الخطبة : 0297 - رمضان2 - شهر الإنفاق - الأقربون أولى بالمعروف. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0297 - رمضان2 - شهر الإنفاق - الأقربون أولى بالمعروف.


1990-04-06

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإنفاق في سبيل الله :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الخطبة السابقة كانت عن القرآن الكريم ، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام كان في رمضان يُكثرُ من تِلاوَة القرآن ، والتي قبلها كانتْ عن حِكَم الصِّيام ، أما خطبة اليوم فعن الإنفاق في سبيل الله ، وخطبة الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى عن الزكاة.
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام كان جوادًا ، وكان أجْوَدَ ما يكون في رمضان ، ولكن ما فلسفة الإنفاق ؟ لماذا ننْفقُ ؟ كلّكم يعلمُ يا أيها الأخوة الأكارم أنّ في الإسلام عقائد ، وفي الإسلام عبادات ، وفي الإسلام معاملات ، وفي الإسلام أخلاق .
 موقعُ الصِّيام من العبادات ، الصّيام عبادةٌ بدنيّة ، والصلاة عبادةٌ بدنيّة ، والزكاة عبادةٌ ماليَة ، والحجّ عبادةٌ بدنيّة ماليَةٌ في وقتٍ واحد .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ربّنا سبحانه وتعالى حينما قال :

﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 1-3]

 أحدُ أركان الإسلام أن تنفقَ مِمَّا رزقك الله ، الإنفاق أوْسَعُ من إنفاق المال يا أيها الأخوة ، قد تنفقُ عِلمَكَ ، وقد تنفقُ خِبرتَكَ ، وقد تنفقُ جاهَكَ ، وقد تنفقُ وقتك ، وقد تنفقُ مالك، المطلق على إطلاقه ، ومما رزقناهم ينفقون .

 

إنفاق المال وسيلة فعَّالة لِيَرْقى بها الإنسان إلى أعلى عِلِيِّين :

 آيةٌ أخرى ، يقول الله تعالى :

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾

[ سورة آل عمران : 133-134]

 هؤلاء الذين خاطبوا قارون ، وقد آتاهم الله العلم ، قالوا له كما قال تعالى :

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

[ سورة القصص : 77]

 إذًا كأنّ الله سبحانه وتعالى أعطاك لِتُعطي ، أعطاكَ لِتُحِبَّه ، وأعطاك لِتعرفهُ ، وأمرَكَ أن تعطي لِتتقرَّب إليه ، إذا عرفت الله عز وجل ما السبيل إليه ؟ وما الطريق إلى التقرّب منه ؟ كيف تحظى بِرِضاه ؟ كيف تحظى بالقُرْب منه ؟ كيف تحظى بالإقبال عليه ؟ كيف تحظى بِتَجلياتِهِ ؟ كيف تتَّصِلُ به ؟ كيف تسْعدُ به ؟ بإنفاق ما عندك ، مِن هنا للتبعيض ، وممّا رزقناهم ينفقون ، إذًا كأنّ الإنفاقَ على إطلاقه أكثرُ وسيلةٍ فعالة للتقرُّب إلى الله عز وجل ، الله سبحانه وتعالى خلقكَ ليُسْعِدَكَ ، وأصْل الخلق أن تسْعَدَ إلى أبد الآبدين ، في جواره ، وفي جنّته، وثمنُ هذه السعادة أن تأتي إلى الدنيا وأن تخالف النفس والهوى ، النّفسُ مفطورة على حبّ المال، قال تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج : 19-22]

 بنْيةُ النّفسُ هي الحِرص ، والتكليفُ الإنفاق ، فكأنَّك إذا أنْفقْتَ خالفْتَ فطرتَكَ التي فطِرْت عليها ، بهذه المخالفة ترقى إلى الله عز وجل ، لو جاء أمْرُ الله عز وجل موافقًا لِطَبيعتك لا ترقى به ، الله عز وجل قال : كلوا واشربوا ، هذا أمْرُ إباحةٍ ، إذا تناوَلْتَ الطعام الطيّب لا تشعرُ أنّك ترقى إلى الله عز وجل لأنّ هذا الجسد يحتاجُ إلى طعامٍ ، والأمْرُ الإلهي كلوا واشربوا الإباحة ، فإذا تناوَلْتَ أطْيَبَ الطّعام هل ترقى إلى الله عز وجل ؟ إذا جاء الأمْرُ الإلهي موافقًا لِطَبيعة النّفْس لا ترقى به إلى الله عز وجل ولكنّ الأمْرَ الذي يخالفُ طبيعتك البشريّة ، قال تعالى :

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[ سورة النازعات : 40-41]

 من طبيعة الإنسان الحِرْصُ على المال ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج : 19-22]

 فكأنّ الإنفاق في أصله تكليف ، والتكليف متناقضٌ مع طبيعة النفس ، مِن أجل أن ترقى أوْدَعَ في نفس كلّ رجل حبّ المرأة ، وأمركَ أن تغضّ بصرَكَ ، لماذا ترقى بِغَضّ البصر ؟ لأنّ تخالفُ شهوتك ، لماذا ترقى بالإنفاق ؟ لأنّك تخالف بُنيَتَك ، لماذا ترقى بِصَلاة الفجر ؟ لأنّك تحبّ الراحة والنوم ، وها أنت ذا تسْتيقِظ في وقتٍ من أجْمَل ساعات النوم ، لماذا ترقى بالأمْر بالمعروف ؟ لأنّ الأمر بالمعروف في بعض الأحيان مُرْهِق ومُحْرِج ومُتْعِب ، لماذا ترقى بالنهي عن المنكر ؟ لأنّ السكوت أسْلَم ، فإذا نهَيْتَ عن المنكر ربّما جلبْتَ لك المتاعِب ، معنى التكليف أيْ ما فيه كُلفةٌ ، شيءٌ يخالف طبيعة النفس ، يُخالفُ ما فُطِرَت عليه ، لو أنّ الله عز وجل فطَرَنا على إنفاق المال لما كان لإنفاق المال من معنى ، ولما ارْتَقَيْنا به ، ولكن لأنّ الإنسان خُلِقَ هلوعًا كما قال تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج : 19-22]

 يأتي إنفاق المال وسيلةً فعَّالةً لِيَرْقى بها إلى أعلى عِلِيِّين .

 

الإنفاق على إطلاقه مِن أكْبرِ القُربات إلى الله عز وجل :

 من هو السّعيد ؟ الذي اسْتَطاعَ أن ينتصِرَ على نفسِهِ ، أحدُ المفكِّرين في بلاد الغرْب ، كان صائبَ التفكير ، قال : ملَكْنا العالم ولمْ نمْلِكُ أنفسنا ، ما زالتْ هذه النَّفْسُ مُسيْطِرة، لا زال هذا الإنسان تابعًا لِهَواه ، يأتَمِرُ بِهَواهُ ، وينتهي بِهَواه ، لا يرقى الإنسان إلى مرتبة الإنسان الذي أراده الله عز وجل ، ولا يكون المؤمن مؤمنًا كما أراد الله عز وجل إلا إذا سيْطَرَ على نفسِهِ وملكَها وسيَّرها ، أنت أحدُ رجلين ؛ إما أن تُسيِّركَ نفسُك وإما أن تسيِّرها ، إما أن تضْبطَك وإما أن تضبطها ، إما أن تكون تبعًا لها وإما أن تكون تبعًا لك ، فلذلك الإنفاق لماذا نرقى به ؟ لأنّ الله سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان خلقهُ لِيَسْعَدَ في الجِنان إلى أبد الآبدين ، وثمنُ هذه الجِنان أن يُخالف النفس والهوى ، ومن مخالفة النفس والهوى إنفاقُ المال ، فلذلك ربّنا سبحانه وتعالى :

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

[ سورة القصص : 77]

 والآية الثانيَة :

﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 3]

 والإنفاق في القرآن ، وردَت الآيات المتعلّقة فيه أكْثرَ مِن مئتي آية ، والإنفاق أوْسعُ من الزكاة ، كما قلتُ قبل قليل : يمكن أن تنفقَ وقتكَ ، ويمكن أن تنفق جاهك ، ويمكن أن تنفق علمك ، ويمكن أن تنفق خِبرتك ، ويمكن أن تنفق قوّتك العضليّة ، ويمكن أن تنفق مالك ، الله عز وجل جعلَ الإنفاق على إطلاقه مِن أكْبرِ القُربات إلى الله عز وجل .

 

معرفة الله بما ينفق الإنسان :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ربُّنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ذكر الإنفاق في مواضع كثيرة ، مِن أبرز هذه المواضع ، يقول الله عز وجل :

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾

[ سورة البقرة : 270]

 أي يجبُ أن تعلمَ عِلْم اليقين أنّ الدِّرْهم الذي تنفقهُ في سبيل الله يقعُ في يد الله كما ورد في بعض الأحاديث قبل أن يقع في يد المسكين ، قال تعالى :

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾

[ سورة البقرة : 270]

 وهذا المعنى وردَ في آياتٍ كثيرة ، قال تعالى :

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة : 273]

 فما قولكَ أن يعلمَ الله ، وأنت عبْدُه أنَّك أنْفقْت شيئًا من مالك الذي أنت حريصٌ عليه ، الذي خلق الله في نفسِكَ حبّهُ ، أنفقْتهُ في سبيل الله لعلّ الله يرضى عنك .

 

من أنفق شيئاً في سبيل الله يخلفه الله عليه :

 المعنى الثاني وهو المُطَمْئِنُ ، قال تعالى :

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾

[ سورة سبأ : 39]

 ما نقصَ مالٌ من صدقة ، عبدي أَنْفِق أُنْفِقُ عليك ، أَنْفقْ بلالاً ولا تخْشَ من ذي العرش إقلالاً ، إذا آمنْتَ أنّ الله هو الرزاق ذو القوّة المتين تنفقُ ولا تهابُ الإنفاق ، لأنّ الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ، وفي آيةٍ محكمةٍ يُطمئِنُكَ ، وهو أصْدق القائلين ، ومن أوفى بعهده من الله ، ومن أصدق من الله حديثًا ؟ يُطَمْئِنُكَ ، قال تعالى :

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾

[ سورة سبأ : 39]

 وقال تعالى :

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 272]

 المعنى الأوّل الذي تنفقهُ يعلمه الله ، والمعنى الثاني الذي تنفقهُ يخلفُه الله عز وجل ، وهل من آيتَين أكْثر دَفْعًا للإنسان إلى الإنفاق من هاتين الآيتين ؟

 

إنما الأعمال بالنيات :

 لكنّ المشكلة أنَّ دِرْهمًا تنفقهُ في إخلاص خيرٌ من مئة ألف درهم ينفقُ في رياء ، إنّما الأعمال بالنيات ، اعبد الله مخلصًا له الدِّين ، يقول الله عز وجل يصفُ المؤمنين :

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة البقرة : 261]

 قال تعالى :

﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 9]

 حرِّرْ أيها الأخ الكريم نيَّتَكَ ، راقِب نفْسَكَ ، أَتَبْتغي بهذا الإنفاق السُّمعة ؟ أَتُحِبّ أن يقول الناس عنك : محْسنٌ كبير ؟ أَتُحِبّ أن يشيعَ إنفاقك بين الناس ؟ أتَزْهو بهذا الإنفاق ؟ لقد دخل الشِّرْك الخفيّ ، قال تعالى :

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة البقرة : 261]

 وقال تعالى :

﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 9]

الفرق بين إنفاق المؤمن و المنافق و الكافر :

 أما أهل الكفر فقد قال تعالى عنهم :

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

[ سورة الأنفال : 36]

 أما أهل النّفاق فقد قال تعالى :

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾

[ سورة التوبة : 53]

 المنافق ينفقُ مالهُ رئاء الناس ، هذا الإنفاق إذا شابهُ النّفاق فهو غير مقبول ، الكافر ينفقُ مالهُ ليصُدَّ عن سبيل الله ، المؤمن ينفقُ مالهُ ابتِغاء وجْه الله تعالى ، ينفقُ مالهُ في سبيل الله . من علامات المنافق أيضًا أنَّ الله عز وجل وصفَ إنفاقهم بالكراهيَة ، قال تعالى :

﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾

[ سورة التوبة : 54]

 ينفقُ حياءً ، ينفقُ بعدَ أن يُحرج ، ينفق ويتمنَّى ألا ينفق ، ينفق ويتمنَّى أن يعود في نفقته ، المنافق يكرهُ النفقَة ، والكافر ينفق ، ولكن ليصدّ عن سبيل الله ، والمؤمن ينفقُ في سبيل الله ، وينفقُ ابْتِغاء وجه الله تعالى ، بل إنَّ المؤمن إذا لمْ يُتَح له أن ينفق ربّما اعْتُصِرَ حزْنًا ، وقد وصفَ الله عز وجل أصحابَ رسول الله رضي الله عنهم الذين لمْ يجدوا ما ينفقون قال تعالى :

﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة التوبة : 92]

 إنَّهم يحزنون لِعَدم الإنفاق ، المنافق ينفقُ كارهًا ، الكافر ينفقُ ليصُدَّ عن سبيل الله، المؤمن ينفقُ في سبيل الله .

 

من لم ينفق من ماله في سبيل الله فهو خاسر لا محالة :

 معنًى آخر من معاني الإنفاق ، ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾

[ سورة البقرة : 195]

 القرآن إعجازُه في إيجازه ، وإعجازُه في أنَّه حمَّال أوْجُهٍ ، فالذي لا ينفقُ إطلاقًا يهلكُ نفسهُ ، وهو لا يدري ، لأنّ الله سبحانه وتعالى جاء بِكَ إلى الدنيا من أجل أن تنفق ، فإذا لمْ تنفق فكأنّك نسيتَ المهمَّة التي من أجلها أتَيْتَ ، أنتَ خاسرٌ قطْعًا إن لم تنفق ، قال تعالى :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 فما دمْت لا تعملُ صالحًا لا تنفق لا من وقتك ، ولا من مالك ، ولا من علمك ، ولا من جاهك ، ولا من خبرتك ، ولا من قوّتك ، ولا من عضلاتك ، ما دُمْت لا تنفق فأنت هالِك، قال تعالى :

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾

[ سورة البقرة : 195]

 بِعَدم الإنفاق ، هذا هو المعنى الأوّل ، ولا تلقوا بأيديكم باختياركم إلى التَّهْلُكة بِعَدم الإنفاق ، لأنّك أتَيْتَ إلى الدنيا من أجل أن تنفق ، ما لكَ لا تنفق ؟

 

الإنفاق باعتدال و تحرّي الطيب :

 المعنى الآخر ؛ إذا أردْت أن تنفق فأنْفق باعْتِدال ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ﴾

[ سورة الإسراء : 29]

 من معاني الآية أنْ أنْفق باعْتِدال ، ولا تلق بِنَفْسِكَ إلى التّهلكة ، والمعنى الآخر إنْ لم تنفق فإنَّما تهلكُ نفسكَ ، ولكن مادام الإنفاق هديّة إلى الله عز وجل ، ما دام هذا الدّرهم يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير ، ما دامَتْ هذه الخِدمة ، وهذا الوقت هو لله ، ما دام هذا الجاه لله ، وما دام هذا العِلْم لله ، ما دامَتْ هذه الخِبرة لله ، ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

 إن أنْفقْت الطعام فلْيَكن أطْيبَ الطّعام ، إن أنْفقْت المال فلْتَكن العملة جديدة ، بعضُ الصالحين يتقصّى الدراهم الجديدة ليُنفقها ، إن أردتَ إنفاق الوقت فلْيَكن من الوقت الذي أنت مرتاحٌ فيه ، إن أردت إنفاق الجاه اِذْهَب بِنَفسك إليه أبْلَغ من أن تتَّصِلَ به هاتفيًّا ، أو رسالة صغيرة ، قال تعالى :

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

 أما المنافقون فيُنفقون الخبيث ، وربّنا عز وجل نهانا عن إنفاق الخبيث قال تعالى:

﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 267]

 شيءٌ تعافُه نفسُك ، وشيءٌ تمجّه نفسك ، شيءٌ لا قيمة له عندك ، شيءٌ أنت تزْوَرُّ عنه ، هذا الشيء لا تنفقهُ لأنَّه هديّة إلى الله عز وجل ، والآية الأخرى قوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾

[ سورة البقرة : 267]

درْهمٌ تنفقهُ في إخلاص خيرٌ من مئة ألف درهمٍ ينفق في رِياء :

 شيءٌ آخر : إذا ضعف الإخلاص أيها الأخوة ، الإنسان يحبّ أن يأخذ مقابل ماله الذي أنفقهُ ، إما أن يأخذ تجَلِيًّا من الله عز وجل ورِضوانًا ، وإما أن يسْتجدي مديح الآخرين، لذلك إذا أنْفقَ نفقةً يذكِّرُ صاحِبَهُ بها صباحاً مساء ، أنا أعْطَيْتُكَ !! أنا فضَّلْت عليك، أنا أكرمتك ، لولاي لم تكن شيئًا مذكورًا ، هذا الذي يفعلهُ بعض المنفقين أتلفوا إنفاقهم ، وضيَّعوا أجرهم لأنّهم في أغلب الأحيان ليْسُوا صادقين مع ربّهم ، وليسوا مخلصين ، فلابدّ لهذا المال من عِوَض ، والعِوَضُ هو المديح ، فإن لم يمْدحهُ الآخرون هو الذي منَّ على الذين أعطاهم حتى يَتَضَعْضَعون أمامه ، ويثنون على أفضاله ، وعلى خيراته ، فلذلك الله عز وجل يقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾

[ سورة البقرة : 264]

 إذا كنتَ تمُنّ على الناس ، وتؤذيهم بأموالك ، فأنت بهذه النَّفقة لسْتَ مخلصًا ، تريد العِوضَ في الدنيا ، واستِجداء المديح ، تريد أن يثْنِيَ الناس عليك ، تريد أن يُشيروا إليك بأصبعهم ، تريد أن يرفعوك ، إذًا أنت لا تبتغي بهذه النّفقة وجه الله عز وجل . لكنَّ المؤمن الصادق يتّخِذ من النّفقة قربةً إلى الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة : 99]

 ويا أيها الأخوة المؤمنون ؛ درْهمٌ تنفقهُ في إخلاص خيرٌ من مئة ألف درهمٍ ينفق في رِياء ، والإنفاق يتناسبُ مع سعَة الإنسان ، قال تعالى :

﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ﴾

[ سورة الطلاق : 7]

 لذلك رُبّ دِرهم سبقَ ألف درهم ، الذي يملكُ درهمَين أنفقَ منهما درهمًا أي أنفقَ نصفَ ماله ، والذي يملكُ ألفًا أنفق درهمًا ، الدِّرْهمُ مِمّن يملكُ درهمَين يسبقُ الدّرْهم الذي يملكُ صاحبُه ألف درهم ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((رُبّ دِرهم سبقَ ألف درهم ))

 وقال تعالى :

﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ﴾

[ سورة الطلاق : 7]

باب الإنفاق من أوْسَع الأبواب إلى الله عز وجل :

 لذلك صدقة الفِطر ، الشيء الغريب أنَّها تجِبُ على كلّ مسلمٍ ذكرٍ كان أم أنثى، حرٍّ أو عبْدٍ ، غنيّ أو فقير ، يجبُ أن ينفق ، إذا ملَكَ الفقير قوتَ يومه ، وجْبةُ طعامٍ واحدة عليه أن ينفق ، لِيَتَعَوَّد على الإنفاق ، ولِيَذوق طعم الإنفاق ، حتى الفقير ، هذه صدقة الرأس ، أو صدقة الفِطر تجبُ على كلّ مسلمٍ حرّ كان أو عبدٍ ، ذكرٍ أو أنثى ، غنيّ أو فقير، شرْط أن يملك قوتَ يومه فقط ، مِن أجْل ماذا ؟ من أجل أن تذوق أيّها المسلم طعْم الإنفاق ، شيءٌ طيِّبٌ جدًّا أن تُعطي مالاً أنت في أمسّ الحاجة إليه ، أن تُعطيه لأخيك المؤمن لعلّ الله يتجلّى على قلبك ، لذلك الخطبة القادمة إن شاء الله تعالى قوله تعالى :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 أي مِن أوْسَع الأبواب إلى الله عز وجل ، ومن أشدّها فعاليَّة باب الإنفاق ، قلْ لعبادي - هذه عبادي نِسْبةُ تشريف ، نُسبَ العباد إلى الله ، ياءُ المتكلّم - قال تعالى :

﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً﴾

[ سورة إبراهيم : 31]

 الشيءُ الذي يُلفتُ النَّظر أنّ الصلاة قُرنتْ إلى الزكاة في القرآن في ثلاثٍ وعشرين موضِعًا ، قبل الصّيام ، وقبل الحجّ ، لأنّ الصلاة اتِّصال والزكاة تزكيَة والتزكيَة تأتي عن طريق إنفاق المال ، رجلٌ طُلِبَ منه أن يُساعِد إنسانًا أو امرأةً أعطاها الكثير ، فلامَهُ أصحابُه وقالوا له : إنَّها لا تعرف أنَّك كريم ، وكان يرضيها القليل ، فقال هذا المُحْسِن : إن كانت ترضى بالقليل فأنا لا أرضى إلا بالكثير ، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرفُ نفسي ومن ضاقَتْ أمورهُ وسُدَّتْ في وجهه الطُّرُق ، النبي عليه الصلاة والسلام ينْصحُه أن يستمْطِرَ الرّزق بالصَّدقة ، كيف يقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( داووا مرضاكم بالصّدقة))

[الطبراني عن عبد الله بن مسعود ]

 طبعًا إلى جانب المداواة العاديّة ، إلى جانب الطبيب والدواء ، هناك نصيحة نبويّة :

(( داووا مرضاكم بالصّدقة))

[الطبراني عن عبد الله بن مسعود ]

 كأنَّك بهذه الصّدقة تسترضي الله عز وجل ، والله تعالى يُسْترضى ، وكذلك اسْتَمطروا الرّزق بالصّدقة ، من ضاقت عليه الحِيَل ، وضاقَت عليه السُّبُل ، من كان ضيِّق ذات اليد فعليه بالصّدقة فلعلّ الله سبحانه وتعالى يُسترضى بها ، ويُوسِّعُ على عبده الذي ضاقَت عليه الأمور .

 

من أدى زكاة ماله فقد برئ من الشّح :

 أما الذين يكنزون الذّهب والفضّة ، كما قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

[ سورة التوبة : 34]

 ولكنّ الذي يؤدّي زكاة ماله فقد برئ من الشُّحّ ، عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

((ثلاث من كن فيه فقد برئ من الشح ، من أدى زكاة ماله طيبة بها نفسه ، وقرى الضيف ، وأعطى في النوائب ))

[الطبراني عن جابر]

 لا يجوز أن تصفهُ بأنّه شحيح ، ولو أمسكت بيَدِك وأشرتَ بيَدِك بقبضها إشارة أنّه شحيح فأنت آثِم إذا كان قد أدَّى زكاة ماله ، ولكن أحدهم سأل أحد العارفين بالله وقال : يا سيّدي كم الزكاة ؟ فقال هذا العارف : عندنا أم عندكم ؟ فقال : ما عندنا وما عندكم ؟ من نحن ومن أنتم ؟ فقال : عندكم اثنان ونصف بالمئة ، أو واحد بالأربعين ، أما عندنا فالعبد ومالهُ لسيِّدِه لذلك قال تعالى :

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[ سورة الذاريات : 19]

 عن فاطمة بنت قيس ، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال :

(( في المال حقٌّ سوى الزكاة ))

[ابن ماجه عن فاطمة بنت قيس]

 أي أنت أدَّيْت زكاة مالك بالتّمام والكمال ، في اليوم التالي لك جارٌ مؤمن بِحاجةٍ إلى عمليّة جراحيّة ، وليس له أحدٌ إلا أنت ، وطلب منك مبلغًا من المال ، فهل تقول له : أنا أدَّيْت ما عليّ ؟! ابْحَث عن غيري ! لا .

(( في المال حقٌّ سوى الزكاة ))

[ابن ماجه عن فاطمة بنت قيس]

 فإذا جاءت كلمة معلوم ، هذه للزكاة ، أما قوله تعالى :

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[ سورة الذاريات : 19]

 فهذه للصّدقة وليس للزكاة .

 

أداء الزكاة يحفظ المال و ينميه :

 الآن هناك حجّة واهيَة يقولها بعض الناس ، هذه الحجّة إذا قالها الإنسان فقد وصم نفسه بالنّفاق والكفر ، قال تعالى :

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة يس : 47]

 إذا قلت هذا الكلام ، وقلت : إنّ هذا غير موكَلٌ إليّ ، إذا قلت هذا الكلام فهو كلامُ أهل الكُفْر ، قال تعالى :

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

[ سورة الملك : 2]

 خلق الغني والفقير ، الأغنياء أوصيائي ، والفقراء عيالي ، فمن مَنَعَ مالي عيالي أذَقْتُهُ عذابي ولا أُبالي ، كيف أذقته عذابي ولا أُبالي ؟ ما تلف مالٌ في بر‍ّ أو بحرٍ إلا بِحَبْس الزكاة ، أي تأتي موجةُ صقيعٍ خِلال ثوان المحصول كلّه يصبحُ هشيمًا ، هل أدَّيْت زكاة هذا النّتاج الزراعي ؟ هذا عليه العُشر إذا كان بعلاً ، وإذا كان مسقيًا فعليه نصف العشر ، هل أدَّيت زكاة هذا المال ؟ تجدُ بقرةً لِسَببٍ تافهٍ ماتَت ، ثمنها سبعون ألفًا ، هل أدَّيْت زكاة الحليب ؟ هل أدَّيتَ زكاة العسل وهذا المحصول الزراعي ؟ لذلك ما تلف مالٌ في بر‍ّ أو بحرٍ إلا بِحَبْس الزكاة ، هذا الحديث للخطبة القادمة إن شاء الله . إذًا قال تعالى :

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة يس : 47]

إنفاق المال في الحياة أفضل من إنفاقه بعد الممات :

 آخرُ آيةٍ في هذه الخطبة ، قوله تعالى :

﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

[ سورة المنافقون : 10]

 النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((درهمٌ تنفقهُ في حياتك خيرٌ من مئة ألف ينفق بعد مماتك ))

[ ورد في الأثر]

 أنت عملت وصيّة ، من أدراك أنّ هؤلاء الذين كتبْت لهم الوصيّة ينفّذونها ؟ قد لا تنفّذ ، وأكثر الوصايا التي تكتبُ لا تنفّذ ، لأنّ الورثة قد يكونون أَشِحّة ، فأنت إذا أردتَ أن تتقرَّب إلى الله عز وجل فادْفع المال وأنت حيّ ، وأنت صحيح شحيح معافى ، اِدْفَعْهُ والله سبحانه وتعالى يُعوِّض عليك أضعافًا مضاعفة ، فلذلك قال تعالى :

﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

[ سورة المنافقون : 10]

 هنا النَّدَم ، يا ليتني أكون معهم فأفوز فوزًا عظيمًا ، يا ليتني ويا ليتني ، وليت للتمنَّي ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾

[ سورة النساء : 123]

 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الأقربون أولى بالمعروف :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ قاعدةٌ فقهيّة : الأقربون أولى بالمعروف ، بعض العلماء فسَّر هذه القاعدة فقال : الأقربون نسبًا ، أو الأقربون إلى الفقر ، أو الأقربون إلى الإيمان ، فحيثما تساوى عندك اثنان ، اسْتَخدِم العامل الآخر للترجيح ، اثنان في درجة فقْرٍ واحدة ، أيُّهما أقربُ إليك نسبًا ؟ هو الأولى ، اثنان تساوَوا في الفقر وفي النَّسَب أيُّهما أشدّ صلاحًا وإيمانًا ؟ عندك أوّل عامل عاملُ النَّسَب ، أو عامل الفقر ، أو عامل الإيمان ، إذا تساوى اثنان في عامل رجِّح بينهما في العامل الثاني ، فإذا تساوى اثنان في عامِلَين رجِّح بينهما في العامل الثالث ، فهذا الذي يجبُ أن تُعطِيَهُ يجبُ أن تجتهد في ذلك لأنّ من اجتَهَدَ فأصاب فلهُ أجران ، ومن اجْتَهَد فأخطأ فله أجر ، أما هذا الذي لا يجتهد ، ويلقي المال جزافًا من دون دراسة ، ومن دون تروّ ، ومن دون تأمُّل ، ومن دون تحقيق ، ومن دون بحث ، قد يأخذ هذا المال إنسان ليس محتاجاً ، قد ينفقهُ في معصيَة الله تعالى ، فمن لمْ يجتهد ليس له أجر ، أصاب أم أخطأ ، من اجتهد وأخطأ فله أجر ، ومن اجتهد وأصاب فله أجران ، فأنت عندك قاعدة : الأقربون نسبًا ، تساوى اثنان في قرابة النَّسَب ، أيُّهما أشدّ فقرًا ؟ تساوى اثنان في درجة الفقر ، أيّهما أكثر صلاحًا ؟ بدأت بالإيمان ، الاثنان في مستوى إيمانٍ واحد ، أيّهما أقربُ إليك ؟ بدأتَ بالفقر أيّهما أكثرُ صلاحًا ؟ عند عامل الصلاح ، وعامل الفقر ، وعامل القرابة النسبيّة ، الأقربون أولى بالمعروف ، والإنسان ليس له الحقّ أن يدفع زكاة ماله ، وفي أقربائِهِ محاويج ، لماذا ؟ لأنّه أدرى بهم ، إذا كان هناك في الأقارب محاويج ينبغي أن تدفع هذا المال لمن هو محتاجٌ إليه مِمّن تعرفهُ أنت وحدكَ ، فإذا لم يكن في أقاربك محاويج ، عندئذٍ تبحث ، وهناك جمعيات خيريّة تتولّى عنك أحيانا هذا الدَّفع .
 معنا الآن في هذه الخطبة خمسُ جمعيات خيرية ، جمعيّة الصالحيّة الخيرية ومعها كتاب رسمي ، وجمعيّة القنوات الخيرية ، ومعها كتاب رسمي ، وجمعية الشيخ محي الدّين الخيرية ، ومعها كتاب رسمي ، وجمعية ركن الدين الخيرية ، ومعها كتاب رسمي ، وجمعية الهداية الإسلاميّة ، ومعها كتاب رسمي ، لا أدري لماذا تتوجَّه إلينا هذه الجمعيات فيبدو أنّكم أسْخِياء ، ويبدو أنّكم تدفعون مبلغًا كبيرًا ، والمبلغ في الأسبوع الماضي كان - وجزاكم الله كلّ خير ، وأكرمكم ، وحفظكم ، وحفظ أموالكم وأولادكم وأهليكم - كان المبلغ مجزيًا ، ونالَت كلّ جمعيّة من الجمعيات الأربع حوالي اثني عشر ألف ليرة ، أي جُمع في هذا المسجد حوالي خمسون ألفًا ، والآن عندنا خمسُ جمعيات ، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يكرمكم ، ادْفعوا جزءاً من زكاة أموالكم لهذه الجمعيات ، والله سبحانه وتعالى لا يُضيعُ أجْر من أحْسن عملاً .
 عباد الله إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، يعظكم لعلّكم تذكّرون .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018