الخطبة : 0122 - الميزان - الحمام الزاجل . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0122 - الميزان - الحمام الزاجل .


1986-03-28

الخطبة الأولى:

 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي خلق السـماوات والأرض وجعل الظلمات والنور .
 الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا .
 الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
 الله سبحانه وتعالى في بعض الأحاديث القدسية يقول : يا دنيا ما أهونك على الأبرار الذين تصنعت لهم وتزينت ، إني قذفت في قلوبهم بغضك ، والصدود عنك ، وما خلقت خلقاً أهون علي منك ، كل شأنك صغير ، وإلى الفناء يصير ، قضيت عليك يوم خلقتك ، ألا تدوم لأحد وإن بخل بك صاحبك وشح عليك .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر .
 يقول الله سبحانه وتعالى يا أيها الذين أمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحة ، أمر إلهي مستمر أن توبوا إلى الله توبة نصوحة .
 وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ، قال في بعض وصاياه : أقلل من الشهوات يسهل عليك الفقر ، وأقلل من الذنوب يسهل عليك الموت ، وقدم مالك أمامك يسرك اللحاق به ، واقنع بما أوتيته يخف عليك الحساب ، ولا تتشاغل بما فرض عليك عما ضمن لك ، إنه ليس بفائتك ما قسم لك ، وليس بلاحق ما زوي عنك ، ولا تكن جاهداً فيما يصبح نافذاً ، واسعَ لملك لا زوال له في منزل لن انتقال منه ، هذه وصية النبي عليه الصلاة والسلام .
 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين .
 الإمام علي كرم الله وجهه يقول : قوام الدين والدنيا أربعة رجال عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنيا غيره .
 وقال علي كرم الله وجهه : الغنى والفقر بعد العرض على الله .
 اللهم اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا .

الميزان :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في كتاب الله بضعة آيات كريمة وردت فيها كلمة الميزان .

الآية الأولى :

 من هذه الآيات في سورة الرحمن :

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾

[ سورة الرحمن الآيات : 7 ـ 9 ]

الآية الثانية :

 من هذه الآيات أيضاً :

﴿ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ﴾

[ سورة الشورى الآية : 17 ]

 فماذا تعني كلمة الميزان في هذه الآيات ، وفي غيرها من الآيات ؟

 

المعنى الأولى : الميزان هو الشرع .

 أيها الإخوة الأكارم ؛ بعض المفسرين قالوا :
 الميزان هو الشرع الذي يقاس به أعمال الخلائق .
 كيف نحكم على إنسان بفعله أن هذا الفعل حرام أو حلال ، حق أو باطل ، خير أو شر ، لا بد من مقياس ، لا بد من ميزان ، الله سبحانه وتعالى حينما خلق الخلق ، خلق لهم ميزان يقيسون به أعمالهم ، الميزان هو الشرع .

المعنى الثاني : الميزان هو القرآن .

 وبعض العلماء قالوا :
 الميزان هو القرآن الكريم ، الذي أخذ منه الشرع .

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة فاطر الآية : 1 ]

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

[ سورة الكهف الآية : 1 ]

 خلق الخلق وهداهم إليه ، له عليهم نعمة الإيجاد ، وله عليهم نعمة الإمداد ، وله عليهم نعمة الإرشاد .

المعنى الثالث : الميزان هو العقل .

 المعنى الثالث للميزان : أن الله سبحانه وتعالى حين خلق السماوات والأرض زود الإنسان بجهاز عظيم ، إذا أعمله عرف الحقيقة ، ألا وهو العقل .

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا ﴾

 ما قيمة السماء ؟ لولا أن الله سبحانه وتعالى زود الإنسان بجهاز يتعرف إلى الله من خلالها .
 وما قيمة العقل إن لم يكن هناك سماء تدل على عظمة الله .
 الكون والعقل شيئان متلازمان متكاملان ، لا يصلح أحدهما من دون الآخر .

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا ﴾

 تلك المجرات ، تلك الكواكب ، تلك النجوم ذات الأحجام الكبيرة ، والمسافات الشاسعة بينها ، كيف تعرفنا إليها ؟ عن طريق الفكر الذي زودنا الله فيه ، فهناك تلازم ، هناك تكامل ، الكون وحده شرط لازم غير كافٍ ، والفكر وحده شرط لازم غير كافٍ ، لا بد من تضافر الكون الذي هو تجسيد لأسماء الله الحسنة ، مع الفكر الذي هو جهاز دقيقٌ دقيق نتعرف به إلى الله سبحانه وتعالى من خلال الكون .

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾

 مَا وَسِعَنِي سَمَائِي وَلاَ أَرْضِي ، وَلَكِنْ وَسِعَني قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ ، خلقت السماوات والأرض من أجلك فلا تتعب ، وخلقتك من أجلي فلا تلعب ، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك .
 خلق الخلائق لتسعد ببعضها ، وخلق الإنسان ليسعد بربه .

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾

 والآية الثانية :

﴿ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ﴾

 الكتاب وحده شرط لازم غير كافٍ ، ولكن الفكر الذي زودنا الله به نتعرف به إلى الكتاب ، وكأن في الكون كتابين ، الكون كتاب والقرآن كتاب ، الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، وربما يضاف على هذا ، وأن في معاملة الله لعباده حينما يثيب محسنهم ، ويعاقب مسيئهم مصدر ثالث للحقائق ، إما أن تتعرف إلى الله من خلال الكون ، هذا مصدر كبير .

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة يونس الآية : 101 ]

 وإما أن تتعرف إلى الله من خلال القرآن الكريم .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 107 ]

﴿ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 109 ]

 وإما أن تتعرف إلى الله من خلال أفعاله مع العباد .

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 11 ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الميزان : القرآن . الميزان : الشرع . الميزان : الــعقل .

 

المعنى الرابع : الميزان هو العدل .

 وقد أضاف بعضهم على هذه المعاني معناً رابعاً فقال : الميزان هو العدل ، لأنه أداة العدل .

﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾

 الله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي :

(( أول ما خلق الله العقل قال له : أقبل فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر ثم قال الله عز وجل : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك ، بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب ))

[ أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي أمامة وأبو نعيم من حديث عائشة بإسنادين ضعيفين ]

 قال عليه الصلاة والسلام :

(( قوام المرء عقله ، ولا دين لمن لا عقل له ))

[ البيهقي عن جابر‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

 ‏تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتا ، إن الرجلين ليستوي عملهما وبرهما وصومهما وصلاتهما ، ولكنهما يتفاوتان في العقل كالذرة في جنب أحد ، وما قسم الله لخلقه حظا هو أفضل من العقل واليقين .
 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ إذا أعملت عقلك سعدت في الدنيا والآخرة ، ‏وإذا عطلته ، أو أسأت استخدامه شقيت في الدنيا والآخرة .

﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة غافر الآية : 82 ]

﴿ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾

[ سورة غافر الآية : 58 ]

﴿ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة يس الآية : 68 ]

﴿ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 50 ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ لا عقل كالورع ، أرجحكم عقلا أشدكم لله حباً ، عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارق ، وأعمل ما شئت فإنك مجزي به .

الخلاصة :

 آيتان الأولى في سورة الرحمن والثانية في سورة الشورى :

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾

 إما أن الميزان مقياس الشرع ، لا ينبغي لك أن تفعل ما تشاء ، لست حراً ، إنما أنت عبد لله عز وجل .

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

[ سورة الأحزاب الآية : 36 ]

﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾

[ سورة النساء الآية : 65 ]

 لا بد من إعمال العقل ، لا بد من قياس عملك بهذا الشرع الحنيف .

إلى متى أنت باللذات مشغول  وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
***
تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال بديـــع
لو أن حبك صادق لأطعتـه  إن المحب لمن يحب يطيـــع

 القرآن بين أيدينا ، القرآن في متناولنا .

﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾

[ سورة القمر الآية : 17 ]

 أقر كتاب الله ، واقس عملك به ، إن قال الله عز وجل :

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

[ سورة النور الآية : 30 ]

 هل أنت كذلك .

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾

[ سورة البقرة الآية : 276 ]

 أين أنت من هذه الآية .

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 58 ]

 أين أنت من هذه الآية .

﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

[ سورة النحل الآية : 127 ]

 أين أنت من هذه الآية .

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾

[ سورة الطور الآية : 48 ]

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا يخرف قارئ القرآن ))

[ رواه ابن عساكر في تاريخه عن أنس ابن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ورواه عنه أيضاً أبو نعيم والديلمي ]

(( من جمع القرآن ، متعه الله بعقله حتى يموت ))

[ رواه ابن عدي عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ تصحيح السيوطي : ضعيف‏ ]

 أيها الإخوة الأكارم ؛ من الخطب البليغة التي خطبها النبي عليه الصلاة والسلام هي : عن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ قال : خطب رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في خطبته فقال : أيها الناس : إنه لا خير في العيش إلا لعالم ناطق ، أو مستمع واعٍ .
 لا خير في العيش ، كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ، ولا تكن الخامسة فتهلك ، لا خير في العيش إلا لعالم ناطق ، قد يكون العالم ساكتاً ، لا خير في هذا العلم ، لا خير إلا في العلم الذي ينشر ، لا خير إلا في العالم الذي ينطق بالحق .

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ﴾

[ سورة الأحزاب الآية : 39 ]

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

[ سورة فصلت الآية : 33 ]

﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾

[ سورة البقرة الآية : 124 ]

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ﴾

[ سورة السجدة الآية : 24 ]

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة يس الآية : 20-21 ]

 لا خير في العيش إلا لعالم ناطق ، أو مستمعاً واع .
 أيها الناس : إنكم في زمن هدنة ، وإن السير بكم سريع .
 في زمن هدنة نحن ، يعني الكافر يأكل ويشرب ، والمؤمن يأكل ويشرب ، الكافر يسكن بيت ، والمؤمن كذلك ، الكافر يعمل ، والمؤمن يعمل ، نحن في زمن هدنة ، والأيام تطوي بنا سريعاً ، نحن في خمسة أيام ، يوم مفقود ، ويوم مشهود ؛ يومنا هذا ، ويوم موعود ؛ ساعة الموت ويوم مورود ؛ يوم الحساب ، ويوم ممدود .
 اليوم المفقود : لا جدوى من الحديث عنه ، الحديث عنه جهد ضائع .
 اليوم الممدود : هو الأبد ، إما في جنة يدوم نعيمها ، أو في عذاب لا ينفذ ، ولكن هذا اليوم الممدود ، مبنيٌ على أيام سابقة .
 اليوم الخطير في حياتنا هو هذا اليوم الذي نحن فيه ، يوم مفقود ، ويوم مشهود ، ويوم موعود ، لا بد من الموت ، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت .

الليل مهما طـــال  فلا بد مــن طلوع الـــــفجر
و العمر مهما طـال  فلا بد من نزول الـــــــقبر
***
كل ابن أثنى وإن طالت سلامته يوم على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جـنازة  فاعلم بأنك بعدها مـحمول

 أيها الناس : إنه لا خير في العيش إلا لعالم ناطق ، أو مستمع واع أيها الناس : إنكم في زمن هدنة ، وإن السير بكم لسريع .
 كل منا يسأل نفسه هذا السؤال ، كيف مضت هذه الأعوام الأربعون مضت كساعة ، كلمح للبصر ، إن مضت الأعوام الأربعون كلمح للبصر أيا ترى ، ألا يمضي ما تبقى من عمري بهذه السرعة ؟
 وإن السير بكم لسريع ، ولقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد ، الليل والنهار يجعلان الجديد قديم ، والحديث تليدا ، ويقربان كل بعيد ، ويأتيان بكل موعود ، فقال له المقداد يا رسول الله : وما الهدنة ـ أية هدنة هذه ، قال : دار بلاء وانقطاع ـ التعريف المحمدي ، التعريف النبوي للدنيا ـ دار بلاء وانقطاع ـ أما بلاء دار امتحان ، يمتحن الإنسان بصحته ويمتحن بماله ، ويمتحن بزواجه ، ويمتحن بأولاده ، ويمتحن بعمله ويمتحن بقوته ، ويمتحن بضعفه ، ويمتحن بصحته ، ويمتحن بمرضه ويمتحن بغناه ، ويمتحن بفقره ، لا بد من الابتلاء .

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون الآية : 30 ]

 تعريف النبي عليه الصلاة والسلام : دار بلاء وانقطاع ـ قطع سريع ، كل الذي حصل الإنسان في الدنيا يخسره في ثانية واحدة ، أقرب الناس له يتمنى فراقه ، أقرب الناس إليه يتمنى أن يخرج من البيت ويدعي ويقول إكرام الميت ترحيله ، أقرب الناس إليك لا يحب أن يبقى معك في غرفة بعد أن تسلب الروح من الجسد ـ دار بلاء وانقطاع ـ تنقطع عن الدنيا فجأة عن طعامها ، عن شرابها ، عن زوجتك ، عن أولادك ، عن عملك ـ دار بلاء وانقطاع .
 فقال عليه الصلاة والسلام : فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم ، فعليكم بالقرآن ، فإنه شافع مشفع ، وشاهد مصدق ، فمن جعله أمامه ، قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو أوضح دليل إلى خير سبيل ، من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، هذه خطبة للنبي عليه الصلاة والسلام .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام كان يحدث أصحابه كثيراً عن أويس القرني ، وكان سيدنا عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ، وسيدنا علي كرم الله وجهه يبحثان عنه بحثاً حثيثاً ، في أحد مواسم الحج ، كانا في صحراء مكة بالقرب من أبي قبيس ، فشاهدا رجلاً يرع إبلاً ، فسلما عليه ، ثم قالا له : من الرجل ؟ قال : راع إبل وأجير قوم ، قالا : لسنا نسألك عن ذلك ما اسمك ؟ قال عبد الله ، قالا : قد علمنا أن أهل السماء والأرض كلهم عبيد لله ، ما اسمك الذي سمتك به أمك ؟ قال يا هذان : ما تريدان مني قالا : قد وصف لنا رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أويس القرني ، ولقد عرفنا الشهولة والصهوبة ، ثم نظرا إليه ، فأشعرهما أنه أويس القرني فأحسنا السلام والتحية ، وطلبا منه الدعاء والاستغفار ، فقال أويس القرني رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ : ما أخص بالاستغفار أحد ، ولكن للمؤمنين والمؤمنات من أنتما يرحمكم الله ؟ فقال علي : هذا عمر أمير المؤمنين ، وأما أنا فعلي فاستوى أويس القرني قائماً قائلاً : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، السلام عليك يا ابن أبي طالب ، جزاكما الله عن هذه الأمة خيرا ، قال عمر : عظني يا أويس ، وهذا موطن القصة ، وهذا بيت القصيد ، فقال أويس القرني : ابتغي رحمة الله عند طاعته ـ ماذا يفعل المسلمون اليوم يبتغون رحمة الله وهم في معصيته ـ ابتغي رحمة الله عند طاعته ، واحذر نقمته عند معصيته ـ يجب أن تطمع برحمة الله وأنت مستقيم على أمره ويجب أن يمتلئ القلب خوفاً إذا كان في العمل خلل ، أو انحراف ، أو معصية ، أو مخالفة ـ ولا تقطع رجاءك عنه خلال ذلك ، كن راغباً راهباً اعبده خوفاً وطمعاً ، وهتف عمر وقال : لقد حدثنا عنك النبي عليه الصلاة والسلام ، وهو لم يراك ، ولكنه كان يحبك ، ويصفك ويقول إنه أفضل التابعين ، فكيف تتصور النبي يا أويس ، قال : يا عمر لقد كان لكما فضل التمتع والتشرف برؤيته ، وأما أنا فقد حرمت هذا الشرف والفضل ولكنني أتصوره صلوات الله وسلامه عليه ، في بصيرتي ـ لا في بصري ـ على غير ما رأيتم بأعينكم وشاهدتم ، أتصوره نوراً ساطعاً يملئ الفضاء ويسري في الوجود ، أتصوره ورأسه الشريف قاب قوسين أو أدنى من العرش ، وقدمه في مستقر الأرض السابعة ـ عندها بكى عمر وعلي شوقاً للنبي عليه الصلاة والسلام وقال عمر : كيف الزمان عليك يا أويس ؟ قال : كيف هو على رجل ، إن أصبح ظن أنه لا يمسي ، وإن أمسى ظن أنه لا يصبح ، هذه حالة القرب ، إن أصبح ظن أنه لا يمسي ، وإن أمسى ظن أنه لا يصبح ، فقال : كيف بلغت هذه المكانة العليا ، قال : إني أعيش في مقام الخوف ـ رأس الحكمة مخافة الله ـ وهو مقام لا يصير إليه الإنسان حتى يصير من خوف ربه كأنه قتل الناس جميعاً ، عندها ضرب عمر بضرته الأرض ، ثم نادى بأعلى صوته ألا ليت أم عمر لم تلد عمر ، ليتها كانت عقيمة .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ باب البطولة مفتوح على مصرعيه ، أويس القرني لم ير النبي عليه الصلاة والسلام ، ولكنه عرفه وأحبه ، وأي منا أيها الإخوة الكرام يستطيع أن يبلغ مرتبة عليا عند الله بصبره ، وطاعته ، ومحبته ، وتقيده ، وبذله وتضحيته ، وعمله الصالح .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسـبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .
والحمد لله رب العالمين

***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين .

الحمام الزاجل :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ قرأت كلمة وقفت عندها أن الأمير نور الدين الشهيد استخدم البريد الجوي ، حينما كان أميراً على بلاد الشام ومصر .
 خلق الحمام الزاجل ، وقد قال العلماء : إن من الحمام الزاجل ما يزيد عن خمسمئة نوع ، وأن هذا الحمام الزاجل أو حمام الرسائل ، يمتاز بحدة الذكاء ، والقدرة الفائقة على الطيران ، والغريزة القوية التي يهتدي بها إلى هدفه وموطنه ، وهو حيوان مستأنس أليف ، ربنا عز وجل قال :

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة يس الآية : 72 ]

 من ذلل هذا الطير ؟ من جعله حاد الذكاء ؟ ذا قدرة فائقة على الطيران ، ذا غريزة قوية يهتدي بها على هدفه ، من جعله مستأنساً ؟ أليفاً يألف الإنسان ، ويخدمه ، وهو مسخر له .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ إن هذا الطير الحمام الزاجل أو حمام الرسائل كما يسمى ، يقطع مسافة ألف كيلومتر من دون توقف ، في طيران مستمر ، يقطعها بسرعة كيلومتر واحد في الدقيقة ، يعني في الساعة ستين كيلومتر ، سرعته ويعطي هذا الحمام الزاجل سنوياً تسع أزواج من الزغاليل ، هذا عطائنا يعينك على نقل رسائلك عبر الأفاق ، ويهتدي إلى إيصالها بسرعة فائقة بالقياس إلى ذلك الزمان ، وفوق هذا وذاك يعطيك تسعة أزواج من الزغاليل كل عام ، والعلماء في حيرة كيف يهتدي هذا الحمام إلى هدفه بعضهم قال : إن له قوة إبصار عجيبة ، يفوق بها الإنسان أضعاف المرات وبعضهم قال : إنه يدرك بفطرته الاتجاهات في الأرض ، وإنها مزروعة مع غرائزه ، وبعضهم قال : إنه يتحسس خطوط القوة المغناطيسة في الأرض ، وبها يهتدي إلى هدفه .
 على كلٍ السلطان نور الدين ، استخدم الحمام لنقل رسائله بين دمشق والقاهرة ، كان البريد ينقل عن طريق الحمام ، وكان اسم السلطان ينقش على منقار هذا الحمام ، وكان له ورق خاص يحمله لينقل به الرسائل ذا وزن خفيف نسبياً ، وكان يستخدم هذا السلطان ألفين حمام لنقل الرسائل بينه وبين عماله في الأمصار .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذا من آيات الله الدالة على عظمته ، والكون كما قلت قبل قليل إنما هو تجسيد لعظمة الله سبحانه وتعالى .
 الموضوع الأخير وردنا أنه بمناسبة الجريمة النكراء التي وقعت يوم الخميس قبل الماضي في مدخل دمشق الشمالي ، أن هؤلاء الذين خططوا لها ، ونفذوها ، لا يحملون بين جوانحهم أية ذرة من شعور إنسانية أو وطني ، أو ديني ، لأنه إنما يذهب ضحية أعمالهم تلك أناس أبرياء من رجال ونساء وأطفال ، كان يرتجى منهم بناء وطنهم ، وخدمة أمتهم ورعاية أهليهم وذويهم ، فهل بين المسلمين مسلم واحد لا يستنكر مثل هذه الأعمال ولا يدينها ، ويدين فاعلها ، وهل من بين المسلمين مسلم واحد لم يتألم أشد الألم ، ولم يتفطر قلبه لهذه الجريمة المروعة ، وكيف حال من كان لهم ضحية من زوج أو طفل أو أخ ، قال تعالى :

﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾

[ سورة المائدة الآية : 32 ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا ، اللهم اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وفك أسرنا ، واحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018