الخطبة : 0298 - رمضان3 - غزوة بدر الكبرى - زكاة الفِطر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0298 - رمضان3 - غزوة بدر الكبرى - زكاة الفِطر.


1990-04-13

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله ، سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإيمان الصحيح هو أساسُ الفضائل وقِوامُ الضّمائر :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الإيمان الصحيح هو أساسُ الفضائل ، ولِجامُ الرذائل ، وقِوامُ الضّمائر ، وسنَدُ العزائِمِ في الشدائد ، وبَلْسَمُ الصَّبْر عند المصائب ، وعماد الرضا والقناعة ، ونورُ الأمَل في الصّدور ، وسَكَنُ النّفس إذا أوْحَشَتها الحياة ، الإيمان عزاءُ القلوب إذا نزَلَ الموت أو اقْتَرَبَت أيّامُهُ .
أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة المؤمنون : 1]

 الفلاحُ والنجاحُ والتّفوُّق والفوز في أن تكون مؤمنًا .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ سأُؤخِّرُ موضوع الزكاة إلى الأسبوع القادم لِيَعُمّ خيرُه إن شاء الله تعالى ، وننتقلُ في هذه الخُطبة إلى موضوعٍ يتناسبُ مع الذِّكْرى العزيزة على كلّ مُسلم، ذِكْرى غزوَة بدرٍ الكبرى ، ننطلقُ من هذا الموضوع إلى موضوع القوّة ، إلى موضوع إن تنصروا الله ينصركم ، إلى موضوع إن ينصركم الله فلا غالبَ لكم .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 123 ]

 أي أنتم في حالةٍ من العبوديّة ، أنتم في حالة افتقار ، أنتم في حالة التِجاءٍ إلى الله عز وجل ، أنتم في حالة خوفٍ من عدوِّكم ، كنتم مفتقرين فَنَصَرَكُم الله عز وجل ، ننتقلُ إلى صورةٍ معاكسة ، قال تعالى :

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 25]

 ماذا نستنبطُ من هاتين السورَتَين المتناقضَتَين ؟ وماذا يَعنينَا نحن كَمُؤمنين نعيشُ في هذا الزّمان على مستوى فردي وعلى مستوى جماعي ؟ على مستوى فردي ، أنت أيّها الأخ المؤمن ما دُمْتَ شاعِرًا بِعُبودِيَّتِكَ ، ما دُمْتَ شاعِرًا بافْتِقارك ، ما دُمْتَ شاعرًا بأنّك محتاجٌ إلى الله عز وجل ، ما دُمْتَ شاعِرًا بأنّ الله كلّ شيء ، وأنت لا شيء ، إذًا أنت قويّ ، إذا أردْت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله تعالى ، وفي اللّحظة التي تحسّ فيها أنّك قويّ ، وأنَّك بِذَكائك واحْتِيالك حصَّلْت ما حصَّلْتَ ، عندئذٍ يتخلى الله عنك ، من اتَّكَل على الله كفاهُ الله كلّ مؤنةٍ ، ومن اتَّكَل على نفسه وكلَهُ الله إياها .

 

الشعور بعبوديتنا لله عز وجل كي يكون الله معنا :

 هاتان السورتان بادئ ذي بدء ، قال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 123 ]

 أنت أذِلَّة جملةٌ حاليّة ، أي حالتكم في حالة افتقار وضَعف ، في حالة الْتجاءٍ واسْتِعاذة ، في حالة خوف ، أنتم في حالة العبوديّة ، في حجمكم الحقيقيّ ، أما يوم فأعْجبتكم كثرتكم وقلتم : لن نغلبَ من قوّة ؛ نحن عشْرة آلاف سيْفٍ ، ولم يجتمع في الجزيرة مثل هذا العدد ، قال تعالى :

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 25]

 يا أيها الأخ الكريم ؛ في عملكَ إن كنتَ موظّفًا ، إن كنتَ تاجرًا ، إن كنتَ صِناعيًا ، إن كنت طبيبًا ، إن كنت محاميًا ، إن كنت مهندسًا ، إن كنت في أيّ مصلحةٍ ، وفي أيّ عملٍ ، وفي أيّ حِرفةٍ ، وفي أيّ نشاط ، وقبل أيّة مقابلةٍ ، وقبل أيّ مواجهةٍ ، إذا اسْتَعَذْتَ بالله عز وجل كان الله معك ، لذلك الدعاء الذي كان يدعوه النبي عليه الصلاة والسلام قبل كلّ شيءٍ ذي بال : : اللهمّ إنِّي تبرّأْتُ من حَولي وقوّتي وعلمي ، والْتَجَأْتُ إلى حولك وقوّتك يا ذا القوّة المتين " هذه النقطة الأولى ، أي السيرة يجبُ أن ندرسها بأهدافها البعيدة ، ماذا يَعنينَا من هذه المعركة وقد انْقضَتْ ؟ كُتِبَ فيها للمسلمين النَّصْر ، وللكفار الخِذلان ، وانْقضَتْ ، ماذا تعنينا نحن ؟ يعنينا من هذه الموقعة أن نشْعرَ دائمًا بعُبوديَّتِنا كي نسْتحقّ أن يكون الله معنا ، وإذا كان الله معنا فمَن علينا ؟ وإذا كان علينا فمَن معنا ؟

 

الحياة مواقف يشقى بها الإنسان أو يسعد إلى أبد الآبدين :

 النقطة الثانية أيّها الأخوة الأكارم ؛ الحياةُ كلّها مواقف ، تمْضي الحياة وتبقى المواقف ، المواقف إما أن يشْقى بها الإنسان إلى أبد الآبدين ، وإما أن يسْعَدَ بها إلى أبد الآبدين، فالنبي عليه الصلاة والسلام عانى من كفّار قريش ما عانى ، أخرجوه ، ائْتمروا على قتله ، آذَوْهُ وعذَّبوا أصحابه ، فعلوا كلّ ما في وُسْعِهِم كي يُطفئوا نور الله ، وماذا كانت النتيجة ؟ أن كان هؤلاء الزعماء الكبار صناديد الكُفْر ، كانوا في ساحة المعركة قد أُلْقوا في قليبٍ واتَّجَه النبي عليه الصلاة والسلام مخاطبًا إيّاهم فردًا فردًا ، قال : يا عُتبة بن ربيعة ، ويا شيْبة بن ربيعة ، يا أُميّة بن خلَف ، يا أبا جهل بن هِشام ، بأسمائِهِم واحدًا واحِدًا ، الصحابة دُهِشوا ! يُخاطبُ مَن ؟ وكيف يُخاطبهم ؟ هل وجَدْتم ما وعد ربّكم حقًّا ؟ أنتم في حالة اليقين الآن ، لِقَول الله عز وجل :

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

[ سورة الحِجر : 99]

 اليقين هو الموت ، ولماذا سمّاه الله عز وجل يقينًا ؟ لأنّ في الموت تتكشَّفُ الحقائق ، كلّ شيءٍ كنتَ في شكٍّ منه في الدنيا يُصبحُ يقينًا ، كلّ فِكرة جاء بها القرآن ، أو جاء بها النبي العدنان ، قد تقبلها ، وقد لا تقبلها ، قد تقول : ما البرهان عليها ؟ لعلّ هذا غير صحيح ، هل هذا الحُكْم يناسب هذه الحياة ؟ هذه الشُّكوك والتردُّدات والمواقف الضبابيّة ، كلّها تصبحُ عند الموت يقينًا ، قال تعالى :

﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

[ سورة ق : 22]

 هل وجدتم ما وعدَ ربّكم حقًا فإنِّي وجدْتُ ما وعدني ربّي حقًّا ؟ لقد كذَّبْتُموني وصدَّقني الناس ، الذين كذَّبوه ماتوا ، والذين صدّقوه ماتوا ، هؤلاء في جهنّم ، وهؤلاء في الجنّة ، وأخرجتموني وآواني الناس ، الذين أخرجوه ماتوا ، وهم في القليب ، والذين آوَوْهُ ونصروه ماتوا ، هؤلاء سُعداء في مواقفهم ، وهؤلاء أشقياء بِمَواقفهم ، فالقضيّة قضيّة موقف وينتهي كلّ شيء ، ويأتي الموت فيُنهي كلّ شيءٍ ، تبقى المواقف ، وقاتلْتُموني ونصرني الناس ، الذين قاتلوه ماتوا، والذين نصروه ماتوا ، وبقيَتْ المواقف ، وبالمواقف يسْعدُ الإنسان إلى أبد الآبدين ، فقال المسلمون : يا رسول الله أَتُخاطبُ قومًا جيَّفُوا ؟- هؤلاء جِيَف - فقال عليه الصلاة والسلام : نعم ، ما أنتم بأسْمَعَ لما أقول منهم ، ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني ، هذا هو الفرْق بينكم وبينهم .

 

دليل من السيرة على افتقار النبي لله و صدق التجائه إليه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ دليلٌ من السيرة منتزعٌ على افْتِقار النبي صلى الله عليه وسلّم ، وعلى صِدْق الْتِجائِهِ ، وعلى صِدْق دعائِهِ ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما ناجى ربّهُ قُبَيْل المعركة ، قال : اللهمّ إن تهْلك هذه الفئة فلن تُعْبدَ بعد اليوم في الأرض ، وجعل يرفعُ يديه إلى السماء ، ويدعو بِلَهْفةٍ ورجاء ، حتى سقطَ الرّداء عن مَنْكِبَيه الشريفين ، فقَدِمَ أبو بكرٍ رضي الله عنه يُسوِّي عليه رِداءَهُ ، ويقول : بعد مناشدتِكَ ربّك يا رسول الله فإنه سينجز لك وعدك .
 الاستنباط من هذا الموقف ، الاستنباط الآخر أنّ الدعاء مخّ العبادة ، وأنّك إذا دَعَوْتَ فأنت تخاطبُ خالق الكون ، والله سبحانه وتعالى :

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

[ سورة غافر: 60 ]

 ما أمرَكَ إلا ليُجيبَكَ ، ما أمرك بالدعاء لِتَدْعو ولا يستجاب لك ، حينما أمركَ أن تدعو أراد أن يُجيبَكَ ، فكيف يغفلُ الناس عن الدّعاء ؟ كيف يغفلون عن هذا السّلاح الخطير ؟ أنت كَمُؤمن خالق السموات والأرض إذا دَعَوْتهُ يُجيبك ، لم لا تدعوه ؟ أتسْتكبرُ أن تدْعُوَهُ ؟ أأنْتَ في غِنًى عنه ؟ أنت في قبضته ، كلّ ما عندك في قبضتِهِ ، النبي عليه الصلاة والسلام دعا ربّهُ دعاءً حارًّا ، دعاءً صادقًا ، ودعاءً مخلصًا .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ يجبُ أن نستنبط من دعاء النبي أنّ المؤمن كلّما واجَهَتْهُ مشكلة ، بربِّكُم هل من مشكلةٍ مهما كانت كبيرةً ، مهما كانت عظيمةً ، مهما كانت جسيمةً ، هل من مشكلةٍ أخطرُ من أن تكون في ظلام الليل ؟ وفي ظلام البحر ؟ وفي ظلام بطن الحوت ؟ إذا دخل إنسان إلى بطن الحوت ، والحوت طولهُ أكثر من ثلاثين أو أربعين متراً، والحوت وزنُه مئة وثمانون طنًّا ، أي الإنسان مهما تكون جثّتهُ ضَخمةً لُقَيْمة مِن لُقيْماتِهِ ، في ظلمة الليل ، وفي ظلمة البحر ، وفي ظلمة بطن الحوت ؛ سيّدنا يونس ، قال تعالى :

﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 87-88]

 وانْتَهَتْ القصّة ، ولكن جاء التعقيب لِيَجعل من هذه القصّة قانونًا ، قال تعالى :

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الأنبياء : 88]

 لمَ لا ندْعوه ؟ قال تعالى :

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

[ سورة غافر: 60 ]

 قال تعالى :

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾

[ سورة النمل : 62]

على المؤمن أن يكون محسناً منضبطاً و عفيفاً :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ موقفٌ ثالث ، هذا المقاتِل الذي قاتَلَ مع رسول الله أعدَّهُ النبي عليه الصلاة والسلام إعدادًا نفْسيًّا وروحِيًّا كافيًا كي يُضحِّي بالغالي والرخيص ، والنَّفْس والنفيس مِن أجل الحقّ ، لقْطةٌ من لقطات معركة بدْر ، نموذج ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما هاجَرَ إلى المدينة وآواهُ الأنصار ، آوَوْهُ على أنْ يمْنعوهُ من عَدُوِّه ، ولكن لمْ يجر اتِّفاقٌ بين النبي والأنصار على أن يخرجَ بهم خارج المدينة لِيَلقى عدوّ المسلمين ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام وهو في أعلى درجةٍ من الرّقّة قال : أجيبوني أيّها الناس ، وتوجَّه إلى سعْد بن معاذ سيِّد الأنصار ، سيّدنا سعْد قال له : يا رسول الله ، لعلّك تَعنينَا ؟ قال : أجَل ، هذا موقفٌ ثان ، وهذا موقف الجندي ، قال : يا رسول الله ، قد آمنَّا بك وصدَّقناك ، وشَهِدنا أنَّ ما جئْت به هو الحقّ ، وأعطيْناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السّمع والطاعة ، فامْضِ يا رسول الله لما أردْت فنحن معك ، لا كما قال بنو إسرائيل قال تعالى :

﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾

[ سورة المائدة : 24]

 مفارقةٌ حادّة ، فنحن معك ، فو الذي بعثَكَ بالحقّ ، لو اسْتعرضْتَ بنا البحر فخُضْتَهُ لخُضْناهُ معك ، ما تخلّف مِنَّا رجلٌ واحد ، وما نكرهُ أن تلقى بنا عدوّنا غدًا ، إنا لَصُبُرٌ في الحقّ ، صُدُقٌ عند اللّقاء ، فَصِلْ حِبال من شئْت ، واقْطَع حِبالَ مَن شئْتَ ، وخُذْ مِن أموالنا ما شئْت ، ودَعْ ما شئْت ، فو الذي بعثَكَ بالحقّ للذي تأخذهُ من أموالنا أحبّ إلينا من الذي تدعهُ ، فَسِرْ على بركة الله تعالى ، فلعلّ الله يُريكَ مِنَّا ما تقرّ به عَينُك ، المؤمن ماذا قدَّمَ من دينه ؟ هل قدَّمَ جزءاً من ماله ؟ هل قدَّم جزءاً من خِبرتِهِ ؟ هل قدّم جزءاً من وقتِهِ ؟ هل قدّم جزءاً من شيءٍ أعطاهُ الله إيّاه ؟ ماذا قدَّمْت لهذا الدِّين العظيم ؟ هؤلاء أصحابُ النبي قدَّموا أثْمَنَ ما يُقدِّمُ إنسان ، قدَّموا أرواحهم ، أنت قدِّم مالكَ ، قدِّم جزءاً من وقتِكَ ، جزءاً من خِبراتِك ، تعهَّدْ هذا القرآن ، اُدْرُس هذا القرآن ، تعلّم هذا القرآن ، علِّم هذا القرآن ، مُرْ بالمعروف وانْه عن المنكر ، أحْسِن إلى جيرانك ، ماذا قدَّمْت ؟ كُنْ قدْوَةً ، النبي عليه الصلاة والسلام يُخاطبُ المؤمن أنت على ثغرةٍ من ثغر الإسلام فلا يؤتينَّ مِن قبلِكَ ، يكفي أن تكون مستقيمًا ، ويكفي أن تكون محسنًا ، ويكفي أن تكون منضبطًا ، ويكفي أن تكون عفيفًا ، ويكفي أن تكون سموحًا، ويكفي أن تكون خيِّرًا ، إنَّك بهذا تقدّم نموذجًا صالحًا للمسلمين ، إذا كنت محْسنًا أحبّ الناسُ إسلامَكَ ، إذا كنْتَ منضبِطًا أحبَّ الناسُ إسلامَكَ فأسْلموا معك .

 

قوة المجتمع تكمن في معاملة الإنسان من هم دونه كما يعامل نفسه :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لقْطةٌ ثالثة من لقطات غزوة بدر ، تحدَّثنا عن الجندي، وها نحن نتحدَّث عن القائد ، النبي عليه الصلاة والسلام قائدُ هذا الجيش ، ماذا فعَلَ ؟ عن عبد الله بن مسعود قال : لما كان يوم بدر كان كل ثلاثة على بعير ، وكان علي بن أبي طالب وأبو لبابة زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فكان إذا كانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : نحن نمشي عنك ، فقال :

((ما أنتما بأقوى مني ولا أنا أغنى عن الأجر منكما ))

[الحاكم وابن حبان عن ابن مسعود ]

 هذه لقطة رابعة ، أي هكذا يجبُ أن يعاملَ الكبير الصغير ، وأن يعامل القويّ الضعيف ، وإذا استنبطْت أنت من هذه القصّة أنّك يجبُ أن تعامِلَ الذين هم دونَكَ كما تعاملُ نفسك ، إذا فعلْت هذا أصبحَ المجتمعُ كالبنيان المرصوص ، يشدّه بعضهُ بعضًا ، سوِّ نفسك مع أصحابك ، سوِّ نفسكَ مع أقرانك ، سوّ نفسك مع من هم دونك ، سوّ نفسك مع عُمّالِكَ ، سوّ نفسك مع موظّفيك ، سوّ نفسك مع الذين معك ، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام في نزهةٍ مع أصحابه ، قال أحدهم : عليّ ذبْحُ الشاة ، وقال آخر : وعليّ سلخها ، وقال ثالث : وعليّ طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليّ جمْعُ الحَطَب ، فقال أصحابُه : نكفيك ذلك يا رسول الله ، قال : " لا ، إنّ الله يكرهُ أن يرى أحدًا من عباده متميِّزًا على أقرانِهِ "
 وهذا استنباطٌ رابع . معركةُ بدرٍ وقعَت وانتَهَت ، ولكنّ البطولة أن تستنبطَ منها أشياء .

 

من نصر دين الله أحبه الله و نصره :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ شيءٌ آخر أحبّ أن أضعهُ بين أيديكم ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمّد : 7]

 قد يسأل سائلٌ : كيف ينصر عبد خالق الكون ؟ أنا أنصرُه !! ما هذا الكلام ؟ وما تأويل هذه الآية ؟ الإنسان العبد الفقير الضعيف ، الذي لا يملكُ شيئًا هو ينصرُ خالق الكون ؟ ألَمْ يقل الله عز وجل :

((يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم وصغيركم وكبيركم وذكركم وأنثاكم - قال عبد الصمد : وعسيكم وبينكم - على قلب أتقاكم رجلاً واحداً لم تزيدوا في ملكي شيئاً ، ولو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم وصغيركم وكبيركم وذكركم وأنثاكم على قلب أكفركم رجلاً لم تنقصوا من ملكي شيئا إلا كما ينقص رأس المخيط من البحر ))

[مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري]

 ماذا يَعْني ربّنا أن يهتدِيَ جميعُ الناس أو أن يبقوا كفارًا ؟ وقال الله عز وجل في كتابه العزيز :

﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾

[ سورة الزمر : 7]

 فكيف ننْصرُ ربّنا ؟ هذا هو السؤال .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ إجابةُ هذا السؤال كما يلي : في الحياةٌ خيرٌ وشرّ ، دعوةٌ إلى الله ، ودعوةٌ إلى الشيطان ، عملٌ فيه إحسانٌ للخلق ، وعملٌ فيه إيذاءٌ للخلق ، عملٌ يحبّه الله عز وجل ، وعملٌ يمْقتُهُ ، ملكٌ يُلهم ، وشيطانٌ يُوَسْوِس ، داعيةٌ يدعو ، ومُبطلٌ يدعو، وأنت بين أن تكون مع العقل أو مع الشّهوة ، وبين أن تكون مع المبدأ أو مع المصلحة ، بين أن تكون مع العاجلة أو مع الآجلة ، فإذا اختَرْتَ أن تكون مع الله ، إذا اخْترْت أن تكون مستقيمًا ، إذا اخترْت أن تكون محسنًا ، إذا اخترْت أن تستجيب لأمر الله ، إذا اخترْت أن تستجيب لِنِداء الفِطرة ، إذا اخترْت أن تستجيب للحق ، واختارَ أُناسٌ آخرون هذا الاختيار ، كلّما اِتَّسَعَتْ قاعدة المؤمنين حُجِّمَ الباطل ، وصار بهذا نصْرًا لهذا الدِّين ، أي إذا كنتم في نزهةٍ وقام الجميع ليُصلُّوا ، الذي لا يُصلّي يستحي ويقوم ، فإذا قام واحدٌ للصلاة والأكثريّة لا يُصلّون ، هؤلاء الذين لمْ يُصلّوا خذَلوا دين الله تعالى ، هؤلاء الذين صلُّوا نصروا دين الله تعالى ، إذا كنتم تُجارًا وامتَنَعْتم عن أكل المال الحرام ، عن أكْل الربا ، يصبحُ آكلُ الربا غريبًا ، يُصبحُ شاذًّا ، تُسلَّط عليه الأضواء ، أما إذا أكل كلّ التّجار الربا ، وامْتَنَع أحدهم فيصبحُ ضعيفًا ، يصبحُ مثارًا للسُّخْرية ، فكلّما اتَّسَعَت دائرة المؤمنين قوِي دين الله عز وجل ، وكلّما انْكمشَت هذه القاعدة ، وقويَ الكُفْر والانحراف والمعصيَة ، فالله سبحانه وتعالى غنيّ عن أن تنصرهُ ، ولكن إن تنصر دينهُ تُشَجِّعُ الآخرين أن يكونوا مِثلك ، فالله سبحانه وتعالى يحبّك أن تنصرَ دينه ، قال تعالى :

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمّد : 7]

 لذلك المشكلة قبل أن تقول : يا رب ، انْصُرنا على أعدائنا ، يجبُ أن تنتصِر لله أوَّلاً ، يجبُ أن ننتصِرَ لِدِين الله حتى نسْتحقّ أن ينصرنا على عدوّنا .

 

الحق واحد لا يتجزأ :

 شيءٌ آخر ، قال تعالى :

﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾

[ سورة آل عمران : 160]

 قال تعالى :

﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

[ سورة الصافات : 173]

 أي لا يمكن أن يتصارعَ حقّان لأنّ الحقّ في الأرض واحِد ، معركةٌ بين حقَّيْن مستحيلة ، لأنّ الحقّ واحِد ، قال تعالى :

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

[ سورة الأنعام: 153 ]

 النّقطة الثانيَة ؛ قال تعالى :

﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾

[ سورة يونس: 32]

 إما أن تكون على الحقّ ، وإن لم تكن على الحقّ فلا سمَحَ الله ولا قدَّر فأنت حتمًا على الباطل ، لأنّ الحقّ واحِد ، الحقّ لا يتعدَّد ، الحق لا يتكرّر ، الحقّ واحد ، أي بشَكل هندسي ، بين نقطتين لا يمرّ إلا مستقيمٌ واحد ، وأنّ صراط الله هو الصّراط المستقيم ، لو رسمْت مليون خطّ مستقيم من نقطتين تأتي كلّها فوق بعضها ، تصبحُ خطًّا واحدًا ، ولكن قد يكون الصّراع بين الحقّ والباطل ، وإذا كان كذلك فهذا صراعٌ قصيرٌ أمدُه لأنّ الله مع الحقّ ، أما إذا كان بين باطِلَين فقد يمْتدّ ، أي الله عز وجل في آيةٍ من آيات القرآن الكريم جعَلَ للنَّصْر معادلة رياضيّة ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ * الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[ سورة الأنفال : 65-66]

 إذا انْعَدَم الإيمان الحَسْمُ للقوّة ، إذا كان هناك إيمان فالحَسْمُ للإيمان ، أما إذا انْعَدَمَ الإيمان فالحَسْم للقوّة ، هذه أيضًا معادلة ، وحقيقة جاءَت في كتاب الله ، وفي سورة الأنفال بالذات ، ويجبُ أن تكون بين أيدينَا دائمًا .

 

نموذجٌ من نماذج المقاتلين في غزوة بدر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ نموذجٌ ثالث من نماذج المقاتلين في غزوة بدر ، ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

[ سورة المعارج : 19]

 هذا ضَعفٌ خَلقي أراده الله عز وجل لِيَفْتقرَ في هذا الضّعف إلى الله ، فإذا افْتقرَ في ضَعفِهِ سَعِدَ بافتقاره ، ولو كان قويًّا لاستغنى بقوّته ولشَقِيَ بِاستغنائِهِ ، فإنّ الإنسان كما قال الله تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾

[ سورة المعارج : 19-23]

 سيّدنا خُبيب بن عديّ وقعَ أسيرًا في يدي الكفار ، فساوَمُوهُ على إيمانِهِ ولوَّحوا له بالنجاة إذا هو كَفَرَ بِمُحمّد صلى الله عليه وسلّم ، وكان إيمان خُبَيب كالشمس قوّة ، وبُعدًا ، ونارًا ، ونورًا ، وما محاولاتهم في ردّه عن إيمانه إلا كمن يحاوِل أن يقتنصَ الشّمس بِرَمية نبل ، شيء مستحيل ، فلمّا يئِسُوا ممّا يرجون قادوا خُبيبًا البطل إلى مصيره المحتوم ، وخرجوا به إلى ما كان يسمّى التنعيم خارج مكّة ، واستأذنهم أن يصلِّيَ لله ركعتين ، وما إن صلّى ركعَتَين حتى عرضوا عليه العرْض التالي ، قال أبو سفيان : أتُحِبّ أن يكون محمَّدٌ مكانك وأنت سليمٌ معافًى في أهلك ؟ فصاحَ فيهم : والله لا أحبّ أن أكون في أهلي وولدي ، وعندي عافيَةُ الدنيا ونعيمها ويُصابُ رسول الله بِشَوكة ، عندئذٍ قال أبو سفيان وهو يضربُ كفًا بِكَفّ : ما رأيتُ أحدًا يحبّ أحدًا كَحُبّ أصحاب محمَّدٍ محمَّدًا .

 

تطبيق سنة النبي الكريم في حياتنا :

 هل نحبّ نحن بعضنا بعضًا هذه المحبّة ؟ أهكذا يحبّ الله عز وجل أن نكون يدًا واحدةً ؟ أن نكون متكاتفين ؟ أن نكون متعاونين ؟ أن نكون متباذلين ؟ أن نكون متزاورين ؟ أن نكون متسامحين ؟ أن يخْدِمَ بعضنا بعضًا ؟ أن يكون أحدنا في خِدمة إخوانه المؤمنين ؟ أن يكون أحد دِرْعًا للمسلمين ؟

(( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ، ولا يخذلهُ ، ولا يسْلمهُ ، لا يحقرهُ ، وكلّ المسلم على المسلم حرامٌ ؛ ماله ودمُه وعرضهُ ))

[متفق عليه عَنِ ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

 هكذا توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام ، لن يرضى الله عنَّا إلا إذا طبّقنا سنّة النبي ، لأنّ الله تعالى يقول :

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 31]

 وسنّة النبي عليه الصلاة والسلام بين أظهرنا ، بين أيدينا .

 

الإسلام بناء أخلاقي :

 الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم : 59]

 ليس معنى إضاعة الصلاة ترْك الصلاة ، ولكن أن تُصلِّيها صلاةً جوفاء لا روحانية فيها ، لا إقبال على الله فيها ، لا اتِّصالاً محكمًا مع الله فيها ، ليس فيها خُشوع ، ولا تنهى عن الفحشاء والمنكر ، هذه ليْسَت صلاةً إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، إنّ الصلاة قُرْب ، إنّ الصلاة مناجاة ، إنّ الصلاة دُعاء ، إنّ الصلاة ذِكْر ، إنّ الصلاة طُهر ، إنّ الصّلاة حبور ، إنّ الصلاة نور ، هكذا الصلاة ، فلذلك ما الذي ضيَّع المسلمون ؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( بُنِيَ الإسلام على خمس ))

[ متفق عليه عن ابن عمر ]

 فهذه الأشياء الخمسة ليْسَت هي الإسلام ، بل هي دعائم الإسلام ، بنيَ الإسلام على خمس ، الإسلام شيء ، وهذه دعائمُه ، فإذا ظَنَنّا أنّ الإسلام هذه الدعائم الخمس أدّينا الصلاة أداءً شكليًا ، دفعنا زكاة المال ونحن كارهون ، ذهبنا إلى الحج ولسْنا في مستوى الحجّ، وفعلنا ما فعلنا ، الإسلام بناء أخلاقي ، الإسلام صِدق ، الإسلام أمانة ، الإسلام إحسان، الإسلام إنصاف ، وركعتان من ورِع خيرٌ من ألف ركعة من مخلّط ، من لم يكن لهُ ورعٌ يصدّه عن معصيَة الله إذا خلا لمْ يعبأ الله بِشَيءٍ من عمله ، ما قيمة العمل ؟ قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[ سورة الأنفال : 72]

 ماذا فعلت من أجل الله ؟ ماذا أعْطَيْت ؟ ماذا بذَلْت ؟ ما الموقف الذي وقفْتهُ ؟ كلامٌ بِكَلام ، أي إذا آمنْت بالله ماذا فعلْت ؟ إذا قلت : هذه شمس ، هي شمسٌ قلتَ هذا أم لم تقل ، اعْترَفْتَ بهذا أم لم تعترف ، ماذا فعلْت إذا آمنْت بالله وقعَدْت ولم تفعل شيئًا ؟ إذا لم يكن الإسلام في سُلوكك اليومي ، وفي عملك ، وفي بيتك ، وفي بيعِك ، وفي جوارك ، وفي كلّ علاقاتك ، أن يبقى الإسلام ثقافةً وفِكرةً نترنَّم بها ، ونتلوها على الناس ، ونفتخرُ بها ، هذا هو الإسلام الذي لا يريدُه الله عز وجل ، سيّدنا عمر حينما امْتَحَن راعيًا ، وقال له : بِعني هذه الشاة ، راعي غنم ليس عنده أي كتاب ، قال : خُذْ ثمنها ، فقال : ليْسَت لي ، قال : قلْ لصاحبها إنّها ماتَتْ ، أو أكلها الذّئب ، فقال : ليْسَت لي ، قال له : خُذْ ثمنها ، فقال الراعي: والله إنّني لفي أشدّ الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لِصاحِبِها ماتَتْ أو أكلها الذّئْب لصدّقني فإنِّي عندهُ صادقٌ أمين ، ولكن أين الله ؟ عشرون ألف دعوَةٍ بِقَصْر العَدل ، لو عرف الإنسان حقّه فوقفَ عندهُ ، لو عرفَ ما لهُ ، وما عليه ، لاستراح الناس ، واستراح القاضي ، الإسلام معاملة ، الإسلام انضباط ، الإسلام وقوف عند الحدود ، سيّدنا عمر كان وقّافًا عند كتاب الله ، لو قال لك إنسانٌ : شكَوْتُك إلى الله ينبغي ألا تنام الليل ، وكنت تعرف من الله عز وجل ؟ كيف يأخذُ الحقوق ، يجبُ ألا تنام الليل .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ لسْنا بحاجةٍ إلى مزيد من الكلام ، لكنّنا بحاجةٍ إلى عمل ، وإلى إسلامٍ مطبّق ، بحاجةٍ إلى مسلمٍ حركتهُ وأقوالهُ وأفعالهُ تؤكّد إسلامه ، لا لسانهُ .
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

زكاة الفطر :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الخطبة القادمة إن شاء الله تعالى عن الزكاة ، ولكن زكاة الفِطر لها أحكامٌ خاصّة ، ويبدو أنّ هذا الوقت أنْسَبُ الأوقات لِدَفعها ، فالإمام الشافعي يرى أنْ تُدْفعَ في أوّل رمضان كي يستفيد منها المسلم في شراء حاجيّاته قبل حُلول العيد .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ زكاة الفِطر - وقلتُ هذا كثيرًا - هدفها الأكبرُ أن يذوقَ كلّ مسلمٍ طَعمَ الإنفاق ، وللإنفاق طعمٌ لا يعرفُه إلا مَن ذاقَهُ ، مِقياسٌ بيننا أي إذا أردْت أن تعرفَ من أنت ، ما الذي يُسعِدُك أن تعطي أم أن تأخذ ؟ إن كنت من أهل الآخرة يُسعدُك أن تعطي ، وإن كنت من أهل الدنيا يُسعِدُك أن تأخذ ، وهذا مِقياس ، فإذا سعِدْت بالأخْذ والعطاء فهذا حلّ لا بأس به ، لكن المؤمن يسعدُ في الإعطاء ، فزكاة الفِطر من أجل أن تذوق طعم العطاء ، قال تعالى :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 لا أشكّ أبدًا في أنّ مسلمًا ما إذا أدَّى زكاة ماله ، أو زكاة فِطره ، أداءً مخلصًا من كلّ شائبة إلا وتجلّى الله على قلبه ، وشعر أنّ الذي أعطاهُ الله من هذه السكينة والسعادة يفوق أضعافًا مضاعفة عمّا بدا له من الآخرين ، فمِن أجل أن تذوق ولو مرّةً واحدة ، قد يتأبّى الطّفل أن يأكل بعض الفاكهة تُحاوِلُ أُمّه لِمَرَّةٍ واحدة أن تُذيقهُ طعمها ، فإذا أحبّ طعْم الفاكهة أحبَّها وتعلَّقَ بها ، كأنّ الله سبحانه وتعالى في زكاة الفِطْر أراد أن يُذيقنا طعم الإنفاق ، فإذا شعرْت بهذه السعادة ، وهذه السكينة ، وهذه الطهارة ، وهذه التزكيَة أنت مِمَّن استفاد من زكاة الفِطر ، لذلك تجبُ على كلّ مسلم صغيرٍ أو كبير ، غني أو فقير ، حرّ أو عبد ، ذكرٍ أو أنثى، بل إنّها تجبُ على من لا يجبُ عليه الصيام ، تجبُ على الصغير ، وعلى المعذور ، وعلى من أفطر لعُذر ، تجبُ على من أفطَرَ ولا يملكُ ما ينفقُ كفِديةٍ لإفطاره ، وتجبُ على من أفطر لغير عُذر ، تجبُ على تارك الصلاة ، تجبُ على كلّ من ينتمي إلى هذا الدِّين ، تجبُ على كلّ مسلم ، مِقدارها نصفُ صاعٍ من برّ - من دقيق - أو من زبيب - البِرّ الإحسان ، والبُرّ الدقيق ، والبَرّ اليابسة ، وهذه كلمة مثلّثة ، فمِقدارها بِحَسب المعايير اليوميّة – البر اثنان كيلو من القمح ، وعلى قدر السّعر المتداول بين الناس ، أو صاعٌ من تمر أو شعير ، الصاع أربعة كيلو ، نصف صاع من برّ ، أو صاع من شعير أو من تمر ، العلماء ولا سيما السادة الأحناف قالوا : دَفعُ القيمة أفضل لأنّ المال فيه مُرونة ، فهذا الفقير يحتاجُ إلى ألبسة له ولأولاده، وإلى حاجات معيّنة ، دفعُ القيمة أفضل ، ودفْعُ زكاة الفِطر للأرحام والأقارب أفضل ، ولكن لا تجوزُ أن تُعطى زكاة الفطر لا إلى الأصول مهما علوا ، ولا إلى الفروع مهما دَنوا ، الآباء والأجداد وأجداد الأجداد ، ولا إلى الأولاد وأولاد الأولاد ، وأولاد البنات ، ولا إلى الزوجة ، وتنفردُ صدقة الفطر عن الزكاة بأنّه لا يجوز أن تعطي الزوجة لزوجها ، بين الزوجين ممنوع ، وبين الآباء والأولاد ممنوع ، وما سوى ذلك مقبول ، بل الأفضل أن تُعطى للأرحام والأقارب .
 شيءٌ آخر ، أنت أولى الناس بأقاربك ، لذلك لا تقبلُ صدقة الفطر من إنسان في أقربائه محاويج ، إذا كان لك قريب بِطَرف المدينة ، لا تقل : أنا أدفعها هنا وأستريح ‍؛ لا ، هذا القريب لا يعرفهُ أحد إلا أنت ، توجَّه إلى بيته ولو كان بعيدًا ، ولو كلَّفَكَ وقتًا ومشقَّةً حتى تصل إليه ، لا تُقْبلُ صدقةُ الفِطر من إنسان وفي أقاربه محاويج ، بعد الأقرباء الجيران ، وبعد الجيران أهل المحلّة ، وفقراء البلد نفسه .
 صدقة الفطر لا تسقط بِهَلاك المال ، لأنّها ليْسَت على المال ، الزكاة إذا هلك المال تسقط ، أما صدقة الفطر فعلى الرأس لا تسقط بِهَلاك المال ، وزكاة الفِطر يمكن أن تعطى لفقير واحدٍ ، أو أن تُعطى مجموعة زكوات لفقير واحد ، أو أن تعطى زكاة لعدّة فقراء ، طبعًا نحن قلنا عن الحدّ الأدنى ، ولم نقل عن الحدّ الأعلى ، الحدّ الأدنى أربعون ليرة أو ثلاثون أو خمسون ، على اختلاف في أسعار القمح ، أما الحدّ الأعلى فقد يدفعُ الميسور على كلّ فردٍ ألف ليرة ، وهي تجبُ على من تموله وتلي عليه ، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلّم هذه الصدقة بأنّها طُهرةٌ للصائم وطُعمةٌ للمساكين .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018