الخطبة : 0316 - الربانية - والسماء ذات الرجع. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0316 - الربانية - والسماء ذات الرجع.


1990-09-21

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أهداف الربانيّة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ كان موضوع الخطبة السابقة دعوة الله للإنسان أن يكون ربّانيًّا ، والإنسان أيّها الأخوة إما أن يكون شَهْوانِيًّا ، وإما أن يكون شيطانيًّا ، وإما أن يكون ربَّانيًّا. فالإنسان الشَّهواني همُّهُ قضاء لذَّتِهِ مِن أيِّ طريقٍ ، والإنسان الشيطاني هَمُّهُ إيقاع الأذى بالناس بِأيَّة وسيلة ، والإنسان الرباني هو الذي يعبُد الله سبحانه وتعالى .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ بيَّنْتُ لكم في الخطبة السابقة أنَّ الإنسان إذا كان ربَّانيًا اهتدى إلى فِطرتِهِ ، وأن يهتدي الإنسان إلى فطرتِهِ كسْبٌ كبير كبير ، إنّ الاهتداء إلى الفطرة انسِجامٌ مع طبيعة الحياة ، إنّ الاهتداء إلى الفطرة راحةٌ قلبيّة ، أيَّةُ راحةٍ هذه التي يشعرُ بها المؤمن إذا انْضوى تحت لِواء الإسلام .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هدفٌ ثالثٌ من أهداف الربانيّة ، أنّ الإنسان إذا كان ربّانيًا بِمَعنى أنَّه جعَلَ رِضا الله عز وجل أقصى غاياتِهِ ، جعل التقرُّب إليه مُنتهى طُموحاته ، جعل طاعتهُ أسْمى أهدافهِ ، إذا كان الإنسان كذلك كان هذا الإنسان ربّانيًا ، هذا الإنسان الربانيّ من خصائصهِ أنَّه ينْجو من التمزُّق والصِّراع ، إنّ أكْبرَ مرضٍ نفسي يُعانيه الإنسان الشيطاني ، أو الإنسان الشهوانيّ هو التمزّق والصِّراع ، فالإسلام أيها الأخوة اختصَر غايات الإنسان كلّها في غايةٍ واحدة ، وركَّزَ همومهُ كلّها في همِّ واحدٍ ، هذه الغايَةُ هي إرضاء الله تعالى ، وهذا الهمّ هو طاعتهُ لذلك ورد في الحديث الصحيح :

((مَنْ جَعَلَ الْهُوُمَ هَمّاً وَاحِداً ، هَمَّ الْمَعَادِ ، كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنْيَاهُ . وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا ، لَمْ يُبَالِ اللهُ فِي أيِّ أَوْدِيَتَهِ هَلَك))

[ ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ]

 اِعْمَل لِوَجهٍ واحد يكْفِكَ الوجوه كلّها :

(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ، وشتت عليه شمله ، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه ، وجمع عليه شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة ))

[ الترمذي عن أنس]

 إنْ لم ترْضَ بما قسمْتُهُ لك فلأُسلِّطنَّ عليك الدنيا ، تركض فيها ركض الوحش في البريّة ، ثمّ لا ينالكَ منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي ، وكنتَ عندي مذمومًا ، إذًا إذا كان الإنسان ربّانيًّا ، ما المكْسبُ الكبير الذي يُحصِّلُه ؟ سلامةُ نفسهِ من التمزُّق والصِّراع .

 

التوحيد ثمرة من ثمار الربانيّة :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لا يريحُ النفس الإنسانيّة شيءٌ كما يُريحها وحْدةُ غايتها، وحْدةُ وِجهتها ، إنَّ هذه النّفس المؤمنة تعرفُ من أين تبدأ وإلى أين تنتهي ومع مَن تسيرُ ؟ أين كُنَّا ؟ وإلى أين المصير ؟ ومع مَن نسيرُ ؟ ولا شيءَ يُشقي النّفْس الإنسانيّة مثلُ تناقض الرّغبات، وتناقض الغايات ، والاختلاف ، والتمزّق ، تارةً نُشَرِّق ، وتارةً نغرِّبُ ، تارةً نُرضي زيْدًا فيغْضبُ عمرو ، ونُرضي عمرًا فيغضبُ زيد ، هذا هو التمزّق ، قال تعالى :

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء : 213]

 لكنّ المؤمن يقول : فكيدوني جميعًا ، يجعلُ من هذه الآية شِعارًا له ، قال تعالى:

﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود : 56]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ مِن ثِمار الربانيّة التوحيد ، ولا ربّ إلا الله يُخافُ ويُرجى، ولا إله إلا الله يُجتنبُ سخطُه ، ويُلْتَمَسُ رِضاه ، المؤمن يرضى بالله ربًّا ، عليه يتوكّل ، وإليه يُنيبُ ، وفي فضله يطْمحُ ، ومن قوّتِهِ يستمِدّ ، وله يتودَّد ، وإليه يحْتَكِمُ ، وبه يعْتصِمُ ، قال تعالى :

﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة آل عمران : 101]

 هذه ثمار الربانيّة ، وِجهةٌ واحدة ، وهدفٌ واحِد ، تخشى قوَّةً واحدة لأنَّه لا قوّة إلا هذه القوّة ، لا ترجو سِواها ، هذا التمزّق ، وهذا التَّبَعْثُر ، وهذا التَّشَتُّت ، وتارةً أرضي زيدًا ، وأخرى أرضي عُبيْدًا ، أُرضي فلاناً فيغضبُ علان ، هذا الضَّياع ، وهذا التَّشَتُّت ، وهذا التَّبَعْثُر مِن صفات الإنسان الشيطاني ، أو الإنسان الشَّهواني ، ولكنّ الإنسان الربانيّ مُوَحّد ، مُجْتَمِع ، من أصبح وأكبر همِّه الآخرة جعل الله غِناه في قلبه ، وجمَعَ عليه شَمْلهُ .

 

الرّباني مُعافى من التَّمَزُّق و التَّبعْثر والتَّشتُّت :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ المُشْرِكُ بالله ، تعَدَّدَتْ أربابهُ ، وتضاربَتْ وِجهاتُهُ ، وقد مثَّلهُ القرآن الكريم أرْوَعَ تَمثيل ، مثَّلَهُ بِعَبْدٍ له أكثر من سيِّدٍ ، وهؤلاء السادة شُركاءُ فيه ، لكنَّهم متشاكِسون ، كلٌّ يأمرُه بأمْرٍ ضِدَّ ما يأمرُه به الآخر ، كلٌّ يُريدُ منه شيئًا عكْسَ ما يريد منه الآخر ، همُّه متفرّق ، قلبهُ مشتَّت ، قال تعالى :

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾

[سورة الزمر : 29]

 أي أن تكون لك وِجهةٌ واحدة ، وهدفٌ واحد ، وربٌّ واحد ، وإلهٌ واحد ، وقوّة واحدةٌ تخشاها ، وترجو رِضاها ، أنت مستريح ، ليس هناك تناقض ، ليس هناك تداخُل ، ليس هناك صِراع ، هذا الحال يُشبهُ أن تكون مُمَزَّقًا مُبعْثرًا مُشتَّتًا ضائعًا خائفًا ، تقيم توازُنًا دقيقًا ، أُرضي فلاناً لئلا يغضب ، أُغضبُ فلاناً لئلا يرضى .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ مثلٌ آخر ضربهُ القرآن الكريم ، سيّدنا يوسف في السّجن قال للرجلين اللذين سألاه عن تفسير الرؤيا ، قال تعالى :

﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾

[ سورة يوسف : 39-40]

 إذًا أوّل ثمرةٍ أو ثالثُ ثمرةٍ مِن ثِمار أن تكون ربّانيًّا لا شهوانيًا ولا شيطانيًا ، أنّك موحَّدُ الوِجهة ، مُعافى من التَّمَزُّق ، مُعافى من الصِّراع ، معافى من التَّبعْثر ، ومن التَّشتُّت ، معافى من كلّ هذه الأمراض التي تُصيبُ من كان شهوانيًا ، أو من كان شيطانيًا .

 

المؤمن الربانيّ يوازنُ دومًا بين رغبات نفسهِ ومتطلّبات دينه :

 شيءٌ آخر يا أيها الأخوة الأكارم ؛ من كان ربّانيّ الوِجهة أيضًا نجا مِن مرضٍ خطير ، ألا وهو العبوديّة لذاته ، ولِشَهوات نفسِهِ ، وللذّات حِسِّه ، التَّحَرُّر من الخُضوع والاستسلام لِمَطالبِهِ الماديّة ، ورغباتِهِ الشخصِيَة ، هناك أشخاصٌ شيطانيُّون ، هناك أشخاصٌ شهوانيُّون ، يعبدون ذواتهم ، يتَّجِهون إلى تحقيق متطلّباتهم ، يلبّون نِداء اللَّذة ، يُحَقِّقون كلّ مطامحهم الماديّة على حِساب الآخرين ، على حِساب حقوق الآخرين ، على حِساب سلامة الآخرين ، المؤمن الربانيّ يوازنُ دومًا بين رغبات نفسهِ ومتطلّبات دينه ، لا ينسى قول النبي عليه الصلاة والسلام : " ألا يا ربّ شهوة ساعةٍ أوْرثَتْ حزنًا طويلاً ، ألا يا ربّ نفْسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا ، ناعمةٍ طاعمة يوم القيامة ، ألا يا ربّ نفسٍ ناعمةٍ طاعمة في الدنيا ، جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة " فالمؤمن الربانيّ يُقيمُ توازنًا دقيقًا بين رغبات نفسه وبين متطلّبات دينه ، يُقيمُ توازنًا دقيقًا بين نداء الشهوة وبين أمْر الله عز وجل ، يُقيمُ توازنًا دقيقًا بين ما يُمليهِ عليه الهوى وبين ما يمليه عليه الواجب ، يُقيمُ توازنًا دقيقًا بين مُتْعةِ يوْمِهِ وبين حساب غَدِهِ ، يُقيمُ توازنًا دقيقًا بين لذّة عاجلةٍ في الدنيا وبين حِسابٍ عسير في الآخرة ، يُحَكِّمُ عقلهُ ، وقّافٌ عند كتاب الله ، قال عليه الصلاة والسلام :

((إذا أردت أمراً فتدبر عاقبته ))

[ أخرجه ابن المبارك عن أبي جعفر عبد الله بن مسور الهاشمي ]

 متأمِّلٌ في نتائج عمله ، يرى الآخرة ، ولا تغيب عن مخيِّلته .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ لو أنّ الإنسان لم يُوَفَّق إلى هذا المستوى الرفيع ، لكنّه سار باتِّجاهه ، يكفي أن تسير باتِّجاهه حتى يكون عندك مثلٌ أعلى ، ونموذجٌ أحْسَن ، كلّما كبَت بك القدَم صَحَوْتَ من كبْوَتِكَ ، واتَّجَهْتَ إلى هدفك ، لذلك ربّنا سبحانه وتعالى أشار إلى هذا فوصفَ عبادهُ المؤمنين بأنَّهم أوَّابون أي راجعون إلى الله دائمًا ، كلّ بني آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون ، المرْجِع واحد ، يعرفُ ماذا ينبغي عليه أن يفعل ، فكلّما تعثَّرَت خطواته وقف من كبوتِهِ ، وتابعَ المسير .

 

الناجح و الفائز من كان على طاعة الله و أمره :

 أيها الأخوة ؛ الإنسان قد تعرُضُ له شهوةٌ من حرام ، وليس هناك رقيبٌ ولا حسيب ، ما الذي يردَعُهُ عن أن يقعَ أو عن أن يسقط في هذه الشَّهْوة ؟ خوفُ الله عز وجل، سيّدنا يوسف ماذا قال لامرأة العزيز ؟ معاذ الله ، ما الذي منعَهُ أن يُلَبِّي نِداء جسده ؟ خوفُ الله عز وجل ، لذلك العِلْمُ حارسٌ ، والربانيةُ حارسٌ ، يحرسُك من أن تسقط ، وقد يعرضُ لك مالٌ حرام ، يحلُّ كلّ مشكلاتك ، ولكن تقول : لا بِمِلء فَمِكَ ‍‍! لماذا ؟ لأنّك تقرأ قوله تعالى :

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة يونس : 58]

 ما دُمْت على طاعة الله ، وما دُمْت على أمر الله ، وما دُمْت في رِضوان الله فأنت الفائز ، وأنت الرابح ، وأنت الناجِح ، وأنت المتفوّق ، وأنت الفالح ، وقد يُتاحُ له أن يصِلَ إلى مركزٍ قويّ يُحقّق له هذا المركز كلّ طُموحاته ، ولكن هذا المركز القويّ أساسهُ أن تُعينَ على الباطل ، لذلك لا تركن ، ولا تستجيب ، ولا ترضى أن تكون أداةً بيَدِ غيرك ، أو تُكأةً يتَّكِأُ عليك المتَّكِؤون ، ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾

[ سورة هود : 113]

 وقد يتمكَّن الإنسان من خصْمِهِ ، وبإمكانه أن يكيلَ له الصاع صاعَين ، ولكن ما الذي يجعلُه يعْفو ويصْفح ؟ هذه النماذجُ الرائعة التي ذكرها الله في القرآن الكريم ، سيّدنا يوسف كيف عفا عن إخوته ؟ قال تعالى :

﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾

[ سورة يوسف : 92]

 أرأيْتُم أيها الأخوة ؛ كيف أنّك إذا كنتَ ربانيًا ، إذا كنتَ خالص الوجهة إلى الله عز وجل ، خالصَ الطاعة له ، جعلْت الله عز وجل منتهى آمالكَ وغاية طُموحاتك ، جعلْت إرضاء الله كلّ شيءٍ في حياتك ، أرأيْتَ كيف تكون إنسانًا رَحْمانيًا ؟ إنسانًا نظيفًا ؟ إنسانًا محسنًا ؟ إنسانًا عطوفًا ؟ هكذا .

 

آداب كثيرة علّمنا إياها النبي الكريم لنكون مع الله :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ كيف نكون ربّانيِّين ؟ الله سبحانه وتعالى فرَض علينا العبادات ، أمرك أن تقف بين يديه في اليوم والليلة خمسَ مرّات ، تقف بين يديه وتحْمَدُهُ ، وتسألهُ الصِّراط المستقيم ، وتتلو قوله تعالى ، وتركع له خاضعًا ، وتسجدُ له مستعينًا ، وتُسبّح بِحَمده ، وتصلّي على نبيّه ، إذا أُدِّيَت الصلوات الخمس كما أراد الله عز وجل ، هذه الصلوات الخمس تقرِّبُك من أن تكون ربانيًا ، وتُبعِدُك عن أن تكون شهوانيًا ، أو شيطانيًا ، فإذا جاء شهر الصّيام تدَعُ الطعام والشراب ، وكلّ المباحات ابْتِغاء وجه الله عز وجل ، الصّوم أيضًا يجعلك ربانيًا ، والحجّ يجعلُك ربانيًا ، وأداء زكاة المال يجعلكَ ربانيًا ، هذه العبادات التي فرضها الله علينا ، معنى فرضها أنّ سعادتنا متوقّفةٌ عليها ، أنا أقول له : تنفُّس الهواء فرْض ، وشُرب الماء فرض ، وتناوُل الطعام فرْض ، فاسْتِمرار الحياة متوقّفةٌ على شُرب الماء وتنفّس الهواء وتناوُل الطّعام ، والصلاة والصوم والزكاة والحجّ فرضٌ عليك كي تكون ربّانيًا ، فإذا كنت ربانيًا سعِدْت في دنياك ، وسعِدْت في آخرتك ، من أجل أن تكون مع الله دائمًا ، علَّمَكَ النبي عليه الصلاة والسلام آدابًا كثيرة ، يكفي أنَّك إذا جلسْتَ كي تأكل تقول : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا الطّعام من فضْل الله ، ومن نِعمة الله ، وسآكُلُه وفْق سنَّة رسول الله ، بسم الله الرحمن الرحيم ، فإذا انْتَهَيْتَ من طعامِكَ قلْتَ : " الحمد لله الذي أطْعمنا فأشبعَنا ، وأسقانا فأرْوانا " إذًا تبدأ بالبسملة ، وتنتهي بالحمد ، فإذا أردْت ان تشرب قلتَ : بسم الله الرحمن الرحيم ، أيضًا رأيت هذا الماء العذب الفرات من فضل الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾

[ سورة الملك : 30]

 فإذا أنْهَيْتَ شُربكَ قلتَ : " الحمد لله الذي جعلهُ عذبًا فراتًا بِرَحمته ، ولم يجعلْهُ ملحًا أُجاجًا بِذُنوبنا " إذًا إذا شرِبْت مع الله عز وجل ، وإذا أكلْت مع الله ، أما إذا ارْتَدَيْت ثوبًا جديدًا فالنبي عليه الصلاة والسلام علَّمَك أن تقول إذا ارْتَدَيْت هذا الثَّوْب : " الحمد لله الذي كساني هذا من غير حوْلٍ منّي ولا قوّة ، اللهمّ إنِّي أسألك من خيره ، وخير ما هو له ، وأعوذ بك من شرّه ، وشرّ ما هو له " أكلْتَ كنتَ مع الله في بداية الطّعام ، وفي نهايته ، شربْتَ كنتَ مع الله في بدايته ، وفي نهايته ، لبِسْتَ الثَّوْب فأنت مع الله ، فإذا ركبْتَ دابّة او مركبةً يجبَ أن تقول : " سبحان من سخَّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين وإنا إلى ربّنا لمنقلبون " فإذا ذهبْت لِتَنام علَّمَنا النبي عليه الصلاة والسلام أن تقول : " باسمك وضَعْتُ جنبي وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسي فارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظُ به عبادك الصالحين " إذا عُدْت من سفرك : " آيِبون تائبون عابدون لربّنا حامدون " العبادات تجعلك ربّانيًا ، والآداب الإسلاميّة تجعلُك ربّانيًا ، إذا استيقظْت من نومك : " الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور " ، حتى في لقائك الزوجي : " اللهمّ جنِّبنا الشيطان ، وجنّب الشيطان ما رزقتنا ".
 أيها الأخوة الأكارم ؛ العبادات تجعلك ربّانيًا ، والآداب الإسلاميّة تجعلُك ربّانيًا، المهمّ أن تكون دائم الصّلة بالله عز وجل ، تحقيقًا لقول الله تعالى :

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

[ سورة المعارج : 23]

المصلِّي إنسانٌ مُتَميِّز لا يجزعُ إذا جزِعَ الناس ولا يخافُ إذا خاف الناس :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول الله عز وجل :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج : 19-22]

 المصلِّي إنسانٌ مُتَميِّز ، له حالات يتميّز بها على سائر الناس ، لا يجزعُ إذا جزِعَ الناس ، ولا يخافُ إذا خاف الناس ، هكذا قال الله عز وجل ، ولا يبْخلُ إذا بخِلَ الناس ، ولا تشِحّ نفسهُ إذا شحَّتْ نفوس الناس ، هو مطمئِنّ ، يسرع إلى الزكاة ، يشكر في الرّخاء ، يصبر في البلاء ، يقنع بالذي له ، لا يبتغي ما ليس له ، هكذا المصلّي ، لهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( لا خَيْرَ فِي دِينٍ لا رُكُوعَ فيه ))

[أحمد عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاص]

 الصلاة عماد الدّين ، وعِصام اليقين ، ودرّة القُرُبات ، ومن ترك الصلاة فقد كفر، من تركها إنكارًا لِحَقِّها فقد كفرَ .

 

ثمار الإيمان بالله عز وجل :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ من أجل أن تكون مؤمنًا ، ومن أجل أن تقطف ثمار الإيمان ، فالإيمان له ثِمار ، إذا لمْ تطبِّق أمْر الله عز وجل كان انْتِماؤُك لهذا الدِّين انتِماءً شَكلياً، طبَّقْت بعض الأوامر ، وعصَيْتَ بعض الأوامر ، الصِّلةُ لا تنعقدُ بينك وبين الله ، وإن لم تنعقدُ الصِّلة بينك وبين الله لن تستطيع أن تقطف ثِمار هذا الدِّين ، هذه الأحوال الطيّبة ، وهذه الطمأنينة ، وهذا التَّوَحُّد ، وهذه الثّقة برِضوان الله عز وجل ، لا تملكُها ، ولا تعرفها ، ولا تذوقها.
 أيها الأخوة الأكارم ؛ يجبُ أن تعلمَ علْم اليقين أنَّك لن تسعَدَ إلا بالله عز وجل ، لن تسعد إلا بالقُرب منه ، لن تسعَدَ إلا بِطَاعتِهِ ، لن تسْعَدَ إلا بأن يكون الله ورسوله أحبّ إليك ممّا سواهما .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هكذا ينبغي أن نربّي أولادنا في البيت ، وهكذا ينبغي أن نربِّيهم في المدرسة ، وهكذا يجب أن نربّي طلاب العلم في المسجد ، وهكذا ينبغي أن نفعل مع من حولنا ، لأنّ الله سبحانه وتعالى يريد أن نتقرَّب منه ، ويريدُ أن يُسعدنا ، قال تعالى :

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 27]

 الشيطان يخوّف أولياءه فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين ، والشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسان كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حبَّاً ))

[ورد في الأثر]

 الإنسان باختصار عقلٌ يدرك ، وقلبٌ يحبّ ، وغذاء العقل الحقيقة ، وغذاء القلب الحب ، وكلّما رجَحَ عقلك عرفْت كيف تنتقي محبوبك ، قد تنتقي محبوبًا ثانيًا تفارقُه أو يفارقُك ، وقد تنتقي عرضَ الدنيا محبوبًا ، وكلّما مرَّت الأيام اِكْتشفْتَ الحقيقة المرّة ، قد تظنّ أنّ المال كلّ شيء ، تمضي الأيام فتكتشفُ في خريف العمر أنّ المال شيء ، ولكنّه ليس كلّ شيء ، وقد تكتشفٌ عند الموت أنَّ المال ليس بشيء ، إنَّه عرَضٌ حاضِر يأكل منه البرّ والفاجر ، جاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( يا محمّد أتُحِبُّ أن تكون نبيًّا ملِكًا أم نبيًا عبدًا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :
بل نبيًا عبدًا ، أجوعُ يومًا فأذْكرُه ، وأشبعُ يومًا فأشكرُه))

[ورد في الأثر]

بطولة الإنسان أن يعرف الله و هو في مقتبل عمره :

 هذه الحقائق أيها الأخوة لابدّ من أن نعرفها جميعًا ، قطعًا ، ولكنّ البطَل هو الذي يعرفها في الوقت المناسب ، يعرفها وهو شابّ ، يعرفها وسبيلُ التوبة مفتوحٌ أمامه ، يعرفها وبإمكانه أن يغيِّر ، يعرفها وبإمكانه أن يستفيد من هذه المعرفة ، يعرفها قبل فوات الأوان ، ووالله الذي لا إله إلا هو ما من إنسانٍ خلقهُ الله إلا ويعرفُ الحقيقة كلّ الحقيقة عندما يغادرُ هذه الدنيا، وهل أشدَّ من فرعون الذي قال : أنا ربّكم الأعلى ‍‍!! ماذا قال حينما أدْركهُ الغرق ؟ آمنتُ بالذي آمنتْ به بنو إسرائيل!!
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ المشكلة ليْسَت مشكلةُ معرفةٍ ، وإنما مشكلة وقت معرفة المعرفة ، المشكلة ليْسَت أن تعرف أو ألا تعرف ، لابدّ مِن أن تعرف ، ولكنّ المؤمن يعرفُ قبل فوات الأوان ، والكافر يعرف بعد فوات الأوان ، قال تعالى :

﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

[ سورة ق : 22]

 البُطولة أن تعرف الله وأنت شابّ كي تشكّل حياتك وفقَ أوامر الله عز وجل ، هذا الذي عرف الله في الخمسين ، أو في الخامسة والخمسين ، وبيته ليس إسلاميًا ، زوجتهُ لا تنصاعُ له ، بناتُه الشابات لا يأخذن بأوامره ، ماذا يفعلُ بنفسهِ ؟ يتمزَّق ، لكنَّك إذا عرفْت الله وأنت شابّ وأنت في أوْجِ قوّتك ، تُشكِّلُ حياتك ، وتختارُ زوجتك ، تختارُ عملك وفْق ما يرضي الله ، فإذا حياتك منسجمةٌ ، فإذا حياتك متناغمة ، فإذا حياتك تسعى لهدفٍ واحد .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ مرَّةً ثانيَة المشكلة مشكلة وقت ، لابدّ من أن نعرف الحقيقة، إن عرفناها ونحن أصِحَّاء ، ونحن أقوياء ، نتمتَّع بصِحَّتنا ، نتمتَّع بِقُوَّتنا ، نتمتَّعُ بشبابنا ، نتمتَّع بفراغنا ، هذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام :

(( اِغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغِكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ))

[الحاكم والبيهقي عن ابن عباس وأحمد عن عمرو بن ميمون ]

 الشابّ شُعلةٌ من الطاقة ، أما إذا كبِرَتْ سِنّه ، وانْحنى ظهرهُ ، وضعف بصرُه، وشابَ شعرُه ، وقْتُهُ كلّه مصروف في تناوُل الأدوية ، وفي تلافي بعض الأوجاع ، وفي تلافي بعض الآلام ، أما هذا الشابّ في رَيعان الشباب فهذا كما قال النبي : " ريح الجنّة في الشباب " إذا عرفْت الله في وقتٍ مُبكِّرٍ نَمَتْ حياتك نموًّا رائعًا ، تزدادُ عقلاً ، وقدرًا ، وحكمةً ، ويعجبني ما قاله أحدهم وهو شيخٌ كبير ، عن صحّته التي لا تزال معه ، قال : حفِظناها في الصّغر فحفظها الله علينا في الكِبَر .
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

والسماء ذات الرجع :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴾

[ سورة الطارق : 11-12]

 خالق الكون يصف السماء بِكَلمةٍ واحدة ، والسماء ذات الرجع ، كلّما تقدَّم العلم اكْتُشِفَت حقائق جديدة تَدعمُ هذا الوصْف الموجز ، فالقمر يسيرُ في مدارٍ حول الأرض ، يذهبُ ثمّ يرجعُ إلى مكانه الأوّل ، والشمس تجري لمستقرّ لها في مدار حول نجمٍ آخر ، وتعود إلى مكانها السابق ، والمذنّبات هذا المذنّب مذنّب هالي ، زار الأرض في عام ألف وتسعمئة و اثني عشر بالضّبط ، وعاد إلينا في عام ألفٍ وتسعمئة وستّة وثمانين ، تسْتغرق دورتُه منذ ملايين السِّنين سِتة وسبعين عامًا ، فالأرض تدور وترجع ، والقمر يدور ويرجع ، والشمس تدور وترجع، والمذنّبات ترجع ، وكلّ ما في السماء يدور في فلك بيْضوي أو دائري ويرجع ، إذًا ربّنا سبحانه وتعالى حينما وصفَ السماء بكلمةٍ واحدة ، إنَّه وصْفُ خالقها ، قال تعالى :

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾

[ سورة الطارق : 11]

 ثمّ اِتَّجَهَ العلماء اتِّجاهًا آخر ، هذه الغازات التي أوْدعها الله في الأجواء ، الأكسجين يستنشقُه الإنسان فيُصبحُ غاز الفحْم ، يأخذُه النبات فيُصبحُ أكسجيناً ، حتى الغازات لها دوْرةٌ طبيعيّة من أكسجين إلى غاز فحْم إلى أكسجين ، حتى إذا أرْسلت إلى السماء أمواجًا كهرطيسيّة إنَّها ترجعُ ، والبثّ اليوم يقوم على هذا المبدأ ، وحتى إذا صعَدَ بُخار الماء إلى السماء يرجعُ أمطارًا ، لمّا ربّنا عز وجل يقول :

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾

[ سورة الطارق : 11]

 السماء ترْجعُ بخار الماء أمطارًا ، وتُرجعُ الأمواج الكهرطيسيّة أصواتًا ، وترجعُ الغازات في تقلّباتها إلى ما كانت عليه ، وكلّ ما في السماء يرجعُ إلى مكانه الأوّل ، لأنّه يدور ويسير ، ويتحرّك في مسارٍ كُروي أو بيْضَوي ، فلمّا ربّنا عز وجل يقول بإيجازٍ عجيب :

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾

[ سورة الطارق : 11]

 معنى ذلك أنّ هذا القرآن من عند خالق الكون ، تشعرُ أنّ هذا وصْف الله تعالى، وصفُ الخالق ، ووصْفُ الصانِع .
 والشيءُ الآخر ، أنّ الأرض لو أردْت أن تصِفَها بِصِفةٍ شاملةٍ جامعة مانعة ، قال تعالى :

﴿ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴾

[ سورة الطارق : 12]

 القارات كانت متَّصلة فتصدَّعَتْ ، الصُّخور تتصدَّع ، الأحجار تتصدَّع ، بل إنّ أدقّ الجزيئات تتصدَّع ، فإذا ذهبْت لِتَصِفَ الأرض بصِفَةٍ ثابتةٍ منذ أن خلقها الله ، وحتى نهاية الحياة ؛ إنَّها التصدّع ، قال تعالى :

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴾

[ سورة الطارق : 11-12]

 كيف هو الصَّدْعُ ؟ الأرض أيّها الأخوة طبقات ، أمْسِك بيْضةً ، هناك القِشرة الكِلسيّة ، وهناك القِشْرة الرقيقة ، هناك بياضُ البيضة ، وهناك صفارها ، أقسى هذه الطبقات الطبقاتُ الخارجيّة ، وكلّما هبطْنا نحو أعماق الأرض تصبحُ هذه الطبقات أقلّ صلابةً إلى أن تصبحَ لَزِجةً إلى أن تصبحَ مائعةً مضطربة ، وهذه النظريّة أصبحَت حقيقة ، كلّما اتَّجَهنا نحو بطن الأرض ضعفت الصلابة ، وارتفعَت الحرارة ، أما في مركز الأرض فهو اضْطرابٌ عجيبٌ لِمَائِعٍ ناري ، القرآن أشار إلى ذلك ، قال تعالى :

﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴾

[ سورة الملك : 16]

 معنى تمورُ أيْ تضطرِبُ اضْطراب المائع ، أنتم تنْعمون باستِقرار على ظهرها ، أنتم تنعمون بِصَلابتها ، بِقُوَّتها ، تبني بناءً شامخًا على أساسٍ متين ، ولكن لو أنّ هذه الأرضَ خُسِفَت بكم لأصبحْتُم على مائعٍ ناريّ مضطربٍ يمور ، قال تعالى :

﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴾

[ سورة الملك : 16]

 منْ أخْبرَ النبي عليه الصلاة والسلام وهو الأُميّ بأنّ في باطن هذه الأرض مائعًا ناريًّا مضطربًا ؟ أليس هذا القرآن كلام الله عز وجل ؟
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا وقفْت عند الآيات الكونيّة في القرآن وجدْت أنَّه كلّما تقدَّمَت بك الدراسات تلتقي مع وصْف الله الموجز ، مع وصف الله المعجز ، مع وصْف الله البليغ .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018