الخطبة : 0296 - رمضان1 - شهر القرآن. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0296 - رمضان1 - شهر القرآن.


1990-03-30

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيّدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومَن والاه ومَن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

القرآن الكريم منهج الإنسان و تعليمات الصانع :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا شكَّ أن الموضوع المُناسب لهذا اليوم هو القرآن الكريم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يُكْثِر مِن تلاوة القرآن الكريم في رمضان .
 القرآن الكريم يا أيها الأخوة الأكارم منهج الإنسان ، تعليمات الصانع ، أنت آلةٌ معقدة ؛ لك عقلٌ ، ولك نفسٌ ، ولك جسدٌ ، فيك نوازع ، فيك شهوات ، فيك طموحات ، فيك صراعات ، تتأثَّر ببيئتك ، تتأثر بالعادات ، بالتقاليد ، بثقافتك ، هناك ضغوط ، هناك مغريات ، حياة الإنسان فيها تأثيراتٌ كثيرة ، كيف يهتدي في هذا الخِضَم ؟ مع مَن ضد مَن ؟ مع شهوته أمن مع عقله ؟ مع دنياه أم مع آخرته ؟ مع ما يرضيه أم مع ما يسخطه ؟ مع ما يسعد به أم مع ما يشقى به ؟ ما الذي يهدي الإنسان في هذه الحياة ؟ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾

[ سورة الأنعام : 1 ]

 السموات والأرض هي الكون . .

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾

[ سورة الكهف : 1 ]

 كأن الكون كله في كَفَّة والكتاب في كفَّة ، السموات والأرض خَلْقُهُ ، والقرآن نوره ، الله سبحانه وتعالى في بعض آيات القرآن الكريم سمَّى كتابه :

﴿نُوراً مُبِيناً ﴾

 هؤلاء الكُفَّار يخرجهم الطاغوت من النور إلى الظلمات ، والمؤمن بتلاوته لكتاب الله ، وتدبره له ، يخرج به من الظلمات إلى النور . .

﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة الملك :22]

 شتَّان بين من يطبِّق تعليمات الصانع ، فيضمن لآلته السلامة ، ويضمن لآلته أعلى مستويات المَرْدود ، وبين من يطبق التعليمات التي تأتيه من زيدٍ أو عُبيد فإذا الآلة معطَّلة أو مردودها قليل .

 

ما ورد في السنة الشريفة عن القرآن الكريم :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ماذا ورد في السنَّة النبوية المطهَّرة عن القرآن الكريم ؟ يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري في صحيحه ، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خيركم . . . . على الإطلاق، و خير مِن أسماء التفضيل ، الخيرية في الدنيا والآخرة ، في كل شيء . .

(( خيركم من تعلم القرآن ...))

[البخاري عن عثمان بن عفان ]

 تعلم المنهج ، قرأ تعليمات الصانع ، قرأ ما ينبغي وما لا ينبغي ، ما يجوز وما لا يجوز ، ما يمكن وما لا يمكن ، عرف الحق من الباطل ، عرف الخير من الشر ، عرف الحلال من الحرام ، عرف الصحيح من الخطأ ، عرف الحقيقة من زَيْفِها . .

((خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه ))

[البخاري عن عثمان بن عفان ]

 إذا تعلَّمته ، كأن هذا الوعاء الذي هو نفسك قد امتلأ علماً ، فإذا فاض الوعاء فاض على الآخرين ، مِن لوازم امتلاء الوعاء أن يفيض على الآخرين ، فمن تعلَّم القرآن لابدَّ من أن يعلمه ، يشعر المؤمن بدافعٍ قوي إلى تعليم الناس القرآن ، لأن سعادتهم في ثَنِيَّات آياته، لأن سعادتهم في الدنيا في تطبيق أحكامه ، لأن نجاحَهم في الحياة في التزام أوامره ، لأن سلامتهم في الدنيا في اجتناب نواهيه ، لأن مصيرهم الأبدي في معرفة سرّ وجودهم ، هذا كله في القرآن الكريم .

((خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه ))

[البخاري عن عثمان بن عفان ]

 هذا الحديث الشريف يجب أن يكون نُصْبَ أعين كل إنسان ، أنا آلةٌ معقدة ، أين تعليمات الصانع ؟ إذا فعلت هذا فأنت مُفْرِطٌ في محبة ذاتك ، إذا أحببت ذاتك ، إذا لم تحب أحداً عليك بتطبيق تعليمات الصانع ، من أجل أن تضمن لهذا الكائن الإنساني سلامةً في الدنيا والآخرة ، وسعادةً ، واستمراراً .
 كنت أقول لكم دائماً : إن الإنسان مفطورٌ على حبّ وجوده ، وعلى سلامة وجوده ، وعلى كمال وجوده ، وعلى استمرار وجوده ، وجوده ، وسلامة وجوده ، وكمال وجوده ، واستمرار وجوده ، هذا كله يضمنه القرآن الكريم . أنت كائن ، ألا ينبغي أن تعرف لماذا أنت هنا في الدنيا ؟ ما حقيقة الدنيا ؟ ما حقيقة الحياة ؟ ما حقيقة الإنسان ؟ أية حركةٍ أيها الأخوة تسبق العلم حركة عشوائية ، حركة غير هادفة ، حركة غير صائبة ، حركة غير نافعة ، أما إذا جاء العلم قبلها ، فالحركة منضبطة ، والحركة مجدية ، والحركة نافعة ، والحركة تسعد الإنسان إذا سبق هذه الحركة علمٌ بالله عزَّ وجل ، فـ :

((خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه ))

[البخاري عن عثمان بن عفان ]

 على الإطلاق .

 

الرفعة عند الله تعالى تكون بقراءة القرآن و تدبره :

 فيا أيها الأخ الكريم ؛ مرةً ثانية ، وثالثة ، ورابعة : أن تقطتع من وقتك وقتاً لتعلم القرآن ؛ لمعرفة لفظه ، لمعرفة أحكامه ، لمعرفة وَعْدِهِ ، لمعرفة وَعيده ، لمعرفة آياته ، هذا عملٌ لا يعلو عليه عمل ، ليس في الأرض عملٌ أهمُّ من هذا العمل ، قد تقول : ليس عندي وقت . هذا كلامٌ كأن يقول الطالب وهو في الجامعة ، وهو في كلية الطب ، ويعلِّق آمالاً عريضةً على نجاحه يقول : ليس عندي وقت للدراسة . إذا لم يكن عند طالب الطب وقتٌ لدراسة الطب ، وهو يرى أن نجاحه في هذه الشهادة سبب سعادته في الدنيا ، فعنده وقت لأي شيء؟!! إذا لم يكن لديك وقتٌ لدراسة القرآن ، ولتلاوته ، ولفهمه ، ولمعرفة أحكامه ، فعندك وقتٌ لماذا ؟ أي شيءٍ غير القرآن تافه ، قال تعالى :

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾

[ سورة المؤمنون : 1-3]

 قال بعض العلماء : اللغو ما سوى الله .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا حديثٌ صحيح رواه الإمام البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والراوي من الصحابة عثمان بن عفان :

((خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه ))

[البخاري عن عثمان بن عفان ]

 وقد روى الإمام مسلم في صحيحه ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال :

(( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين ))

[مسلم عن عمر بن الخطاب ]

 قد يرتفع الإنسان بالمال ، ولكن هذه الرفعة مؤقتة ، قد يأتي بعدها انحدارٌ شديد، لأن كل مَن عليها فان ، كل مَن عليها فان ، قد يرتفع الإنسان لظرفٍ طارئ ، ولكن الرفعة التي لا نزول بعدها ، الرفعة التي لا تنتهي ، الرفعة التي تستمر بعد الموت هي رفعة القرآن الكريم ..

(( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين ))

[مسلم عن عمر بن الخطاب ]

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقَّر ما عظَّمه الله تعالى ))

[ورد في الأثر]

 أنت تقرأ كلام الله ، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، كلامٌ مُحْكَم ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، قطعيّ الثبوت ، دلالاته مُسْعِدَة ، معانيه تسمو بالنفس ، منهجه يوصل إلى الله عزَّ وجل ، كيف عند الإنسان وقتٌ ليقرأ شيئاً تافهاً ، وليس عنده وقتٌ ليقرأ القرآن الكريم ؟! .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الحديث الثاني الذي رواه الإمام مسلم :

(( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين ))

[مسلم عن عمر بن الخطاب ]

 إذا أردت الرفعة عند الله عزَّ وجل ، فكن ماهراً بهذا القرآن ؛ كن ماهراً بتلاوته ، كن ماهراً بفهمه ، كن ماهراً بتدبُّره ، كن ماهراً بتطبيقه ، بل إن أرقى مستويات التعامل مع هذا الكتاب ، أرقى مستوى أن تعيشه ، لذلك وصف بعضهم النبي عليهم الصلاة والسلام بأنه "قرآنٌ يمشي " والسيدة عائشة رضي الله عنها حينما سُئِلت عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام قالت: " كان خُلُقُه القرآن " .

 

الفوز و النجاح لمن تطابق مقياسه مع مقياس القرآن الكريم :

 يا أيها الأخوة الأكارم . . . نقطةٌ دقيقةٌ جداً في كتاب الله ، أنت إذا قرأت قوله تعالى :

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب : 71]

 هذه الآية لا تحتاج أنت في تفسيرها لا إلى تفسير الجلالين ، ولا إلى القرطبي ، ولا لابن عباس ، ولا إلى الرازي ، ولا إلى أي تفسير ، إنها واضحةٌ وضوح الشمس ، هذه الآية من الآيات المُحْكَمَات لو قرأها الصغير لفهمها ، ولكن شتان بين أن تفهم الآية وبين أن تعيشها، هنا المشكلة ، أن تفهمها ؛ كل مَن ينطق بالعربية إذا قرأ هذه الآية :

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب : 71]

 يفهمها . ولكن هل تعيش هذه الآية ؟ هل تَغَلْغَلَت هذه الآية في كيانك ؟ هل تغلغلت في مشاعرك ؟ هل تغلغت في إحساسك ؟ هل إذا رأيت إنساناً أمده الله بالقوة والمال وحرمك منهما ، وأنت مستقيمٌ على أمره ، وأنت تطيع الله عزَّ وجل ، وتعرفه ، وتعرف ما بعد الموت ، هل تشعر وقد حرمت من هذا المال وهذه القوة أنك دون ذلك الإنسان ؟ إذا شعرت بالحرمان ، أو شعرت أنك دونه ، فأنت لم تعش هذه الآية ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب : 71]

 وأنت لا ترى أنك فائز بطاعة الله عزَّ وجل ، هل ترى الفوز بالمال فقط ؟ هل ترى الفوز بالقوة فقط ؟ هل ترى الفوز بالمُتَع فقط ؟ هذا الذي لا تنطبق رؤيته مع مَنْطوق القرآن الكريم ، قد يؤمن به ولكن ليس في المستوى المطلوب ، المستوى المطلوب أن يكون هواك تبعاً للقرآن الكريم ، الله سبحانه وتعالى يقرر . .

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة المؤمنون : 1]

 الفلاح ، والنجاح ، والفَوْز ، والتفوُّق ، والتميُّز في الإيمان وحده ، فإذا قرأت قوله تعالى :

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة المؤمنون : 1]

 ورأيت أن زيداً أو عُبيداً نال من المال ما نال ، ونال من الجاه ما نال ، ونال من القوَّة ما نال ، وقد تفوَّق عليك ، وقد فاز فوزاً عظيما ، فأنت عندئذٍ لست في مستوى القرآن الكريم ، حينما خرج قارون على قومه . . .

﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القصص : 79]

 هذا كلام أهل الدنيا الذين ما قرؤوا القرآن الكريم ، أما إذا كنت في مستوى القرآن. .

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾

[ سورة القصص : 80]

 فلذلك ، اجهد أيها الأخ الكريم لا إلى فهم كتاب الله فحسب ، بل إلى أن تعيش آياته ، أن تكون في مستواها ، إذا قال الله عزَّ وجل :

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾

[ سورة الشمس : 9]

 إذا كنت تُجْهِد نفسك في تزكية نفسك ؛ تطهيرها من الأدران ، من الغِل ، من الحقد ، من الحسد ، من الأَثَرَة ، من الأنانية ، من الاستعلاء ، من العلو ، من الإسراف ، من التبذير ، إذا جهدت في تطهير نفسك من هذه الأدران ، وقرأت قوله تعالى :

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾

[ سورة الأعلى : 14-15]

 يجب أن تشعر بالفلاح ، يجب أن تشعر بالفَوْز ، يجب أن تشعر بالنجاح ، يجب أن تشعر بالتفوُّق . دائماً أنت لك مقياس وللقرآن مقياس ، لن تكون مهتدياً إلا إذا تطابق مقياسك مع مقياس القرآن الكريم .

 

العلم هو القيمة الوحيدة التي تصلح للترجيح بين العباد :

 كتاب الله عزَّ وجل يقول :

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة الزمر : 9 ]

 ما أَقَرَّ كتاب الله عزَّ وجل إلا قيمةً واحدة ، تصلح أساساً للترجيح بين العباد ، إنها العلم ، فهل ترى أن العلم بالله شيءٌ لا قيمة له وأن المال هو كل شيء ؟ أنت إذاً لست مهتدياً ، هذا هو الضلال المبين ، هل ترى أن المال هو كل شيء أو أن الصحة هي كل شيء أو أن الرفعة هي كل شيء ؟ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة الزمر : 9 ]

 القضية أعقد من فهم آية ، القضية تتناول أن تكون في مستوى هذه الآية ، أي إذا جاءك خاطبٌ لابنتك ، وهو على ما هو عليه من الرفعة ، والغنى ، و ، و ، والله سبحانه وتعالى يقول لك :

﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 221 ]

 هل ترى أن هذا الكلام كلام الله ؟ وأنه هو الصحيح ؟ وأنه هو المقياس ؟ إذا رأيت أن الخاطب المؤمن ، المتواضع في ماله ، أو في مسكنه ، تؤثره على الخاطب الغني غير المؤمن ، فأنت تعيش هذه الآيات ، أما إذا كنت أنت في واد والقرآن في واد .
 أنت إذا قرأت القرآن الكريم ، ماذا تقول عندما تنتهي ؟ تقول : صدق الله العظيم . فربنا سبحانه وتعالى يقول لك :

﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 221 ]

 فإذا آثرت رِقَّة الدين مع الغنى ، على قوَّة الدين مع الفقر ، أو مع الكفاف ، فأنت كأن لسان حالك لا يقول : صدق الله العظيم . لا يقول هذا ، لك قِيَمٌ أخرى ، لك مقياس آخر أنت .
 لذلك يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الهدى يعني أن يكون مقياسك الواقعي ، مقياسك اليومي ، مقياس التعامل كل يوم مُنْطَبقاً مع مقياس القرآن الكريم .
 لذلك حينما سئلت السيدة عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت :

(( كان خلقه القرآن ))

[ مسلم عن عائشة ]

 هكذا .

 

من طبق كلام الله عز وجل فالطريق أمامه واضح :

 الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾

[ سورة النور : 30 ]

 هذا توجيهٌ إلهي ، خالق الكون يأمر المؤمنين بغض أبصارهم ، فإن لم تكن أنت في هذا المستوى ففي أيِّ مستوى ؟ في مستوى المعصية ؟ في مستوى المُخالفة ؟ أي إما أنك لست قانعاً بهذا القرآن فابحث عن أدلَّته التي تقنعك أنه كلام الله ، فإذا اقتنعت أنه كلام الله ، فكيف تخالفه ؟ فهذه النشرة ، إذا لم تقنع أنها من عند المصنع الذي صنع هذه الآلة ، فهذا بحث آخر ، أما إذا قنعت أنها من المصنع ، وهذه الآلة غاليةٌ عليك ، وثمينةٌ جداً ، وخطيرةٌ جداً ، وذات نفعٍ كبير ، وهذه النشرة قطعاً بالدليل الواقعي ، والمنطقي ، والنقلي ، من عند المصنع الذي صنع هذه الآلة ، كيف تخالف هذه التعليمات ؟ يختلُّ عندئذٍ التوازن .
 فالإنسان يا أيها الأخوة الأكارم يجب أن يكون واضحاً مع نفسه ، اسأل نفسك هذا السؤال : ليس عاراً أن تقول : هكذا . هذا القرآن ، إما أنك قانعٌ أنه كلام الله عزَّ وجل ، أو لست قانعاً ، إن كنت لست قانعاً بأنه كلام الله ، فالطريق أمامك واضح ، ابحث عن دليلٍ قطعيٍ نقليٍ وعقليٍ وواقعيٍ يؤكد أن هذا الكلام كلام الله ، فإذا أيقنت أنه كلام الله كيف تتوازن وأنت تعصيه ؟! كيف تشعر بالطمأنينة وأنت تخالف توجيهات الله عزَّ وجل ؟ عندئذٍ هناك خللٌ في العقل ، إذا آمنت أنه كلام الله عزَّ وجل ، وَحِدَّتَ عن توجيهاته وأوامره ، فهناك خللٌ في العقل .

 

القرآن ينقل الإنسان من حال إلى حال و من طور إلى طور :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛

(( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين ))

[مسلم عن عمر بن الخطاب ]

 ومن أحاديث متفقٍ عليها ، ومعنى متفقٍ عليها أن الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحهما اتفقا على هذه الأحاديث ، وهذه أعلى درجة من صحة الأحاديث .

(( إن الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السَفَرَة الكرام البررة ))

[ متفق عليه عن عائشة ]

(( وأن المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجَّة ، ريحها طيب وطعمها طيب ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ]

(( وأنه لا حسد إلا في اثنتين ؛ رجلٍ آتاه الله القرآن فهو يقوم آناء الليل وآناء النهار ، ورجلٍ آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ))

[ متفق عليه عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 الحسد هنا ليس معناه كما ورد في بعض الأحاديث ، الحسد في هذا الحديث يعني الغِبْطَة ، يعني أنت لا تغبط أخاً إلا في إحدى حالتين ، إذا كان قد آتاه الله القرآن ، فهو يعلمه للناس ، أو أن الله آتاه مالاً ، فهو ينفقه على كل محتاجٍ ومسكين .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ في رمضان مناسبةٌ لسماع القرآن ، نحن في هذا المسجد- والفضل لله عزَّ وجل- نقرأ في التراويح القرآن كله ، كل يومٍ نقرأ جزءاً ، فإذا أردت أن تستمع إلى كتاب الله ، إذا أردت أن تعي كتاب الله ، الإمام الغزالي يقول : " إن أعلى درجة من الفضل لقارئ القرآن أن يقرأه في الصلاة ، واقفاً ، في مسجدٍ ، مع جماعةً " . أربعة شروط ، أن يقرأه واقفاً ، في مسجدٍ ، وفي صلاةٍ ، وفي صلاةٍ جامعة . لذلك رمضان شهر القرآن ، لعل الله سبحانه وتعالى يهديك إليه بآيةٍ واحدة ، مَن يدري ؟ قد تقرأ جزءاً من كتاب الله ، عند آيةٍ واحدة تكون هذه الآية قد أصابت الجُرْح ، قد أصابت الهدف ، قد ينحرف الإنسان مئةً وثمانين درجة ، قد ينتقل من حالٍ إلى حال ، من طَوْرٍ إلى طور ، من وضعٍ إلى وضع ، من خندقٍ إلى خندق، إذا قرأ آيةً من كتاب الله ، ألا يكفيك قوله تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾

[ سورة فصلت : 30 ]

 هل في الحياة نعمةٌ أعظم من أن تكون في منجاةٍ من الخوف والحزن والخوف والحزن أكلا قلوب الناس ؟ أحد المؤلفين من علماء النفس ألّف كتاباً سماه : دع القلق وابدأ الحياة ، بيع من هذا الكتاب خمسة ملايين نسخة في الطبعة الأولى ، ماذا يؤشِّر هذا ؟ على ماذا يدلُّ هذا ؟ على أن القلق قد أكل القلوب ، ألا تحب أن تكون مطمئناً ؟

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد : 28]

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 81-82]

 ألا تحب أن تَنْعُم بنعمة الأمن ؟ إنها للمؤمنين خالصةً من دون الناس ، ألا تحب أن تنعم بشعور أن الله سبحانه وتعالى يحبك ؟ هذا شعور لا يوصف ، ألا تحب أن تكون ممَّن اهتدى عقله وسعدت نفسه؟ . .

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

[ سورة طه : 123]

 ألا تحب أن تنعم بحياةٍ طيبة ؟

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[ سورة النحل : 97 ]

 ألا تحب أن تنْعُم بميزة أن الله يدافع عنك ؟

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[ سورة الحج : 38 ]

 ألا تحب أن تكون في هذا المستوى ؟ إذاً اقرأ القرآن ، اقرأه ، وافهمه ، وتدبَّره، وطبِّقه . إذاً :

(( إن الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به ، مع السَفَرَة الكرام البررة ))

[ متفق عليه عن عائشة ]

(( وأن المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجَّة ، ريحها طيب وطعمها طيب ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ]

(( وأنه لا حسد إلا في اثنتين ؛ رجلٍ آتاه الله القرآن فهو يقوم آناء الليل وآناء النهار ، ورجلٍ آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ))

[ متفق عليه عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

المؤمن تنتهي حريته حينما يعرف الله عزَّ وجل :

 حديثٌ رابع ، هذا الحديث الرابع وجَّهه النبي إلى سيدنا معاذ بن جبل ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( يا معاذ إن المؤمن لدى الحقِّ أسير . . . ))

[ أبو نعيم في الحلية عن معاذ ]

 هذا الذي يفعل ما يشاء ليس مؤمناً ، هذا الذي يتحرَّك كما يشتهي ، يأخذ ما يحب ، يدع ما لا يحب ، يجلس مع مَن يحب ، مع مَن لا يحب ، هذا الذي يشعر بحرية مطلقة في الحياة ، هذا متفلِّت من منهج الله ، هذا خارج الحساب ، هذا خارج العناية المُشَدَّدة . أما المؤمن لدى الحق فأسير ، تنتهي حريتك حينما تعرف الله عزَّ وجل ، مَن أنت ؟ أنت عبد ، الله سبحانه وتعالى يأمرك بكذا ، وينهاك عن كذا ، أنت كعبدٍ لله عزَّ وجل ليس لك أن تفعل ما تشاء ، إن كنت حراً فافعل ما تشاء ، وإن كنت عبداً فما هكذا تصنع العبيد .

(( يا معاذ إن المؤمن لدى الحقِّ أسير . . . ))

[ أبو نعيم في الحلية عن معاذ ]

 مِن صفات سيدنا عمر رضي الله عنه أنه كان وَقَّافاً عند كتاب الله . وقافاً ، الآن تقول له : هذا الموضوع يخالف الشرع ، يقول لك : دونك المحاكم ، أنا أريد القانون ، فلا يعبأ بكتاب الله عزَّ وجل .

(( يا معاذ إن المؤمن لدى الحقِّ أسير . . . ))

[ أبو نعيم في الحلية عن معاذ ]

﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾

[ سورة الحجرات : 12 ]

 انتهى الأمر ، فليس هناك غيبة ، أما الذي يطلق لسانه ، والله ينهى عن الغيبة ، فأين هو من مَنْهَج الله عزَّ وجل ؟

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

[ سورة النور : 30 ]

 الذي ينظر يكون قد تفلت مِن منهج الله عزَّ وجل . وأنا أقول لكم : إن الناس رجلان ؛ متصلٌ بالله عزَّ وجل ، منضبطٌ بشرعه ، محسنٌ إلى خلقه ، منقطعٌ عن الله ، متفلتٌ من شرعه، مسيءٌ إلى خلقه . ولن تجد في الناس رجلاً ثالثاً ، إما أنه متصل ، منضبط ، محسن ، أو منقطع ، متفلت ، مسيء .

 

المؤمن قيَّده القرآن عن كثيرٍ من هوى نفسه :

(( يا معاذ إن المؤمن لدى الحق أسير ، يعلم أن عليه رقيباً على سمعه ، وعلى بصره ، وعلى لسانه ، وعلى يده ))

[ أبو نعيم في الحلية عن معاذ ]

 هذه العين أمانةٌ عندك ، إياك أن تستخدمها في معصية الله ، إياك أن تنظر بها إلى عورات المسلمين ، من لوازم الصيام صوم العين . هذه الأذن أمانةٌ لديك ، إياك أن تستخدمها في معصية ، إياك أن تستمع بها إلى ما لا يرضي الله عزَّ وجل . هذا اللسان أمانةٌ بين يديك ، اجعله ناطقاً بالحق ، ولا تجعله ينطق بالباطل .

(( يا معاذ إن المؤمن لدى الحق أسير ، يعلم أن عليه رقيباً على سمعه ، وبصره ، ولسانه ، ويده ، وإن المؤمن قيَّده القرآن عن كثيرٍ من هوى نفسه ))

[ أبو نعيم في الحلية عن معاذ ]

 ما الذي يزعج الناس ؟ تفلُّت الناس ، تطاولهم على بعضهم . لو أنهم قرؤوا كتاب الله لعرف كل مؤمنٍ حدّه فوقف عنده ولم يتعدَّ طوره ، حينما تكون في المستوى المطلوب فأنت منضبط .

(( يا معاذ إن المؤمن لدى الحق أسير ، يعلم أن عليه رقيباً على سمعه ، وبصره ، ولسانه ، ويده ، وإن المؤمن قيَّده القرآن عن كثيرٍ من هوى نفسه ))

[ أبو نعيم في الحلية عن معاذ ]

 إن اتباع الهوى هوانُ . . . . .

إلى متى أنت في المعاصي  تسير مرخى لك العـنانُ ؟
عندي لك الصلح وهو بري  وعندك السـيف و الســنانُ
ترضى بأن تنقضي الليالي  وما انقضت حربك العــوان
فاسـتحِّ من كتاب كـريم  يحصي به العقل و اللســـــــان
واســتح من شيبةٍ تراها  في النار مســجونــــــــــةً تهـان
* * *

 فالمؤمن . .

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾

[ سورة الحديد : 16 ]

 الإنسان ماذا ينتظر ؟ لو أراد هوى نفسه ، لو أراد الدنيا ، لو أراد شهوات الدنيا ، لو أراد أن يدير ظهره للقرآن ، ماذا ينتظر من الدنيا ؟

(( هل ينتظر إلا غنىً مطغياً - ما هو الغنى المطغي ؟ الغنى الذي يحملك على معصية الله - أو فقراً منسياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفنداً ، أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال فشر غائبٍ ينتظر ، أو الساعة والساعة أدهى وأمر ))

[ من الدر المنثور عن أبي هريرة]

رمضان شهر القرب و الصلح مع الله عز وجل :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا الشهر شهر التوبة ، شهر الصلح مع الله ، والله الذي لا إله إلا هو يشعر الرجل أو المرء إذا عَقَدَ مع الله صلحاً أنه أسعد خلق الله ، يشعر أن جبالاً قد أزيحت عن كاهله ، يشعر أنه خفيف ، يشعر أنه يَنْعُم في سعادةٍ يفتقر لها أولو الحول والطول ، يفتقر لها الأغنياء ، الأقوياء . . " إن الله يعطي الصحة ، والذكاء ، والجمال ، والمال للكثيرين من خلقه ، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين" الصلح مع الله ونحن في رمضان ، اكتب على دفترك : ما الأشياء التي لا ترضى عنها ؟ ما الأشياء التي تخالف الشرع؟ ما الأشياء التي لا يرضى الله عنها ؟ سَجِّلها بقائمة ، وحاول التخلُّص منها واحدةً واحدة ، اشتغل بنفسك يا أخي ، كيف ترتِّب غرفتك ؟ أليس ترتيب الغرفة سلوكاً طبيعياً ؟ إذاً فرتِّب نفسك، تعاهد قلبك ، ما المخالفات ؟ ما التقصيرات ؟ ما المعاصي ؟ ما الآثام ؟ ما التجاوزات في أمور الشرع ؟ سجِّلها واستعن بالله على التخلُّص منها ، ولقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( استعن بالله ولا تعجز ))

[ رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 لا تعجز ، إذا أردت أن تكون مع الله فالله معك ، كن مع الله فالله معك ، كلام صاحب هذا المقام :

كن مع الله تر الله مــعــك  واترك الكـلَّ وحاذر طمعــــــك
وإذا أعـطاك مَن يمـنعه ؟  ثم مَن يعطي إذا ما منعـك؟
إنما أنت له عبدٌ فـكـــــــــن   جاعلاً في القرب منه ولعـك
* * *

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا رمضان موسم القرب ، موسم الاتصال بالله عزَّ وجل، موسم الصُلح مع الله ، موسم الإقبال على الله ، موسم فعل الخيرات ، موسم ترك المنكرات ، موسم حب المساكين ، موسم الإنفاق ، موسم أن تكون مع الله دائماً .
 أيها الأخوة الأكارم ؛

((… وإن المؤمن قيَّده القرآن عن كثيرٍ من هوى نفسه وشهواته ، وحال بينه وبين أن يهلك فيما يهوى ))

[ أبو نعيم في الحلية عن معاذ ]

الحياة الطيبة لمن قرأ القرآن و آمن بأحكامه :

 شيءٌ آخر : حديثٌ خامس يتعلق بالقرآن الكريم ، يقول عليه الصلاة والسلام - وهذا الحديث والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في السنة النبوية المطهرة عن القرآن إلا هذا الحديث لكفى-:

(( لا يحزن قارئ القرآن ))

[ الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال ]

 ما الذي يأكل الناس ؟ ما الذي يسحقهم ؟ الحزن ، الندم ، الضيق ، القلق .

(( لا يحزن قارئ القرآن ))

[ الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال ]

 لماذا ؟ لأن الله يقول لك :

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[ سورة النحل : 97]

 وعدٌ من خالق الكون بالحياة الطيِّبة ، فعلامَ الحزن إذاً ؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[ سورة الحج : 38 ]

 إذا قرأت القرآن ، وآمنت بأحكامه ، واتَّبعت أوامره ، وانتهيت عما عنه نهى ، اسْتَحْقَقت أن تكون ممن يدافع الله عنهم ، وإذا دافع الله عنك مَن يستطيع أن يطولك ؟ إذا كان الله معك فمَن عليك ؟ إذا دافع الله عنك مَن يستطيع أن يطولك ؟ هل تشعر بأنك في حرزٍ حريز أقوى من هذا الحرز ؟ هل تشعر بحصنٍ أقوى من هذا الحصن ؟ ماذا قال سيدنا هود ؟

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[ سورة هود : 55-56]

 ألا يكفي هذا الشعور أن كل المخلوقات الوديعة والمخيفة إنما هي بقبضة الله عزَّ وجل وأنت معه ؟ إذاً هو الذي يدافع عنك .

(( لا يحزن قارئ القرآن ))

[ الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال ]

 كل شيءٍ وقع أراده الله ، وكل شيءٍ أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المُطْلَقة ، وحكمته متعلقةٌ بالخير المطلق ، كل شيءٍ وقع فهو خير و إن بدا لك أنه شر ، هذا ما يبدو لك ، كما يبدو للطفل الصغير عندما يمنع والده عنه الطعام والشراب أن هذا شر ، كما يبدو للطفل وأبوه يفتح بطنه بمشرطه ، وأبوه طبيب جراح ليستأصل الزائدة الدودية ، يبدو للطفل الصغير أن أباه يذبحه ، بينما أباه يرحمه . الشر نسبي ؛ تراه أنت شراً .

 

كل ما يصيب الإنسان هو محض خير :

 لذلك الآية الكريمة تكفينا :

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 ألا تكفينا هذه الآية في كتاب الله أن كل شيءٍ أصابك هو محض خير ؟ محض حكمة ؟
 يا أيها الأخوة المؤمنون :

(( لا يحزن قارئ القرآن ))

[ الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال ]

 لماذا الحزن ؟ والله بيده كل شيء ؛ غنيٌ ، قديرٌ ، سميعٌ ، بصيرٌ ، عليمٌ ، عدلٌ، صمدٌ ، يعز ، ويغني ، ويرفع ، ويعلي ، وكلُّه بيده ، فإذا أصابك ما تكره ، فهناك معالجة.

(( لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم وقفوا على صعيدٍ واحد وسألني كل واحدٍ منكم مسألته ما نقص ذلك في ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في مياه البحر ، ذلك لأن عطائي كلام - كن فيكون - وأخذي كلام - زل فيزول - فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ))

[ من الجامع لأحكام القرآن]

((ما من عثرةٍ ، ولا اختلاج عرقٍ ، ولا خدش عودٍ إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر ))

[ الجامع لأحكام القرآن ]

(( لا يحزن قارئ القرآن ))

[ الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال ]

 إذا قرأت القرآن وقرأت بشارة الله لك . .

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾

 من شيء كلمة شيء نكرة . .

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ * أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾

[ سورة القصص : 60-61]

 خالق الأكوان يعدك بالجنان ، خالق الأكوان يعدك بجنةٍ عرضها السموات والأرض ، فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، والثمن أن تكون معه في هذه السنوات المعدودة ، أن تكون معه ، أن تكون عند أمره ونهيه ، أن تكون مُحِبَّاً له ، أن تكون محسناً لعباده ، هذا هو الثمن .

 

باب الله مفتوح لكل إنسان يشعر بالضيق أو الحزن :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا تنسوا هذا الحديث :

(( لا يحزن قارئ القرآن ))

[ الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال ]

 إذا شعرت بالضيق ، إذا شعرت بالهم ، إذا شعرت بالحزن ، إذا شعرت أن الدنيا ضدَّك ، إذا شعرت أن الأمور مُعَسَّرة ، إذا شعرت أن الطُرُق مسدودة ، إذا شعرت أن الخلائق تنكَّرت لك ، فدونك باب الله عزَّ وجل ، اقرأ القرآن ، إذا قرأت القرآن فكأنَّ الله يحدثك ، يقول لك:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 216 ]

 تطمئن نفسك . يقول لك الله سبحانه وتعالى :

﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾

[ سورة الضحى : 5]

﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ﴾

[ سورة العنكبوت : 5 ]

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾

[ سورة العنكبوت :69 ]

 يطمئنك الله عزَّ وجل . .

﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾

[ سورة التوبة : 21 ]

 إذا أردت أن تنفرج أساريرك ، وأن تنطلق نفسك ، وأن تسعد بربك ، فاجعل القرآن حديثاً بينك وبين الله عزَّ وجل .

(( لا يحزن قارئ القرآن ))

[ الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال ]

 وحينما يجلس المؤمن ، ليقرأ القرآن ، فكأنه يطلب من الله عزَّ وجل أن يفرِّج عنه، لذلك يهديه الله إلى آياتٍ تفرج عنه .

 

من جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛

(( ولا يعذب الله قلباً وعى القرآن ))

[ من الجامع الصغير عن أبي أمامة ]

(( ومن جمع القرآن - هذه أكبر ضمانة - متعه الله بعقله حتى يموت ))

[ الديلمي عن أنس]

 فليس هناك خرف ، لا يمكن أن يخرف مؤمن لأنه يقرأ القرآن .

(( ومن جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))

[ من الجامع الصغير عن أنس]

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( اقرأ القرآن ما نهاك ، فإن لم ينهك فلست تقرؤه ))

[ من الجامع الصغير عن ابن عمرو ]

 أنت إذاً لا تقرأ كلام الله ، إذا كنت أنت في واد والقرآن في واد فأنت لا تقرأ هذا القرآن . . و :

(( ما آمن بالقرآن ما استحلَّ محارمه ))

[ من الجامع الصغير ]

 و . .

(( ربَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه ))

[ ورد في الأثر]

 هذا الذي يتلوه وعمله في وادٍ آخر كأن القرآن يلعنه .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـَن أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

شهر رمضان شهر الإنفاق :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ معذرة لقد أطلت عليكم ، وبقي عندنا موضوعٌ قصيرٌ جداً وهو أن هذا الشهر الكريم شهر الإنفاق أيضاً . وقد حضر إلى مسجدنا أربع جمعيات ؛ جمعية الصالحية ، وجمعية القنوات الخيرية ، وجميعة الشيخ محي الدين ، وجمعية الرعاية الخيرية لدار الأيتام ، هذه الجمعيّات كما هي العادة كل عام تأتي إلى هذا المسجد ولها أملٌ كبير أن يكون العطاء سخياً ، والله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي :

(( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))

[ متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 و . .

(( أنفق بلال ، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))

[ رواه الطبراني عن ابن مسعود ]

 فلعل الله سبحانه وتعالى يلهمكم أن تدفعوا شيئاً من زكاة أموالكم ، إلى هذه الجمعيات التي تعنى بالفقراء ، والمحرومين ، والمساكين ، واليتامى ، والأرامل ، هذا أصبح اختصاصاً ، إن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر مَن أحسن عملاً ، والقول المعروف : " ما عبد الله بأفضل من جبر الخواطر " وهذا شهر فضيل ، شهر الإكرام ، شهر الإحسان ، شهر البذل ، شهر العطاء ، أربع جمعياتٍ تنتظر أعطياتكم ، لعل الله سبحانه وتعالى يحفظ أولادكم ، وأهلكم ، وصحتكم ، وأموالكم من كل مكروه .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018