الخطبة : 0192 - عمل اللسان - العين . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0192 - عمل اللسان - العين .


1987-12-04

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر .
 اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين .
 اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

العمل الصالح .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا ﴾

[ سورة الكهف الآية : 110 ]

 وفي آية أخرى ، يقول تعالى :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 132 ]

 مكانتكم عند الله تعالى بِحَجم عملك الصالح ، إذا أردْت اللقيا مع الله تعالى فاعْمَل عملاً صالحًا ، في أكثر من مئتي آية في كتاب الله تعالى قرَن الله سبحانه وتعالى الإيمان مع العمل الصالح ، فالعمل الصالح ركْنٌ كبير من أركان الدِّين .

 

كيف نعبد الله باللسان ؟!!

 العلماء قالوا : شطْرُ العمل أقوال ، وشطره الآخر أفعال واليوم حديثنا عن الأقوال ، يعني عن اللّسان ، وكيف نعبد الله بهذا اللّسان ؟
 أكثرُ الناس يتكلّمون بلا ضوابط ، وبلا علم ، ومن دون معرفة ، ومن دون خوفٍ من الله عز وجل ، يقعون في الغيبة والنميمة ، ويقعون في التفريق بين الناس ، وفي الفُحْش ، يُسخطون الله عز وجل ، ولا أدلّ عن ذلك من أنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( إنّ الرّجل ليتكلّم بالكلمة لا يُلقي لها بالاً تهوي به سبعين خريفًا ))

[ رواه الترمذي ]

 كيف نعبدُ الله عز وجل بهذا اللّسان ؟ كيف نتّقي الله تعالى بهذا اللّسان ؟ كيف ندخل الجنّة بهذا اللّسان ؟ كيف نتّقي النار بهذا اللّسان ؟

 

التقديم والتأخير .

 ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن الآيات : 1-4]

 لماذا جاء تعليم القرآن مقدَّمٌ على خلق الإنسان ؟
 العلماء قالوا : هذا تقديمٌ رُتَبيّ ، تقديم أهميّة ، أيْ المنهج الذي ينبغي أن تسير عليه أخطرُ من وُجودك أنت ، بل إنّ وُجودك من دون منهجٍ لا معنى له ، بل إنّ وُجودك من دون منهجٍ ربّما قادك إلى الهلاك ، لذلك جاء تقديم تعليم القرآن على خلق الإنسان .
 فما علاقة الآية الأخرى ؛ علَّمه البيان ؟ كيف يتعلّم الإنسان القرآن ؟ وكيف يُعلِّمُ القرآن ؟ وكيف يستمعُ إليه ؟ وكيف يقرؤُه ؟ وكيف يكتبهُ ؟
 هذه هي اللّغة ، أكبرُ نعمةٍ امتنّ الله بها عليك ؛ علّمه البيان ، تستطيع أن تسمعَ الكلام المنقول لك شفهيًّا ، تستطيع أن تسمع الكلام وأن تفهمه ، وتستطيع أن تقرأ الكلام المكتوب ، وأن تكتبهُ ، فاللّغة على مستوى السّماع والفهْم ، وعلى مستوى الإلقاء ، وعلى مستوى الكتابة ، وعلى مستوى القراءة ؛ هذه النشاطات الأربع وردَتْ في قوله تعالى علّمه البيان قال تعالى :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن الآيات : 1-4]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ أَعُلِّمَ الإنسان البيان مِن أجل سفاسف الأمور ؟! من أجل الإيقاع بين الناس ، من أجل أن ينْهشَ من لحْم أخيه في السّهرات عُلِّم الإنسان البيان من أجل أن يؤذِيَ عباد الله في القول ، أليس وُرود هذه الآية علّمه البيان مع خلْق الإنسان وتعليم القرآن دليلاً على أنّ هذا البيان يجبُ أن يُستخدمَ في هدفٍ نبيل ، في مستوى تعليم القرآن ، قال تعالى :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن الآيات : 1-4]

الكلمة الطيبة .

 لذلك يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ﴾

[ سورة النساء الآية : 114 ]

 أحاديثهم ؛ في لقاءاتهم ، في نزهاتهم ، في سهراتهم ، في ندواتهم ، في نشاطاتهم ، قال تعالى :

﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء الآية : 114 ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ لابدّ أن تعرفَ ما يُقال ، وما لا يُقال ، ما ينبغي أن يُقال ، وما لا ينبغي أن يُقال ، ما كلّ ما يُعلمُ يُقال ، ما كل يُقال له رِجال ، ولا إذا وُجد الرّجال آل الأوان ، وهذا الذي يُقال متى يُقال ؟ فإذا كان الذي يُقال في الوقت المناسب فلِمَن يُقال ؟ ما يُقال ؟ ومتى يُقال ، ولِمَن يُقال ؟ كلّ هذا من أجل أن تنْجوَ من عذاب الله تعالى ، رُبَّ كلمةٍ فرَّقَتْ بين زوْجين ، رُبَّ كلمةٍ شتَّتَتْ جماعات ، رُبّ كلمةٍ فرّقت بين شريكين ، ربّ كلمة سبَّبتْ آلامًا لا تُحصى .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( والذي لا إله غيره ما على ظهر الأرض شيءٌ أحْوَجُ إلى طول سجنٍ من لسان ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]

 وورد بالأثر عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنّه قال : خمسٌ لهم أحسن من الدُّهْم الموقفة ؛ يعني الخيل الأصيلة ، لا تتكلّم في ما لا يعنيك ، فإنّه فضْلٌ ولا آمَنُ عليك الوزر ، ومن حُسْن إسلام المرء تركهُ ما لا يعنيه ، ربّما تقع في الغيبة ، وفي البهتان ، ولا تتكلّم فيما يعنيك حتى تدُ له موضعًا فرُبَّ متكلِّمٍ في أمرٍ يعنيه قد وضعهُ في غير موضعه فعيبَ عليه ، وأما الثالثة ولا تماري حليمًا ، ولا سفيهًا ، فإنّ الحليم يقليك ، والسفيه يؤذيك ، واذْكُر أخاك إذا تغيَّب عنك ، وما تحبّ أن يذكرك إذا غبْت عنه ، أيْ عامل الناس كما تحبّ أن يُعاملوك ، واعْفُهُ ممّا تحبّ أن يعفوَكَ منه ، واعْمَل عمَلَ رجلٍ يرى أنّه مجزى بالإحسان مأخوذٌ بالإجرام ، خمسةُ أشياء ينصحنا بها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ؛ لا تتكلّم في ما لا يعنيك ، فإنّه فضْلٌ ولا آمَنُ عليك الوزر ، ولا تتكلّم فيما يعنيك حتى تدُله موضعًا فرُبَّ متكلِّمٍ في أمرٍ يعنيه قد وضعهُ في غير موضعه فعيبَ عليه ، ولا تماري حليمًا ، ولا سفيهًا ، فإنّ الحليم يقليك ، والسفيه يؤذيك ، واذْكُر أخاك إذا تغيَّب عنك ، وما تحبّ أن يذكرك إذا غبْت عنه ، واعْفُهُ ممّا تحبّ أن يعفوَكَ منه ، واعْمَل عمَلَ رجلٍ يرى أنّه مجزى بالإحسان مأخوذٌ بالإجرام .
أيها الإخوة المؤمنون ؛ حكمةٌ لطيفة ؛ إذا لم يكن لديك ما تقول فلا غناءَ في القَول ، لا تقل بلا هدف ، لا تقل قولاً من غير هدف ، من غير أمْرٍ إلهي من غير نهي إلهي ، لا تلقي الكلام على عواهنه ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 36 ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد في مسنده :

(( عليك بِطُول الصّمْت ، فإنّه مطْردةٌ للشيطان ، وعَوْنٌ لك على أمر دينك ))

[ رواه أحمد ]

 يا فلان خصْلتان يحبّهما الله ورسوله الصّمت وحُسن الخلق ، اسْمَع أكثرَ ممّا تقول .
 قال بعضهم : اللّسان حبلٌ سائب بيَدِ الشيطان يصْرف صاحبهُ كيف يشاء ، فإذا لمْ يملك الإنسان أمره كان فمُهُ مُدْخلاً للنفايات التي تلوّثُ قلبه ، وتُضاعف حجُبَ الغفلة بينه وبين الله تعالى ، لا تجعل لسانك حبلاً سائبًا بيد الشيطان .
 يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد في مسنده :

(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))

[ رواه أحمد ]

الإيمان والعمل الصالح .

 عَوْدٌ على بدء ، الأعمال التي ذُكرَتْ في مئات الآيات ، قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 25 ]

 وقال تعالى :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[ سورة الكهف الآية : 110 ]

 وقال تعالى :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 133]

 قال تعالى :

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر الآيات : 92-93 ]

عبادة الله عن طريق اللسان .

 الأعمال الصالحة التي هي أحدُ أركان الدِّين شطران ؛ أقوال وأفعال ، فالأقوال بابٌ كبير من الأعمال ، كيف نعبد الله بهذا اللّسان ؟ هذه الآيات وتلك الأحاديث توجّهنا إلى كيفيّة عبادة الله عن طريق اللّسان .
 أيّها الإخوة المؤمنون ؛ روى الترمذي في صحيحه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال :

(( من حُسن إسلام المرء ترْكُه ما لا يعنيه ))

[ رواه الترمذي ]

 شيءٌ مهمّ جدًّا ، وهو أنّ اللّغْوَ كما فسّرهُ العلماء ، بل معظم العلماء : اللّغوُ كلّ ما سوى الله تعالى ، قال :
 ألا كلّ شيءٍ ما خلا الله باطل وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ
 فالله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون الآيات : 1-4 ]

 أركان الفلاح ثلاثة :

﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾

 جاء الإعراض عن اللّغو بين فريضَتَين ، ما حِكْمة ذلك ؟ ما حكمة أن يأتي الإعراض عن اللّغو بين فريضَتين كبيرتين ، وعبادتين كبيرتين ، ألا وهما الصلاة والزكاة ، بينهما جاء الإعراض عن اللّغو ، فكأنّ الله عز وجل رفعَ من شأن هذه الفضيلة ، فضيلة الإعراض عن اللّغْو ، وجعلها في مستوى أداء الصلاة وإيتاء الزكاة قال تعالى :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون الآيات : 1-4]

 واللّغوُ كلّ ما سوى الله تعالى .
 شيءٌ آخر ، ومِنَ اللّغْو الحديث في سفاسف الأمور ، في الأشياء التافهة وفي الجزئيّات ، وفي الأمور التي لا طائل منها ، والتي لا يُجدي البحث فيها ، والتي لا تقدّم ولا تؤخّر ، إنّ الخوض في هذه الأحاديث ليس من صفات المؤمن ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إنّ الله يحبّ معاليَ الأمور ، ويكرهُ سفسافها ودنيّها ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]

 اشْغِلْ قلبك بِمَعالِيَ الأمور ، ودعْ عنك الترّهات والأباطيل ، والسفاسف فإنّها لا تجدي .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ بعض العلماء يقول : إنّ درجة المؤمن تزداد عند الله تعالى بِحَسب تنزّهه عن اللّغْو ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّه تُوُفّيَ رجلٌ في عهد رسول الله ، فقال رجلٌ آخر ، ورسول الله صلى الله عليه وسلّم يسمع ، أبْشِر بالجنّة ! فقال عليه الصلاة والسلام :

(( لا تدري فلعلّه تكلّم في ما لا يعنيه ، أو بخل بما لا ينقصهُ ))

[ رواه الترمذي ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يريد بها بأساً إلا ليضحك بها القوم ، وإنه ليقع منها أبعد من السماء ))

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]

 وإنّ المرء ليزِلّ عن لسانه أشدّ مّا يزلّ على قدمَيه .
 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذه الخطبة عن آفات اللّسان ، ينبغي أن تكون حقائقها في أذهانكم ، وينبغي أن تعزمون عزيمةً صادقةً على تطبيق ما جاء فيها ؛ لأنّ ما جاء فيها هو كلام الله ، وكلام رسول الله عليه أتمّ الصلاة والسّلام .
 شيءٌ آخر ، يقول الله تعالى :

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾

[ سورة البقرة الآية : 83 ]

 من الميثاق الغليظ ، من أشدّ أنواع المواثيق ، يقول للناس حسنًا ، قال تعالى :

﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 53 ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ للموضوع بقيّة ، وسوف أتحدّث إن شاء الله تعالى في الأسبوع ما بعد القادم عن تتِمّة هذا الموضوع ، وكيف أنّك تستطيع أن تعبد الله من خلال هذا اللّسان ، وإنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسَعُوهم بأخلاقكم ، وأنّ الكلمة الواحدة قد يهوي بها الإنسان في جهنّم سبعين خريفًا .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني .
 من لوازم هذا الموضوع كما قلتُ قبل قليل أنّ على المؤمن أن يكون أشدّ استماعًا ممّا هو راغبٌ في القول فيه ، لذلك ترْوي كتبُ السيرة أنّ سيّدنا عمر رضي الله عنه كان يمشي في أسواق المدينة راكبًا دابّته ، فلقيَتْهُ السيّدة الجليلة خَولة بن مالك ، فلمّا رآها نزلَ عن دابّته ، ووقف يستمعُ إليها ، قالَتْ اتّق الله يا عمر ، لقد كنتَ في الجاهليّة عميرًا ، وصرت بعد الإسلام عمرًا ، وأنت اليوم أمير المؤمنين ، فاتّق الله يا عمر ، واعلم يا عمر ، أنّ من خاف الحِساب أمِنَ من العذاب ، ومن خاف الموت خشيَ من النار ، قال له أحدُ الواقفين : أتَسْتَمِعُ إلى كلام امرأة يا أمير المؤمنين ؟ فقال سيّدنا عمر : والله لو ظلَّتْ طوال اليوم تكلّمني ما فارقتها ، إلا لأؤدِّيَ الصلاة وأعود إليها ، أتدري مَن هي ؟ إنّها المرأة التي سمع الله قولها من فوق السّبْع الطّباق ، أفلا يستمع عمر إليها ؟ هذه المرأة التي قال الله في حقّها :

﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة المجادلة الآية : 1]

 أدَبُ الاستماع فضيلةٌ كبيرة من الفضائل ، وقلَّ من ينتبهُ إليها ، وقلَّ من يُحسنها ، وتراهُ يُصغي للحديث بِسَمعه وبقلبه ، ولعلّه أدرى به .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

العين :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة النحل الآية : 78 ]

 قال تعالى :

﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة السجدة الآية : 9]

 قال تعالى :

﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة الملك الآية : 23]

 قال تعالى :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْن ﴾

[ سورة البلد الآية : 8]

 كأنّ الله سبحانه وتعالى يلفتُ نظرَنا إلى هاتَين العينين في آياتٍ أخرى يقول الله عز وجل :

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

[ سورة فصلت الآية : 53]

 ونفْسُ الإنسان أقربُ إليه من الأفلاك ، والأجرام السماويّة .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هل فكّرتم كيف ترون بهذه العَين الصغيرة الأشياء بِحَجمها الحقيقيّ ؟ أعظم آلةٍ للتصوير تعطيك صورةً لا تزيدُ عن مساحو الكفّ ‍! كيف ترى الجبل جبلاً ، والبحر بحرًا ، والشّمس شمسًا ؟ كيف ترى الأشياء بحجمها الحقيقيّ ؟ هذا السؤال لا يستطيع أيّ عالم أن يُجيبُ عنه حتى الآن ، كيف ترى الجبل بحجمه الحقيقي ؟ بينما أعظم آلةٍ للتصوير تعطيك الجبل بحجمٍ لا يزيد عن الكفّ .
 شيءٌ آخر ، كيف تستطيع العين ؛ لو أنّنا درَّجْنا اللّوْن الأخضر مثلاً إلى ثماني مئة ألف درجة ، لو درّجنا اللّون الأخضر ، أو أيّ لون آخر ، إلى ثمان مئة ألف درجة ، قريب من المليون درجة فإنّ العين السليمة تستطيع أن تفرّق بين درجَتَين ، بين لونَين من هذه الدرجات التي تزيد عن ثماني مئة ألف ، للّون الواحد ، قال تعالى :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْن ﴾

[ سورة البلد الآية : 8]

 شيءٌ آخر ، كيف أنّ هذه العين تستطيعُ أن ترى البُعْد الثالث ؟ ترى الطول والعرض والعمق ، لو جعل الله لنا عينًا واحدة لرأى بها الأشياء مسطّحةً لا بِحَجمها الحقيقي ، البعْد الثالث وهو العمق لا تستطيع أن تراه بعين واحدة ، طبّق ذلك إذا شئت ، لا تستطيع أن ترى البُعْد الثالث إلا بالعَينين معًا .
 شيءٌ رابع ، كيف أنّ هذه الصورة إذا وقعَت على الشبكيّة تنطبعُ عليها وتنتقل إلى الدّماغ في أقلّ من جزءٍ من خمسين جزءً من الثانية ، يعني في كلّ ثانية واحدة تستطيع العين نقْل خمسين صورة إلى الدّماغ ، متى التحميض ؟ ومتى إظهار الصورة ؟ في كلّ ثانية خمسون صورة ، تنتقل إلى الدّماغ ، والدّماغ يُدرك المُراد منها .
 شيءٌ آخر ، وهي أنّ العين السليمة تستطيع أن ترى خطَّين بينهما واحد على عشرين من الميلي متر ، العين السليمة ترى خطَّيْن بينهما ، واحد على عشرين من ميلي متر ، وفي العين أشياء وأشياء لا يحتملُ هذا المنبر الحديث عنها ، مثلاً في الشبكيّة التي لا تزيدُ مساحتها عن ميلي مترات فيها مئة وثلاثون مليون عصيّة ، وسبعة ملايين مخروط ، المئة وثلاثون مليون عصيّة من أجل الأبيض والأسود ، وسبعة ملايين مخروط من أجل الألوان والتفاصيل ، قال تعالى :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْن * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْن ﴾

[ سورة البلد الآيات : 8 -9]

 في العَين قرنيّة شفّافة ، شفافيّة تامّة ، وهذه الشفافيّة لو تعلمون كيف كانت شفافة ، لو أنّ هذه القرنيّة الشفافة غُذّيَت عن طريق الشرايين والأوردة كما هي الحال في أيّ نسيجٍ آخر في الجسم لكانتْ الرؤية مُشوّشة ، ولرأينا شبكةَ فوق العين ، ولكنّ القرنيّة وحدها تتغذّى عن طريق الحلول ، أي الخليّة الخارجيّة تأخذ غذاءها وغذاء جارتها من أجل أن تبقى الرؤية سليمة وشفّافة ، وواضحة ، والقزحيّة ، هذه الحدقة الملوّنة التي تتَّسع وتنقبض تتّسع إذا قلّ النور ، وتنقبض إذا اشتدّ النور بشكلٍ آلي ، لا علاقة لك به إنّها تتّسع وتنقبض من دون أن تعلم ، ولا أدلّ على ذلك أنّك إذا دخلْت فجأةً من مكانٍ مضيء إلى مكان أقلّ إضاءة لا ترى شيئًا إلى أن تتّسع هذه القزحيّة بشكلٍ لا إرادي ، جسمٌ بلّوري يقوم بِعَملٍ لا يستطيع أن يقوم به أكبر العلماء ، أنّه ينضغط ، ويتقلّص ويتمدّد ، بِحَيث يعلو .
 الخلط الزجاجي ، والسائل الزجاجي له ضغوط معيّنة .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذه المعلومات هي معلوماتٌ سطحية جدًّا ، معلومات أوليّة يقرؤُها الطلاّب في التعليم الثانوي ، فكيف إذا خُضنا في معلوماتٍ يقرؤها الطلاب في الجامعة ؟ قال تعالى :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْن * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْن * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

[ سورة البلد الآيات : 8 -10]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴾

[ سورة عبس الآية : 17]

 يعني ما الذي جعله يكفر ؟ قال تعالى :

﴿ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴾

[ سورة عبس الآيات : 18-19]

 سألتُ في الأسبوع الماضي طبيبًا ، متى ينبضُ القلب في الجنين ؟ فقال في الأسبوع السادس ، قبل ستّة أسابيع كانت نطفة ، وبعد ستّة أسابيع صار قلبًا ينبض ، قال تعالى :

﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ﴾

[ سورة عبس الآيات : 17-23]

 ماذا ينتظر ؟ لم يستقم بعدُ ، ولم يتب ، ماذا الذي ينتظره ؟ قال عليه الصلاة والسلام :

(( بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ، هل تنتظرون إلا غنًى مطغِيًا ، أو فقرًا منسيًا ، أو مرضًا مفسدًا ، أو هرمًا مفنّدًا ، أو موتًا مجهزًا ، أو الدجال فشَرُّ غائبٍ يُنتظر ، أو الساعة والساعة أدهى وأمرّ ))

[ رواه الترمذي ]

 من دون أن تعرف الله عز وجل ، وأن تسعى للتقرّب منه ، فجُهْدٌ ضائع وخسارة كبيرة ، والموت يأتي فجأةً ، والقبر صندوق العمل ، قال :

وكلّ ابن أنثى وإن طالَتْ سلامت ه يومًا على آلة حدباء محمول
فإذا حملْتَ إلى القبور جــنازةً  فاعلَم بأنّك بعدها محــمول
***

 والليل مهما طال فلابدّ من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلابدّ من نزول القبر

 

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى إنَّه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018