الخطبة : 0277 - المعرفة رأس مالي والحب أساسي والشوق مركبي - أعظم عمل على الإطلاق الإطلاع على سيرة النبي بتفاصيلها ودقائقها . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0277 - المعرفة رأس مالي والحب أساسي والشوق مركبي - أعظم عمل على الإطلاق الإطلاع على سيرة النبي بتفاصيلها ودقائقها .


1989-10-27

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيّدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومَن والاه ومَن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

المعرفة رأسمال النبي عليه الصلاة والسلام :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام - ونحن في شهر مولده العظيم - وصف نفسه فقال :

(( المعرفة رأسمالي ، والعقل أصل ديني ، والحب أساسي ، والشوق مركبي ، وذِكْر الله أنيسي ، والثقة كَنْزي ، والحزن رفيقي ، والعلم سلاحي ، والصبر ردائي ، والرضا غنيمتي ، والزُهد حرفتي ، واليقين قوَّتي ، والصدق شفيعي ، والطاعة حَسْبي ، والجهاد خلقي، وجعلت قرة عيني في الصلاة ))

[من تخريج أحاديث الإحياء عن علي بن أبي طالب ]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ المعرفة رأسمال النبي عليه الصلاة والسلام ، فنحن في شهر مولده الشريف ، ومولده العظيم ، ماذا حققنا من المعرفة ؟ ماذا تعرف عن الله ؟ ما الوقت الذي بذلته لمعرفة الله ؟ ما مجلس العلم الذي جلست فيه كي تعرف الله عزَّ وجل ؟ ما الذي قرأته كي تعرف الله ؟

(( المعرفة رأسمالي...))

 الله سبحانه وتعالى عالمٌ يحب كل عالم . . " كن عالماً ، أو مستمعاً ، أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك " .
 النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( المعرفة رأسمالي....))

 إن أعدى أعداء الإنسان هو الجهل .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ما مِن مشكلةٍ ، ولا مصيبةٍ ، ولا جائحةٍ إلا بسبب تقصيرٍ ، أو ظلمٍ ، أو معصيةٍ ، وهذه كلها بسبب الجهل .

 

العقل أصل الدين :

 أيها الأخوة المؤمنون :" المعرفة رأس مالي ، والعقل أصل ديني . . ."
 الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم في آياتٍ كثيرة :

﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة يس : 68]

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾

[ سورة الغاشية : 17]

 أفلا يتفكَّرون .

(( تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتا ، إن الرجلين ليستوي عملهما ، وبرهما ، وصومهما ، وصلاتهما ويختلفان في العقل كالذرَّة جنب أُحُد ))

[ من كنز العمال عن طاووس ]

(( مَن لا عقل له لا دين له ، ومن لا دين له لا عقل له ، وإنما الدين هو العقل))

[ السيوطي عن جابر]

(( والعقل أصل ديني . . . ))

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى كرَّم الإنسان بهذا العقل ، فإذا عطَّله، أو زوَّره ، أو أعمله في غير ما ينبغي ، فقد خسره ، وخسر معه حياته ، وخسر معه آخرته .

 

الحب في الدين بمثابة الروح في الجسد :

 النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((المعرفة رأس مالي ، والعقل أصل ديني ، والحب أساسي . . . ))

[من تخريج أحاديث الإحياء عن علي بن أبي طالب ]

 مَن تحب ؟ قل لي مَن تحب أقل لك مَن أنت ، إن الحبَّ فطرةٌ في الإنسان ، إذا أحببت شيئاً زائلاً أوداك هذا الحب إلى الهلاك ، فإذا أحببت شيئاً باقياً أسعدك هذا الحب إلى الأبد .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً . إنك تحب المُطْلَق ، تحب الأبدي السرمديّ ، تحب الذات الكاملة ، تحب وجه الله الذي يبقى ويفنى كل شيء . والحب في الدين بمثابة الروح في الجسد ، فإذا فقد الدين عنصر الحب أصبح طقوساً ، وتمتماتٍ ، وشعائر لا جدوى منها ، ولا مغزى منها . النبي عليه الصلاة والسلام جاءه سيدنا عمر فقال :
 يا رسول الله ، واللهِ إني لأحبك أكثر مِن أهلي وولدي ومالي والناس أجمعين ، إلا نفسي التي بين جنبيّ . فقال النبي عليه الصلاة والسلام : " لم يكملْ إيمانك يا عمر " إلى أن جاءه مرةً ثانية فقال : يا رسول الله ، إني أحبك أكثر من أهلي وولدي ومالي والناس أجمعين ، حتى نفسي التي بين جنبيّ . عندها قال النبي عليه الصلاة والسلام : " الآن يا عمر " .

 

الأنس بذكر الله :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛

((الحب أساسي ، والشوق مركبي ، وذِكْر الله أنيسي . . .))

[من تخريج أحاديث الإحياء عن علي بن أبي طالب ]

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه : 14]

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد : 28]

(( إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد ، قيل : وما جلاؤها ؟ قال : تلاوة القرآن وذكر الموت ))

[ من تخريج أحاديث الإحياء عن ابن عمر ]

 بماذا تأنَس ؟ هل تأنس بغير الله ؟ هل تأنس بغير ذكر الله ؟ هل تأنس بالدنيا ؟ هل تأنس بأصحاب بعيدين عن الدين ؟ هذا حديثٌ فيه وصفٌ دقيقٌ للنبي عليه الصلاة والسلام ، وهذا الوصف بمثابة المقياس الدقيق لنا .

 

كنز المؤمن ثقته بأن الله جلَّ جلاله راضٍ عنه :

(( وذكر الله أنيسي ، والثقة كنزي . . . ))

 ثقة المؤمن أن الله يحبه ، وأن الله راضٍ عنه ، تعدل الدنيا وما فيها ، إن كَنْزَ المؤمن ليس الدرهم والدينار ، وليس الأبيض والأصفر ، وليس ما يُنْقَل وما لا ينقل ، إن كنز المؤمن ثقته بأن الله جلَّ جلاله راضٍ عنه . .

 

حزن المؤمن على ساعةٍ مرَّت لم يذكر الله فيها :

(( والحزن رفيقي . . . ))

 إذا شعر الإنسان بالتقصير ، إذا شعر أن بين واقعه وبين ما ينبغي أن يكون مسافة ، إذا شعر أنه لم يؤدّ حق الله كما ينبغي ، إذا شعر أنه مُقَصِّرٌ في جَنْبِ الله ، إن هذا الشعور يورثه حزناً شريفاً ، حزناً مقدساً .
 الناس يحزنون على الدنيا ، يحزنون على ما فاتهم من الدنيا ، ولكن المؤمن يحزن على ساعةٍ مرَّت لم يذكر الله فيها ، المؤمن يحزن على مجلس علمٍ فاته ، المؤمن يحزن على عملٍ صالحٍ فاته ، المؤمن يحزن على فرصةٍ يَرْقى بها إلى الله فاتته ، مِن هنا يأتي حزن المؤمن ، أما أن يحزن على الدنيا ، أو على ما فاته منها ، فهذا بعيدٌ عنه بعد الأرض عن السماء . . فقد روي أن سيدنا الصديق رضي الله عنه ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط .

(( والحزن رفيقي . . . ))

 من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

(( الحزانى في كَنَف الله ))

(( إن الله يحب كل قلبٍ حزين ))

[ الدر المنثور عن أبي الدرداء ]

 الحزانى معرَضون للرحمة . . حزن المؤمن حزنٌ نبيل ، حزنٌ شريف ، حزنٌ مقدَّس ، يطمح إلى أن يكون في مرتبة ولم يصلها بعد ، لذلك يتألم .

 

العلم سلاح المؤمن :

(( والحزن رفيقي ، والعلم سلاحي . . . ))

 النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( لعالمٌ واحد أشدّ على إبليس من عشرين عابد ))

[ من كشف الخفاء عن ابن مسعود]

 العابد سهل المَأْخذ ، سهلٌ على خصومه ، ومِن ألدِّ خصومه الشيطان ، ولكن العالم لا يستطيع الشيطان أن ينال منه ، لأنه تسلَّح بالعلم ، وما اتخذ الله ولياً جاهلاً ، لو اتخذه لعلَّمه .

 

الصبر ثمن الجنة :

(( والصبر ردائي . . . ))

 الإيمان كله صبر ، الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان شهوات ليرقى بها إلى رب الأرض والسموات ، فإذا ضبطها ، وأفرغها في القنوات الصحيحة ، كان صابراً ، إذاً ثمن الجنة الصبر .

 

غنيمة المؤمن أن يرضى بقضاء الله و قدره :

(( والصبر ردائي ، والرضا غنيمتي . . . ))

  غنيمته لا أن يكون غنياً ، ولكن غنيمته أن يرضى بقضاء الله وقدره ، غنيمته أن يرضى بنصيبه من الدنيا ، غنيمته أن يقبل ذاته ، غنيمته أن يقبل ما عنده ، غنيمته ألا يكون ساخطاً على الله عزَّ وجل ، غنيمته أن يكون راضياً ، غنيمته أن يرى أن الله سبحانه وتعالى حكيم ؛ حكيمٌ فيما أعْطى ، حكيمٌ فيما مَنَع ، حكيمٌ فيما رَفَع ، حكيمٌ فيما خَفَض ، حكيمٌ فيما بَسَط ، حكيمٌ فيما قَبَض .

 

الزاهدون في الدنيا هم أكثر الناس طموحاً في الآخرة :

(( والزهد حرفتي . . . ))

 إن الزاهدين في الدنيا هم أكثر الناس طموحاً في الآخرة ، الزاهد الحقيقي هو الذي زهد في جنةٍ عرضها السموات والأرض ، ولكن الذي يزهد في الدنيا هو في مقياس الإيمان مِن الطموحين ، من الذين يطمحون أن يكونوا في أعلى عليين ، مَن زهد في الدنيا ، انعكس زهده فيها طموحاً في الدار الآخرة ، لذلك من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً ، ومن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً .

 

من بلغ مرتبة اليقين التزم أوامر الله و نواهيه :

(( واليقين قوَّتي . . . ))

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾

[ سورة التكاثر : 5-6]

 اليقين ، هذه الحقائق التي تسمعها ، هذه الأفكار التي تصل إليك ، هذه المَعْلومات ، هذه الاتجاهات الإسلامية التي تطّلع عليها ، هل بلغت عندك مستوى اليقين ؟ انظر إلى نفسك إذا بلغت مستوى اليقين ، انقلب اليقين إلى عملٍ قطعاً وحتماً ، حينما تبلغ درجة اليقين يتحوَّل هذا اليقين إلى سلوك ، وحينما تبلغ في الدين مرتبة اليقين ، تلتزم أوامر الله ونواهيه بشكلٍ قطعي ، لأن هذا من قوانين النفس . إذا تيقَّنت أن هذا العمل مدمرٌ لك في الدنيا لا تفعله ، وإذا تيقَّنت أن في شراء هذه الأرض غنيمةً كبرى ، وتملك ثمنها ، تُبادر إلى شرائها فوراً . المشكلة أن الذي يحركك هو اليقين ، أما أن تستمع إلى أفكار ، أو أن تعتقد بأفكار لم تبلغ مستوى اليقين ، فهذا لا يدفعك إلى أن تكون في مستواها .

 

اليقين يؤدي إلى الصدق :

(( اليقين قوتي ، والصدق شفيعي . . . ))

 شفيعه الصدق ، لا صدق الإخبار بل صدق الأفعال ، يأتي عمل النبي مُطابقاً لما يريد ، وقد يقول الإنسان : إنني أريد الله عزَّ وجل ، ولكن لا نراه يدفع الثمن الذي يُناسب هذه الإرادة ، يطلب الله ولا يدفع الثمن الذي ينبغي أن يُدْفَع ، نقول لهذا الإنسان : إنه ليس بصادق .

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾

[ سورة التكاثر : 5-6]

 اليقين يؤدي إلى الصدق أيضاً .

 

طاعة الله و رسوله حسب كل مؤمن :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛

(( والطاعة حسبي . . . ))

 طاعة الله ورسوله حسبي . قال الله عزَّ وجل :

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب : 71]

الجهاد خلق النبي الكريم :

(( والجهاد خلقي . . . ))

 وقد روي مرةً أنه قال :

((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى ))

[الجامع الصغير عن جابر ]

النبي الكريم قدوة لنا وأسوة حسنة ومثل يحتذى :

((وجعِلَ قرَّة عيني في الصلاة ))

[النسائي وأحمد عَنْ أَنَسٍ ]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام ، الله سبحانه وتعالى منَّ به علينا ليكون قدوةً لنا ، وأسوةً حسنة ، ومثلاً يحتذى ، والحقائق ، والتوجيهات ، والأوامر ، والنواهي لا معنى لها إلا إذا كانت واقعيّة ، ولا تكون واقعية إلا إذا تمثَّلت في إنسان ، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلَّم هو ذلك الإنسان الذي تمثَّل الكمال البشري ، الذي كان عند الأمر والنهي ، الذي كان خلقه القرآن .
 لذلك سيرة النبي عليه الصلاة والسلام هي أوامر الله ونواهيه ، مع البرهان عليها، إن المُثُل العليا لا تعيش إلا بالمثل الحي ، إن المُثُل العُليا لا تعيش في الكُتُب ، ولا في المُجلَّدات ، ولا في الخُطَب ، ولا في المُحاضرات ، إن المُثُل العليا تعيش في المَثَل الحيّ ، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً حياً لأمته ، إن أقواله تشريع ، وأفعاله تشريع ، وإقراره تشريع ، وصفاته تشريع .

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

[ سورة الحشر : 7]

 هذه الشخصية المُثْلى التي جعلها الله سبحانه وتعالى مناراً للبشرية مِن بَعْده . كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم ؟
 تروي كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جمَّ التواضع - كان متواضعاً - وافر الأدب ، يبدأ الناس بالسلام ، قيل له : ما هذا الأدب ؟ فقال :

((أدَّبني ربي فأحسن تأديبي))

[الجامع الصغير عن ابن مسعود]

تواضع النبي صلى الله عليه و سلم :

 كان جَمَّ التواضع ، وتواضعه ليس تواضعاً ذكياً ناتجاً عن حبِّ انتزاع إعجاب الآخرين ، لا . ليس من هذا القَبيل ، تواضعه من نوعٍ آخر ، تواضعه تواضع من رأى ذاته أمام ربه ؛ رآها لا شيء ، كلما ازددت معرفةً بالله عزَّ وجل ازددت معرفةً بنفسك .
 الإمام الشافعي يقول :" كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي ".
 وكلما ازددت علماً بالله ازددت علماً بضعفك ، إذا عرفت قوة الله عرفت ضعفك ، إذا عرفت غنى الله عرفت فقرك ، إذا عرفت عِلم الله عرفت جهلك .
 فتواضعه تواضع العارفين ، تواضع الصادقين ، فكان صلى الله عليه وسلَّم جمَّ التواضع ، وافر الأدب ، يبدأ الناس بالسلام ، وينصرف بكلِّه إلى محدثه ، يهتم بالإنسان ، الإنسان عنده شيءٌ عظيم ؛ إنه حمل الأمانة ، الإنسان عنده شيءٌ يُعْتَنَى به ، لذلك كان يلتفت بكلِّه إلى محدِّثه صغيراً كان أو كبيراً ، ويكون آخر مَن يسحب يده إذا صافح ، كان يحب أن يُؤَلِّف ولا يفرق ، يحب أن يطمئن هذا الذي يصافحه ، إنه يحظى بمكانةٍ عنده ، كان آخر مَن يسحب يده إذا صافح وإذا تصدق ، وضع الصدقة بيده في يد المِسكين ، وهذا من أدبه صلى الله عليه وسلم . لا يلقي للمسكين مبلغاً من المال إلقاءً ، بل يضع الصدقة بيده في يد المسكين أدباً مع هذا المسكين ، ورحمةً به ، وإذا جلس جلس حيث ينتهي به المجلس . دخل أعرابيٌّ على النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان مع أصحابه ، فلم يعرفه ، قال : أيكم محمد ؟
 وكان يجلس حيث ينتهي به المَجْلِس ، لم يرَ ماداً رجليه قط من شدة أدبه ، وهو النبي العظيم ، وهو سيّد المرسلين لم يرَ ماداً رجليه قط ، ولم يكن يأنف من عملٍ لقضاء حاجته، أو حاجة صاحبٍ أو جار ، كان يقول عليه الصلاة والسلام :

(( برئ من الكبر مَن حمل حاجته بيده ، وبرئ من الشح مَن أدَّى زكاة ماله ، وبرئ من النفاق من أكثر من ذكر الله ))

[ورد في الأثر]

 فكان يذهب إلى السوق ويحمل بضاعته ، وهو سيِّد المرسلين ، وكان يقول :

((أنا أولى بحملها ))

[ورد في الأثر]

 وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلَّم . وكان يجيب دعوة الحُر والعَبْد والمسكين، ما مِن إنسانٍ دعاه إلا ولبَّى الدعوة ، تواضعاً لله عزَّ وجل ، ويقبل عذر المعتذر ، أي كان إذا استُرضي يرضى ، ولكن اللئيم إذا استُرضي لا يرضى ، كان يقبل عذر المعتذر.
 وكان يرفو ثوبه بيده ، ويخصف نعله ، ويخدم نفسه ، ويعقل بعيره ، ويكنس داره ، وكان في مهنة أهله . أي يخدم أهله .
 سيدنا الصديق رضي الله عنه كان يركب ناقته ، وكان خليفة المسلمين ، وقع منه زمامها ، فنزل من على ناقته ليلتقط الزمام - أي الرَسَن - فعجب أصحابه وقالوا : يا خليفة رسول الله نكفيك ذلك !! قال : " لا ، أمرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ألا أسأل الناس شيئاً " . إذا كنت قادراً على أن تخدم نفسك بنفسك فافعل .

 

شمائله صلى الله عليه و سلم :

 كان يأكل مع الخادم ، ويقضي حاجة الضعيف والبائس . وكان يمشي هَوْناً ، خافض الطَرْف ، متواصل الأحزان ، دائم الفكرة ، لا ينطق من غير حاجة ، كلامه فصل لا هذرٌ ولا نزر ، كان لا ينطق من غير حاجة ، طويل السكوت ، إذا تكلَّم تكلم بجوامع الكَلِم ، كلامٌ موجز ، كلامٌ مُضيء ، كأن الكلمات يخرجن مِن فمه كخرزات نظمٍ يتحدَّرن . كان دَمِثاً ، لَيِّن المعشر ، لين العريكة ، ليس بالجاحف ، ولا المُهين ، لا يشعر مَن يجالسه أنه مهانٌ عنده، قد تجلس إلى إنسان فيُصغِّرك ، يُريك أنك صغير ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام إذا جلس إليه إنسان ليس مهيناً ولا جاحفاً ، يُعَظِّم النِعَم وإن دقَّت ، لا يذم منها شيئاً ، لا يذم مذاقاً في حياته كلها . . " ما عاب طعاماً قط " . . ولا يمدحه بالمقابل ، لا يذم مذاقاً ولا يمدحه ، ولا تغضبه الدنيا ، ولا ما كان منها ، ولا يغضب لنفسه ، ولا ينتصر لها ، إذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غضَّ بصره .
 كان يؤلف ولا يفرق ، يجمع الناس ، يؤلف بين الأم وابنها ، بين الأخ وأخيه ، بين الجار وجاره ، بين الأخ في الله والأخ الآخر . كان يؤلِّف ولا يفرِّق ، يقرِّب ولا يُنَفِّر ، يكرِّم كريم كل قوم ويولّيه عليهم . يتفقَّد أصحابه ، لا يقصِّر عن حق ، ولا يجاوزه ، لا يحمله الرضا عن أن يقع في مخالفة ، ولا يحمله الغضب على أن يظلم ، لا يقصِّر في حقٍ ولا يجاوزه ، ولا يَحْسَب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه . جليسه يظُنُّ أنه أكرم الناس عليه .
 من سأله حاجةً لم يرده إلا بها أو ما يسره مِن القول . كان دائم البِشْر ، سهل الخُلُق ، ليِّن الجانب ، ليس بفظٍ ، ولا غليظٍ ، ولا صَخَّابٍ ، ولا فحَّاشِ ، ولا عيَّابٍ ، ولا مَزَّاحٍ ، يتغافل عما لا يشتهي ، ولا يخيِّب فيه مؤمِّلاً ، وكان لا يذم أحداً ، ولا يعيره ، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجى ثوابه ، يضحك مما يضحك منه أصحابه - تأليفاً لقلوبهم - إيناساً لهم ، ويتعجَّب مما يتعجَّبون ، ويصبر على الغريب وعلى جفوته في مسألته ومنطقه ، لا يقطع على أحدٍ حديثه حتى يجوزه .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الحديث عن شمائله صلى الله عليه وسلم لا تتسع له المُجلَّدات ، ولا خُطَبٌ في سنوات ، يكفي أن الله سبحانه وتعالى لخَّصها كلها في كلماتٍ فقال :

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم : 4]

 هذا النبي عليه الصلاة والسلام لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل ، حَفِظَ الله لنا سيرته ، وحفظ الله لنا أدقَّ تصرُّفاته ، ليكون لنا في كل موقفٍ ، وفي كل حركةٍ ، وفي كل سَكَنَةٍ ، وفي كل عملٍ من أعماله صلى الله عليه وسلم درساً بليغاً لنا ، مَن جعل النبي صلى الله عليه وسلم قدوةً له ، فقد سعد في الدنيا والآخرة ، ومَن أحب النبي عليه الصلاة والسلام حرَّم الله عليه النار لأنه لا يحب النبي إلا المؤمن .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـَن أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أعظم عمل على الإطلاق الإطلاع على سيرة النبي بتفاصيلها ودقائقها :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ وَفَدَ عليه صلى الله عليه وسلم وَفْدُ الأزد . فعن علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي قال : حدثني أبي عن جدي قال : وفدت سابع سبعةٍ مِن قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فلما دخلنا عليه وكلَّمناه أعجبه ما رأى مِن سَمْتنا ، وزِيِّنا ، فقال : " من أنتم؟ " قلنا : مؤمنون . فتبسَّم عليه الصلاة والسلام وقال : " إن لكل قولٍ حقيقةً ، فما حقيقة إيمانكم ، وما حقيقة قولكم ؟ " فقلنا : خمس عشرةَ خصلة . خمسٌ منها أمرتنا رُسُلُك أن نؤمن بها ، وخمسٌ منها أمرتنا أن نعمل بها ، وخمس تخلَّقنا بها في الجاهليَّة ونحن عليها إلى الآن إلى أن تنهانا عنها . فقال عليه الصلاة والسلام : " ما الخمس التي أمرتكم بها رسلي؟" قلنا : أمرتنا أن نؤمن بالله ، وملائكته ، وكُتُبه ، ورسله ، والبَعْث بعد الموت . قال : " وما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها ؟ " قلنا : أمرتنا أن نقول لا إله إلا الله ، وأن نقيم الصلاة ، ونؤتي الزكاة ، ونصوم رمضان ، ونحجَّ البيت إن استطعنا إليه سبيلاً . قال : " وما الخمس التي تخلَّقتم بها في الجاهليَّة ؟ " قلنا : الشُكْر عند الرخاء ، والصبر عند البلاء ، والرضا بمُرِّ القضاء ، والصدق في مواطن اللقاء ، وترك الشماتة في الأعداء . فقال عليه الصلاة والسلام :

(( علماء حكماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ))

 ثم قال عليه الصلاة والسلام :

((وأنا أزيدكم خمساً : لا تبنوا ما لا تسكنون ، ولا تنافسوا في شيءٍ أنتم عنده غداً زائلون ، واتقوا الله الذي إليه تُرْجَعون وعليه تعرضون ، وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون ))

[ورد في الأثر]

 فانصرفوا ، وقد حفظوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ ما مِن عملٍ أجدى ، وما من عملٍ أعظم خيراً من أن تطلع على سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، بتفاصيلها ، بدقائقها ؛ سيرته مع أهله ، سيرته مع جيرانه ، سيرته مع خصومه ، سيرته مع إخوانه ، سيرته مع أصحابه ، علاقته بربه ، علاقته بمن حوله ، إنك إن اطلعت على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت لك دليلاً وبُرْهاناً ، دليلاً على أمر الله ونهيه ، وبرهاناً على أن هذا الشرع العظيم ليس مثالياً ؛ بل هو واقعي ، والدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام تَمَثَّله في أخلاقه وسلوكه .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018