الخطبة : 0191 - مجالات الكذب - النوم المبكر . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0191 - مجالات الكذب - النوم المبكر .


1987-11-27

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ، ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

مجالات الكذب .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في الخطبة السابقة تحدثت عن موضوع الصدق ، وكيف أن الصدق أحد صفات المؤمن الرئيسة ، ووعدتكم في هذه الخطبة ، أن أتحدث عن المجالات التي يكثر فيها الكذب ، والكذب كما تعلمون يؤدي إلى الفجور والفجور يؤدي إلى النار .

1- من ميادين الكذب : اللهو والمزاح والعبث .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ قد نظن أن الكذب في اللهو ، والمزاح ، والعبث ، لا حرمة فيه وهذا عين الخطأ ، عن بهز بن حكيم رحمه الله عن أبيه عن جدِّه قال : سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( ويل للذِي يُحدِّثُ بالحديث ليُضْحِكَ به القوم ، فيَكذِبُ ، ويل له ، ويل له ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي ]

 المعروف أن الذي يستخدم الكذب في لهوه ، ومزاحه ، كثيراً ما يؤدي هذا اللهو إلى العداوة والبغضاء ، قد تبدأ لهواً ، وقد ينتهي اللهو عداوة ، حينما يستخدم الكذب أداةً لهذا اللهو ، ويل ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ويل للذِي يُحدِّثُ بالحديث ليُضْحِكَ به القوم ، فيَكذِبُ ، ويل له ، ويل له ))

 النبي عليه الصلاة والسلام كان يمزح ، ولا يمزح إلا حقاً ، لا ينبغي أن نستخدم الكذب في مزاحنا ، ولا في لهونا ، ولا في مداعباتنا ، إن هذا الكذب ينتهي إلى العداوة والبغضاء ، وكم من مزحة كاذبة أدت إلى طلاق ، وكم من مزحة كاذبة أدت إلى انفصام شركة ، وكم من مزحة كاذبة أدت إلى عداء بين أخويين ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :‏

(( من فرق فليس منا ))

[ رواه الطبراني عن معقل بن يسار ]

 مطلق التفريق ، بين الأم وابنها ، بين الزوج وزوجته ، بين الأخ وأخيه ، بين الشريك وشريكه ، بين الجار وجاره ، ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( أنا زعيم ، بمعنى ضامن ، ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا ))

[ حديث صحيح رواه أبو داود عن أبي أمامة الباهلي رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاح والمراء وأن كأن صادقا ))

[ رواه أحمد والطبراني عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ ]

 الإيمان كله ، لابد من أن تبلغ تمام الإيمان ، كمال الإيمان .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذا ميدان ، ميدان اللهو ، والمداعبة ، والمزاح ، لا ينبغي أن يكون الكذب في هذا الميدان ، وإلا كانت العداوة والبغضاء .
 كلمة قالتها السيدة عائشة ، قالت عن أختها صفية إنها قصيرة فقال :

(( ‏لقد قلتِ كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ))

[‏رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عن عائشة رضي اللّه عنها وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ صحيح ]

2- من ميادين الكذب : المديح .

 ميدان آخر من الميادين الذي يكثر بها الكذب ، إنه ميدان المديح قد تحب إنساناً ، أو قد ترتبط مصلحتك بإرضائه ، أو قد تخشى شره ، عندئذٍ تبالغ في صفاته ، تقول عنه قولاً غير صحيح ، تنعته بصفات لا يملكها تخفي عيوبه ، وتبرز محاسنه ، ميدان المديح ، الكذب في المديح ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق ))

[ أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت ، وابن عدي في الكامل ، وأبو يعلى والبيهقي في الشعب من حديث أنس ]

 ليغضب ، إنك إذا مدحت فاسقاً ، تارك صلاة ، شارب خمر ، إذا مدحته ، كأنك تقول للناس هذا قدوة ، اقتدوا به ، سيروا على طريقته ، اقتفوا أثره ، إنك بهذا تضل الناس ، تبعدهم عن طريق الحق ، تبعدهم عن الصراط المستقيم ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول :‏

(( لا تطروني ـ أي لا تمدحوني ـ كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله ))

[ رواه البخاري في صحيحه عن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ]

 لا يحملنكم إطرائي على أن ترفعوني عن بشريتي .

(( ‏إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر ، وأغضب كما يغضب البشر ))

[‏ رواه مسلم عن أنس في صحيحه ]

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾

[ سورة الكهف الآية : 110 ]

 لا ينبغي أن يحملك المديح على استخدام الكذب بحيث يبتعد الممدوح عن الصفات ، أو عن حجمه الحقيقي ، ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب ))

[ رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن المقداد بن الأسود ، والطبراني وابن حبان عن ابن عمر، والحاكم في الكِنى عن أنس ]

 وفي رواية أخرى :

(( ‏أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو في وجوه المداحين التراب ))

[ رواه الإمام أحمد بن حنبل من حديث المقداد بن الأسود رضى الله عنه]

 إذا مدحت إنساناً بما ليس فيه ، كأنك طعنت في أحكامك أنت ، كأنك صغرت نفسك أمام الناس ، كأنك أكدت للناس أنك كاذب ، أو مغفل أو ساذج .

﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ﴾

[ سورة النجم الآية : 32 ]

 ولا تزكوا على الله أحدا ، ليكن ديدنك الصدق في كل أحوالك .
 أيها الإخوة المؤمنون :

(( أن رجلاً ذُكِرَ عندَ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فأثى عليه رجلٌ خيراً، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ ـ يقوله مراراً ـ إنْ كانَ أحَدُكُمْ مادِحاً لاَ مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ : أحْسِبُ كَذَا وكَذَا إنْ كانَ يَرَى أنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّهُ وَلا يُزَكِّي على اللَّهِ أحَداً ))

[ رواه البخاري عن أبي بكرة رضي اللّه عنه]

 في بعض الحفلات ، في بعض عقود القران ، يقف رجل ليلقي كلمة فيها توجيه للناس ، ينهي كلمته بالثناء على الخاطب ، أو على العريس ثناء غير معقول ، لا يعرفه إطلاقاً ، لا يعرف أخلاقه ، فإذا كان في الحضور من يعرف أخلاق العريس على خلاف ما قاله هذا العالم فإن الثقة تتضعضع في كلام هذا العالم .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ‏لا تزكوا على الله أحدا .

﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾

[ سورة النجم الآية : 32 ]

3- من ميادين الكذب : البيع والشراء .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ميدان ثالث من ميادين الكذب ، البيع والشراء ، فالتاجر أحياناً رغبةً منه في تحصيل الربح الجزيل بأقصر وقت ، وفي دفع الخسارة في أقل وقت يعمد إلى الكذب ، يدعي أن ثمن البضاعة كذا وكذا ، يخفي عيبها يثني عليها ثناءً غير صحيح ، وهذا كله كذب ، والكذب كما قال عليه الصلاة والسلام :‏

(( اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للبركة‏ ))

[ متفق عليه من حديث أبي هريرة بلفظ "الحلف" ]

 يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ‏البيعان بالخيار ما لم يفترقا ، فإِن صدقا ))

 يعني الشاري والبائع ، غلبنا البائع فشمل الشاري ، كأن تقول الوالدين ، يعني الأب والأم .

(( البيعان ))

 يعني البائع والشاري .

(( بالخيار ))

 خيار المجلس ـ

(( ما لم يفترقا ، فإِن صدقا وبيِّنا بورك لهما في بيعهما ))

(( وبيِّنا ))

 نوع البضاعة ، منشأ البضاعة ، حقيقة هذه البضاعة العيب ، الصلاحية ، مدة انتهاء المفعول .

(( وبيِّنا بورك لهما في بيعهما ، وإن كتما وكذبا محقت البركة من بيعهما ))

[‏ مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ عَنْ أبي خالد حكيم بن حزام رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 أوسع نشاط يمارسه الإنسان نشاط البيع والشراء ، وكثيراً ما يكون الكذب متسعاً رقعته في البيع والشراء ، فلا ينبغي للمسلم أن يستخدم الكذب ليروج بضاعة ، أو ليقنع شارياً ، أو ليخفي عيباً ، إذا دخل الكذب في البيع والشراء محقت بركة هذه التجارة .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( كَبُرَتْ خِيانَةً أنْ تُحَدِّثَ أخاكَ حَدِيثاً هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وأنْتَ بِهِ كاذِبٌ ))

[‏ رواه الإمام أحمد عن شيخه عمر بن هارون ]

 كبرت خيانة ، قد يأتيك شاري ، طيب القلب ، سليم الطوية ، مستسلم لك ، يقول لك انصحني ، وأنت بهذا تستغل سذاجته ، وطيبه ، وغفلته ، واسترساله كما قال عليه الصلاة والسلام ، وتبيعه بضاعة بأغلى من ثمنها الحقيقي ، أو تخفي عنه عيباً ، أو تزور مصدر البضاعة ، أو تخفي بعض عيوبها ، عندئذٍ تكون قد خنت الله ورسوله ، وخنت إمامك وخنت عامة المسلمين .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ لا تنسوا أن للدين تعريفاً جامعاً مانعاً قال عليه الصلاة والسلام :‏

(( الدّينُ النَّصِيحَةُ ، قالوا : لمن يا رسول اللّه ؟! قال : لِلَّهِ وكِتابِهِ وَرَسُولِهِ وأئمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعامَّتِهِمْ ))

[‏ أخرجه مسلم عن تميم الداريّ رضي اللّه عنه‏ ]

 فبمجرد ألا تنصح أخاك المسلم ، في البيع والشراء فقد خرجت من دائرة الدين ، بنص هذا التعريف ، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن عقبة بن عامر:

(( لا يحل لامرئ يبيع سلعة ، يعلم أن بها داء ، إلا أخبره ))

 وكأن الآية الكريمة ، وهي قوله تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 77 ]

 يعني إذا قلت للشاري الله وكيلك ، بالأمانة ، هل تعلم ماذا فعلت بنفسك ، اشتريت بعهد الله ثمناً قليلاً ، إذا قلت الله وكيلك ، تقول الله وكيلك للشاري ، وأنت تكذب عليه ، وأنت لا تنصحه ، اشتريت بعهد الله ثمناً قليلاً ، هذا ميدان آخر من ميادين الكذب .

 

4- من ميادين الكذب : الشهادة .

 ميدان رابع : ألا وهو الشهادة ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ألا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبائرِ؟ ـ ثلاثاً ـ قلنا: بلى يا رسول اللّه ! قال : الإِشْرَاكُ باللَّهِ ، وَعُقُوقُ الوالِدَيْنِ ، وكان متكئاً فجلسَ فقال : ألا وَقَوْلُ الزُّور وَشَهادَةُ الزُّورِ ، فما زال يُكرّرها حتى قلنا : ليته سكت ))

[ أخرجه البخاري ومسلم عن أبي بكرة نُفيع بن الحارث رضي اللّه عنه ]

 هل تعلم أيها الأخ الكريم ، حينما تشهد شهادة غير صحيحة ، أنك قلبت الحق إلى باطل ، والباطل إلى حق .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴾

[ سورة النساء الآية : 135 ]

 بالعدل ، قوامين ، جمع قوام ، على وزن فعال ، صيغة مبالغة ، يعني بالغ في تحري الحق ، بالغ في أداء الحقوق .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾

[ سورة النساء الآية : 135 ]

5- من ميادين الكذب : الحرف والصناعات .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ميدان خامس من ميادين الكذب : الحِرف والصناعات ، يقول عليه الصلاة والسلام ، فيما معناه : إنما أهلك الصنعة ، قول غدٍ وبعد غدٍ التسويف ، المواعيد الكاذبة ، يأخذ عروضاً لا يستطيع أدائها في الوقت المحدد ، يسوف هذا ، ويسوف هذا ، هذا ليس من الدين في شيء ، والله سبحانه وتعالى يثني على سيدنا إسماعيل بأنه صادق الوعد ، قال تعالى :

﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّا ﴾

[ سورة مريم : 54 ـ 55 ]

 يا أخوة الإيمان ؛ ورد عن النبي العدنان عليه أتم الصلاة والسلام أنه قال :

(( ‏إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا ، وإذا ائتمنوا لم يخونوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا اشتروا لم يذموا ، وإذا باعوا لم يطروا وإذا كان عليهم لم يمطلوا ، وإذا كان لهم لم يعسروا ))

[ رواه البيهقي في شعب الإيمان عن معاذ تصحيح السيوطي ضعيف ]

6- من ميادين الكذب : الوهم .

 بقي أيها الإخوة ميدان من ميادين الكذب يظنه الإنسان من دون أن يتعمق ينجيه ، إذا كان الإنسان في خطر ورأى أو توهم أن الكذب ينجيه من هذه الورطة ، ومن هذه التهمة ، ومن هذه المشكلة ، ومن هذا البلاء النبي عليه الصلاة والسلام يقول غير هذا ، يقول :

(( تحروا الصدق ، وإن رأيتم أن فيه الهلكة ، فإن فيه النجاة ))

[ هناد عن مجمع بن يحيى مرسلا تصحيح السيوطي حسن‏ ]

 وإن رأيتم ، إن توهمتم ، إن اعتقدتم ، إن ظننتم أن في الكذب نجاة فالعكس هو الصحيح ، الصدق منجاة والكذب مهواة .

(( ‏تحروا الصدق ، وإن رأيتم أن فيه الهلكة ، فإن فيه النجاة ))

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( ‏إذا كذب العبد تباعد عنه الملك ميلا من نتن ما جاء به‏ ))

[ رواه الترمذي عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

 يعني حياة المؤمن يجب أن تبنى على الصدق ، فيما بينه وبين الله وفيما بينه وبين الناس ، وفيما بينه وبين كل شيء ، موضوع دقيق جداً ، هو أن المؤمن لمجرد أن يصدق في أقواله تسمو أفعاله ، وتصلح سريرته ، وينفتح قلبه ، وتشرق روحه ، يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب الآيات : 70 ـ 71 ]

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾

 يعني أنت حينما تعزم العزم الأكيد على أن تقول الصدق ، ولا تستطيع أن تقول الكذب ، تصلح من عملك ، حتى لا تكذب في الإخبار عنه ، لا بد من أن تصلح عملك ، حتى لا تكذب في الإخبار عنه ، لو أنك تصنع أداة ، وسألك الشاري أموادّها الأولية من هذا النوع ، فإن كذبت عليه سقط من عين الله لا بد من أن تتقن صنعتك من أجل ألا تكون كاذباً ، لذلك :
 " اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما "

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

 إذا أردت صلاح العمل ، وطهر النفس فابدأ بتحري الصدق في كل صغيرة وكبيرة .

 

الخلاصة :

 عودة على بدء يقول عليه الصلاة والسلام : ‏

(( عليكم بالصدق ، فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة وما زال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى عن الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ))

[ أخرجه أحمد والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ أن تقول الواقعة كما وقعت هذا صدق ، وفي الصدق معان أخرى أن تقول ، أن تخبر عن الواقعة كما وقعت ، عن البضاعة كما هي عليه هذا صدق ، لكن هناك معان أخرى للصدق ، الصدق في معرفة الله الصدق في طلب الحق ، الصدق في طلب رضوان الله ، الصدق في طلب الجنة ، هذا معنى آخر ، تؤكده هذه الآية ، يقول الله عز وجل :

﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾

[ سورة البقرة الآية : 177 ]

 هذا الصدق ، الصدق في طلب الحقيقة ، الصدق في معرفة الله الصدق في طلب رضوان الله ، هذا هو الصدق .

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .
والحمد لله رب العالمين

***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

النوم المبكر .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الذي يقرأ كلام الله ، ويقرأ السنة النبوية المطهرة يستنبط من خلال آيات عدة ، ومن خلال أحاديث عدة ، أن الله عز وجل ونبيه الكريم يغربون بالنوم باكراً والاستيقاظ باكراً ، قال تعالى :

﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ﴾

[ سورة النبأ الآية : 9 ]

 وقال تعالى :

﴿ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودا ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 78 ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام : ‏

(( بوُرِكَ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا ))

[ الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي اللّه عنه‏ ]

(( ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ))

[ أخرجه مسلم من حديث عائشة ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( لا تجتمعوا بعد صلاة العشاء إلا لطلب العلم ))

 أن تسهر لغير طلب العلم ، فهذا ليس من السنة النبوية المطهرة لا تجتمعوا بعد صلاة العشاء إلا لطلب العلم ، كأن النبي عليه الصلاة والسلام يريدنا أن ننام باكراً ، وأن نستيقظ باكراً ، والله سبحانه وتعالى يقول : " وقرآن الفجر " وفي بعض تفسيرات هذه الآية ، أي القرآن الذي تتلوه في صلاة الفجر " إن قرآن الفجر كان مشهودا " .
 العلماء يؤكدون أن أعلى نسبة لغاز الأوزون تكون عند الفجر وهذه النسبة تقل تدريجاً حتى تضمحل عند طلوع الشمس ، أما تأثير هذا الغاز ، غاز الأوزون فهو تأثيرٌ مفيدٌ جداً للجهاز العصبي ، ومنشط جداً للعمل الفكري والعضلي ، فمن بقي في فراشه ، واستيقظ بعد الشمس شعر طوال اليوم بأنه منهار القوى ، هذه الحقيقة الأولى ، الأوزون أعلى نسبة له تكون عند الفجر ، وتقل تدريجياً حتى تضمحل عند شروق الشمس ، ولهذا الغاز تأثيرٌ يفوق حدود التصور في الجهاز العصبي وفي تنشيط الإنساني للعمل الفكري والعضلي وهذا شيء مجرب .
 يعرف كيف يؤدي عمله طوال النهار في نشاط منقطع النظير .
 شيء آخر : نسبة الأشعة فوق البنفسجية ، تكون أكبر عند الشروق منها حين ترتفع الشمس في كبد السماء ، وهذه الأشعة فوق البنفسجية هي التي تحرض الجلد على صنع الفتامين دال ، والفتامين دال هو وحده الذي يثبت الكلس في العظام ، هشاشة العظام ، سرعة كسر العظام ، ضعف البنية العظمية ، سببها النوم إلى بعد طلوع الشمس .
 ثالثاً : الاستيقاظ الباكر يمنع النوم المديد ، النوم المديد ساعات ثمان ساعات متصلة الجسم يضعف نشاطه إلى أدنى حد ، والقلب تقل عدد نبضاته إلى أدنى حد ، والدم يجري بطيئاً في الشرايين عندئذٍ تترسب المواد الدهنية في جدران الشرايين ، وهذا الذي يسبب ضيق الشرايين والذبحة الصدرية ، النوم المديد .
 الاستيقاظ إلى صلاة الفجر يمنع النوم المديد ، تنام على دفعتين قبل الصلاة وبعد الصلاة ، أما النوم المديد يسبب ترسب المواد الدهنية في جدران الشرايين ، وهذه تضيق ، والقلب يضعف ، ثم يؤدي ذلك إلى الذبحة الصدرية ، هكذا يقول العلماء .
 شيء آخر : في الجسم مادة تزيد الفعاليات كلها في الجسم ، وترفع مستوى استقلاباته ، وتزيد نسبة السكر في الدم ، هذه المادة تبلغ أعلى درجة والإنسان في وقت باكر ، هذه بعض الحقائق العلمية التي تدعم أن هذا الكتاب من عند الله " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " هذه المادة اسمها الكورتزون ، مادة في الإنسان موجودة ، ترفع مستوى الاستقلاب ، تزيد نسبة السكر في الدم ، وفوق هذا وذاك تزيد الفعالية العامة للأجهزة والأعضاء في الإنسان ، هذه تبلغ نسبة 22 عند الفجر وتقل إلى 7 درجات .
 أيها الإخوة المؤمنون :

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 78 ]

 ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ، بوُرِكَ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا ، لا تجتمعوا بعد صلاة العشاء إلا لطلب العلم .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا اصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا ، اللهم أغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وفك أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم إن نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء ، مولانا رب العالمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا يا أرحم الراحمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين وانصر الإسلام وأعز والمسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنه على تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018