الخطبة : 0454 - مولد الرسول صلى الله عليه وسلم 5 - تعامله مع أصحابه - أبو سفيان وهرقل. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0454 - مولد الرسول صلى الله عليه وسلم 5 - تعامله مع أصحابه - أبو سفيان وهرقل.


1993-09-24

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تمتع النبي الكريم بصفات العظمة الإنسانيّة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا زلنا في شهر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كانت موضوع الخطبتين السابقتين حول عبادته صلى الله عليه وسلم ، وحول علاقاته الاجتماعية التي بَيَّنت لكم من خلال الخُطبة السابقة الأخلاق الرفيعة التي كان يتمتع بها صلى الله عليه وسلم .
 واليوم أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول الإمام عليٌ كرم الله وجهه :

((يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من الدنيا وما فيها))

[ أحاديث الإحياء للعراقي ]

((خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس))

[الطبراني عن أبي رافع ]

((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى الله بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ))

[متفق عليه عن سهل بن سعد الساعدي ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ ما منكم واحدٌ إلا وله أتباع ، أولاده أتباعه ، إن كان صاحب متجرٍ فالموظفون الذي في معيَّته أتباعه ، وإن كان صاحب معملٍ فالعُمال الذي عنده أتباعه ، ما منكم واحدٌ إلا وله أتباع ، هكذا رَتَّبَ الله الخلق ، وجعل بعضكم فوق بعض .
 أيها الأخوة الكرام ؛ نستعرض في هذه الخطبة كيف تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع أتباعه ؟ كيف تعامل مع أصحابه ؟ كيف تعامل مع من يلوذ به ؟ كيف بناهم بناءً إيمانياً صحيحاً ؟ كيف رسَّخ فيهم قيَم الخير والحق والعدل ؟ كيف فجَّر طاقاتهم ؟ كيف دفعهم إلى البطولات ؟ هذا كله من رعايته صلى الله عليه وسلم ، ومن عنايته ، ومن بطولته في بناء نفوس أصحابه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ بادئ ذي بدء النبي عليه الصلاة والسلام يتمتَّع بكل صفات العظمة الإنسانية ، يتمتَّع بكل صفات الكمال ، جمع المَجْدَ من كل أطرافه ، ومع ذلك هذا التفوّق الأخلاقي و هذا التفوق البُطولي ما جعله يغفل عن أصحابه ، ولا عن إمكاناتهم ، ولا عن تضحياتهم ، ولا عن المَجالات التي يمكن أن يبدعوا فيها . لذلك من صفات النبي عليه الصلاة والسلام أنه عرف قدر أصحابه ، وأعطى كلاً منهم ما يستحق ، وصف كلاً منهم الصفة اللائقة به ، وعرف المجال الذي يبدعُ فيه ، وأناطه بالعمل الذي يعبِّر به عن ذاته ، هذه بطولةٌ وأيّما بطولة ، أن يكون البطل بطلاً ، وأن يعرف من حوله من الأبطال ، أن يكون الزعيم زعيماً وأن يعرف من حوله من المتفوِّقين .

 

الوضوح من صفات بناء النبي لنفوس أتباعه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من صفات بناء النبي لنفوس أتباعه الوضوح ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

((قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك))

[ الذهبي عن العرباض بن سارية ]

 أهل مكة الذين أرسل إليهم ، والذين كلف أن يبلغهم ، ظنوا به الظنون ، فقال قولته الشهيرة :

((يا قوم ما جئتكم بهذا الأمر أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا المُلك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً ، وأنزل إليّ كتابه ، وأمرني أن أكون بشيراً ونذيراً ، فبلغتكم رسالات ربي ، فإن تقبلوا فهو حظُّكم من الدنيا والآخرة ، وإن تردوا فإن عليّ أن أصبر حتى يحكم الله بيننا ))

 وضوحٌ ما بعده وضوح ، النبي عليه الصلاة والسلام في توجيهاتٌ أخرى قال : " البيان يطرد الشيطان ".
 الأساليب الملتوية ليست من السنة النبوية ، إخفاء الحقائق ليس من السنة النبوية. الوضوح إلى درجة الصراحة ، تَقَبُّل كل انتقاد ، وتوضيح كل أمر ، هكذا كان عليه الصلاة والسلام يتعامل مع من حوله .

 

تثبيت النبي الكريم قلوب أصحابه و بثّ العزيمة في نفوسهم :

 شيءٌ آخر : كان عليه الصلاة والسلام يثبِّت قلوب أصحابه ، أحياناً يدِبُّ الوهن إليهم ، يدب الضعف فيهم ، يستبطؤون نصر الله عز وجل ، فكانت من مهماته صلى الله عليه وسلم أن يثبتهم ، وأن يرفع معنوياتهم ، أن يبشرهم ، وأن يعدهم بنصر الله القريب .
 دخل عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فرآه ينام على الحصير ، وقد أثَّر الحصير في خده الشريف ، فبكى عمر ، ما الذي أبكاه ؟ـ قال : يا عمر ما يبكيك ؟ . قال عمر : رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ؟ هذا الكلام يحتمل معانٍ عدة . فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : أفي شكٍ أنت يا بن الخطاب؟ أفي شكٍ من النبوة ؟ قال عليه الصلاة والسلام : يا بن الخطاب أنا لست ملكاً هذه نبوةٌ وليست ملكاً .
 وشتان بين الملك والنبوة ، وفي رواية أخرى قال : يا بن الخطاب أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا ؟
 إذاً من مهمة النبي عليه الصلاة والسلام أنه يبثُّ العزيمة في نفوس أصحابه ، يرفع من معنوياتهم ، لأن الله سبحانه وتعالى وعده بالنصر . عدي بن حاتم ملكٌ من ملوك الحيرة ، جاءه مسلمًا ، قال : يا عدي أرأيت الحيرة ؟ قال : نعم . قال :

(( فإن طالت بك حياةٌ فلترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً - وهذه كنايةٌ عن أن الأمر سوف يتسع ، وسوف ينتشر ، وسوف يستتب الأمر للمسلمين - ولئن طالت بك حياةٌ لتفتحن كنوز كسرى ، ولئن طالت بك حياةٌ لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله فلا يجد أحداً يقبله ))

[البخاري عن عدي بن حاتم ]

 وهذا حصل في عهد عمر بن عبد العزيز ، كان صاحب مال الزكاة يجوب الآفاق بحثاً عن رجلٍ يقبل زكاة ماله ، قال بعضهم : لقد أغنى عمر الناس ، والأصوب أن نقول : لقد أغنى الإسلام الناس ، حينما عرفوا ربهم ، وحينما استقاموا على أمره ، فتح الله عليهم بركات السماء والأرض ، فكان من الصعوبة بمكان أن تجد رجلاً يأخذ منك زكاة مالك.

من صفات هذا النبي العظيم إدراك الفروق بين الناس :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كان عليه الصلاة والسلام يرفع معنويات أصحابه ، ويبث فيهم الثقة بالله عز وجل . جاءه المُخَلَّفون في غزوة تبوك ، وطفقوا يعتذرون إليه ، ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً ، فقبل منهم علانيتهم ، وبايعهم ، واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى الله ـ هذا موقف ، منافقون قبل اعتذارهم ، وقبل ما هم عليه ، واستغفر لهم وبايعهم ، ووكل سرائرهم إلى الله ـ فلما جاءه المؤمنون المتخلفون كان له معهم موقفٌ آخر ، جاءه المؤمنون المتخلفون وسلَّم عليه أحدهم فتبسم عليه الصلاة والسلام تبسم الغاضب وقال : ما خلفك ؟ قم حتى يقضي الله فيك وفي إخوانك . ونهى المسلمين عن كلامهم ، فاجتنبهم الناس خمسين ليلة ، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين ، أرسل إليهم النبي أن اعتزلوا نساءكم ، وبقي أمرهم كذلك حتى أنزل الله توبته . إذاً إدراك الفروق بين الناس من صفات هذا النبي العظيم ، المنافقون لهم طريقةٌ في التعامل ، والمؤمنون لهم طريقةٌ في التعامل .
 استضافه رجل فقدَّم له خبزاً وخلاً ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((نعم الإدام الخل))

[الجامع لأحكام القرآن عن ابن حبيب ]

 جبراً لقلبه ، فلما قدم له غنيٌ خلاً قال :

((بئس الإدام الخل))

[الجامع لأحكام القرآن عن ابن حبيب ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الفروق الدقيقة التي يقفها النبي عليه الصلاة والسلام هذه تؤكِّد حكمته صلى الله عليه وسلم .

 

تنمية النبي شخصية أصحابه و رفع قدرهم :

 أحياناً كان عليه الصلاة والسلام يدع الأمر لأصحابه ، وهذا من حكمته البالغة ، يُنَمِّي بهذا شخصيتهم ، يرفع بهذا قدرهم ، يشعرهم أنه واحدٌ منهم ، فمثلاً : قال عليه الصلاة والسلام لوفد هوازن حين جاء هذا الوفد يطلب ردّ ما أخذ منهم من الغنائم ، قال عليه الصلاة والسلام : " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وسأسأل لكم الناس ". جعل الأمر لأصحابه ، وجعل الموافقة بيد أصحابه ، وجعل لأصحابه كياناً ، فإن رضوا فهذا من شيَمِهِم ، وإن أمسكوا فهذا من حقهم .
 أيها الأخوة جاءته امرأةٌ مرةً تشكو زوجها فقالت للنبي عليه الصلاة والسلام : يا رسول الله أتأمرني بذلك ؟ فقال : إنما أنا شفيع له ، فقالت : لا والله لا أرجع إليه أبداً .
 ما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يضع مكانته العظيمة للضغط على امرأةٍ تكره زوجها ، ما أراد أن يضع مكانته العظيمة لشأنٍ شخصيٍ في أصحابه ، قالت : أفتأمرني ؟ قال : لا إنما أنا شفيع .

 

احترامه للآخرين :

 علمنا عليه الصلاة والسلام كيف نحترم الآخرين ، كيف نقدِّر مشاعرهم ، كيف نعطيهم حقَّهم ، كيف نثني على بطولاتهم ، كيف نعرف قدرهم ، كيف نفجِّر طاقاتهم ، كيف ندفعهم إلى البطولة .
 كما قلت في أول الخطبة : كان عليه الصلاة والسلام سيد الخلق وحبيب الحق ، وما جاراه أحدٌ من الخلق في البطولة ، ما من بطلٍ أيها الأخوة إلا وتفوَّق في جانب ، إلا النبي عليه الصلاة والسلام كان في كل القِمَم ، وكان في كل الجوانب بطلاً ، ومع ذلك لأحد أصحابه يقول :

(( أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ))

[ابن حبان والحاكم عن أنس بن مالك ]

 لصاحبٍ آخر :

(( خالد بن الوليد سيف من سيوف الله ))

[الحاكم عن أنس بن مالك ]

 لصاحبٍ ثالث : " ما ساءني قط فاعرفوا له ذلك " .
 لصاحبٍ رابع :

((يا معاذ إني لأحبك))

[ النسائي عن معاذ بن جبل]

 ما من صحابيٍ إلا وأعطاه حقه ، وفجّر طاقاته ، ودفعه إلى البطولة ، لذلك عدّ عصر النبي صلى الله عليه وسلم بحقٍ عصر الأبطال .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لما استجارت ابنته زينب لزوجها بالمسلمين ، ترك الأمر لأصحابه ، وقال :

((الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ ...))

[أبو داود وابن ماجة وأحمد عن عمرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]

 دققوا أيها الأخوة في هذا الموقف الرائع : يقول أنسٌ رضي الله عنه : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، منا الصائم ، ومنا المُفطر ، فنزل منزلاً في يومٍ حار فسقط الصوَّام من شدة التعب والجوع والعطش ، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الناس . فقال عليه الصلاة والسلام مُثْنِيَاً على المفطرين - طبعاً صيام نفل - قال :

(( ذهب المفطرون اليوم بالأجر ))

 أو يحق للمسلم أن يفطر في السفر ؟ بعضهم أخذ بهذه الرخصة وبعضهم لم يأخذ ، ما لامَ أحداً ، ولا أثنى على أحدٍ دون أحد تطييباً لقلب الجميع ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( ذهب المفطرون اليوم بالأجر ))

 ما الذي رجَّحه ؟ رجَّح خدمة الخلق على الأخذ بالعزائم ، طيَّب خاطرهم لأنهم بذلوا ، وتعبوا ، ونصبوا الخيام ، وقدموا الطعام ، وأداروا الماء .
 أيها الأخوة ؛ قال عليه الصلاة والسلام :

(( إنكم لن تَسَعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بَسْط الوجه وحسنُ الخلق ))

[أبو يعلى وابن أبي شيبة عن أبي هريرة ]

 قد يضيق الإنسان ذرعاً عن بذل كل ماله ، قد لا يملك المال الذي يُنفقه على الناس ، ولكن الأخلاق الرفيعة ، ولكن التواضع ، ولكن البشاشةَ ، ولكن الطلاقة ، ولكن حُسْنَ الجوار ، ولكن الأدب الرفيع ، هذا يُغني عن بذل المال .

 

حرص النبي الكريم على مكانة أصحابه :

 وكان يحرَص على مكانة أصحابه صلى الله عليه وسلم فكان يقول :

((ليليني منكم أولو الأحلام والنهى))

[ الجامع لأحكام القرآن عن أبي مسعود ]

 كان يحب أن يقرِّب أولي الأحلام ، أصحاب العقول ، أصحاب الحكمة ، هؤلاء كان يدنيهم منه صلى الله عليه وسلم ، وقد تعلمون أن الذي يصحب إنساناً سيئاً ، هذا يجر له سمعةً سيئة ، لذلك عدَّ الفقهاء من الأشياء التي تجرح العدالة صُحبة الأراذل ، كان عليه الصلاة والسلام يقول :

((ليليني منكم أولو الأحلام والنهى))

[ الجامع لأحكام القرآن عن أبي مسعود ]

شجاعته صلى الله عليه و سلم :

 كان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات الشجاعة ، طرق عمر بن الخطاب باب دار الأرقم ، فخَشِيَهُ الصحابة وظنوا أنه إنما جاء ليقتل محمداً ، فنهض عليه الصلاة والسلام ، نهض إليه ، وأخذه بتلابيبه ، ثم جذبه جذبةً شديدة وقال : ما جاء بك يا بن الخطاب فوالله ما أرى أن تنتهي حتى تنزل بك قارعة ؟ قال عمر : جئت لأؤمن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله ، فكبر عليه الصلاة والسلام تكبيرةً عرف أصحابه أن عمر قد أسلم ، أدرك النبي عليه الصلاة والسلام أن الشدة أنفع لعمر من غير الشدة . أما حينما جاءه عدي بن حاتم وكان ملكاً . . ـ قال عدي : دخلت على محمد صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فسلمت عليه . فقال : من الرجل ؟ قلت : عدي بن حاتم . فقام وانطلق بي إلى بيته ، فوالله إنه لعامدٌ بي إليه إذ لقيته امرأةٌ ضعيفة كبيرة فاستوقفته ، فوقف طويلاً تكلمه في حاجاتها ، فقلت : والله ما هذا بأمر ملك - لينٌ ما بعده لين ، تواضعٌ ما بعده تواضع ، حكمةٌ ما بعدها حكمة - استقبله في بيته ، ودفع إليه وسادةً من أدمٍ محشوةً ليفاً . . قال : اجلس عليها . قلت : بل أنت . قال : بل أنت . فجلست عليها - هكذا يقول عدي - وجلس هو على الأرض ، لم يكن في بيته إلا وسادةٌ واحدة قدمها لضيفه . قال : يا عدي لعله إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من حاجتهم - من فقر المؤمنين - فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، ولعله إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين أنك ترى أن المُلْكَ والسلطان في غيرهم ، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة البابلية تحُجُّ البيت على بعيرها لا تخاف ، ولعله إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم -ـ كما هي الحال الآن - فوالله ليوشكن أن ترى القصور في بابل مفتحةً للمسلمين .
 ولقد عاش عدي بن حاتم وأدرك بنفسه كل هذه البشارات التي بشَّر بها النبي عليه الصلاة والسلام .

حبّ النبي الصادق لأصحابه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ حينما كانت غزوة العُسْرَة ، جاء سيدنا الصديق بماله كله ، قال له النبي الكريم : يا أبا بكر ماذا أبقيت ؟ قال : الله ورسوله . وجاء عمر بنصف ماله ، وجاء العباس بتسعين ألفاً ، وحمل عبد الرحمن بن عوف مئتي أوقيةً ، وتصدق عاصم بتسعين وسقاً من التمر ، وجهز عثمان ثلث الجيش ، ثم جاء بألف دينار فأفرغها في حجر النبي ، فجعل يقلِّبها ويقول :

((ما ضرّ عثمان ما فعل بعد هذا))

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]

 كان يعرف قيمة المال ، وكان يثني على الذي يبذلون ، وكما يقال : المال شقيق الروح ، فهذا الذي يبذل ماله من أجل نُصرة هذا الدين ، يبذل ماله لبناء مسجد ، يبذل ماله لتزويج شابٍ فقير ، يبذل ماله لرعاية أخٍ فقير ، كان عليه الصلاة والسلام يعرف تمام المعرفة ماذا يعني المال ؟ المال يعني جهداً طويلاً وتعباً شاقاً ، فإذا بذله الإنسان في سبيل الله فكان عليه الصلاة والسلام يقدِّر ذلك قال :

((ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا))

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]

 وكان عليه الصلاة والسلام ينطوي على حبّ حقيقي ، حبّ صادق لأصحابه ، كانوا أقرب الناس إليه ، وكان أقرب إليهم من أنفسهم .
 نظر عليه الصلاة والسلام إلى مُصْعَبَ بن عُمَير ، وكان شاباً وسيماً من أغنى فتيان قريش حينما كان مشركاً ، فلما أسلم حَرَمَهُ أهله كل شيء ، فصار فقيراً فقراً مدقعاً ، مرّ عليه الصلاة والسلام على مصعب بن عمير وقد قُتل في بعض الغزوات وكان مُسَجًّى في بُرْدِهِ فقال عليه الصلاة والسلام : " لقد رأيتك بمكة وما بها أحدٌ أرق حلةً ولا أحسن لمةً منك ".
 كان شاباً وسيماً أنيقاً إلى أقصى الحدود ، فلما أسلم ركل بقدمه مُتَعَ الحياة ، وركل بقدمه جمال الثوب ، وركل بقدمه كل ما يحلو للشباب مثله ، والتحق بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وكان من أكبر الدعاة في المدينة ، بل إن جُلّ الأنصار أسلموا على يد مصعب بن عمير ، ثم أنت اليوم أشعث الرأس في بردةٍ مرقعة .
 وبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان فيه مصعب من النعمة ، ولم يبكِ رثاءً لحاله ، بل بكى فرحاً بهذا الموقف النبيل الذي أوصله إلى التضحية بكل شيءٍ في سبيل الله .

 

النبي الكريم بنى نفوس أصحابه فأحبوا الموت على الحياة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إن لم تحب الناس فلن تستطيع أن تكون داعيةً لهم ، إن لم تحبهم حباً عميقاً لن يميلوا إليك ، عليه الصلاة والسلام عقب معركة أحد تفَقَّدَ أصحابه ، فسأل عن سعد بن الربيع فلم يجده ، فقال عليه الصلاة والسلام : من رجلٌ ينظر إلى ما فعل سعد بن الربيع أفي الأحياء هو أم في الأموات ؟ فقال أحد الأنصار : أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد . فاتجه إلى ساحة المعركة ، فنظر بين الجرحى فرآه أحدهم - أي به رمق لم يمت بعد -فقال لسعد : إن رسول الله قد أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات ؟ فقال سعد بن الربيع : أنا في الأموات ، أبلغ رسول الله السلام عني ، وقل لأصحابه : لا عذر لكم عند الله إن خُلِصَ إلى نبيكم وفيكم عينٌ تطرف.
 ما الذي تركه في نفس أصحابه ؟! هو على فراش الموت ، أو هو في النزع الأخير ، هو يغادر الدنيا ، وهل يكون الإنسان في أسعد حالاته إذا غادر الدنيا ؟ هكذا بنى النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه . الآن إذا شعر الإنسان أنه قد اقترب أجله ينهار عصبياً ، يفقد اتزانه ، يفقد عقله ، والذين يعملون مع المرضى الذين يوشكون أن يموتوا يعرفون هذه الحقيقة ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام بنى نفوس أصحابه حيث إن الموت كان أحب إليهم من الحياة ، بحيث أن لقاء الله كان أحب إليهم من كل شيء ، بحيث أن الدار الآخرة يشتاق إليها الصحابي شوقاً لا حدود له .

 

معاملة النبي الراقية لأصحابه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من حكمته البالغة أنه صلى الله عليه وسلم أرسل أبو سفيان - زعيم الشرك بعد أن أسلم - أرسله إلى الطائف ليحطم أصنام الطائف ، الحكمة بالغة ، هذا الذي حارب النبي عشرين عاماً ، هذا الذي اعتز بالأصنام وعبدها من دون الله عشرين عاماً هو نفسه كلَّفه أن يحطم أصنام الطائف .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هل في الأرض رجلٌ أغلى على الشاب من أبيه وأمه ؟ سيدنا زيد بن حارثة ، حينما جاء أبوه وعمه ليأخذاه من النبي عليه الصلاة والسلام ، وعرضا على النبي أي مبلغٍ يريد . فقال عليه الصلاة والسلام : لا أريد شيئاً ، سلوه إن ذهب معكم فله ذلك . فلما عرضا عليه الذهاب إلى أمه وأبيه رفض ، وأبى أن يترك النبي عليه الصلاة والسلام ، وكان هذا قبل البِعثة ، فهل يستطيع الإنسان أن يُعامل الناس معاملةً يُنسيهم أمهاتهم وآباءهم ، هكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام .

 

المجتمع الإسلامي مجتمع مترابط كالبنيان المَرْصوص :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عودٌ على بدء الخطبة : ما منكم واحد إلا وله أتباع ؛ الأب له أتباع - أولاده أتباعه - مهما كان عملك متواضعاً تحت يدك أُناس ، عمال ، موظفون ، هؤلاء بالخلق الرفيع ، والقدوة الكاملة ، والرحمة البالغة ، والحكمة البالغة ، والعطف الشديد ، والإنصاف ، هؤلاء تجعلهم يدينون بدينك ، تجعلهم يؤْثرون الله على كل شيء ، أنت تكون في واد ، فإذا أنت في وادٍ آخر ، تدعو إلى الله وأنت لا تدري ، تشد الناس إلى الدين وأنت لا تدري، تحملهم على طاعة الله وأنت لا تدري ، تُريهم الحق حقاً وأنت لا تدري ، لذلك أقلّ ما في الدعوة المعلومات ، وأكثر ما فيها القلب الكبير ، وبُعد النظر ، والحكمة البالغة ، والصدق ، والإخلاص ، والحب الحقيقي للإنسان .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حينما حدَّث أصحابه عليه الصلاة والسلام عن سيدنا الصديق ماذا قال ؟ قال :

((ما أحد أعظم عندي يداً من أبي بكر ؛ واساني بنفسه وماله ، وأنكحني ابنته))

[الجامع الصغير عن ابن عباس ]

 أيْ إذا قُدِّمَت لك خدمة ينبغي ألا تنساها ، ينبغي أن تذكرها ، ينبغي أن تشكر صاحبها ، ينبغي أن تكون أسيراً له ، نبي هذه الأمة ، سيد الخلق ، وحبيب الحق ، يقول عن سيدنا الصديق :

((ما أحد أعظم عندي يداً من أبي بكر ؛ واساني بنفسه وماله ، وأنكحني ابنته))

[الجامع الصغير عن ابن عباس ]

(( ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر ))

[كنز العمال عن أبي الدرداء ]

 و : " تسابقت أنا وأبو بكر فكنا كهاتين " عرف قدر أصحابه ، عرف ودَّهم له ، عرف بذلهم من أجله ، عرف إنفاق مالهم عليه .
 سيدنا بلال حينما جاءه ملك الموت ، فرح فرحاً شديداً ، قال : " غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه " .
 هذا المجتمع الإسلامي مجتمع مترابط ، مجتمع كالبنيان المَرْصوص ، مجتمع كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .

 

العبرة من القصص و المواقف التالية أن نعيش مواقف النبي وأخلاقه وشمائله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه القصص ، وهذه المواقف ليست للاستمتاع الفِكري ، إن اكتفيتم أن تعجبوا بها دون أن تعيشوها والله ما استفدنا منها ، نحن في عيد المولد ، والعبرة من هذا العيد أن نعيش مواقف النبي ، أن نعيش أخلاقه ، أن نعيش شمائله ، أن نعيش أسلوبه في تربية أصحابه ، أن نعيش العلاقات الراقية التي كانت بينه وبين أصحابه ، كان عليه الصلاة والسلام جواداً حين يسأل ، حليماً حين يستجهل ، براً بمن يعاشر ، واثقاً بالله ثقةً لا حدود لها .
 أيها الأخوة الكرام ؛ أحد أصحابه اسمه ثوبان ، دخل عليه مرةً فرآه شاحب اللون سأله : يا ثوبان ما شأنك ؟ وما حالتك ؟ فقال ثوبان رضي الله عنه : يا رسول الله ما بي من وجعٍ غير أني لم أرك اليوم ، اشتقت ، واستوحشت وحشةً عظيمة ، فذكرت الآخرة حيث لا أراك هناك أبداً ، لأني إن دخلت الجنة تكون أنت في درجات النبيين فلا أراك ، فابتسم عليه الصلاة والسلام ، وأنزل الله في عُلاه قرآناً بحق هذا الصحابي الجليل ، قال :

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾

[ سورة النساء : 69]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حاطب بن بلتعة صحابي ، لكنه زلَّت قدمه زلةً أوقعته في الخيانة العُظمى ، حينما عزم النبي على فتح مكة ، أرسل حاطب بن بلتعة كتاباً مع امرأةٍ إلى قريش يُنَبِّهُهُم من أن محمداً سوف يغزوكم فخذوا حذركم ، أليست هذه خيانةً عظمى في كل المقاييس ، وفي كل المجتمعات ، وفي كل الأحوال ؟ فلما جاءه الوحي عليه الصلاة والسلام أخبره جبريل بخيانة بَلْتَعَة ، فدعاه النبي وقال : يا حاطب ما حملك على أن فعلت ما فعلت؟ كان عمر واقفاً قال : " يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق " ، قال : لا يا عمر ، إنه شهد بدراً .
 قال كُتَّاب السيرة : إن عمر نظر إلى الذنب فرآه خيانةً عظمى ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام نظر إلى صاحب الذنب فرأى ذلك لحظة ضعفٍ طارئة ، أعانه على نفسه، سأله : ما حملك على أن فعلت ؟ فعلّل ذلك تعليلاً قال : " والله ما كفرت ولا ارتددت ، لكن أصحابك لهم عند قريش صنائع ، أما أنا فليس لي عندهم هذه الصنيعة ، أردت أن أحمي أموالي هناك بهذه الطريقة . فما زاد عليه الصلاة والسلام على أن قال : إني صدقته فصدقوه ولا تقولوا فيه إلا خيراً ".

[ من تفسير مختصر ابن كثير ]

 هذا الموقف العظيم جعل هذا الصحابي الذي زلَّت قدمه يقف ويتابع السير مع رسول الله ، وقد أرسله النبي عليه الصلاة والسلام فيما بعد رسولاً إلى بعض المُلوك ، وهذا دليل أنه وثَقَ به ، وأنه رجع إلى مكانته ، هذا القلب الكبير ، وهذه الحكمة البالغة ، وهذا الإدراك الدقيق لأحوال النفس البشرية .

 

بناء النبي أصحابه على الخشونة في العيش ليبقى الهدف هو الأصل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الحديث عن أصحابه ، وعن وفائه لهم ، وعن حبه لهم ، وعن إنصافه ، وعن حكمته لا ينتهي . النبي عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة دخل على أم هانئ وكان جائعاً ، فقال عليه الصلاة والسلام : " يا أم هانئ أعندكِ طعام ؟ قالت : إن عندي كسرة خبزٍ يابسة ، وإني لأستحيي أن أقدمها لك ، فقال : هلُمِّيها - أي هاتها - فكسرها في ماءٍ وجاءته بملحٍ . فقال : أما من إدامٍ عندكِ ؟ قالت : ما عندي شيءٌ إلا خل . فقال : فهلميه ، فلما جاءت به صبَّه على طعامه ، فأكل منه ، ثم حمد الله تعالى وأثنى عليها ، وقال : نعم الإدام الخل : اللهم بارك في الخل ، فإنه كان إدام الأنبياء قبلي ، ولم يقفر بيت فيه خل ".

[من زيادة الجامع الصغير عن أم سعد ]

 كانت هذه مائدة النبي عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة . لماذا ؟ قلت هذا قبل أسبوعين : بنى أصحابه بناءً حيث إن نقص الطعام والشراب لا يزلزلهم ، لا يغيرُ اتجاههم ، لا يبيعون دينهم لعرضٍ من الدنيا قليل ، الذي يعبد على حَرْف إذا أصابه خيرٌ اطمأن به ، فإن أصابه شرٌ انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ، يجب أن تبني النفوس بناءً حيث إن الهدف هو كل شيء ، وأن طاعة الله هي كل شيء ، وأن ابتغاء رضوانه هو كل شيء ، وأن الجنة هي كل شيء ، وأن الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، فكان عليه الصلاة والسلام قدوة ، جاءه جبريل ، قال : يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبيا عبداً ؟ قال :

(( أكون عبداً أجوع يوماً وأشبع يوماً ، فإذا جعت صبرت ، وإذا شبعت شكرت ))

[ورد في الأثر]

 أيها الأخوة الكرام ؛ يشكو الشاكون من نقص بعض الكماليّات ، الإنسان إذا ابتعد عن الله عز وجل شقي لا إذا قلَّت عنده الأساسيات ، بل إذا قلَّت الكماليات ، هذا ليس منه جدوى ، ولا ينفع الأمة في شيء ، هذا الذي لا يستطيع أن يعيش من دون الكماليات ، هذا لا يعتمد عليه ، ولا تنهض أمةٌ هكذا أبناؤها ، بنى النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه على الخشونة في العيش ، حتى يبقى الهدف هو الأصل . علَّم أصحابه الوفاء ، كان في بعض الغزوات ، فسأل عن أحدهم ؟ فقالوا : نافق يا رسول الله ، تخلف عنك . فقال سعد بن عبادة : يا رسول الله - دققوا في هذا الكلام - إنا قد تخلف عنا قومٌ ما نحن بأشد حباً لك منهم ، ولا أطوع لك منهم ، لهم رغبةٌ في الجهاد ونية ، ولو ظنوا يا رسول الله أنك ملاقٍ عدواً ما تخلفوا ، ولكن إنما ظنوا أنها العير .
 ما هذا الدفاع ؟! واحد يقول : منافق فلان ، لأنه تخلف عنك ، والثاني يقول : يا رسول الله لقد تخلف عنك أناسٌ ما نحن بأشد حباً لك منهم ، ولسنا أطوع لك منهم ، ولهم رغبةٌ في الجهاد ونية ، ولو ظنوا أنك ملاقٍ عدواً ما تخلفوا عنك ، بنى أصحابه بناءً هكذا ، كان أصحابه كالبُنيان المَرْصُوص ، أما كل واحدٍ يتكلَّم على الآخر ، وكل واحدٍ يطعن في الآخر ، وكل واحدٍ يشمت في الآخر ، ما هذا المجتمع الذي انطلق به المسلمون !!
 وأقول مرة ثانية وثالثة : لو فهم أصحاب النبي الإسلام كفهمٍ سقيمٍ لنا اليوم ، لما خرج الإسلام من مكة المكرمة .

 

بناء النبي أصحابه على التضحية والإيثار

:

 

 أيها الأخوة الأكارم ؛ لا أذكر هذه المواقف من أجل أن نستمتع بها ، ولا من أجل أن نطرب لها ، الإنسان يطرب للكمال ، ولكن أذكُرها من أجل أن نعيشها ، من أجل أن يكون المسلم مسلماً حقاً ، من أجل أن نطبِّقها ؛ في بيوتنا ، مع إخوتنا ، مع زملائنا ، مع من هم دوننا في العمل ، من أجل أن نكون قدوةً لهم .
 سيدنا سعد - رضي الله عن سعد - حينما أزمع النبي أن يحارب سأل الأنصار لأنهم نصروه ، هم أولى أن يأخذ رأيهم ، فقال له سعد : " يا رسول الله إنا قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق ، فأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا نبي الله لما أردت ، فو الذي بعثك بالحق ، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجلٌ واحد ، صل حبال من شئت ، واقطع حبال من شئت ، وسالم من شئت ، وعاد من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ".
 هكذا بنى أصحابه على التضحية والإيثار ، ولماذا نذكر هذا ؟ لأن الأمر يمكن أن يكون كذلك ، ليس هذا مستحيلاً .

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

 هذا في مقدور الإنسان أن يكون مسلماً حقاً ، أن يعيش الإسلام في بيته ، وفي عمله ، وفي مركز عمله ، وإذا كان له الولاية على من دونه ، بإمكانه أن يأخذ بيد هؤلاء ؛ بكماله ، وحلمه ، وإنصافه ، وحكمته ، ورحمته ، وبطولته ، وقدوته ، بإمكان أن يأخذ بهم إلى الله عز وجل ، قد تكون في عملك داعيةً وأنت ساكت ، بعملك الإخلاص ، والصدق ، والحكمة، يجعلك داعيةً فعّالاً لا قوّالاً .
 يا أخوة الإيمان ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الحوار الذي دار بين هرقل و أبي سفيان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ وجه النبي عليه الصلاة والسلام دُحْيَةَ الكَلْبِيّ صحابياً جليلاً إلى هرقل مَلِك الروم ، يدعوه فيه إلى الإسلام ، وصدف أن كان في حاضرة هرقل قومٌ من قريش ، على رأسهم أبو سفيان ، فاستدعى هؤلاء القوم في حضرة دُحية الكَلبي ، ودار الحوار بينه وبين أبي سفيان على النحو التالي : ـ قال هرقل : أيكم أقرب نسباً من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ . فقال أبو سفيان : أنا . فقال هرقل : إني سائلٌ هذا الرجل- الآن وجَّه كلامه إلى العرب الذين مع أبي سفيان القرشيين - فإن كذبني فكذبوه . السؤال الأول : كيف حسبه فيكم ؟ قال أبو سفيان : هو فينا ذو حسب . قال : هل كان من آبائه ملك ؟ قال أبو سفيان : لا . قال هرقل هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ . قال : لا . قال : أيتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم ؟ قال : بل ضعفاؤهم . قال : هل هم يزيدون أن ينقصون ؟ قال : بل يزيدون . قال : هل يرتد أحدٌ منهم عن دينه بعد أن دخل فيه ؟ قال : لا . قال : هل قاتلتموه؟ قال : نعم . قال : فكيف كان قتالكم إياه ؟ قال : الحرب بيننا وبينه سِجال نصيب منه ويصيب منا . قال : هل يَغْدِر ؟ قال : لا ، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو صانعٌ فيها . قال هرقل : هل قال هذا القول أحدٌ قبله ؟ قال أبو سفيان : لا . قال هرقل : يا أبا سفيان سألتك عن حسبه فيكم فزعمت أنه فيكم ذو حسب ، وكذلك الرُسُل تبعث في أحسب أقوامها ، وسألتك هل كان في آبائه ملك ؟ فزعمت أن لا . فقلت : لو كان في آبائه ملك قلت رجلٌ يطلب مُلك آبائه، وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم ؟ قلت : بل ضعفاؤهم ، وهم أتباع الرُسُل عادةً ، وسألتك هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فزعمت أن لا ، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله ، وسألتك هل يرتد أحدٌ منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه ؟ فزعمت أن لا ، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب ، وسألتك هل يزيدون أم ينقصون ؟ فزعمت أنهم يزيدون ، وكذلك الإيمان حين يتم ، وسألتك هل قاتلتموه ؟ فزعمت أنكم قاتلتموه ، فتكون الحرب بينكم وبينه سجالاً ينال منكم وتنالون منه ، وكذلك الرسل تبتلى ، ثم تكون العاقبة لهم ، وسألتك هل يغدر ؟ فزعمت أن لا ، وكذلك الرسل لا تغدر ، وسألتك هل قال هذا القول قبله أحدٌ ؟ فزعمت أن لا ، فقلت : لو كان قال هذا أحدٌ قبله ، قلت رجلٌ ائتم بقول من قبله . ثم قال هرقل : بما يأمركم ؟ قال أبو سفيان : يأمر بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف. فقال هرقل : إن يك ما تقول حقاً فإنه نبي ، وقد كنت أعلم أنه خارجٌ ولم أكن أظنه منكم ، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه ، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي هذه .
هذه قصةٌ أثبتتها كُتب التاريخ ، تبين رجاحة عقل هرقل ، وبعد نظره ، والأسئلة الدقيقة التي سألها أبو سفيان .
 اللهم اجعلنا من أتباع هذا الرسول العظيم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018