الخطبة : 0317 - الإخلاص والهدى والرضا - الحوينات المنوية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0317 - الإخلاص والهدى والرضا - الحوينات المنوية.


1990-10-05

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر .
 اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

القرآن الكريم حبل الله المتين :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾

[ سورة الأنعام : 1 ]

 وفي آيةٍ ثانية :

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾

[ سورة الكهف : 1]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الكون كلُّه في كفة ، وهذا الكتاب الكريم الذي هو مِن رب العالمين في كفةٍ ثانية .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الله سبحانه وتعالى خلق الأكوان ونَوَّر الحياة بالقرآن ، فما من عملٍ أعظم ، ولا أخطر ، ولا أهمّ في حياة الإنسان مِن أن نَفْهَم كتاب الله عزَّ وجل ، إنه نور الله الذي بين أيدينا ، إنه تعليمات الصانع ، إنه المَنهج القَويم . .

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

[ سورة الإسراء : 9 ]

 إنه السَبيل المُستقيم ، إنه حبل الله المتين . .

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه : 123]

الهدى نعمة الله الحقيقية التي ينعمها على الإنسان :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ في سورة مريم مقطعٌ في أواخرها له دلالاتٌ كبيرة ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً ﴾

[ سورة مريم : 51]

 ثم يقول :

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً ﴾

[ سورة مريم : 54-55]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول الله عزَّ وجل :

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾

[ سورة مريم : 58]

 هذه نعمة الله الحقيقية ؛ أن تكون مُخْلِصاً ، وأن تكون مُخْلَصاً ، وأن تُصَدِّق بالهُدى ، وأن تأمُر أهلك بالصلاة ، وأن تكون عند ربك مرضياً ، وأن تكون عارفاً لله عزَّ وجل.
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ وهمٌ كبير دخل إلى أذهان بعض الناس هو أن الله سبحانه وتعالى إذا آتاك مالاً ، أو قوةً ، أو صحةً ، أو أهلاً ، فقد تمَّت نِعمة الله عليك ، لا والله، أجمع العلماء على أن معنى قوله تعالى :

﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾

[ سورة المائدة : 6 ]

 أنَّ تمام النِعمة الهُدى ، أن تهتدي إلى الله عزَّ وجل ، وحينما قال الله عزَّ وجل في كتابه الكريم :

﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن : 1-4]

 وقف بعضُ المفسّرين وقفةً ، كيف يعلم الله القرآن قبل خلق الإنسان ؟ أجاب بعضهم بأن هذا الترتيب ليس ترتيباً زمنياً ، إنما هو ترتيبٌ رُتَبِيّ ، إن منهج الله عزَّ وجل الذي يتمثَّل في القرآن مقدمٌ من حيث الأهمية ، ومن حيث الرُتْبَة على خَلْقِ الإنسان ، لأن الإنسان لا معنى لوجوده ، ولا جدوى لوجوده ، ولا يسعد بوجوده إن لم يتبع منهج الله عزَّ وجل ألا وهو القرآن .

 

المال ليس مؤشراً على حبّ الله لعبده :

 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ قد يعطي الله عزَّ وجل المال لمن لا يحبه ، وقد يعطيه لمن يحبه ، إذاً لا يُعَدُّ المال مؤشراً على حبّ الله عزَّ وجل ، أعطى سيدنا عبد الرحمن بن عوف أموالاً طائلة ، فسمع أن السيدة عائشة تقول : " أخشى أن تدخل الجنة حبواً " فقال رضي الله عنه : " والله لأدخلنَّها خبباً - أي هرولةً - وما ذنبي إذا كنت أُنفق مئةً في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء !! " .
 أعطى المال لمن يحب ، حينما جاء المدينة المنورة قال له أخوه في الإيمان : دونك نصف مالي فخذه . ماذا أجاب عبد الرحمن بن عوف ؟ يا أخي بارك الله لك في مالك ولكن دُلني على السوق . وأعطى قارون المال وهو لا يحبه . .

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾

[ سورة القصص : 81 ]

 إذاً المال لا علاقة له بحب الله ولا ببغضه ، لا إذا وُجِدَ دليلٌ على حب الله لك ، ولا إذا افتُقِد دليلٌ على بغض الله لك ، هذه نقطةٌ مهمةٌ جداً . وقد يعطي القوة لمن يحب ؛ دخل عليه الصلاة والسلام مكة فاتحاً ، وعشرة آلاف سيف تأتمر بأمره ، وقد دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها . وآتى فرعون قوةً ، فهل القوة وحدها دليلٌ على حب الله عزَّ وجل؟ ليست دليلاً ، ولكن . .

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً ﴾

[ سورة مريم : 51]

 إذا كنت مُخْلِصاً تغدو مُخْلَصاً ، المُخْلَص هو النقي من كل شائبة . .

﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً ﴾

[ سورة مريم : 51-52]

 هل أنت قريبٌ من الله عزَّ وجل ؟ هل تُحِسُّ بالقُرب ؟ هل ذُقت طَعْمَ القُرب ؟..

﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً * وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾

[ سورة مريم : 52-54]

 ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ قال :

(( من حدث الناس فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته ))

﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ﴾

[ سورة مريم : 54-55]

أعلى رتبة في الأرض أن تكون في رضوان الله :

 يا أيها الأخ الكريم ؛ لا تنسَ أن المؤمنين أُمِروا بما أُمِرَ به المُرْسَلون ، والدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام :

((وَإنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ ))

[ الأذكار النووية عن أبي هريرة ]

 الفرق بين المؤمن ومن فوقه في المراتب ، فرقٌ في الرتبة ، أما من حيث العمل ، ومن حيث التطبيق ، ومن حيث الاستقامة ، ومن حيث الائتمار بأمر الله ، وأن ينتهي عما نهى الله عنه فهو حدٌ واحد .
 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ ﴾

[ سورة مريم : 55]

 والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾

[ سورة طه : 132 ]

﴿ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً ﴾

[ سورة مريم : 55]

 ما من رتبةٍ في الأرض- هناك رُتَبُ المال ، ورُتَبُ السلطان ، ورُتَبُ الصحة، ورُتَبُ الجمال ، ورُتَبُ الذَكاء - أعلى في بني البشر من أن تكون في رضوان الله ، لذلك حينما قال الله عزَّ وجل :

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾

[ سورة الفتح : 18 ]

 هذه مرتبةٌ ما فوقها مرتبة ، إلا مراتب الأنبياء والمرسلين والصدِّيقين . .

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

.
 يا أيها الأخ الكريم ؛ إلامَ تسعى ؟ ما الهدف الذي يعلو على أن تسعى إلى مرضاة الله ؟ ما الهدف الذي هو أهم عندك مِن رِضوان الله ؟

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾

 هذه نعمة الله الحقيقية . . إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله .

 

وصف حال الناس بعد الأنبياء :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول الله عزَّ وجل :

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾

[ سورة مريم : 58]

 هذا حال الذين أنعم الله عليهم ، هل أنت مع آيات الرحمن ؟ مع آياته الكونية ؟ ومع آياته القرآنية ؟ هل تعنيك هذه الآيات ؟ هل تشغل هذه الآيات حَيِّزاً من ذهنك ؟ من ساحة نفسك ؟ هل استعملت هذه الآيات لترقى بها إلى رب الأرض والسموات ؟ هل كانت هذه الآيات دليلاً لك على عظمة الله عزَّ وجل ؟
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ موطن الشاهد ، أو بيت القصيد في الخُطْبَة وصفٌ لحال الناس بعد الأنبياء . .

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

[ سورة مريم: 59]

 ما من وصفٍ أبلغ ، ولا أدق ، ولا أعمق من أن الله عزَّ وجل يصف هؤلاء الشاردين ، الضالين ، البعيدين ، التائهين بعد هذه النِعَمِ العظيمة ، وبعد هذه الهداية القَويمة ، من أن يصف الذين جاؤوا من بَعْدِ الأنبياء مِن أنَّهم . .

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ﴾

[ سورة مريم: 59]

 الدين كلُّه صلاة ، الصلاة عماد الدين ، الصلاة أيها الأخوة هي الفَرْضُ الوحيد الذي لا يسقُط بحال ، الصيام ؛ قد تفطر وأنت مريض ، قد تفطر وأنت مسافر ، الزكاة ؛ ليست عليك الزكاةُ إلا إذا كنت مالكاً للنصاب ، الحج ؛ ليس مفروضاً عليك إلا إذا كنت مستطيعاً بمالك وبصحَّتك . ولكن الصلاة هي الفَرْضُ الذي لا يسقط بحال ، الفرض المتكرِّر، إنها عماد الدين ، وعصام اليقين ، إنها ذكرٌ . .

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه : 14]

 إنها قُرْبٌ ، إنها مُناجاةٌ ، إنها عروجٌ إلى الله عزَّ وجل ، إنها وعيٌ . .

﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾

[ سورة النساء : 43 ]

 إنها عقلٌ . .

(( ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها ))

[ورد في الأثر]

 إنها ميزانٌ . .

(( الصلاة ميزان فمن وفَّى استوفى ))

[ الدر المنثور في التفسير المأثور عن عمر]

العلاقة الترابطيّة بين إضاعة الصلاة واتباع الشهوات :

 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ﴾

[ سورة مريم: 59 ]

 يقول بعضهم : فلان والله آدمي ولكنه لا يصلي ، آدمي ، أخلاقي . الاتصال بالله عزَّ وجل هو أُسُّ الفضائل ، ولجام الرذائل ، وقِوام الضمائِر ، إما أنك موصول فأنت منضبط ، وأنت محسن ، وإما أن الإنسان مقطوع فهو متفلِّت ، وهو مسيء ، ولا أعني أن تقف وأن تقرأ وتركع وتسجد ، ليست هذه حقيقة الصلاة ، بل حقيقة الصلاة أن تكون في البداية مؤتمراً بأمر الله ، مُنتهياً عما نهى الله عنه ، مُحسناً إلى خلق الله ، عندئذٍ إذا وقفت وقرأت ، وركعت وسجدت تشعر أنك قريبٌ من الله عزَّ وجل ، وأن الطريق إلى الله سالك ، وأن الخَطَّ مفتوح ، وأن الله يتجلَّى عليك ، إذاً :

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ﴾

[ سورة مريم: 59 ]

 لهذا قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا خير في دينٍ لا صلاة فيه ))

[أحمد عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاص]

﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾

[ سورة مريم: 59 ]

 يا تُرى إضاعة الصلاة كانت سبباً في اتباع الشهوات أم أن اتباع الشهوات كان سبباً في إضاعة الصلاة ؟ أحياناً يقول العلماء : إن بين إضاعة الصلاة واتباع الشهوات علاقةً ترابطية ، أي إن اتباع الشهوات يؤدّي إلى قطع الصلوات ، أو إن قطع الصلوات يؤدّي إلى اتباع الشهوات ، إن بين اتباع الشهوة والانقطاع عن الله عزَّ وجل علاقةً ترابطيَّة ، تارةً يكون اتباع الشهوات سبباً في قطع الصلاة ، وتارةً يكون قَطْع الصلاة سبباً في اتباع الشهوات ، وصفٌ بليغ ، وصفٌ دقيق ، وصفٌ مُحْكَم ، وصفٌ عَميق ، وصفٌ مَتين . .

﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾

[ سورة مريم: 59 ]

الخُلُق الحَسَن يُكَمِّل الإسلام و الإيمان :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ تستطيعُ أن تتوضأ وأن تُصَلّي ، أن تكون عند الناس مصلياً، هذا شيءٌ ميسور يفعله كل الناس ، ولكن لن تستطيع أن تتصل بالله عزَّ وجل إذا كنت مُسيئاً إلى خَلْقِهِ ، لن تستطيع أن تتصل بالله عزَّ وجل إن لم تكن مُطَبِّقاً لمَنْهَجِه ، لن تستطيع أن تتصل بالله عزَّ وجل إن لم تكن عبداً لله كما أرادك .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يجب أن تُمَهِّد لإقامة الصلاة ، يجب أن يكون قلبك عامراً بذكر الله ، يجب أن يكون عملك طيّباً ، لأن الله سبحانه وتعالى وصف النبي عليه الصلاة والسلام فقال :

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم : 4]

 إذاً الخُلُق الحَسَن هو الذي يُكَمِّل الإسلام ، وهو الذي يكمل الإيمان ، وهو الذي يكون مِقياساً دقيقاً وفعَّالاً عند خالق الأرض والسموات . .

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ﴾

[ سورة مريم: 59 ]

 فهذا الذي يتبع الشهوات مقطوعٌ عن رب الأرض والسموات ، هذا الذي يتَّبع هواه، هذا الذي يُطْلِق لنفسه العنان ، لشهواته العنان ، للسانه العنان ، يفعل ما يشتهي ، يفعل ما يُريد ، لا ينضبط ، لا يسأل ، سيدنا عمر كان وقَّافاً عند كتاب الله . في أي موضع ، هذا الوضع ما حُكم الشَرع في ذلك ؟ هل هو مباح ؟ هل هو واجب ؟ هل هو فرض ؟ هل هو مكروه ؟ هل هذه الكراهة تنزيهيّة ؟ هل هذه الكراهة تَحْريمية ؟ هل هو حرام ؟ ما العمل الذي يفوق أن تعرف أمر الله عزَّ وجل ؟ ما الموضوع الذي يفوق في أهميَّته أن تعرف منهج الله عزَّ وجل ؟ لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( طلب العلم فريضة ))

[ابن ماجه عن أنس بن مالك ]

فريضة ، بمعنى أنك إن لمْ تفعل لابدَّ من أن تَضِلَّ أو تُضِل .

 المعاني المستنبطة من قوله تعالى

﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم: 59 ]

 قال بعض علماء التفسير : الغيُّ هو الشَر ؛ المصائب ، المُعالجات ، لأن الله جلّ في عُلاه لا يدع عبيده مُعَطَّلين من الأمر والنهي ، كما أنه لا يدع عبيده معطلين من المُعالجة ، لابدَّ من أن يعالِج لئلا يقول العبد يوم القيامة :

﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾

[ سورة طه : 134]

 الله سبحانه وتعالى له الحُجَّة البالغة . .

﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم: 59 ]

 بعضهم قال : فسوف يلقون غياً أي جزاء غَيِّهم . الإنسان لمجرَّد أن يبتعد عن الله عزَّ وجل ينحرف سلوكه ، ما مِن فهمٍ مغلوطٍ ، وما من عقيدةٍ فاسدةٍ إلا ويقابلها انحرافٌ في السلوك ، لا يبقى الاعتقاد الفاسد في ذهن الإنسان إلا وسوف يجسَّدُ في انحرافٍ في سلوكه ، هذا هو الغَيّ ، الانحراف ، إذاً :

﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم: 59 ]

 أي جزاء انحرافهم . المعنى الأول :

﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم: 59 ]

 أي شراً ، أي عقاباً أليماً ، أي خسفاً ، أي هذا الذي نراه ونسمع به كل يوم في أماكن شتَّى من بقاع الأرض ، ما هو إلا تحقيقٌ لهذه الآية . .

(( عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد ، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك ، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ))

[ورد في الأثر]

 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم: 59 ]

 أيْ عقاباً أليماً ، خسفاً . .

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾

[ سورة القصص : 81]

 أيها الأخوة الأحباب ؛ والمعنى الثاني : سوف يلقون جزاء غَيِّهم وانحرافهم .
 والمعنى الثالث : سوف يضلون عن طريق الجنة ، عن طريق السعادة الأبدية التي خلقوا لها.

(( خلقت لك السموات والأرض ولم أعي بخلقهن أفيعييني رغيفٌ أسوقه لك كل حين ؟ لي عليك فرضية ولك عليَّ رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي ، وكنت عندي مذموماً ))

[ورد في الأثر]

الجنة وعد الله الحق :

 لكن رحمة الله عزَّ وجل تتمثَّل في أن باب التوبة مفتوح ، مفتوحٌ باب التوبة ما لم يُغَرْغِرُ العبد . .

﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ﴾

[ سورة النساء : 18 ]

 ما لم يُغَرْغِر .

(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد ))

[الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً * جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ﴾

[ سورة مريم :60-61]

 الجنة وعد الله بها عباده بالغَيْب ، لها دليلٌ نقلي في القرآن الكريم ، ولها دليلٌ عقلي ، الجنة وَعْدُ الله الحَق . .

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص : 61]

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة القصص : 60]

﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إ ِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾

[ سورة مريم: 61]

 أحياناً ربنا سبحانه وتعالى يعبر عن المستقبل بالفعل الماضي ، لفتةٌ لغوية . .

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾

[ سورة المائدة : 116 ]

 إذ قال : هذا سيكون يوم القيامة ، لماذا استعمل الله عزَّ وجل للتعبير عن المستقبل الفعل الماضي ؟ قال : لتحقق الوقوع . .

﴿إ ِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾

[ سورة التوبة : 61 ]

 الذي يعده الله عزَّ وجل كأنه وقع ، هذا الصحابيُّ الجليل الذي قال للنبي عليه الصلاة والتسليم :

(( كأنني أرى أهل الجنة يتنعَّمون وأهل النار يتصايحون ))

 قال :

(( عرفت فالزم إني لك ناصحٌ أمين ))

[كشف الخفاء عن أبي عبد الله ]

 كأنني أرى ، لأن هذه القواعد التي رسمها الله عزَّ وجل لا مُبَدِّل لكلمات الله .

 

التقي من يتقي غضب الله برضوانه و معصيته بطاعته :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾

[ سورة مريم: 62]

 أهذه الجنة يُزْهَد بها من أجل سنواتٍ معدودة ، مشحونةٍ بالمتاعب ، بالهموم ، بالمضايقات ؟ مشحونةٍ بالأمراض ، بالمُقْلِقات ، بالمُتْعِبات ؟ أهكذا ؟

﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً ﴾

[ سورة مريم: 63]

 من هو التقي أيها الأخوة ؛ الذي يتقي غضب الله برضوانه ، يتقي معصيته بطاعته ، يتّقي الشِرك بالتوحيد ، يتقي الكفر بالإيمان ، يتقي المعصية بالطاعة ، يتقي غضب الله برضوانه ، أية حركةٍ تتحركها ، في أي نشاطٍ تنْشَط إليه ، في أي جهةٍ تسلكها ، اسأل نفسك هذا السؤال : ما حُكم الله في هذا الأمر ؟ ما الذي يرضي الله ؟ كيف أكسِب المال ؟ كيف أنفقه؟ من أصل ؟ من أقطع ؟ من أعطي ؟ من أمنع ؟ من أصاحب ؟ من أوالي ؟ لابدَّ من أن يكون شرع الله عزَّ وجل يغطي كل اهتمامك . .

﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً ﴾

[ سورة مريم: 63]

فوائد قراءة القرآن :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ القرآن الكريم فيما يصفه النبي عليه الصلاة والتسليم، لا يحزن قارئ القرآن ، لا يحزن لأنك إذا قرأت القرآن رأيت يد الله فوق أيديهم ، لا تحزن ، لا تحسُّ بالقَهر دائماً ، إذا قرأت القرآن رأيت أن الرزق مقسوم ، إذا قرأت القرآن رأيت أن الله بيده كل شيء . .

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

[ سورة هود: 123 ]

 إذا قرأت القرآن رأيت أن الله قادرٌ على كل شيء . .

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

[ سورة الشعراء : 80]

 مهما بدت لك هذه المشكلة كبيرةً إنها على الله يسيرة ، إذا قرأت القرآن ترى أن الأمور كلها ناصيتها بيد الله . .

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود : 55-56]

 إذا قرأت القرآن تطمئن إلى أنك لن تضل ولن تشقى . .

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه : 123]

 إذا قرأت القرآن واتبعت ما فيه تتيقن أنك على الصراط المستقيم . .

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

[ سورة الإسراء : 9 ]

 إذا قرأت القرآن تُحِسُّ بالتفاؤل ، لأن الإنسان أحياناً قد يستمع إلى نقصٍ في الغذاء في العالم ، وإلى انفجارٍ سكاني ، وإلى مستقبل إذا أخرج يده لم يكد يراها ، فإذا قرأ القرآن رأى أن الله عزَّ وجل يقول :

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل : 97 ]

 إذا قرأ القرآن يرى أنه ما من مصيبةٍ في الأرض أصعب من أن يكون الإنسان في بطن الحوت ، وفي ظلمات البحر ، وفي ظلمات الليل ، ظلماتٍ ثلاث . .

﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾

[ سورة الأنبياء :87- 88]

 القصة انتهت ، هذه القصة وقعت ، وقد لا تقع مرةً ثانية ، ولكن التعقيب الإلهي العظيم حيث قال الله عزَّ وجل :

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 88]

 جعلها قانوناً ، جعلها سُنَّةً ثابتة ، تشعر أن الله سبحانه وتعالى بيده دائماً أن ينجيك من كل كرب ، من كل همّ ، من كل ضيق ، تعقد آمالك على الله عزَّ وجل لا على سواه، تغدو متفائلاً ، تغدو متوازناً ، تغدو واقعياً ، لذلك لا يحزن قارئ القرآن .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ إذا قرأت القرآن كل يوم تدبَّر آياته ، اقرأه قراءة تَدَبُّر ، اقرأه قراءة تأن . في الكون تتبدَّى قدرته وأسماؤه الحُسنى ، وفي كتاب الله يتبدَّى توجيهه ورحمته.
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ كما قال سيدنا عليٌّ كرَّم الله وجهه : " لا تنقضي عجائبه" هذا الكتاب لا تنقضي عجائبه لو تأملت في كلماته كلمةً كلمةً ، حرفاً حرفاً ، حركةً حركةً ، نظماً ، لا تنقضي عجائبه . .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الحوينات المنويّة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام أنه حدَّث عن أشياء اكتشفها العلمُ حديثاً . يقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ صحيحٍ أخرجه الإمام مسلم :

((ما مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ ))

[ مسلم عن أبي سعيد الخدري ]

 هذا نصُّ الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه .
 ويقول العلم الآن : يزيد عدد الحوينات المنوية في اللقاء الزوجي عن ثلاثمئة مليون ، وكل حوينٍ له رأسٌ ، وله عُنُقٌ ، وله ذَيْل ، ويسبح في سائلٍ يغذِّيه ويسهِّل حركته . ويتجه هذا العدد الكبير - ثلاثمئة مليون - إلى البويضة كي تلقَّح بحيوانٍ واحد من ثلاثمئة مليون حوين .

((ما مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ))

[ مسلم عن أبي سعيد الخدري ]

 كيف عرف النبي ذلك ؟ من أيّ مخبرٍ استقى معلوماته ؟ من أي بحثٍ علميٍ نُشِر في بعض المجلات أخذ هذه الحقيقة ؟ كيف توصَّل إليها ؟ كيف عدّ هذه الحوينات ؟
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يصل إلى البويضة بضع مئات ، ويتم الاختيار من هذه الثلاثمئة مليون إلى الثلاثمئة ، إلى أن تختار البويضة حويناً واحداً . كيف يدخل هذا الحوين البويضة ؟ شيءٌ لا يصدَّق ! إذا اصطدم هذا الحوين بجدار البويضة تمزَّق الغشاء ، فخرجت مادةٌ نبيلة مركزةٌ في رأس الحوين ، مغطاةٌ بغشاء من نوع قرنية العين ، تتغذَّى بالحلول ، فأذابت جدار البويضة ، فدخلت وأُغْلِقَ الباب . هذه البويضة هي خلية ، وهذا الحوين هو خلية ، فيه نويّة ، وفيه مادة ، وفيه غشاء . وعلى نوية الحوين وعلى نوية البويضة ، معلومات سماها العلماء المورثات ، كروموزومات يزيد عددها عن خمسة آلاف مليون معلومة ، في الحوين وفي البويضة خمسة آلاف مليون ، وهذا الرقم دقيق ، بل إن هذه المعلومات مبرمجة .
 فكل معلومة تتحرك في وقتٍ معين ، ففي وقتٍ يخشن صوت الشاب ، هذه المعلومة تحرَّكت . في وقتٍ ينبت شعر لحيته ، هذه المعلومة تحرَّكت ، في وقتٍ ينمو صدر الفتاة ، هذه المعلومة تحركت . خمسة آلاف مليون معلومة مكتوبة على نوية الحوين ، وعلى نوية البويضة ، وبعد تلقيح البويضة بالحوين ينقسم هذا الهيكل أو هذه البويضة الملقَّحة . .

﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾

[ سورة الإنسان : 2]

 تنقسم البويضة الملقَّحة إلى عشرة آلاف قسم وهي في طريقها إلى الرحم ، فإذا وصلت إلى الرحم ، هناك علمٌ خاص اسمه علم الأجنة ، لا تنقضي الأيام ولا الأسابيع ولا الشهور في دراسة تفصيلاته .

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

[ سورة القيامة : 36]

 هكذا بلا حساب ، بلا سؤال ، يأخذ مال الناس بلا حساب ، يستطيل عليهم بلا عقاب ، يأخذ ما ليس له بلا تأنيب ؟!!

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ﴾

[ سورة القيامة : 36-37]

 نطفةً من مني ، أي حوين سابح في سائل :

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾

[ سورة القيامة : 36-40]

 بلى ، الخلق الأول دليل اليوم الآخر .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول الله عزَّ وجل :

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾

[ سورة المؤمنون : 115-116]

 هل من المعقول أن نُخلق عبثاً ؟ أن نُخلق بلا هدف ؟ أن نُخلق بلا تشريع ؟ بلا أمر ؟ بلا نهي ؟ بلا معالجة ؟

﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾

[ سورة المؤمنون : 116]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018