الخطبة : 0455 - مولد الرسول صلى الله عليه وسلم 6 - زعامته - من شمائله. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0455 - مولد الرسول صلى الله عليه وسلم 6 - زعامته - من شمائله.


1993-10-01

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

معرفة سُنة النبي القولية و العملية فرض عين على كل مسلم :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لازلنا في الحديث عن شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ونحن في شهر المولد ، فالنبي عليه الصلاة والسلام جمع الفضائل كلَّها ، وجمع الكمالات كلها، وكان الإنسان الكامل الذي جعله الله بحقٍ قدوةً لنا .
 تحدَّثنا في خطبٍ سابقة عن جانبٍ من جانب كمالاته وهو أصول بناء نفوس أصحابه ، وتحدثنا عن عبادته صلى الله عليه وسلَّم ، وتحدثنا عن موضوعاتٍ كثيرة متعلِّقةٍ بشمائله وأخلاقه ، وذكرت لكم مراراً أن معرفة سُنة النبي القولية فرض عين ، ومعرفة سنة النبي العملية - أي سيرته - فرض عينٍ أيضاً ، لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نأخذ عنه توجيهاته، وأمرنا أن نقتدي به .
 وذكرت لكم أيضاً أن النبي عليه الصلاة والسلام يمثِّل أعلى فهمٍ لكتاب الله ، وسيرته تجسيدٌ لهذا الفهم ، فإذا أردتم تفسيراً عملياً لكتاب الله فاقرؤوا سيرة النبي عليه الصلاة والسلام .

 

زعامته صلى الله عليه و سلم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ جانبٌ آخر من جوانب شخصية النبي عليه الصلة والسلام " زعامته " .
 أيها الأخوة ؛ كما ذكرت في درسٍ سابق ، وفي خطبةٍ سابقة ، من أن كل إنسانٍ بشكلٍ أو بآخر قد ولاَّه الله أمر فئةٍ من الناس ، والحد الأدنى هو الأب الذي ولاَّه الله أمر أبنائه ، معلِّم المدرسة ، ضابطٌ في قطعةٍ عسكرية ، موظفٌ كبير تحت يده عشرات الموظَّفين ، ما منا واحدٌ إلا وقد ولاَّه الله أمر فئةٍ من الناس ، فهو شاء أم أبى زعيمٌ على هؤلاء ، قائدٌ لهم ، في موطن القيادة ، والتوجيه ، وإصدار الأمر ، والفصل بين المتخاصمين ، فمنصب الزعامة منصبٌ متكرِّر في حلقاتٍ دنيا وحلقاتٍ كُبرى ، فإذا عرفنا كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام زعيماً ، كيف كان قائداً ، كيف كان في موضع الحُكْمِ ، وموضع الفَصْلِ ، وموضع القيادة تعلَّمنا منه الشيء الكثير ، قال عنه كُتَّاب السيرة : " كان عليه الصلاة والسلام يُحَسِّن الحسن ويقوِّيه ، وكان يقبِّح القبيح ويوهِّنه- أي يضعفه - كان معتدل الأمر غير مختلف - أي بعيد عن التطرُّف – "
الحق وسطٌ بين طرفين ، والفضيلة وسطٌ بين طرفين ، والاعتدال سمةٌ أساسيةٌ من سمة هذا الدين الحنيف ، وقد عبَّر عنها بعض العلماء بالوَسَطِيَّة ، وقد أكَّدوا ذلك بقوله تعالى :

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾

[ سورة البقرة :143 ]

 فكان عليه الصلاة والسلام بعيداً عن التطرُّف ، كان معتدل الأمر غير مُخْتَلِف ، لكل حالٍ عنده عتاد ؛ أي لكل حالٍ موقفٌ خاص ، لكل حالٍ استعدادٌ خاص ، لكل حالٍ تصرفٌ خاص ، وهذا ما عبَّر عنه العلماء بالحكمة ، أن تفعل الشيء المناسب في الوقت المناسب ، بالقدر المناسب ، مع الشخص المناسب . كان عليه الصلاة والسلام من خصائص قيادته الحكيمة أنه لكل حالٍ عنده عتاد . كان يليه من الناس خيارُهُم ، وأفضلهم ، وأعظمهم عنده منزلةً أحسنهم أخلاقاً ، كان لا يقرِّب إلا من كان ذا خلقٍ حسن ، لأن أقرب الناس إليه قد يوصف بهم ، وقد يحبُّه من يحبه من خلالهم ، فكان يقرِّب أصحاب الأخلاق الحسنة لأنهم مرآةٌ لهم ، ولأنه من خلالهم يتعرَّف الناس إليه .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ كان يجلس حيث ينتهي به المجلس ، فزعامته لم تأتِ من قوَّته بل أتت من فضائله ، وفرقٌ كبيرٌ جداً أن تأتي الزعامة من القوة وبين أن تأتي من الأخلاق الفاضلة ، كان يخالط أصحابه ، وكان كل واحدٍ منهم يظن أنه أقرب الناس إليه ، وكان يصبر ويصابر ، أي يصبر على جفوة القوم ويأمر أصحابه بالصبر ، والصبر علامةٌ أساسيةٌ من علامة القيادة الناجحة ، لأن الأتباع مختلفون في أمزجتهم ، في تصرُّفاتهم ، في مواقفهم ، في حُسْنِ فَهْمِهِم ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يصبر ويصابر .
 كان أيها الأخوة ، كان ذا إشعاعٍ قوي ، هذا الإشعاع الروحي القوي كان يؤثِّر به في خصومه قبل أتباعِه ، هذا الإشعاع الروحي القوي أساسه عفَّته ، وزهده ، وتواضعه ، وبساطته ، البساطة ، والزهد ، والتواضع ، والعفَّة ، والاستقامة تعطيان الإنسان قوةً في التأثير ، وقوةً في الجَذب ، وقوةً في الإشعاع .
أوتي الصبر الطويل على المكاره المتصلة ، أي لم تلن له قناة ، لم تضعف له عزيمة ، لم يخضع أمام العقبات ، لم يستسلم ، لم ييئس ، قوة الشكيمة ، وقوة الجَلَد ، وقوة الصبر هذا من خصائص زعامته صلى الله عليه وسلَّم .
 ارتفع بين أصحابه بالفقر والتواضع ، لا بالمال والثراء ، كان يعود المريض ، ويَقْبَل دعوة العَبْد ، ويدعو أصحابه بأحبّ الأسماء إليهم ، ويخفِض جناحه للمؤمنين ، وهو سهلٌ في أخذه وعطائه ، وكان الأعرابي يدخل عليه فيناديه باسمه مُجَرَّداً ، يقول : يا محمد ، فيحلم عليه ، ويعطف عليه ، وبلغ من بساطته صلى الله عليه وسلَّم أن الداخل عليه لا يعرف أين هو فيقول : أيُّكم محمد ؟ فكل هذه القوة التي آتاه الله إيَّاها ، كل هذا التأثير الذي منحه الله إيَّاه ، كل هذا الإشعاع الروحي الذي كان يؤثِر في قلوب أعدائه كان بسبب تواضعه ، وبساطته ، وعفَّته ، واستقامته ، وصبره ، وإيثار أن يكون مع المساكين على أن يكون مع الأقوياء المُتَنَفِّذين.
 أيها الأخوة الكرام ؛ أوتي النبي عليه الصلاة والسلام قوةً كبيرةً في الجمع بين المتضادَيْن ، في الجمع بين الأَوْسِ والخَزْرَج ، آخى بين المهاجرين والأنصار ، كان يوحِّد ولا يفرِّق ، يجمع ولا يفرِّق ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " ليس منَّا من فرَّق ".
 أيْ أنَّ هذا الذي يفرِّق بين الناس ، يقيم بينهم العداوة وبالبغضاء ، يُشَتِّتهم ، يعمِّق الهوة بينهم ، هذا لا يستحق أن يكون زعيماً لهم ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أوتي قوة الـتأليف ، قوة الجمع ، قوة التقريب .

 

التنظيم و المساواة و مكارم الأخلاق خصائص أساسية في قيادته :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كان من خصائص قيادته التنظيم ، فكان الثلاثة من أصحابه إذا خرجوا في سفرٍ أمَّر عليهم أحدهم ، لأنه كان عليه الصلاة والسلام يعتقد أن الإمام يَجْمَع ، وأن الأمير يجمع ، وأن إمارة الأمير ولو لم تكن كاملةً أفضل من التفرقة ، وأفضل من التشتت ، والتبعثر ، والتفرُّق .
وقد أوتي النبي عليه الصلاة والسلام قدرةً فائقةً على احتمال التكذيب ، والافتراء ، والإيذاء في رحابة صدرٍ ، وضبط أعصاب ، ما من دعوةٍ خالصةٍ ، صحيحةٍ ، دعوةٍ إلى الله ورسوله إلا وتجابه بالخصوم الأَلِدَّاء ، إلا وتجابه بالتكذيب ، تجابه بالافتراء ، تجابه بالمقاومة ، فما لم يكن الداعية إلى الله عزَّ وجل ذا أعصابٍ متينة ، وذا قوةٍ في التحمل على إيذاء الخصوم، وعلى التكذيب ، والسخرية ، فإن دعوته سريعاً ما تنهار .
 أيها الأخوة الكرام ؛ كان عليه الصلاة والسلام يحب المساواة ويكره التمييز ، فحينما كان قائداً في معركة بدر سوَّى نفسه مع أقلِّ جنديٍّ في المعركة ، وهذا من لوازم قيادته ، وحينما كان مع أصحابه في سفر سوَّى نفسه معهم حينما قال : وعليَّ جمع الحطب .
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ مرَّةً ثانيةً وثالثة : مكانته صلى الله عليه وسلَّم التي كانت في أعلى مكان ، لم يستمدها من قوته ، ولا من كثرة التجمع حوله ، ولكنه استمدَّها من مكارم أخلاقه ، فأنت بإمكانك أن تملك الأبدان بقوتك ، وبإمكانك أن تملك القلوب بكمالك ، فقيادة النبي عليه الصلاة والسلام وزعامته مبنيةٌ على كمالاته ، فبكماله مَلَكَ القلوب ، وحينما مَلَكَ القلوب ملك معها الأبدان .

 

الحكمة من استشارته لأصحابه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كان عليه الصلاة والسلام يستشير أصحابه ، وفي استشارة أصحابه تعليمٌ لنا ، لأن الإنسان إذا سأل من حوله استعار عقولهم ، وإن لم يستعر عقولهم ألَّف قلوبهم ، في كلا الحالتين هو رابح ، إما أن يستعير عقولهم ، وإما أن يؤلف قلوبهم ، وإما أن يجعلهم ينعطفون عليه بالحب والإكرام ، لأن الذي يستشير الآخرين يحظى بمكانةٍ عَلِيَّةٍ عندهم ، لأن الله سبحانه تعالى قال :

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 ووصف المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام في معركة بدر نزل منزلاً ، والوحي الذي يأتيه من السماء لم يرشده إلى الموقع المناسب ، واجتهد عليه الصلاة والسلام فاختار مكاناً ، فجاءه صحابيٌ جليل اسمه الحُباب بن المنذر ، وقال : "يا رسول الله - أدبٍ ما بعده أدب ، وإخلاصٍ ما بعده إخلاص ، وغيرةٍ ما بعدها غيرة - أهذا الموقع الذي اخترته وحيٌ من السماء أم هو رأيٌ ومشورةٌ ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : بل هو الرأي والمشورة، فقال هذا الصحابي الجليل : هذا الموقع ليس بموقع ". واختار للنبي عليه الصلاة والسلام موقعاً آخر قُرْبَ الماء ، فما كان منه صلى الله عليه وسلَّم إلا أن انصاع لهذه النصيحة وأمر القوم أن ينزلوا هذا المنزل .
 هذه القصة ترد في كُتُب السيرة ، ولكن ماذا نستفيد منها ؟ نستفيد منها أشياء كثيرة : شاءت حكمة الله جل جلاله أن يختار النبي موقعاً و هناك موقعٌ أفضل منه ، حجب الله عنه الوحي ، وحجب عنه الله سبحانه وتعالى الاجتهاد الصائب ، فاختار النبي باجتهاده هذا الموقع ، وبيَّن هذا الصحابي الجليل ، عَبَّرَ عن أدبه الجَمّ ، وعن إخلاصه الشديد ، وعن غيرته التي لا حدود لها ، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام : أهذا المكان موقعٌ أنزلك الله إياه بالوحي؟ قال : لا بل هو الرأي ، فما كان من هذا الصحابيُّ الجليل غيرةً منه على نجاح المعركة إلا أن قال للنبي عليه الصلاة والسلام : " يا رسول الله هذا ليس بموقع ".
 ما موقف النبي ؟ وقف الموقف الكامل حينما تُسدى إليه النصيحة المخلصة ، وقف الموقف الكامل حينما أصغى إلى صحابيٍ امتلأ قلبه غيرةً ، وإخلاصاً ، وحرصاً على النصر ، وكان بهذا قدوةً لكل عالمٍ وداعيةٍ من بعده إلى يوم القيامة .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ والله الذي لا إله إلا هو ، لو درستم سيرة النبي عليه الصلاة والسلام دراسة تأمُّلٍ ، وتمحيصٍ ، واستنباطٍ للحقائق الأساسية التي يمكن أن تُستنج من مواقفه صلى الله عليه وسلَّم ، وحاولتم تطبيقها في حياتكم العملية ، في بيوتكم ، في أماكن عملكم ، لبلغتم قِمَّةَ النجاح ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام جعله الله كاملاً ، وعصمه عن كل نقصٍ حتى في الموطن الذي تظن أنه لم يختر الأولى ، بعدم اختياره الأولى وقف الموقف الأولى ، وقف وعلَّم أصحابه ، وعلَّم أمَّته من بعده كيف يُصغَى إلى النُصح المخلص ، كيف يُصغى إلى الغيرة والمشورة الصادقة .

 

من طبق سنة النبي في حياته فلن يعذب أبداً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لازلنا بخير ، قال الله عزَّ وجل :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

[ سورة الأنفال :33 ]

 احتار علماء التفسير في هذه الآية ، بعضهم قال : ما دام النبي عليه الصلاة والسلام بين ظهراني أمَّته فلن يعذبهم الله عزَّ وجل . وبعضهم قال :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

[ سورة الأنفال :33 ]

 أيْ أنَّ سنَّتك إذا كان قائمةً في حياتهم فلن يُعذَّبوا ، وتوجيه هذا وتعليله سهلٌ جداً لأن سنة النبي عليه الصلاة والسلام تبيانٌ لمنهج الله عزَّ وجل ، منهج الله من عند خالق الكون، المنهج الذي جاء به القرآن تعليماتُ الصانع ، توجيهات الخالق ، أمر الخبير ، نهي الخبير ، والنبي عليه الصلاة والسلام بيَّن ، وفصَّل ، وحدَّد ، ووضَّح ، فسنَّته بحقٍ كما قال الله عزَّ وجل بيانٌ للقرآن الكريم . .

﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾

[ سورة النحل : من آية " 44 ]

 فما معنى اتباع سُنة رسول الله ؟ معناه اتباع منهج الله ، ومن طبَّق منهج الخبير، ومن طبَّق توجيهات الصانع ، ومن طبَّق أمر الخالق فإنه لا يخيب ، ولا يشقى ، ولا يضِل .

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

[ سورة طه: 123 ]

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[ سورة البقرة : 38]

 أيها الأخوة الكرام ؛ كان يشاور أصحابه ، وفي مشاورة أصحابه تعليمٌ لكل القادة من بعده . وشيءٌ آخر : كان يؤلِّف قلوبهم بهذه المشاورة ، فما من إنسانٍ في موضع المسؤولية إلا ويحتاج إلى ولاء أتباعه ، إلى قلوبهم ، إلى مَيْلِهِم له ، وبهذه المشاورة يكتسب هذه القوة في الانجذاب إليه ، وهذه من ألزم لوازم القيادة .

 

قيادته عليه الصلاة والسلام تقوم على النظام والاختيار والعَزم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كانت قيادة النبي عليه الصلاة والسلام تقوم على النظام والاختيار والعَزم ، فحينما أرسل غزوةً أمَّر عليهم أحد أصحابه ، فإذا قُتِل ففلان ، فإذا قُتِل ففلان ، فإذا قُتِل فلتختاروا أنتم قائداً لكم .
 أي أنَّ هذه الاحتمالات التي طرحها النبي عليه الصلاة والسلام ، وتلك التنظيمات التي أشار إليها هو تعليمٌ لنا أيضاً ، إذا أردت أن تقوم بعمل يجب أن تعد له عدَّته الكاملة ، يجب أن تغطي كل الثغرات ، يجب أن تحتمل كل الاحتمالات ، يجب أن تُعِدَّ لكل شيءٍ مفاجئٍ خطةً مناسبةً ، هكذا فعل عليه الصلاة والسلام في معركة مؤتة ، حينما أمَّر أصحابه ؛ زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، والصحابيَّ الجليل الذي كان شاعراً هو عبد الله بن رواحة أمَّره كأميرٍ ثالث ، فلما قُتل الأول ، وقُتِلَ الثاني ، جاء القائد الثالث وأخذ الراية وأنشد بيتين فقال :

يا نفسُ إلا تُقْـتَلي تمـوتي  هذا حمام الموت قد صليتِ
إن تـفعلي فعلهما رضيـت  وإن توليـــــت فقد شــقـيـــــتِ
* * *

وقاتل حتى قُتِل .

 

خصائص قيادته الحكيمة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كان عليه الصلاة والسلام من خصائص قيادته الحكيمة أنه كان يعرف لكل صحابيٍّ قُدراته وإمكاناته ، وكان يضعه في الموقع المناسب . . ـ فسيدنا عبد الله بن جحش كان أقدر الصحابة في السرية على الجوع والعطش ، أمَّره عليهم . سيدنا أبو بكرٍ الصديق أمَّره في موسم الحج لأن كان أصبر الناس ، وأفسحهم صدراً على تحمُّل مشاق السفر. عثمان بن عفان جعله سفيراً لقريش ، لأنه كان أقرب أصحابه إلى قريش ، وأقدرهم على التفاهم معهم . سيدنا العباس أمره أن ينادي في الناس في بعض المعارك - في معركة حنين- فكان أعلى أصحابه صوتاً ، وأقدرهم على جذب الآخرين . وسيدنا عليٌّ كرَّم الله وجهه كان أقرب الناس نسباً إلى رسول الله فكان يمثله في بعض المواقف . إذاً أن تضع الإنسان المناسب في المكان المناسب هذه من خصائص قيادة النبي عليه الصلاة والسلام .
 ومن خصائص قيادة النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما تردَّد قط ، لبس درعه في معركة أحد ليلقى العدو خارج المدينة ، فتردد أصحابه ؛ بعضهم رأى أن يبقى في المدينة ، وبعضهم رأى أن يخرج إليهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : " لا ينبغي لنبيٍّ لبس درعه أن يضعها حتى يقاتل ".
 علَّمنا عليه الصلاة والسلام أن التردد خطيرٌ جداً في موطن القيادة ، فتردُّد القائد قد يودي بجنده . وعلَّمنا أيضاً في قيادته صلى الله عليه وسلم ألا نستعين بمشركٍ على مُشرك ، انضم إلى جيش المسلمين في بعض المعارك رجلٌ مشرك كان شجاعاً جداً ، وقد فرح به المسلمون ، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلَّم ردَّه وقال :

((لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك ))

[ من نصب الراية ]

 وهذا درسٌ بليغ يجب أن نضعه بين أعيننا . وحينما طالبه بعض أصحابه أنْ يجعله على ولايةٍ ، قال عليه الصلاة والسلام : " إنا لا نستعمل على عملنا من أراده " من أراده وألحَّ عليه ، يبدو أنه يطلب منه الدنيا ، لا ثواب الله ولا تحقيق رسالته .
 وحينما أَمَّرَ بعض أصحابه على سريةٍ ، أَمَرَهُ ألا يستكره أحداً على المضي معه لأن الإنسان إذا تحرَّك بقناعاته وبمبادرةٍ منه أعطى كل ما عنده ، أما إذا أكرهته على عمل فإنه لا يعطيك شيئاً ، وهذا أيضاً من دروسه التي علَّمنا إيَّاها صلى الله عليه وسلَّم .
 وحينما أرسل سيدنا عثمان بن عفان إلى أهل مكة في الحديبية ، ليتفاهم مع أهلها على دخول النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته معتمرين ، وأذيع أنه قُتِل ، وقف عليه الصلاة والسلام تحت ظل شجرة الرضوان وقال :

((لا نبرح هذا المكان حتى نناجز القوم))

[ مختصر تفسير ابن كثير ]

 فبايعه المسلمون واحداً واحداً ، وفيهم نزل قوله تعالى :

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾

[ سورة الفتح : 18 ]

 فما كان منه صلى الله عليه وسلَّم إلا أن ضرب كفَّه اليسرى بكفه اليمنى وقال : هذه بيعة عثمان ، ما غفل عن عثمان ، وما نسي أن عثمان في مهمة ، وما أراد أن يضيع على عثمان شرف البَيْعة ، ولا ثواب التضحية ، وهو في سفارته مع القوم ضرب عليه الصلاة والسلام كفه اليمنى بكفه اليسرى وقال : هذه عن عثمان .

 

الإطلاع على الشيء قبل رفضه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مرَّ الطُفيل بن عمرو الدوسي بمكة ، فسعى إليه بعض وجوه قريش ، فقالوا له : إن محمداً فرَّق جماعتنا ، وشتَّت شملنا ، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ، فلا تكلمه ولا تسمع منه شيئاً . قال : فغدوت إلى المسجد ، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلَّم قائمٌ يصلي عند الكعبة ، فقمت منه قريباً ، فأبى الله إلا أن يسمعني منه بعض قوله ، فسمعت منه كلاماً حسناً فقلت لنفسي : إني رجلٌ لبيب شاعر ، ما يخفى عليَّ الحَسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ؟ وفي بعض الروايات أن هذا الرجل الذي كان زعيم قومه وضع القطن في أذنيه مخافة أن يسمع كلامه صلى الله عليه وسلَّم .
 قال هذا الرجل : فمكثت حتى انصرف النبي إلى بيته فتبعته ، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه ، وقلت : يا محمد . . إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا ، فوالله ما برحوا يخوِّفونني أمرك لئلا أسمع قولك ، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك ، فأعرض عليَّ أمرك . فعرض عليه صلى الله عليه وسلم الإسلام ، وتلا عليه القرآن . يقول : فوالله ما سمعت قولاً قط أحسن منه ولا أمراً أعدل منه ، قال : فأسلمت وشهدت شهادة الحق .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هكذا ينبغي أن نستوضح ، هكذا ينبغي أن ندقِّق ، لا ينبغي أن نرفض الشيء قبل أن نسمعه ، لا ينبغي أن نرفض الدعوة قبل أن نطَّلع عليها ، لا ينبغي أن نمزِّق الرسالة قبل أن نقرأها ، لا ينبغي أن نُصِمَّ آذاننا عن الحق ، هناك من يقف موقفاً جامداً ، هناك من يقف موقفاً ليس منطقياً ، هناك من يرفض الشيء قبل أن يقرأه ، يرفض الدعوة قبل أن يقف على دقائقها . هذا الرجل لو أنه استمع إلى قريش ، وأعرض عن سماع قول الحق لبقي كافراً ، وشقي بكفره ، ومات إلى جهنَّم وبئس المصير ، ولكنَّ حرصه على معرفة الحق ، واستيضاحه الأمر ، وسماعه الحق ، واعتقاده أن العقل يميز به الإنسان بين الحق والباطل ، فأقبل على النبي صلى الله عليه وسلَّم ، وهذا سرُّ نجاته وسرُّ إيمانه .

زهده صلى الله عليه و سلم بالدنيا :

 كان عليه الصلاة والسلام فقيراً ، ومع ذلك أعرض عن متاع الدنيا ، وانشغل عنه بما هو أجلُّ وأخطر ، وقد ضرب المثل لذلك للمصلحين والقادة ، كان إغضاؤه عن مطامع المال والثراء أول أسلحة النصر له . دخل المسجد مرةً وكان المال مكدساً ينتظر توزيعه ، فلم يأبه له ، ولم ينظر إليه ، وانشغل بالصلاة حتى أتمَّها ، هذا ماذا يفيدنا ؟ أن المال إذا كان بين يديه ما وصل إلى قلبه .
 أيها الأخوة الكرام ؛

((خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم))

[الترمذي عن سعد ]

 ومرَّةً رأى رجلاً يصلي في المسجد فسأله : من يطعمك ؟ قال : أخي ، فقال عليه الصلاة والسلام : أخوك أعبد منك ، ومرَّةً رأى رجلاً يصلي وكان أصحابه يقدِّمون له الطعام ، فقال عليه الصلاة والسلام : كلكم خيرٌ منه .
 كان في توازن ، فإذا طغى المال عن الحد المعقول ، كان يحارب الغنى عليه الصلاة والسلام ، فإذا اتجه الإنسان إلى الزهد الكامل ، وإلى أن يكون عالةً على الناس ، كان يحارب هذا الاتجاه ، فكان دينه بحقٍ وسطاً بين طرفين ، المال له حَد إذا زاد عليه أصبح الإنسان خادماً له ، هو قوةٌ بيد الإنسان ، لكن الإنسان أحياناً يصبح أداةً طيِّعةً لتنمية المال .
 كان عليه الصلاة والسلام - كما يصفه الواصفون - لم يمتلئ جوف النبي عليه الصلاة والسلام من شيءٍ قط ، وإن كان في أهله لا يسألهم طعاماً معيناً ، ولا يَتَشَهَّاه ، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل ، وما سقوه شرب . أيْ أنه كان أبعد الناس عن شهوة البطن .
 ومن صفاته صلى الله عليه وسلَّم أنه ما اتخذ من شيءٍ زوجين ، ولا قميصين ، ولا رداءين ، ولا إزارين ، ولا زوجين من النِعال ، هكذا كان زهده في الدنيا صلى الله عليه وسلَّم.

 

البطولة الحقيقية أن تملك القلوب بكمالك :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ما لم نقتد بهذا النبي العظيم ، ما لم نقف وقفةً متأنيةً على دراسة سيرته العطرة ، ما لم نستنبط منها المواعظ ، ما لم نستنبط منها الحقائق ، ما لم نأخذ منها القوانين ، ما لم نطبِّق هذه الحقائق في حياتنا . كما قلت في أول الخطبة : ما منا واحدٌ إلا وتحت يده أناسٌ قد جعله الله قيِّماً عليهم ، والحد الأدنى الأبُ على أبنائه ، المعلم في صفه، الطبيب في عيادته ، الموظف في دائرته ، صاحب العمل في معمله ، صاحب المتجر في متجره ، صاحب المزرعة في مزرعته ، ما منا واحدٌ إلا وجعله الله قيماً على أناسٍ دونه .
 كيف ينبغي أن يعاملهم ؟ هذه بعض الحقائق ؛ بالزهد ، والتواضع ، والنصيحة ، والحب ، والعدل ، والإنصاف ، وأن يشعر كل من معك أنه أقرب الناس إليك ، وأن يشعر كل من معك أنك مخلصٌ له ، هذه بعض الصفات التي جعلت من النبي عليه الصلاة والسلام يملِك القلوب قبل أن يملك الأبدان .
 وباختصارٍ شديد يمكن أن تملك الأبدان بقوتك ، لكن البطولة الحقيقية أن تملك القلوب بكمالك ، وإذا ملكت القلوب ملكت معها الأبدان ، إذا ملكت الأبدان وحدها خسرت القلوب والأبدان معاً ، إذا ملكت القلوب وحدها ربحت القلوب والأبدان معاً .
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ شيءٌ خطير ، وشيٌ ثمين أن تنتزع ثقة الناس ، وأن تنتزع ولاءهم ، وأن تنتزع حُبَّهم ، وأن تنتزع إخلاصهم ، هذا لا يأتي بكلمةٍ تقولها ، ولا بخطبةٍ تخطبها ، هذا يأتي بالمعاملة اليوميَّة ، يأتي بالمواقف المُتَتابعة ، يأتي بالكمالات المستمِرَّة ، بهذه الطريقة إذا ملكت من حولك ، ووجَّهتهم الوجهة الطيبة فقد نجحت ، وربحت ، وأفلحت ، وحققت الهدف من وجودك .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

مهمة الداعية ليس أن يحكُم على الناس بل أن يتسع قلبه لجفوتهم واعتراضاتهم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من شمائله صلى الله عليه وسلَّم أنه أعطى أعرابياً عطاءً . . فقال : " يا أعرابي أأحسنت إليك ؟ " قال : كلا ولا أجملت . فغضب المسلمون وقاموا إليه ، فأشار صلى الله عليه وسلَّم إليهم أن كفوا ، ثم دخل منزله وأرسل إلى الأعرابي ، وزاده شيئاً ثم قال : " أحسنت إليك ؟ "قال : نعم فجزاك الله من أهلٍ وعشيرةٍ خيراً . فقال عليه الصلاة والسلام: إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيءٌ من ذلك ، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بالأمس بين يدي حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك ، فقال : نعم . فلمَّا كان الغداة جاء هذا الأعرابي . فقال النبي صلى الله عليه وسلَّم : إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضي ، أكذلك يا أعرابي ؟ قال : نعم فجزاك الله من أهلٍ وعشيرةٍ خيراً . الآن دقِّقوا فيما قاله النبي . . فقال عليه الصلاة والسلام :" إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثلٍ رجلٍ كانت له ناقة شردت عليه ، فتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً ، فناداهم صاحب الناقة أن خلوا بيني وبين ناقتي ، فأنا أرفق بها منكم ، وأعلم بما يصلحها منكم ، فتوجه إليها صاحب الناقة بين يديها ، فأخذ من قُمام الأرض- أي طعام حشيش - فردَّها هوناً هوناً حتى جاءت واستناخت ، وشدَّ عليها رحلها ، واستوى عليها . وإني لو تركتكم حيث قال ما قال فقتلتموه دخل النار .

[ تخريج أحاديث الإحياء ]

 هكذا علَّمنا الحلم ، علمنا العطف ، علمنا أن مهمة الداعية ليس أن يحكُم على الناس ، ليس أن يقيِّم الناس ، ليس أن يكون قاضياً عليهم ؛ بل أن يكون مُصْلحاً لهم ، أن يتسع قلبه لجفوتهم ، أن يتسع قلبه لاعتراضاتهم ، أن يتسع قلبه لانتقاداتهم ، هكذا فعل النبي مع هذا الأعرابي الجافي ، وشبَّهه بالناقة ، تبعها أصحابه فزادوها نفوراً ، جاء صاحبها وأخذ من قمام الأرض طعاماً لها ، وجعل يقترب منها ، ويغريها أن تأتي إليه ، حتى جاءت ، وانساقت ، وأناخت ، ورحَّل عليها رحله ، وقضى عليها حاجته .
 أيها الأخوة الكرام ؛ كانت آفاق النبي صلى الله عليه وسلم واسعةً جداً ، فحينما وقعت بنت حاتم طَيّ أسيرةً عنده قال : " إنها ابنة من رفع ذكر العرب في الكرم عالياً "ولم يكن أبوها مسلماً وقت ذلك ، بل أطلق سراحها ، وعفا عنها إكراماً لأبيها ، لأن أباها كان يحب مكارم الأخلاق . هذه نظرةٌ إنسانيةٌ واسعة ، ما كان ضيق النظرة ، وما كان متعصِّباً . " إن أباها كان يحب مكارم الأخلاق ، وقد رفع اسم العرب عالياً بكرمه الذي كان مضرب المثل " كرمٌ حاتمي ، قالت : أنا بنت حاتم طي ، فأطلق سراحها ، ودعت للنبي عليه الصلاة والسلام .

 

توليه الحراسة في المعارك من ملامح زعامته صلى الله عليه و سلم :

 من ملامح زعامة النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يحرس بنفسه ثلمةً في الخندق ، في معركة الخندق قائد الجيش تولى الحراسة - والحراسة كما تعلمون أقل عملٍ في الجيش- كان يحرس بنفسه ثلمةً في الخندق ، فإذا آذاه البرد دخل خيمته قليلاً فتدفأ ثم عاد إلى مهمته يحرسها ، إذا رآه الجنود ماذا يحدث في نفوسهم ؟ إذا رأوا النبي عليه الصلاة والسلام يقوم بنفسه بأدق مهمةٍ وبأشق مهمةٍ وهو معهم في الخندق ؟ كان عليه الصلاة والسلام يخشى على معنويات أمته ، فحينما غدرت به بنو قريظة ، وخانت العهد ، وحينما انكشف ظهر النبي ، ما أراد أن يحكم عليهم حُكْمَاً إلا بعد التحقيق ، فقد أرسل أحد أصحابه ليستطلع له الخبر ، وقال : إذا رجعت فالحن لي لحناً أعرفه . لئلا يفشو الخبر بين أصحابه فتضعف معنوياتهم ، قال : الحن لي لحناً أعرفه . ليبقى هذا النقض بالعهد ، وهذه الخيانة سراً بين النبي وبين هذا الذي استطلعه الأمر ، فلما عاد قال كلمةً عرفها النبي أنهم فعلاً غدروا وخانوا .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مرةً ثانية : حقيقة الاحتفال بعيد المولد مزيدٌ من معرفته صلى الله عليه وسلَّم ، لأن معرفة هذه السنة القولية والعملية فرض عينٍ على كل مسلم ، فإذا عرف السنة وطبَّقها سعد بها ، وإذا عرف القدوة واقتدى بها سعد بها ، وإذا سعد بالنبي فقد سعد بهذا الدين العظيم ، لأن محبة النبي ، ولأن اتباع النبي فرعٌ من محبة الله وطاعته . وقد قال بعض علماء التفسير : " لما كثر مدَّعو محبة الله عزَّ وجل طُولِبوا بالدليل " ، ما الدليل ؟..

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾

[ سورة آل عمران : 31 ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018