الخطبة : 0265 - العبادة7 ( العبودية سبيل إلى الحرية الحقة ) - دعاء الحاج. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0265 - العبادة7 ( العبودية سبيل إلى الحرية الحقة ) - دعاء الحاج.


1989-07-28

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم ، رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

معاني العبودية لله عز وجل :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ كنا قد تحدثنا في خطب سابقة عن معنى العبودية لله عز وجل ، وكيف أن العبودية لله عز وجل هي علة الخلق ، فقد قال الله سبحانه وتعالى :

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات: 56]

 وتحدثت أيضاً عن أن من معاني العبودية أنها غذاء النفس ، فليس الإنسان جسداً فقط ، بل هو جسد ونفس ، إذا كان غذاء الجسد الطعام والشراب ، فإن غذاء النفس أن تعبد الله عز وجل ، هكذا فطرت ، من هنا يقولون : إن الإسلام دين الفطرة ، أي إن ما فيه من عبادات تتناسب مع فطرة هذا الإنسان ، فالنفس لا تسعد ، ولا تطمئن ، ولا تستقر ، ولا تخلد إلا إذا عبدت ربها وحده .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ معنى آخر من معاني العبودية ، العبودية الحقة سبيل إلى الحرية الحقة .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا عبدت الله وحده فعبادتك لله هي عين حريتك ، وسبيل حقيقي إلى سيادتك ، لذلك من عبد الله أصبح حراً من رق المخلوقين ، من رق الشهوات ، من رق النزوات ، من رق الحاجات ، أصبح حراً ، كن عبداً الله فعبد الله حر .

 

معرفة الله هدف مصيري للإنسان :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ في قلب كل إنسان ، وهذا جزء من فطرته ، حاجة ذاتية إلى إله يعبده ، إلى معبود يتعلق به ، ويسعى إليه ، ويعمل على مرضاته ، فإذا لم يكن معبود الإنسان هو الله لابد من أن يتجه إلى معبود آخر ، فقد يعبد نفسه ، وقد يعبد هواه ، وقد يعبد زيداً ، وقد يعبد عبيداً ، وقد يعبد هذه الشهوة ، في قلب كل إنسان حاجة فطرية ملحة إلى أن تعبد معبوداً ، إلى أن تسعى إليه ، إلى أن تعمل من أجله ، إلى أن تبتغي رضاه ، ولا يليق بالإنسان أن يعبد غير الله ، لأنه هو الخالق ، هو المصور ، هو المبدئ ، هو المعيد ، هو الرافع ، هو الخافض ، هو المعطي ، هو المانع ، هو القابض ، هو الباسط ، هو المعز ، هو المذل ، هو الرزاق ذو القوة المتين .

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾

[سورة البقرة:21]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ إما أن تعبد الله وحده وهذا الذي يليق بك ، وإما أن تعبد زيداً أو عبيداً أو شهوة أو حاجة أو شيئاً سوى الله عز وجل ، إما أن تعبد الله وإما أن تعبد شيئاً يرى أو لا يرى ، يعقل أو لا يعقل ، موجود أو غير موجود ، والديانات الوثنية الأرضية التي تطفح بها البشرية الجاهلة تؤكد هذه الحقيقة ، إما أن تعبد الله أو تعبد البقرة ، كما هي الحال في بعض بلاد شرقي آسيا ، إما أن تعبد الله وإما أن تعبد صنماً ، إما أن تعبد الله وإما أن تعبد شهوة ، لابد وأن تتجه إلى ما تظنه أنه عظيم ، فليكن هذا الذي تتجه إليه هو الله رب العالمين .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الإسلام دين الفطرة ، هذه النفس الإنسانية لا تستطيع أن تسعد ، لا تطمئن ، لا تستقر ، لا تهدأ ، لا تعود إلى الدار الآخرة سالمة إلا إذا عرفت ربها ، معرفة الله أيها الأخوة هدف مصيري للإنسان ، ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحبّ إليك من كل شيء .

 

على الإنسان أن يجعل همّه كله إرضاء الله عز وجل :

 شيء آخر ، يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ليس أشرف للإنسان العاقل من أن يعبد الذي خلقه ، أيعبد مخلوقاً من دون الله لا ينفعه ولا يضره ؟ أيعبد جهة من الجهات لا تملك له نفعاً ولا ضراً ، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ؟ لا تستمع إليه ، وإذا استمعت لا تستجيب له ، أهذا يليق بالإنسان ؟ ليس أشرف للإنسان العاقل من أن يعبد الذي خلقه ، فسواه فعدله ، وأن يطرح كل عبادة من سواه ، وليس أجلب للسعادة أيها الأخوة ، ليس أشرف ، وليس أجلب للسعادة ، وليس أجلب للسلامة مع الضمير من أن توجه الهم كله إلى الله ، قال عليه الصلاة والسلام :

((مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ ))

[ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

 من جعل همه إرضاء رب العالمين ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها))

[ابن عدي والديلمي عن أنس ]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ ربنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يضرب لنا هذا المثل، يقول الله عز وجل :

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾

[سورة الزمر:29]

 لو أن رجلاً يأتمر عليه أناس عدة ، هذا يأمره بكذا ، وهذا يأمره بكذا ، وكثيراً ما تتضارب هذه الأوامر ، كثيراً ما تتناقض هذه الأوامر ، ماذا يفعل ؟ أيرضي زيداً أم يرضي عبيداً ؟ أيرضي فلاناً أم يرضي علاناً ؟ كيف يفعل إذا جاءت الأوامر متضاربة ، والتوجيهات متضاربة ؟ ماذا يفعل ؟ كيف يتجه ؟ إلى أين يسعى ؟ هذه الحيرة ، وهذا القلق ، وهذا التخبط ، وهذا الصراع المؤمن معافى منه ، لأنه توجه إلى الله وحده ، وما سوى الله بيد الله .

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

[سورة هود:123]

 إذاً من أجل أن تكون حراً من رق المخلوقين ، من أجل أن تكون حراً من الشهوات المكبلة ، من أجل أن تكون حراً من الصراع ، من الضيق ، من الحرج ، من البحث لإرضاء زيد أو عبيد ، يجب أن تجعل همك كله أن ترضي الله عز وجل .

﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾

[سورة التوبة:62]

الإنسان بين خيارين ؛ إما أن يعبد الله وإما أن يعبد غيره :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول أحد العلماء : كل من استكبر عن عبادة الله لابد من أن يعبد غير الله ، إما أن تكون عبداً لله ، وإما أن تكون عبداً لعبد لئيم ، كل من استكبر عن عبادة الله لابد من أن يعبد غير الله ، لأن الإنسان له إرادة ، وهذه الإرادة تقتضي أن يكون له مراد ، ما دام له إرادة فله مراد ، فإذا لم يكن الله مراده فلابد من أن يتجه بإرادته إلى مخلوق ليرضيه ، وليسعى له ، وليعمل من أجله .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أنت بين خيار صعب إما أن تعبد الله ، وإما أن تعبد غيره ، أما ألا تعبد الله ولا تعبد أحداً سواه فهذا مستحيل في فطرة الإنسان ، ركبت فطرة الإنسان على التوجه إلى جهة ما ، على السعي لها ، على الطواف حولها ، على إرضائها ، على العمل من أجلها ، فطوبى لمن عرف ربه ، طوبى لمن عبده ، طوبى لمن اطمأنت نفسه بذكر الله .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا الذي يستكبر عن عبادة الله لابد من أنه اتجه إلى مخلوق آخر ، لابد من أنه اتجه إلى مخلوق من دون الله ، إذاً هو وقع في الإشراك ، فكل من لم يعبد الله وقع في الشرك شاء أم أبى ، لمجرد أن تطيع مخلوقاً وتعصي الخالق ، فهذا نوع من عبادة غير الله ، ونوع أيضاً من الشرك ، والمشرك كما تعلمون :

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾

[سورة النساء:48]

 فكل مستكبر عن عبادة الله مشرك بالضرورة ، وكلما كان الرجل أكثر استكباراً كان أشدّ إشراكاً ، ولا تنسوا قوله تعالى :

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾

[سورة النساء:48]

 كلما كان العبد أكثر استكباراً كان أشدّ إشراكاً بالله عز وجل ، لهذا قال عليه الصلاة والسلام :

((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 ويستنبط من هذا الحديث وسعد عبد الله .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الإنسان إذا ترك ربه ، إذا أعرض عنه صار موزعاً بين المخلوقين ، صار مشتتاً ، صار مبعثراً ، صار ممزقاً ، وقع في الصراع ، ولن تستغني عن المخلوقين ، إلا في حالة واحدة ، إلا إذا اتجهت إلى الله رب العالمين ، لن تستغني عن المخلوقين ، احتج إلى الرجل تكن أسيره ، واستغن عنه تكن أميره ، لن تستطيع أن تستغني عن المخلوقين إلا إذا اتجهت إلى الله رب العالمين ، لذلك يقول الله عز وجل على لسان سيدنا داود:

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[سورة هود: 55-56]

الحرية مطلب كل مخلوق ولا تتحقق إلا بعبادة الله عز وجل :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ آية في كتاب الله ، آية محكمة يقول الله عز وجل :

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات: 56]

 أنغفل عن هذه الآية ؟ أفي الحياة موضوع آخر يستحوذ على اهتماماتنا أشد من هذه الآية ؟ أفي الحياة موضوع آخر ؟ أفي الحياة قضية أخرى ؟ أفي الحياة هم آخر غير هذا الهم ؟

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات: 56]

 والعبادة كما شرحتها كثيراً في خطب سابقة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية ، هذا العنوان الأول في الخطبة ، العبودية سبيل إلى الحرية ، الحرية مطلب كل إنسان ، الحرية مطلب كل مخلوق ، ولا تتحقق هذه الحرية إلا بعبادتك لله عز وجل .

 

العبادة ابتلاء إلهي وإعداد لحياة أبدية :

 شيء آخر يا أيها الأخوة المؤمنون ، هو أن العبادة ابتلاء إلهي ، وإعداد لحياة أبدية ، الذي يزعج الناس ، والذي يقلقهم ، والذي يسحقهم اعتقادهم أن هذه الحياة الدنيا هي كل شيء ، من هذا المنطلق يأتي الشقاء ، من هذا المنطلق يأتي الشعور بالحرمان ، هي حياة قصيرة ، فلان عاش سنوات معدودة ، لم ير من مباهج الدنيا شيئاً ، هذا الانطلاق أن تنطلق من أن الحياة الدنيا هي كل شيء هذا أخطر شيء في عقيدة الإنسان ، هذا الذي يسحق الإنسان ، هذا الذي يدمره نفسياً ، هذا الذي يوقعه في الحسد والضغينة ، هذا الذي يشعره بالحرمان ، إذا عرفت أن هذه الدنيا ، أن هذه الحياة الدنيا حياة دنيا ، وصفت بأنها دنيا ، وهناك حياة عليا ، وأن الإنسان إذا رحل عن هذه الحياة يقول :

﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

[سورة الفجر: 24]

 أي حياة هذه ؟ تلك الحياة الأبدية ، فلذلك ما العبادة في هذه الحياة الدنيا إلا إعداد للحياة الآخرة ، إعداد ، فشاءت حكمة الله عز وجل أن يجعل طبيعة الإنسان طبيعة مزدوجة ، فيه نوازع نحو الشهوات ، وفيه تطلع نحو الكمالات ، وفيه وساوس الشيطان ، وفيه إلهامات الملائكة ، وفيه رغبة إلى معرفة الله ، وفيه اتجاه إلى إرواء شهواته ، هذه الطبيعة المزدوجة تجعله على محك الابتلاء ، والابتلاء أحد أسباب وجودنا على هذه الأرض ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

[سورة هود:7]

 إذاً أنت مبتلى ، أتتجه إلى عقلك أم إلى شهوتك ؟ أتتجه إلى قيمك أم إلى حاجاتك ؟ أتتجه إلى الحق أم إلى الباطل ؟ أتتجه إلى الراحة الكسولة أم إلى النصب المقدس ؟ أتتجه إلى طاعة الله أم إلى طاعة المخلوقين ؟ أتؤثر الدنيا أم تؤثر الآخرة ؟ أتؤثر مرضاة ربك أم تؤثر حظ نفسك ؟ إن طبيعة الإنسان مزدوجة ، ولابد من أن يأخذ موقفاً ، لابد من أن يأخذ موقفاً واضحاً ، لذلك كانت الحياة الدنيا ثمناً للآخرة ، كان الابتلاء بالدنيا ثمناً لعطاء الآخرة .

 

الابتلاء ثمن دخول الجنة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ونحن في هذه الدنيا ، ونحن في هذه الدنيا المحدودة، ونحن في هذه الدنيا القصيرة ، هل يصل أحدكم إلى شيء ثمين من دون جهد ؟ من دون كد ؟ من دون سعي ؟ فكيف نطمع إلى أن نصل إلى الجنة وفيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ؟ كيف نطمع أن ندخل جنات تجري من تحتها الأنهار ؟ كيف نطمع أن نصل إلى مرتبة أن نرى وجه ربنا سبحانه وتعالى ؟ كيف نطمع بجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من دون ثمن ؟ لذلك قال الإمام علي كرم الله وجهه : " طلب الجنة من دون عمل ذنب من الذنوب " .

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

[سورة هود:7]

 آية ثانية :

﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

[سورة الملك: 1-2]

 آية ثالثة :

﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾

[سورة الإنسان: 2]

 آية رابعة :

﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[سورة المؤمنون: 30]

 آية خامسة :

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

[سورة العنكبوت: 2]

 آية سادسة :

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 142]

 إذاً نحن نعبد الله في الدنيا من أجل أن نبتلى ، وإذا ابتلينا كان هذا الابتلاء ثمناً لدخول الجنة .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ قال عليه الصلاة والسلام :

((إن عمل الجنة حزن بربوة ، وإن عمل النار سهل بسهوة ))

[أحمد عن ابن عبَّاس ]

(( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ))

[مسلم عن أنس بن مالك ]

 فحينما تعبد الله عز وجل أنت تبتلى بهذه العبادة ، إما أن تعبده مخلصاً له الدين، وإما أن تزيغ عن عبادته ، عندئذ يصنف الناس يوم القيامة إلى أناس عبدوا الله مخلصين ، وأناس تنكبوا عن طريق العبادة .

 

الموت بداية حياة جديدة :

 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ العبادة لها معنى رابع ، وهي أنها ابتلاء ، والابتلاء سبب لدخول الجنة ، النبي عليه الصلاة والسلام في خطبة شهيرة قال :

((إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي ))

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]

 ورد في الأثر أنما خلقتم للأبد وإنما تنقلون من دار إلى دار .
 قد يتوهم الإنسان أن الموت نهاية الحياة ، لا والله ، هو بداية حياة جديدة ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أحاديث الصيام يقول :

((لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ))

[البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ]

 بل إن الموت عرس المؤمن ، لأن الموت تحقيق لسعادته الأبدية ، إن هذه الحياة الدنيا بمثابة العام الدراسي ، وإن النجاح في هذا العام الدراسي هو عند الموت .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ شمروا فإن الأمر جد ، وتأهبوا فإن السفر قريب ، وتزودوا فإن السفر بعيد ، وخففوا أثقالكم فإن في الطريق عقبة كؤود ، لا يجتازها إلا المخفون ، وأخلص النية فإن الناقل بصير ، وجدد السفينة فإن البحر عميق .

 

من صحت عقيدته صحّ عمله :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذه حقائق مصيرية ، في ضوء فهمها ، والعمل بها يتحدد مصير الإنسان ، إما إلى جنة يدوم نعيمها ، أو إلى نار لا ينفد عذابها ، فالقضية قضية خطيرة، بمعنى أن الإنسان إذا غفل عن مهمته في الحياة غفل عن كل شيء ، وأكبر خسارة يحققها الإنسان هو أن يخسر نفسه يوم القيامة ، وأكبر نجاح هو أن يربح نفسه يوم القيامة ، لذلك توجه الإمام علي كرم الله وجهه إلى ابنه الحسن فقال له :" يا بني ما خير بعده النار بخير، وما شر بعده الجنة بشر ، وكل نعيم دون الجنة محقور ، وكل بلاء دون النار عافية " هذه الأفكار ، هذه المعتقدات ، هذه التوجهات ، هذه التصورات من شأنها أن تجعل حياة الإنسان حياة جادة ، حياة هادفة ، دعي النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان صغيراً إلى اللهو فقال كلمة تكتب بماء الذهب : " لم أخلق لهذا ".
 هل نقول : نحن كبار ، بالغون ، راشدون ، عاقلون ، هل نقول إذا دعينا لشيء لا يرضي الله ، هل نقول إذا دعينا إلى عمل لا جدوى منه ، هل نقول إذا دعينا إلى لقاء فيه كلام فارغ ، هل نقول إذا دعينا إلى شبهة هل نقول : نحن لم نخلق لهذا ؟ يجب أن نعرف لماذا نحن هنا ، كنت أضرب هذا المثل ، طالب كان في مدينة في أوربا يجب أن يسال سؤالاً خطيراً: لماذا أنا هنا ؟ إذا عرف أنه من أجل الدراسة فعليه أن يتجه إلى الجامعة ، وإذا عرف أنه من أجل التجارة فعليه أن يتجه إلى المعامل ، وإذا عرف أنه من أجل السياحة فعليه أن يتجه إلى المتنزهات ، أن تعرف لماذا أنت هنا شيء مهم جداً في حياتك ، لماذا نحن هنا ؟ من أجل أن نأكل ونشرب ؟ من أجل أن تمضي الأيام تباعاً تلو الأيام ؟ من أجل أن تكون حياتنا رتيبة لا معنى لها ؟ من أجل أن نجتر همومنا ؟ من أجل أن نتحدث عن مشكلاتنا ليس غير ؟ هذا الإنسان المكرم .

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 70]

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾

[سورة المؤمنون: 115]

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾

[سورة القيامة: 36]

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ فكروا ، تأملوا ،اعقلوا ، تذكروا ، اقرؤوا كتاب الله ، حددوا أهدافكم في الحياة ، انطلقوا من عقيدة صحيحة ، انطلقوا من فكر نير ، انطلقوا من تصور صحيح ، انطلقوا من حقيقة علمية ، لا تسمحوا للتقاليد الزائفة ، والعادات الباطلة ، ولا للأوهام ، و الخرافات ، و الخزعبلات ، أن تسيركم تسييراً غير صحيح .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ إذا صحت عقيدة الرجل صح عمله ، وإذا صح عمله سعد في الدنيا والآخرة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الدعاء مخ العبادة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ إن شاء الله تعالى في الخطبة القادمة سأحدثكم عن الحج مرة ثانية ، ولكن حديثاً من نوع آخر ، ولكن أقتطف من موضوع الخطبة القادمة موضوع الدعاء.
 الشيء الملفت النظر أن الحاج إذا طاف حول البيت فإنه يدعو ، وإذا سعى بين الصفا والمروة فإنه يدعو ، وإذا وقف في عرفات فإنه يدعو ، وإذا نفر إلى مزدلفة فإنه يدعو، وإذا رمى الجمار فإنه يدعو ، وإذا وقف أمام النبي الكريم فإنه يدعو ، وكأن الحج كله دعاء ، والدعاء كما قال عليه الصلاة والسلام :

((الدعاء مخ العبادة ))

[الترمذي عن أنس ]

 أنت بالدعاء تتوجه إلى الله ، بل إن الله سبحانه وتعالى حينما أمرك بالدعاء ، أمرك أن تتجه إليه ، وحينما جعل حاجاتك عنده من أجل أن تتجه إليه ، حينما جعل أجهزتك وأعضاءك وعقلك وسمعك وبصرك وقوتك متعلقة سلامتها بإرادتك من أجل أن تتجه إليه ، فأنت إذا دعوته وقلت له : يا رب متعنا بأسماعنا بأبصارنا وقوتنا وعقولنا ما أحييتنا ، جعل حاجاتك عنده ، من أجل أن تطلبها منه ، فإذا طلبتها منه ، وانعقدت هذه الصلة من خلال الدعاء ، ذقت طعم القرب .
 شيء آخر ؛ أنت إذا دعوته تزداد به معرفة ، وتزداد به علماً ، وتزداد إليه شوقاً، الدعاء من أجل أن تزيد معرفتك به ، الدعاء من أجل أن تسعد بالقرب منه ، ماذا يمنع أن ندعو ربنا دبر كل صلاة ؟ اسأله الصحة ، اسأله السلامة ، اسأله العفو والعافية ، اسأله المعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ، اسأله أن يهبك ذرية صالحة ، اسأله أن تقر عينك بأهلك ، اسأله أن يكفيك بحلاله عن حرامه ، اسأله هذا ، ماذا يمنعك وأنت في بلدك أن تجعل الدعاء مخ العبادة ؟ ماذا يمنعك ؟
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أنت بالدعاء أقوى إنسان ، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك ، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع ))

[ أخرجه الترمذي والبزار في مسنده وابن حبان عن أنس بن مالك ]

 اسأل ربك حاجاتك كلها ، اسأله ولا سيما دبر كل صلاة ، اسأله كل شيء تتمناه مما ينفعك في الدنيا والآخرة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذه الحكمة البالغة من أن معظم مناسك الحج مبنية على الدعاء ، والدعاء قرب ، والدعاء معرفة ، والدعاء يزيدك معرفة بالله ، ويزيدك حباً له ، والدعاء يذيقك طعم القرب من الله ، وبالدعاء تتحقق الحاجات التي دعوته بها .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018