دون أن تعلّق التطبيق على فهم الحكمة ، أو على فهم التأويل ، أو على فهم الضرورة ، أنت عبدٌ لله ، ألم تؤمن به إيماناً صحيحاً ؟ ألم تؤمن برسوله عليه الصلاة والسلام ؟ ألم تؤمن بهذا الكتاب أنه من عند الله عز وجل ؟ انتهى دور العقل . الآن دور التّلقي ، دور التطبيق ، فكلما جاءك أمرٌ ، وتحققت أنه عن الله عز وجل ، أو عن رسوله ، عليك أن تطبقه .

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾

[سورة الأحزاب: 36]

التوحيد نهاية العلم والعبادة نهاية العمل :

 يمكن أن يضغط الدين كله ، الدين كله بكلمتين : أن تؤمن بلا إله إلا الله ، وأن تعبده . الإيمان بأنه إله إلا الله هو سرّ التوحيد ، هو العقيدة كلها . وأن تعبده هو العمل كله . لذلك التوحيد نهاية العلم ، والعبادة نهاية العمل ، نهاية العمل أن تكون عبداً لله كما أراد الله ، نهاية العلم أن توحد الله . التوحيد والعبادة ليسا أمرين سهلين ، يحتاجان إلى جهدٍ كبير ، إلى جهدٍ معرفيّ ، وجهد سلوكيّ .

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة العنكبوت: 69]

 تحتاج المعرفة إلى جهدٍ كبير ، لا بدّ من فهم كتاب الله ، لا بد من أن تجول جولات طويلة في كون الله ، لا بد من أن تتعرّف إلى الله ، ولا بد من أن تقف على دقائق شرع الله ، لا بد من أن تعرفه ، ولا بد من أن تعرف أمره ، فإذا عرفته وحدّته ، وإذا عرفت أمره عبدته ، وهذا هو الهدف الأكبر من خلق الإنسان في الدنيا .

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[سورة الأنبياء: 25]

 أرأيتم إلى آيةٍ كريمة لخص الله بها القرآن كله . قال تعالى :

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾

[سورة الكهف : 110]

 القرآن كله في هذه الآية :

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[سورة الكهف : 110]

 هذا هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، لن تستقيم على أمره ، إلا إذا أيقنت أنه لا إله إلا الله ، إذا رأيت زيداً وعبيداً ، وفلاناً وعلاناً ، وهذه الجهة بإمكانها أن توقع الأذى ، وهذه الجهة بإمكانها أن ترفعك إلى الأوج ، وأن هذا يُخشى شرّه ، وهذا يُرجى رضاؤه ، هذا هو الشرك . ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، يجب أن توحد الله عز وجل ، يجب أن تتذوق كل خليّةٍ من خلاياك معنى قوله تعالى :

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة هود: 123]

 أمر الأخلاق ، أمر الدم ، أمر الدماغ ، أمر أهلك ، وزوجك ، وأولادك ، أمر عملك ، أمر من هم فوقك ، أمر من هم تحتك ، إليه يرجع الأمر كله ، بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده قال :

﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

 لم يأمرك أن تعبده قبل أن طمأنك بأن الأمر كله له .

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[سورة هود: 55-56]

 هكذا تعبده .

 

الإيمان سلوك و معاملة :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾

[سورة الصف : 2]

 حقيقةٌ أخيرة ألخص بها هذه الخطبة . حينما تشعر أن في السلوك خللاً ، أو أن في الطاعة تقصيراً ، أو أن في التعامل انحرافاً ، أو أن في أداء الحقوق تهاوناً ، أو أن في أداء العبادات تكاسلاً . حينما تشعر أنك لست على منهج الله كما أراد الله ، يجب أن تعلم علم اليقين أن الإيمان الذي بين جوانحك لا يكفي ، ليس بالحجم الذي يكفي ، لا يُعدّ الإيمان كافياً إلا إذا حملك على طاعة الله ، المؤشّر على أن الإيمان يكفي أو لا يكفي سلوك .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ حينما ترضي مخلوقاً وتعصي خالقاً ، أنت لا تعرف الله عز وجل ، لم تقل : الله أكبر ، ما قلتها ولا مرة ، ولو قلتها مرة واحدة لما رأيت أن هذا المخلوق الذي تُطيعه ، وتعصي ربك أكبر من الله ، هذه حقيقة ، فكلما شعرت أن في السلوك خللاً ، أن في الاستقامة انحرافاً ، في أداء الواجبات تقصيراً ، في أداء العبادات تكاسلاً . يجب أن تعلم علم اليقين أن حجم الإيمان لا يكفي ، إيمانك لا يرقى إلى المستوى المطلوب .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا . . أي لا ينبغي أن ننساق مع أوهامنا ، نحن مؤمنون ، والحمد لله ، نحن مسلمون ، والحمد لله ، ما حقيقة إسلامك؟ ما حقيقة إيمانك ؟ هل عرفت الله ؟ نعم . بارك الله بك . ماذا فعلت في أمره ونهيه ؟ هل أنت عند أمر الله ونهيه ؟ الإمام الجنيد علمٌ كبير من أعلام هذا الدين سُئِل : من ولي الله ؟ أهو الذي يطير في الهواء ؟ قال : الطائر يطير . قالوا : أهو الذي يمشي على وجه الماء ؟ قال : السمك تسبح في الماء . فقال : الوليّ كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام . أي أن يراك الله حيث أمرك ، وأن يفتقدك حيث نهاك ، هذه هو ولي الله .

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[سورة يونس: 62]

 لا خوف عليهم من المستقبل ، ولا هم يحزنون على الماضي . ما هذه الضمانة ؟ ضمانةٌ تشمل الماضي والمستقبل .

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[سورة يونس: 62-63]

 يتقون أم يعصون ربهم ؟
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ..

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الفرق بين الذكر و الأنثى :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ربنا سبحانه وتعالى حينما قال في قصة السيدة مريم :

﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾

[سورة مريم : 36]

 وقفت عند هذه الآية . العلماء أيها الأخوة ؛ علماء النفس ، ولا سيما علماء نفس الطفولة والمراهقة يؤكّدون أن الأنثى لها خصائص غير الخصائص البيولوجية المادية أي فضلاً عن أن جسم الأنثى وجسم الرجل يختلفان اختلافاً بيّناً ولكن الحديث اليوم لا على هذه الاختلافات الظاهرة بين بنية الرجل ، وبنية المرأة ، بين بنية الذكر ، وبنية الأنثى . الموضوع حول الخصائص النفسية ، والخصائص الاجتماعية ، والخصائص الإدراكية ، التي ميّز الله بها كلاً من الذكر والأنثى .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ يتفق علماء الدين على أن المرأة كالرجل تماماً ، في التكليف والتشريف ولكن المرأة ليست كالرجل ، لها خصائص في بنيتها الجسمية ، ولها خصائص في بنيتها النفسية ، ولها خصائص في بنيتها الاجتماعية ، ولها خصائص في قوّة إدراكها ، في طبيعة إدراكها ، فالذي عنده أولاد ذكوراً ، أو إناثاً ، لو أنه تتبّع حركاتهم ، وألعابهم، وأنماط تعلقاتهم ، البنت الصغيرة وهي في سنٍّ مبكر لها اهتمامات ، وميول ، وتطلعات ليست كأخيها الصغير ، مع أن علائم الذكورة والأنوثة لم تظهر بعد . إذاً هذا يؤكد لنا أن الله سبحانه وتعالى حينما خلق الذكر ، خلقه على نحوٍ خاص ، في تفكيره ، في علاقاته ، في نفسيته ، في اجتماعياته ، في كل شؤون حياته . وحينما خلق الأنثى خلقها على نحوٍ خاص ، على نحو يؤهلها أن تكون أماً في أعلى مستوى ، لذلك حينما قالت المرأة : يا رسول الله إن فلاناً تزوجني ، وأنا شابّة ، ذات أهل ، ومال ، وجمال ، فلما نفر بطني - أنجبت له أولاداً- وذهب مالي ، وتفرّق أهلي . قال : أنت عليّ كظهر أمي ولي منه أولاد ، إن تركتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إليّ جاعوا . هذه المرأة بشكلٍ عفويّ ، بشكل بسيط ، بشكل واضح . تبين للنبي أنها إذا ضمت أولادها إليها جاعوا ، لأنها لا تكسب الرزق ، وإذا ضمتهم إلى أبيهم ضاعوا ، لأنه لا يحسن تربيتهم . إذاً : متى ننجح ؟ إذا عرفنا أن تصميم الله عز وجل للذكر غير تصميمه للأنثى ، التصميمان مختلفان ، لكن التشريف والتكليف واحد ، المرأة مشرّفة كالرجل .

﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾

[سورة الأحزاب: 35]

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة النحل: 97]

﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾

[سورة آل عمران : 195]

 المرأة مساويةٌ للرجل تماماً من حيث التشريف ، ومساويةٌ له تماماً من حيث التكليف ، مكلفةٌ بالإسلام ، مكلفةٌ بالإيمان ، مكلفة أن تعرف حقوق الزوج ، مكلفة أن تعرف ربها ، أن تعرف أمره ، ولكن التصميم مختلف . فأي عملٍ يُدخل هذا المخلوق الذي صُمّم على نحوٍ خاص ، في مجالٍ آخر ، أو العكس ، هذا التصميم يؤدي إلى الفساد الفكري ، هذا من خلق الله عز وجل . حتى أن بعض العلماء يقول في قوله تعالى :

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾

[سورة الليل: 1-3]

 قد يسأل سائل : ما علاقة والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى بخلق الذكر والأنثى؟ قال : لأن الليل والنهار متكاملان ، مع البين الشّاسع بينهما ، هذا للسّكن ، قال تعالى :

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[سورة الروم: 21]

 وهذا للعمل . المرأة سيدة البيت كي تربِّي الأولاد ، وليسكن الزوج إليها ، والرجل للعمل .

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[سورة الليل: 1-4]

 كما أن الليل والنهار مفترقان لكنهما متكاملان . كذلك الذكر والأنثى مفترقان ، لكنهما متكاملان .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا الموضوع سقته لكم لأؤكّد قوله تعالى :

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى ﴾

[سورة آل عمران :36]

 وكل أبٍ من الأخوة الحاضرين بإمكانه أن يلحظ الفرق الدقيق ، لا في البنية ، والشكل ، ولكن في السلوك الاجتماعي ، والبنية النفسية ، وطريقة التفكير بين الذكر والأنثى ، حتى يقول إذا قرأ القرآن الكريم : صدق الله العظيم .

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى ﴾

[سورة آل عمران :36]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018