الخطبة : 0267 - الهجرة2 - لغة النمل. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0267 - الهجرة2 - لغة النمل.


1989-08-11

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

دروس مستفادة من الهجرة :

1 ـ التعاطف مع أفكار الدين لا ترفع الإنسان عند الله :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ كان الموضوع في الخطبة السابقة عن الهجرة ، ولازلنا في هذا الموضوع ، وقد أكَّدت لكم أن العِبرة ليست في الوقائع والأثر ولكنها في الدلائل والعبر ، لأن الوقائع قد وقعت ، والأثر قد انقضى ، ولكن الدلائل والعِبَر هي التي نستطيع أن نستفيد منها في حياتنا الدنيا ، إذا استقينا من الهجرة دروساً بليغة ، ومواعظ جمَّة ، يمكن أن تلقي ضوءاً على حياتنا المعاصرة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الدرس الذي كان في الأسبوع الماضي الهجرة موقفٌ عملي .

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[ سورة الأنفال : 72 ]

 يجب أن تأخذ موقفاً عملياً ، يجب أن تكون ملتزماً بأوامر الدين ، يجب أن تكون مُنتهياً عمَّا نهى الله عنه ، يجب أن تعطي لله ، وأن تمنع لله ، يجب أن تصل لله ، وأن تقطع لله، يجب أن تبني علاقاتك كلِّها في ضوء إيمانك ، يجب أن تتحرَّك حتى ترضي الله عزَّ وجل ، لا ينبغي أن تكتفي بالمشاعر والتعاطُف ، التعاطف مع أفكار الدين ، والمشاعر السامية المتعلقة بالإيمان هذه لا ترفعك عند الله عزَّ وجل ، كان هذا هو الدرس الأول .
 أي إذا قلت : أنا أعرف الله ، فاسأل نفسك هذا السؤال : ماذا صنعت في حقه ؟ وإذا قلت : أنا أعرف الموت ، فاسأل نفسك هذا السؤال : ماذا أعددت له ؟ هذا هو الدرس الأول الذي تحدثت عنه في الخطبة السابقة .

 

2 ـ الأخذ بالأسباب و التوكل على ربّ الأرباب :

 الدرس الثاني : هو أن النبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا في الهجرة أن التوكل الحقيقي هو أخذٌ بكل الأسباب ، ثم توكلٌ على رب الأرباب ، فالنبي عليه الصلاة والسلام وضع خطَّةً محكمةً لهجرته ، حيث كتم تحرُّكه وقصده ، واستأجر دليلاً ذا كفايةٍ عالية ، واختار غار ثور الذي يقع في جنوب مكة - تضليلاً للمطاردين - وحدَّد لكل شخصٍ مهمَّةٍ أناطها به ؛ فمن واحدٍ لتقصي الأخبار ، وآخر لمحو الآثار ، وثالثٍ لإيصال الزاد ، وكلَّف سيدنا علياً كرَّم الله وجهه أن يرتدي برده الشريف ، ويتسجَّى على سريره تمويهاً على المحاصرين الذين أزمعوا قتله. خطةٌ محكمة ، فيها كل التفصيلات ، تغطي كل الثغرات ، هذا درسٌ بليغٌ لنا لأن الله سبحانه وتعالى حينما خلق السموات والأرض خلقها تسير على نظامٍ دقيقٍ دقيق ، فمن معاني العبوديَّة أن تتأدَّب مع هذا النظام الدقيق ، فلا ينبغي للطالب مثلاً أن يطمح أن يوفِّقه الله في النجاح وهو لا يدرس ، لقد خالف السُنَّة ، لقد ترك الأخذ بالأسباب ، إذا قال لك : أنا توكَّلت على الله ، وهو لا يعطي الدراسة حقها فهو كاذب ، وهو عاصٍ لله عزَّ وجل .
 في أي حقل ، في أي مجال ؛ في عالم الزراعة ، في عالم الصناعة ، في عالم التجارة ، في عالم الإنجاز لابدَّ من أن تأخذ بالأسباب ، ثم تتوكَّل على رب الأرباب ، أما أن تتوكَّل على الله وأنت مقصِّر فهذه معصيةٌ لله عزَّ وجل .
 كتم تحرُّكه وقصده ، واستأجر دليلاً ذا كفايةٍ عالية ، واختار غار ثور الذي يقعُ في جنوبِ مكة ، وحدَّد لكل شخصٍ مهمةٍ أناطها به ، فمن واحدٍ لتقصي الأخبار ، وآخر لمحو الآثار ، وثالثٍ لإيصال الزاد ، وكلَّف سيدنا علياً كرَّم الله وجهه أن يتسجَّى على سريره تمويهاً على المحاصرين الذي أزمعوا قتله ، بعد هذا توكَّل على الله عزَّ وجل ، بعد هذا استسلم لحكم الله ، بعد هذا فوَّض أمره إلى الله ، بعد هذا استراح من عناء القلق ، هذا درسٌ بليغ يجب أن يوضع أمام كل مسلم ، في أيِّ حقلٍ يسعى ، في أي جهةٍ يسير ، في أي هدفٍ يتحرَّك نحوه لابدَّ من أن تأخذ بالأسباب ، وما تخلَّف المسلمون عن ركب العالَم الحديث إلا عندما فهموا التوكل توكلاً من دون أن تأخذ بالأسباب ، الله سبحانه وتعالى يقول في مَعْرِض الجهاد :

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾

[ سورة الأنفال : 60 ]

 أي للكفار . .

﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

[ سورة الأنفال : 60 ]

 لابدَّ من أن تعدَّ لكل شيءٍ عدَّته ، أما أن تقول : أنا مؤمن ، والله معي ، وسينصرني . وأنت مقصِّر ، وأنت كسول ، فليس هذا من الدين في شيء ، الله سبحانه وتعالى لن يغيِّر نظام الكون من أجلك ، لن يعطِّل السُنَن من أجلك ، لن يغير ناموس الكون من أجلك، لابدَّ من أن تتأدَّب مع هذه القوانين التي وضعها الله لك . .

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾

[ سورة الكهف : 83-85]

الشرك الخفي اعتماد على الأسباب فقط :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ تعليقٌ دقيقٌ وخطير : إن هذه التدابير التي اتخذها النبي عليه الصلاة والسلام ، على كثرتها ودقَّتها ليست صادرةً عن خوفٍ شخصي ، ولم يكن اعتماده عليها ، والدليل أنه كان في غاية الطُمأنينة حينما وصل المطاردون إلى الغار ، وتحلَّقوا حوله ، بحيث لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآهما ، ولا يخفى عليكم أن سيدنا أبا بكرٍ رضي الله عنه اضطرب وقال : يا رسول الله إذا نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا . فقال عليه الصلاة والسلام:

(( يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما ؟! ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 هذه التدابير الدقيقة لم تكن صادرةً عن خوفٍ شخصي ، ولم يكن اعتماده صلى الله عليه وسلَّم عليها ، وأنت أيها الأخ الكريم فرعٌ من الدرس الثاني ، إذا أخذت بالأسباب واعتمدت عليها فقد أشركت ، لأن الله سبحانه وتعالى بقدرته أن يلغي هذه الأسباب ، وأن تفاجأ بشيءٍ لم يكن في الحُسبان ، يجب أن تأخذ بالأسباب وأن تعتمد على رب الأرباب ، إذا اعتمدت على الأسباب فهذا - كما قال بعض العلماء - هو الشِرك الأصغر ، الشرك الخفي ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إن أخوف ما أخاف على أمتي الإشراك بالله ، أما إني لست أقول : يعبدون شمسا ، ولا قمراً ، ولا وثناً ، ولكن أعمالاً لغير الله ، وشهوة خفية ))

[ الجامع الصغير عن شداد بن أوس]

 هذا الذي يعتمد على ماله ، ويقول لك باللغة الدارجة : الدراهم مراهم . هذا مشرك، ولكن شركه خفيّ ، الشرك الجليّ أن تقول : بوذا إله . هذا شركٌ جلي ، وأما الشرك الخفي فأن ترتاح وأن تعتمد على المال ، وتراه كل شيءٍ في الحياة ، أن تعتمد على صحتك القوية شركٌ خفي ، أن تعتمد على زوجتك شركٌ خفي ، أن تعتمد على أولادك شركٌ خفيّ ، خذ الأسباب وتوكَّل على رب الأرباب ، هذا هو الدرس الثاني من دروس الهجرة .

 

على المؤمن أن يثق بنصر الله و محبته له :

 كنت قد ذكرت لكم من قبلُ أن سيدنا أبا بكرٍ في بعض الروايات قال للنبي عليه الصلاة والسلام : " يا رسول الله لقد رأونا " . ألم أؤكد لكم أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن اعتماده على هذه الأسباب ، ولكنَّ اعتماده على رب الأرباب ، ولم يكن أخذه لهذه الأسباب بدافع الخوف الشخصي ؛ إنه يعرف أنه رسول الله ، ويعرف أن الله لن يتخلَّى عنه ، ويعرف أن الله ناصره .
 ويا أيها المؤمن يجب أن تعلم أنك مؤمن ، وأن الله سبحانه وتعالى وعدك بحياةٍ طيبة . .

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل : 97]

 يجب أن تثق بنصر الله لك . .

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[ سورة الحج : 38ٍ]

 يجب أن تثق بعلاقة المودَّة بينك وبين الله . .

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

[ سورة مريم : 96]

 يجب أن تثق أن الله يحبك . .

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

[ سورة المائدة : 54 ]

 يجب أن تعرف أنك مؤمن ، ولك معاملةٌ خاصة ، والدليل قوله تعالى :

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

[ سورة الجاثية : 21 ]

 أهكذا تظن أن تعامل كمؤمنٍ مستقيم في حياتك ، في زواجك ، في عملك ، في صحتك ، في أولادك ، في علاقتك كما يعامل الكافر المسيء ؟! أهكذا رب العالمين ؟! أهذه عدالته ؟

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية : 21 ]

 قال : يا رسول الله لقد رأونا ؟ قال : يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى :

﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الأعراف : 198]

 كم هي هذه الطمأنينة التي امتلأ بها قلب النبي عليه الصلاة والسلام ؟! بين أن ينظروا إليه ، وبين ألا ينظروا ثانية واحدة ، هذا حفظ الله له ، هذه عناية الله به ، هذه رعاية الله له . .

﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

[ سورة الطور : 48 ]

 وأنت أيها المؤمن على قدر إيمانك ، على قدر إخلاصك ، على قدر استقامتك ، على قدر محبَّتك ، على قدر ورعك .

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))

[الجامع الصغير عن أنس]

 على قدر هذا كله لك من هذه الآية نصيب :

﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

[ سورة الطور : 48 ]

أطع أمرنا نرفع لأجلـك حُجْـبَنـــا  فإنا منحنا بالـرضا من أحبَّنــــا
و لـذ بحـمـانـا واحتمِ بجنابنــــــا  لنحميك مما فيه أشـرار خلقنــا
وعن ذكرنا لا يشْغلنك شــاغلٌ وأخلص لنا تلقى المسرَّة والهنا
* * *

علو الإيمان لا يعفي الإنسان من الأخذ بالأسباب تأدباً مع الله :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ نحن لا نعرف بشراً على الإطلاق أحقَّ بنصر الله ، وأجدر بتأييده من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ؛ سيد الخلق ، حبيب الحق ، سيد الأنبياء والمرسلين ، لقد لاقى في جَنْبِ الله ما لاقى ، ومع ذلك - دققوا في هذه الكلمات - وعلى الرغم من كل ذلك ، استحقاق التأييد الإلهي لا يعني التفريط قيد أنملةٍ في استجماع أسبابه ، وتوفير وسائله ، وهذا أبلغ ما في درس الهجرة ، مهما كنت مقرَّباً عند الله ، مهما كنت أثيراً عند الله ، مهما علت مرتبتك ، مهما علا إيمانك لا يعفيك من أن تأخذ بالأسباب ، تأدُّباً مع الله عزَّ وجل.
 فأنت إذا أردت أن تنزل من الطائرة وهي محلِّقةٌ في الجو ، هناك للسقوط قوانين، إما أن تأخذ بهذه القوانين ، فتستعمل مظلَّةً ، فتصل إلى الأرض سالماً ، وإما أن تهمل هذه القوانين ، أو أن تحتقرها ، أو أن تظنَّها تجمَّد من أجلك ، فتنزل من دون مظلَّة ، فإذا أنت في حالةٍ لا توصف . ما قولك ؟ أتستطيع أن تهمل قوانين السقوط أم لابدَّ من أن تأخذ بها ؟ يجب أن تعتقد أن كل قانونٍ قنَّنه الله في الأرض هو كقانون السقوط ؛ إما أن تأخذ به وإما أن تدفع الثمن غالياً . هذا درسٌ ثانٍ من دروس الهجرة .
 يا أيها الأخوة المؤمنين ؛ يجب أن نعدَّ لكل أمرٍ عدَّته ، يجب ألا ندع مكاناً للحظوظ العمياء ، يجب أن نتخذ الأسباب وكأنها كل شيء في النجاح ، ثم نتوكَّل على الله وكأن التوكل كل شيءٍ في النجاح .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ حينما فهم المسلمون الأوائل التوكل هذا الفهم الصحيح رفرفت راياتهم في مشارق الأرض ومغاربها ، واحتلوا مركزاً قيادياً بين الأمم والشعوب لينشروا هذه الرسالة - رسالة الإسلام ، رسالة الحق والخير- وحينما فهم المسلمون التوكل توكلٌ من دون أخذٍ بالأسباب صاروا في مؤخِّرة الرَكب .

الأخذ بالأسباب من قِبَل النبي تشريعٌ لنا :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ شيءٌ آخر من دروس الهجرة ، الإمام عليٌ كرَّم الله وجهه يقول : " ما علمتُ أن أحداً من المهاجرين هاجر إلا متخفياً إلا عمرَ بن الخطَّاب ، فإنه لمَّا همَّ بالهجرة تقلَّد سيفه ، وتنكَّب قوسه ، ومضى قِبَلَ الكعبة ، والملأ من قريشٍ بفنائها ، وقال لهم : من أراد أن يثكل أمه ، وأن ييتم ولده ، وأن يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي ".
 يا عجباً‍ أيكون هذا الصحابي الجليل أشدَّ شجاعةً من رسول الله؟! إن هذا لا يعقل، وإن هذا لن يكون ، ولكن كيف نفسِّر ذلك ؟ كيف نفسِّر هجرة عمر وقد تحدَّى بها المشركين ؟ وكيف نفسِّر هجرة النبي وهو سيد المرسلين ؟ لماذا هاجر سيدنا عمر رضي الله عنه علانيةً متحدياً المشركين دون خوفٍ أو وَجَل بينما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام مستخفياً محتاطاً لنفسه ؟ أيكون عمر أشدَّ جرأةً ؟ معاذ الله ، رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أشجع الناس ، يوم حنين ما رئي أحدٌ أثبت ولا أقرب من العدو منه ، وسيدنا عليٌ كرَّم الله وجهه يقول :" كنا إذا حمي البأس ، واحمرَّت الحِدَق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلَّم ".
 ولكن عمر يا أيها الأخوة الأكارم ، أو أي مسلمٍ آخر غير رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يُعدُّ تصرُّفه تصرفاً شخصياً ، لا حُجَّةً تشريعيَّة ، سيدنا عمر اختار هذا النمط من الهجرة ، فإن نجحت نجح عمر ، وإن سقطت سقط عمر وحده ، ليس عمر مشرِّعاً ، هو يدفع ثمن أعماله ، هو اختار الهجرة بهذه الطريقة ؛ قد ينجح وقد لا ينجح ، ولكنَّ النبيّ عليه الصلاة والسلام تعدُّ أعماله ، تعد حركاته ، تعد سكناته ، يعدُّ سكوته ، يعدُّ إقراره تشريعاً .
 لذلك لو أن النبي عليه الصلاة والسلام هاجر كما هاجر عمر ، لكانت طريقة اقتحام الأخطار تشريعاً ، لكان اقتحام الأخطار ، إلقاء الإنسان بنفسه في التهلكة تشريعاً ، لكان الأخذ بها واجباً ، ولظنَّ الناس أنه لا يجوز أن تأخذ الحيطة والحذر ، ولألقى الناس بأيديهم إلى التهلكة اقتداء بنبيهم عليه الصلاة والسلام ، الذي جعل نواميس الأرض والسموات مبنيةً على الأسباب والمسبِّبات ، وجعل شرعه الحنيف متوافقاً معه ، لذلك ما عند الله لا يُنال إلا بالأسباب التي جعلها الله ثمناً له . من هنا هاجر النبي عليه الصلاة والسلام متخفياً ، أخذ بالأسباب ، استأجر دليلاً ، كلَّف شخصاً لتقصي الأخبار ، وآخر لمحو الآثار ، وثالثاً لإيصال الزاد ، ورابعاً لمعرفة الطريق . إن الأخذ بالأسباب من قِبَل النبي عليه الصلاة والسلام تشريعٌ لنا ، لذلك قال الله تعالى :

﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾

[ سورة البقرة : 195]

 هذا الذي يهمل جسمه ، هذا الذي يتعرَّض للأخطار من دون سببٍ وجيه ، هذا الذي ركب ناقةً حرون ، وجاهد مع النبي عليه الصلاة والسلام ، والنبي نهى عن أن يركب أحدٌ من أصحابه ناقة حرون ، فوقع من على ظهرها ، فدقَّت عنقه ، أبى أن يصلي عليه ، لأنه مات عاصياً ، لأن حياة الإنسان ليست مُلْكاً له ، بل ملكاً للمسلمين ، لا ينبغي أن يضحي بها بثمنٍ بخس .
 لذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أن ينام الإنسان على سطحٍ غير مسوَّر ، لو أنه وقع لمات عاصياً ، نهى عن أن يركب ناقةً حرون ، ويقاس عليها اليوم أنت منهيٌ أن تركب سيارةً ليست ذات كفايةٍ جيدة ، احتمال خللها ، واضطرابها ، وتدهورها ، إذا كان الاحتمال قائماً فأنت إذا ركبتها عاصٍ ، قياساً على الجمل الحرون ، قياساً على النوم على سطحٍ من دون سور . لذلك الدرس الثاني من دروس الهجرة هو : التوكل ، وحقيقة التوكل هو أن تأخذ بكل الأسباب ثم تتوكل على رب الأرباب .

 

التقصير في الأخذ بالأسباب يدفع المؤمن ثمنه :

 سيدنا عمر رأى أناساً يتسوَّلون في موسم الحج ، فقال : من أنتم ؟ قالوا : نحن المتوكِّلون . قال : كذبتم ، المتوكل من ألقى حبةً في الأرض ثم توكل على الله . هذا درسٌ بليغ، يوضع أمام الطالب ، أمام التاجر ، أمام الصانع ، أمام المزارع ، أمام الموظَّف ، أمام كل إنسان ، لهذا الكون سنن ، أنظمة دقيقة ، قوانين قنَّنها الله عزَّ وجل ، لن تصل إلى هدفك إلا عن طريق الأخذ بهذه الأسباب . .

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾

[ سورة الكهف : 83-85]

 أيْ أن تطمح في حياةٍ مستقرَّةٍ ، وزوجةٍ صالحة ، وأنت لست متأنياً في الزواج ، لم تسأل عن حقيقة هذه الأسرة ، لم تسأل عن تربية بناتها ، لم تسأل عن تربية أهلها ، تسرَّعت، أُخِذْتَ بالمظاهر ، عقدت العقد ، رأيت ما لا يصدَّق ، عندئذٍ تندب حظَّك ، أنت خالفت السُنَّة ، لِمَ لم تتريَّث؟ . .

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾

[ سورة الإسراء : 36]

 لا تكن عجولاً ، فأيُّ خطأٍ يدفع ثمنه المؤمن هو في الحقيقة تقصيراً في الأخذ بالأسباب .

 

الهجرة في سبيل الشيطان :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ معنىً آخر وأخير للهجرة : حينما تكون الهجرة - الهجرة في الأساس أن تغادر مكان إقامتك إلى مكان آخر - أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام تركوا مكة إلى المدينة ، حيث فُتِنوا عن دينهم ، أما هذا الذي يعيش في بلدٍ آمن ؛ تقام فيه شعائر الدين ، يصلي ، يصوم ، يحضر مجالس العلم ، يستمع إلى الآذان ، هذا الذي يدع بلداً تقام فيه شعائر الدين ، ويستطيع في هذا البلد أن يؤدّي العبادات كما أراد الله عزَّ وجل ، إذا تركها إلى بلدٍ فاجرٍ ، منحرفٍ ، فاسد هذه هجرةٌ معاكسة ، هذه هجرةٌ في سبيل الشيطان .
 قد يحقِّق مالاً وفيراً على حساب دينه ، ما ظنُّ هذا المسلم إذا رأى بناته على الشاطئ يسبحون؟ ما ظن هذا المسلم إذا رأى ابنته مع صديقٍ لها في بلاد الغُرْبَة ؟ فإذا أراد أن يمنعها اشتكت عليه ، وألزمه أهل تلك البلد أن يعطيها حريَّتها ، ما ظن هذا المسلم إذا رأى ابنه يدخِّن الحشيش؟ ما ظن هذا المسلم إذا رأى ابنه غارقاً في اللَّذات ؟ من أجل دريهمات تضيِّع دينك ودنياك ؟! .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هناك هجرةٌ في سبيل الرحمن ، وهناك هجرةٌ في سبيل الشيطان ، إذا كانت الهجرة على حساب دينك ، على حساب عرضك ، على حساب آخرتك ، على حساب استقرارك ، فهذه الهجرة لا يرضى الله عنها ، إنها في سبيل الشيطان .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

لغة النمل :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ في الخطبة السابقة تحدَّثت عن قوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة النمل : 18]

 وكيف أن الله سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى قال : أن هذه المجتمعات :

﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾

[ سورة الأنعام : 38]

 وكيف أن للنمل ملكةً ، وللنمل ذكوراً ، وللنمل عاملاتٍ ؛ بعضها للتنظيف ، بعضها للزراعة ، بعضها لرعي الماشية ، بعضها لدفن الموتى ، بعضها للحراسة ، تحدَّثت عن هذا في الخطبة السابقة ، واليوم الحديث عن لغة النمل .

﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة النمل : 18]

 هذه معانٍ نقلتها ملكة النمل إلى رعيَّتها ، فكيف كشف العلماء هذه اللغة ؟
 العلماء قالوا : إن في النمل غدداً كيميائيةً في البطن والرأس ، تقوم بإرسال المادة الكيميائية ؛ التي هي اللغة التي تتخاطب بها جماعة النمل .
 لغة النمل ؛ هناك لغةٌ صوتيةٌ ، وهناك لغةٌ إشاريةٌ - حركات - لغةٌ مسموعة ، ولغةٌ مشاهدة ، لغة الحركات ، ولغة الأصوات ، ولغة الشم ، اللغة التي تجري بين النِمل هي لغةٌ كيميائيَّة ، النملات تستقبل بأعضاء حاسة الشم الموزَّعة على قرنيّ الاستشعار هذه الإشارات الكيميائيَّة ، فمن بنود هذه اللغة أن هناك انتقالاً جماعياً إلى مكان الغذاء ، تخرج نملةٌ طليعيَّة لتبحث عن الغذاء ، وتفرز مادةً كيميائيَّةً على طريق سيرها .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018