الخطبة : 0496 - ذكرى المولد 5 ، أدبني ربي فأحسن تأديبي1 - عفوه. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0496 - ذكرى المولد 5 ، أدبني ربي فأحسن تأديبي1 - عفوه.


1994-09-16

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله ، سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين . اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

خلق النبي و أدبه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لازلنا نتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن في شهر المولد .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حين دهِشَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم بأخلاق نبيّهم ، بِرحْمه ، بِعَفْوِهِ ، بِكَرمه ، بإنصافه ، بِوَفائه ، بلُطفهِ ، حينما دُهِشَ أصحاب النبي رضوان الله عليهم بِخُلق النبي سألوه مرّةً : يا رسول الله ما هذا الأدب ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :

(( أدبني ربي فأحسن تأديبي))

[ من الجامع الصغير عن ابن مسعود ]

 لا شكّ أنّ هذا الحديث معروف عندكم ، وقد سُئلَت السيّدة عائشة عن خلق النبي صلى الله عليه وسلّم فقالت :

((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ))

[ مسلم عن عائشة ]

 وقال بعضهم : إذا كان الكون قرآناً صامتاً ، وإذا كان القرآن كوناً ناطقاً ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي ، هذا كلّهُ ذكرتهُ في خطبٍ سابقة ، ولكنّ الجديد في هذه الخطبة أنّ الله سبحانه وتعالى أدَّبهُ ، كيف أدّبهُ ؟ هل في القرآن الكريم آياتٌ أدَّب بها النبي عليه الصلاة والسلام ؟ الحقيقة هناك آياتٌ كثيرة ، من هذه الآيات لا على سبيل المثال ، لا على سبيل الحصْر قوله تعالى :

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 هذا توجيه من الله عز وجل .

 

الآيات التي تحدّث بها القرآن عن النبي نوعان :

 الآيات التي تحدّث بها القرآن عن النبي نوعان : آياتٌ وُصف بها النبي ، وآياتٌ وُجِّه بها النبي عليه الصلاة والسلام ، فالآيات التي وُصف بها النبي قوله تعالى :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم : 4]

 وقوله تعالى :

﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ﴾

[ سورة الأحزاب : 53]

 وصفَهُ بالحياء ، فهناك آيات وصفَت خُلق النبي ، ولا نتعرّض لها في هذه الخطبة ، ولكنّ الآيات التي وجّهت النبي ، إنّها الآيات التربويّة ، إنّها الآيات الأدبيّة ، إنّها الآيات التي من خلالها قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( أدبني ربي فأحسن تأديبي))

[ من الجامع الصغير عن ابن مسعود ]

 ولأن تكون هذه الآيات نبراساً لنا ، ومنهجًا لنا من باب أولى ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يحلّ عند ربّه أعلى مقام ، هو سيّد الخلق ، وحبيب الحقّ ، لكنّ المُعَوَّل علينا نحن ، فالقرآن الذي يُتلى إلى يوم القيامة يَعنينا نحن ، النبي عليه الصلاة والسلام لا يرفعُه عند الله مدْحُنا له ، ولا ينقصُ من قدْرِهِ أن نجهل مقامه ، مقامهُ عند الله محمود ، هو الذي بعثهُ الله مقامًا محمودًا ، قال تعالى:

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾

[ سورة الإسراء : 78]

(( إِذَا سَمِعْتُمْ مُؤَذِّنًا فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ، ثُمَّ سَلُوا لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا ، هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ))

[ أحمد عن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ]

 هكذا قال عليه الصلاة والسلام ، لذلك نحن في كلّ صلاة نقول : اللّهم ربّ هذه الدعوة التامّة ، والصلاة القائمة ، آت محمّدًا الوسيلة والفضيلة ، وابعثهُ مقامًا محمودًا ، هو في مقام محمود ، وهو سيّد الخلق ، وحبيب الحق ، وسيّد ولد آدم ولا فخر ، ولكنّ القرآن الذي يُتلى إلى يوم القيامة نحن المعنيّون به .

 

توجيهات الله التربويّة لِنَبيِّه المصطفى :

 الآيات التربويّة التي وجَّه بها الله النبي هي لنا في الحقيقة ، ومرّة ثانية على سبيل المثال لا على سبيل الحصر يقول تعالى :

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 هذا من تأديب الله للنبي ، وقال تعالى :

﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 199]

 وقال تعالى :

﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ* وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾

[ سورة المدثر : 6-7]

 وقال تعالى :

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الحجر : 88]

 وقال تعالى :

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الشعراء: 215]

 وقال تعالى :

﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الحجر : 88]

 وقال تعالى :

﴿ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الزخرف: 89]

 وقال تعالى :

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[ سورة فصلت : 34]

 وقال تعالى :

﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾

[ سورة النمل: 70]

 وقال تعالى :

﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾

[ سورة الضحى: 9-11]

 وقال تعالى :

﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾

[ سورة الشرح : 7-8]

 وقال تعالى :

﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

[ سورة المائدة : 49]

 هذه بعض الآيات التي كانت فيما يقول المفسّرون من توجيهات الله جلّ وعلا التربويّة لِنَبيِّه المصطفى صلى الله عليه وسلّم .

 

الحكمة من ورود العفو مع فعل الأمر خذ :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا يسعُنا في هذه الخطبة إلا أن نأخذ آيةً واحدة ، والآية هي قوله تعالى :

﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 199]

 أيها الأخوة الكرام ؛ إنَّ أدقّ ما في الآية كلمة خُذْ ، قبل كلّ شيء هذا الحديث الشريف الذي سأتلوه على مسامعكم ينبغي أن يكون دائمًا في مخيِّلةِ كلّ مؤمن ، كلّما سمع أمرًا من الله عز وجل ، مُوَجَّهًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام لكي لا يأتيَهُ الشيطان ويقول : هذا للنبي عليه الصلاة والسلام وليس لك ، هو نبيّ وأنت مؤمن ، هذا الحديث ينبغي أن يبقى في ذِهْن كلّ مؤمن حينما يتلو القرآن ، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :

((أيها الناس إن اللّه تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً ، وإن اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 وما كان النبي صلى الله عليه وسلّم بهذا الخلق الكريم إلا لِيَكون أُسْوةً حسنة لنا، إلا لِنَقْتَدِيَ به في أخلاقه العليّة ، لذلك العفْوُ أيها الأخوة ورد في هذه الآية مع فعل الأمر هو خُذْ ، الإنسان ماذا يأخذ ؟ كلمة خُذ توحي أنّك تأخذ شيئًا ثمينًا ، تأخذ شيئًا تتملّكه ، تنْعُمُ به ، تأخذ شيئًا يرفعُ مقامك ، تأخذ شيئًا يُسعدُك ، قال تعالى :

﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 199]

 وقد قال بعض المفسّرين ؛ أيْ خُذْ ثمَنَ العفو ، العفو له ثمن ، وثمنه الطمأنينة، ثمن العفو الشعور بالأمن ، ثمن العفو الرّفعة عند الناس ، ثمن العفو أن يتحوّل الأعداء إلى أصدقاء ، ثمن العفو القُرْب من الله ، ثمن العفو الإقبال على الله ، ثمن العفو الخلود في جنّة الله، خُذ العفوَ ، وهذا من بلاغة القرآن ، خُذْ ثمَنَ العفو ، خُذْ نتائج العفو ، وفيما تعلمون أيّها الأخوة لا يقول رجل عاقل ذو مكانة علِيَّة : خُذْ إلا إذا كان الشيء ثمينًا ، الشيء الثمين يؤخذ ، والحليّ الفاخرة تؤخذ ، والأموال تؤخذ ، والهدايا الثمينة تؤخذ ، وكأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول للنبي عليه الصلاة والسلام : خُذْ العفو أيْ خذ ثواب العفو ، ونتائجه ، خذ الأمْن والطمأنينة ، خذ الرفعة والمكانة ، خُذ القُرْب من الله ، والخلود في الجنّة .

 

الموقف التأديبي الذي وجَّه الله به النبي عليه الصلاة والسلام :

 أيها الأخوة الكرام ؛ بادئ ذي بدء إذا اعتدى إنسان على إنسان آخر ، ماذا ينبغي عليه أن يفعل من خلال تأديب الله للنبي عليه الصلاة والسلام ؟ خُذ العفو ، هذا الذي أساء إليك ، هذا الذي اعتدى عليك ، اعتدى على سمعتك ، هذا الذي قصّر في حقّك ، وتجاوزَ حدَّه معك ، هذا الإنسان المسيء حينما تعفو عنه ماذا فعلْتَ فيه ؟ لقَّنْتهُ درسًا عمليًّا لا يُنسى ، جعلتهُ يصْغر أمامك ، عظُمْتَ في عينه ، لأنَّ العفوَ منَحَهُ راحةً نفسيَّة ، لأنّ العفْوَ منحهُ استقرارًا نفسيًّا ، لأنّ العفْو أعفاه من طريق الخوف والقلق ، عفَوْتَ عنه ، صغُر هذا في عين نفسه ، وكبُرْت في عينه ، هذا إذا كان مؤمنًا ، وهذا إذا كان مسلمًا ، وإذا كان فيه بقيّة من خير، وبقيّة من حياء ، وبقيّة من أدب ، هذا الذي تعفو عنه يميلُ إليك شئْتَ أم أبيْت ، هذا الذي عفوْت عنه كبُرْت في عينيه ، هذا الذي عفوْتَ عنه صغُرَ هو في عينه ، ما من وقتٍ على الإطلاق أصْلحُ لنُصْحِهِ وتذكيره وتوجيهه من وقتٍ يأتي عقب العفو عنه ، لذلك خُذ العفو وائمر الذي عفوتَ عنه بالعُرف، يا فلان لقد عفوْتُ عنك ، ولكن كان ينبغي أن تفعلَ كذا وكذا ، كان ينبغي أن تكون هكذا ، كان ينبغي أن تكون صادقًا ، كان ينبغي أن تكون وفيًّا ، كان ينبغي أن تكون أمينًا ، كان ينبغي أن تكون ورِعًا ، فحينما تعفو عن إنسان لا تجعل عفْوَكَ لا معنى له ، لا تجعل عملك لا هدف له ، حينما تعفو عنه أحبَّك وأصغى إليك ، وامتلأ تقديرًا لك، وصغُر في عينه ، يا داود ذكّر عبادي بإحساني إليهم ، فإنّ النفوس جبلتْ على حبّ من أحْسن إليها ، إنّك إن عفوْتَ عنه أحْسنتَ إليه ، فإذا أحسنْت إليه هو الآن آذانٌ صاغيَة ، هو الآن مائلٌ إليك ، مُصْغٍ إلى أقوالك ، لذلك قال تعالى :

﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 199]

 العرْفُ هو المعروف ، والمعروف هو الشّرع وهو الحق ، وهو الكمال ، وهو المنهج الذي أنزله الله على النبي ، وهو الدستور ، والطريق السالكة إلى الله تعالى ، لكن يرى بعض المفسّرين أنّ الله عز وجل قال : وائمر بالعرف ولم يقل وائمُرْ بالمعروف ، اختصر المعروف إلى عرف ، وهذا من توجيه القرآن الكريم للنبي عليه الصلاة والسلام ، فهذا الذي عفوْتَ عنه تكفيه الإشارة ، يكفيه الكلام المقتضب ، تكفيه التّذكرة البليغة الموجزة ، لا تطنب فالأرض مهيّأة ، والنفس محبّة ، والآذان صاغية ، والعقل مفتوح ، لذلك عِظْهُ واختصر ، عِظْهُ وأوْجِز ، عِظْهُ ولا تصرّح ، عِظْه ُوترفّق ، عِظْهُ واختصر ، وائمُرْ بالعرف ، أما هذا الذي أساء إليك ، وتجاوَز الحدّ ، واعتدى على مالك وسمعتك ، وقصّر في واجبك ، إذا كان من أهل الكفر، ومن أهل الجحود ، ومن أهل الحمْق ، فهذا لا تنفعهُ موعظة ، لذلك أعْرض عن الجاهلين ، خذْ العفو ، وائمُرْ أهل الصلاح ممَّن عفوْتَ عنهم بالعرف ، وأعْرِضْ عمّن أساء إليك من أهل الكفر ، أعْرض عن الجاهلين ، هذا هو الموقف التأديبي الذي وجَّه الله به النبي عليه الصلاة والسلام .

 

من رأى أن العفو صلاح لحال المسيء فليعف عنه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الآية الكريمة لا بدّ من أن نذكر معها آيةً ثانية ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة الشورى : 39-40]

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ تنطوي هذه الآية الكريمة عى حقائق مذهلة في التعامل مع الناس ، أيْ يا أيها المؤمن إذا شعرْتَ أنَّ هذا الذي أساء إليك إذا انتصرْتَ منه بِطَريقة أو أخرى يوقفهُ عند حدّه ، ويحجزهُ عن العدوان على الآخرين ينبغي أن تنتصر منه ، قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

[ سورة الشورى : 39]

 لكنّ هؤلاء إذا انتصروا ، وجزاءُ سيّئة سيّئة مثلها ، فإيّاك أن تزيد وتكيل له الصاع صاعَيْن ، إذا ضربك على خدّك الأيْمَن لا تُدرْ له خدَّك الأيْسَر ، إذا أدرْت له الأيْسَر اسْتمرأ هذا العُدوان، وتجاوزَ حدَّه مع خلق الله عز وجل ، انتصِرْ منه ، ولكنَّك إذا انتصرْت منه لا ينبغي أن تزيد على ظلمه ، قال تعالى :

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾

[ سورة الشورى : 40]

 أما إذا رأيْتَ في العفو عنه إصلاحًا له ، وتقريبًا له إلى الله ، وتحجيمًا له ، ويزداد أهل الإيمان تعظيمًا في نظره ، إذا رأيْت في العفو عنه صلاحاً لِحَالِه ينبغي أن تعفو ، قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

[ سورة الشورى : 39]

 تعني أصْلَحَ المسيء بالعفو عنه ، وحينما تعفو عنه ، وتُسقط حقَّك الشّخصي عندئذٍ الله جلّ جلاله يتولّى في عليائه أن يجازِيَك على هذا العفو ، وأجرك على الله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ تصوَّروا ساحةً فيها أشخاصٌ يتصارعون ، وبعد صِدامٍ بين هؤلاء الأشخاص ، كان في هذه الساحة ثلاثة أبواب ؛ باب العفو ، وباب الانتقام بالعدل ، وباب الانتقام بالظلم ، الذي أساء إليك إما أن تعفو عنه ، وإما أن تنتصر منه بالعدل ، وإما أن تكيل له الصاع صاعين أو عشرة أصْوُع ، على كلٍّ في هذه الساحة التي يصطرع فيها الناس ثلاثة أبواب ، فإذا دخلْت باب العفو فأنت في جنّة فَيْحاء ، وفي بستانٍ نظير ، الأشجار وارفة الظلال، الماء رقْراق ، فيها ما لذَّ وطاب ، وهذا معنى خذ العفو ، اعْفُ وادْخُل هذا الباب ، أما إذا دخلت باب الانتقام بالعدل فإنَّك تلهثُ وراء خصمك ، وتعدو خلفهُ ، والطرق طويلة ، وملتوِيَة، ثمّ تفاجأ أنّ هذا الطريق الطويل انتهى بك إلى الباب الذي خرجتَ منه ، إنَّك في الساحة مرّة ثانية ، فلو تمكّنْت من خصمك ، ونِلْتَ منه ما تريد ، لا شيء تأخذه ، نلْتَ ما تريد وبقيت في الساحة صفْرَ اليدين ، هذا إذا انتقمْتَ بالعدل ، أما إذا دخلْت الباب الثالث وهو أن تنتقم منه بالظلم ، فقد تبعْتَهُ حتى هلكْتَ وأهْلكْتَ ، عندنا ربْح ، وعندنا تعادل ، وعندنا خسارة ، الخسارة الكبيرة أن تنتقم من خصْمك بأكثر مما أساء إليك ، قد يهلكُ الإنسان ، وقد يكون صاحب حقّ ، فإذا هو مُدان ، وقد يكون مظلومًا فإذا هو ظالم ، لكنّ باب الانتقام بالعدل باب ليس فيه مكسبٌ إطلاقًا ، لكنّ الباب الأوّل ينقلك إلى بستانٍ فسيح فيه كلّ ما لذّ وطاب .

 

من استعاذ بالله ارتاح من وساوس الشيطان و نوازعه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول تعالى :

﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 199]

 الإنسان متى ينتقم ؟ الشيطان حينما يرى إساءةً وقعَت من إنسان إلى إنسان ، يأتي الشيطان وهذا هو دورُهُ الأوّل ، وهذه هي مهمّته الكبرى أن يوقِعَ بين الناس العداوة والبغضاء ، فإذا هو يُوَسْوِسُ لِمَن ظلم بالانتقام ، بالظّلم ، بالإساءة ، لذلك الإنسان حينما يشعر بِدَوافع شديدة جدًّا للانتقام لِيَعْلَم بأنها من الشيطان ، والدليل قوله تعالى :

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة الأعراف: 200]

 فالآية :

﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة الأعراف:199- 200]

 معنى ذلك أنّ مشاعر الانتقام ، وهذا الغليان ، وهذا الحِقْد الدَّفين ، وهذا التَّشفّي، هذه ليْسَت من الإنسان السّويّ من إنسان دخل فيه شيطان ، قال تعالى :

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة الأعراف: 200]

 أنت إذا اسْتعذْتَ بالله ارْتَحتَ من نوازع الشيطان ووساوسِهِ ، ومن إيقاع الشيطان فيما بينك وبين الآخرين العداوة والبغضاء .

 

العفو من أكبر مفردات الأخلاق يُحصّله الإنسان من اتّصاله بالله :

 ثمّ يقول الله عز وجل :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 201]

 لعلك إذا أقبلتَ على الله ، واسْتنرْتَ بِنُور الله ، تعيش في حالٍ آخر ، وفي جنّة أخرى ، وفي وادٍ آخر ، كنتَ في وادي الانتقام فإذا أنت في وادي الإيمان ، كنت في واد القلق فإذا أنت في وادي الاطمئنان ، كنت في وادي التَّعَب ، وأنت الآن في وادي الراحة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ شيءٌ دقيق يمكن أن يُقال في موضوع العفو ، الإنسان إذا اتّصلَ بالله العفوّ الكريم يشْتقّ منه بعضًا من هذا الخلق العظيم ، فالعفو ليس تكلّفًا ؛ إنّها صفةٌ أساسيّة من كبريات مفردات الأخلاق ، يشتقّها الإنسان من اتّصاله بالله عز وجل ، فإذا اتّصلَ الإنسان بالله العفوّ الكريم يشّتقّ منه بعضًا من هذا الخلق العظيم ، وإذا اسْتقرّت الرحمة في قلب الإنسان فإنّها تفيض على خصومه بالعفو والإكرام ، اتِّصال بالله ، وقلبٌ مُفْعمٌ بالرحمة ، وإذا علِمَ الإنسان أنّ خصْمهُ بِشَكلٍ أو بآخر أخٌ له في الإنسانيّة ، فإذا انتقم منه خسرهُ ، وإذا عفا عنه ربحَهُ ، ولأَن يربح الإنسان أخاه خيرٌ له من الدنيا وما فيها ، عندئذٍ يرى المؤمن المستبصر أنّ العفو غنم ، وأنّ الانتقام غرْمٌ ، الغنيمة في العفو ، والخسارة في الانتقام ، وإذا أيقن الإنسان أنّ العفو سُلَّمٌ يرقى به إلى عِزّ الدنيا والآخرة ، وأنّ الانتقام سلّم يهوي به إلى ذلّ ومقتٍ يُلاحقانه حتى الممات آثر العفو على الانتقام ، وإذا علم أبناء المجتمع الواحد أنّه بالعفو تتَّسِعُ دائرة الصداقات والمودّات فيُصبح المجتمع كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضًا ، وبالانتقام تفشو العداوات والأحقاد حتى تصل بالمجتمع إلى أحطّ الدركات صار العفو دَيْدنَ هؤلاء المؤمنين .
 أيها الأخوة الكرام ؛ من عادة الكريم أنّه إذا قدرَ غفر ، وإذا رأى زلَّةً ستَرَ ، فلا سُؤْددَ مع الانتقام ، وأولى بالناس بالعفو أقدرهم على العفو ، وأقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب إذا انتقم ، وكفى بالمرء إثمًا أن يغضب إذا قيل له : اتَّق الله ، ولا يعرف الحليم إلا عند الغضب .

 

فضائل النبي في العفو عن أعدائه و أصحابه :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ هذه بعض الحقائق عن العفو ، النبي عليه الصلاة والسلام أراد عقاب صفوان بن أميّة ، لذلك شدّ الرّحال صوبَ جدّة ليُبْحِرَ منها إلى اليمن ، واشتدّ إشفاق صديقه عليه عمير بن وهب ، وصمّم أن يسترِدَّه من يد الشيطان بكلّ وسيلة وإمكان ، وذهب مسرعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلّم ، وقال : يا رسول الله إنَّ صفوان بن أميّة سيّد قومه وقد خرج هاربًا منك ليقذف نفسه في البحر فأمِّنْهُ صلى الله عليك ، فقال عليه الصلاة والسلام: هو آمن ! فقال : يا رسول الله أعْطِني آيةً يعرف بها أمانك ، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلّم عِمامته التي دخل بها مكّة فخرج بها عُمَير حتى أدْركهُ وهو يريد أن يركب البحر ، فقال : يا صفوان فداك أبي وأمّي ، الله الله في نفسك أن تهلكها ، هذا أمان رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، قد جئتُك به ، إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم هو أفضل الناس ، وأبرّ الناس ، وأحْلم الناس عِزُّه عزّك ، وشرفهُ شرفك ، فقال صفوان : إنّي أخاف على نفسي ، فقال : هو أحلم من ذلك وأكرم ، فرجع معه خائفًا ، حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فقال صفوان للنبي عليه الصلاة والسلام إنّ هذا يزعمُ أنّك أمَّنتني ، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم صدقَ ، فقال صفوان : فاجْعلني في الخيار شهرين ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أنت في الخيار أربعة أشهر ، وفيما بعدُ أسْلمَ صفوان وحسُن إسلامه ، وهذه إحدى فضائل النبي عليه الصلاة والسلام في العفو عن أعدائه .
 هذا كان سيّد قومه ولكنّ عفْو النبي عليه الصلاة والسلام شمل السادة والدهماء.

((جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينه في شيء قال عكرمة: أراه قال في دم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم قال : "أحسنت إليك" ، قال الأعرابي : لا ولا أجملت فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه ، فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أن كفوا ، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ إلى منزله دعا الأعرابي إلى البيت فقال : "إنك إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك فقلت ما قلت" ، فزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً وقال: "أحسنت إليك ؟" فقال الأعرابي : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً . قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت. وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب عن صدورهم" فقال : نعم فلما جاء الأعرابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن صاحبكم كان جاء فسألنا فأعطيناه فقال ما قال , وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي, كذلك يا أعرابي ؟" فقال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً .فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً . فقال لهم صاحب الناقة خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها وأنا أعلم بها ، فتوجه إليها وأخذ لها من قتام الأرض ودعاها حتى جاءت واستجابت وشدّ عليها رحلها وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار ))

[ البزار عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هكذا كان عليه الصلاة والسلام ، عفْوُهُ وسِعَ كلّ الناس سادتهم ودهمائهم، حتى أنّ بعض أصحابه - وقد قلت هذه القصّة مرات عديدة - ارتكب فيما يُسمّى اليوم بالخيانة العظمى ، أرسل كتابًا إلى قريش يقول : إنّ محمّدًا يريد أن يغزوكم فخُذوا حذركم ، وقد أوحى الله لنبيّه بهذا الحدَث ، وأرسل النبي رجلين من صحابته استقدما الكتاب من امرأة في بلدة اسمها الروضة بين مكة والمدينة ، ولمّا فتح النبي الكتاب قرئ له فيه : " من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل قريش ، إنّ محمدًا سيَغْزوكم فَخُذوا حذركم ، فقال عليه الصلاة والسلام آتوني بِحاطِب ، فلمّا جيء بِحاطِبٍ بادرهُ عمر وقال : يا رسول الله دعْني أضرب عنق هذا المنافق ؟ فقال عليه الصلاة والسلام وهو المنصف : لا يا عمر إنّه شهدَ بدرًا ، فما أراد النبي أن يهدر عمله السابق ، فقال لِحاطِبٍ : ما حملك على ما فعلتَ ؟ قال : والله يا رسول الله ما كفرْتُ وما ارتددْت ، ولكنّي لستُ لصيقًا بقريش أردْتُ بهذا أن تكون لي يدٌ عندهم أحمي بها أولادي - أهلي ومالي - فما كان من النبي صلى الله عليه وسلّم إلا أن قال لأصحابه : إنّي صدّقتهُ فصدِّقوه ولا تقولوا فيه إلا خيرًا ، وأنهضهُ من كبْوتِه وأعانه على نفسه ، وأصبح من أصحابه المقرّبين ، وأرسلهُ في مهمّة خاصّة جدًّا ، أرسلهُ مندوبًا شخصيًّا لِمَلك مصر ، يقول كُتَّاب السيرة : إنّ عمر نظر إلى الذَّنْب فرآه خيانةً عظمى لكنّ النبي صلى الله عليه وسلّم نظر إلى صاحب الذَّنب فرأى هذا العمل لحظة ضعفٍ طارئةٍ ألمَّت به ، أعانه على نفسه ، وأنهضه من كبْوته ، وأعانه على الشيطان ، ومنع أصحابه أن يقولوا فيه إلا خيرًا ، هذا نموذج من عفْو النبي صلى الله عليه وسلّم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطّى غيرنا إلينا ، فلنتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل إلى ما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأمانيّ ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

العفو قد يرفع الإنسان إلى أعلى عليين و يفجر في نفسه الخير :

 أيها الأخوة الكرام ؛ وعِكْرمة أيضًا الذي عادى النبي أشدّ العِداء ، وآذى أصحابه أشدّ الإيذاء ، هو أحد صناديد قريش المعدودين ، وأبرز فرسانها المرموقين ، هو ابن أبي جهل جبّار مكّة الأوّل ، وزعيم الشِّرْك الأكبر ، لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلّم بالعفْو عنه ، بل وجّه أصحابه قائلاً : سيأتيكُم عِكرمة مسلمًا ، فإيّاكم أن تسبُّوا أباه فإنّ سبّ الميّت يؤذي الحي ، ولا يبلغُ الميّت ، وقد عاهد عِكرمة - بعد أن عفِيَ عنه - النبي صلى الله عليه وسلّم قائلاً : والله لا أدعُ نفقةً كنتُ أنفقتها في الصدّ عن سبيل الله إلا أنفقْتُ ضعفها في سبيل الله ، ولا قتالاً قاتلتهُ صدًّا عن سبيل الله إلا قاتلْتُ ضعفهُ في سبيل الله ، وفي اليرموك لمّا اشتدّ الكرب عن المسلمين نزل عكرمة عن جواده ، وكسر غِمْد سيفِهِ ، وأوْغَلَ في صفوف الروم ، فبادر إليه خالد بن الوليد وقال له : لا تفعل يا عكرمة فإنّ قتْلك سيكون شديدًا على المسلمين ، فقال عكرمة : إليك عنّي يا خالد لقد كان لك مع رسول الله سابقة ، أما أنا وأبي فكُنَّا من أشدّ الناس على رسول الله فدَعْني أكفّر على ما سلف منّي ، لقد قاتلتُ رسول الله في مواطن كثيرة وأفِرّ اليوم من الروم !! إنّ هذا لن يكون أبدًا ، وهذا الصحابي الجليل الذي عفا عنه النبي صار أحد القادة المرموقين المعدودين ، ولقد جال وصال في معركة اليرموك حتى اسْتُشْهِدَ هناك .
 أيها الأخوة الكرام ؛ قد لا تدري أنَّك إذا عفوْت عن أخيك صار علمًا من أعلام الدّين ، أنَّك إذا عفوْت عن أخيك رفعْتَهُ إلى أعلى عليّين ، أنَّك إذا عفوْت عن أخيك فجَّرت في نفسه كلّ الخير ، فالعفو من كبريات الفضائل ، ولكن كما قلتُ قبل قليل : يجب أن تشعر أنّك إذا عفوْت عنه أصلحْته ، أما إذا كان العفو يزيدهُ طغيانًا فينبغي أن تنتصر منه ، وإذا انتصرْت منه ينبغي أن تنتصر بالحق دون أن تظلمهُ .

الدِّين مضمونه أخلاقي و جوهرهُ الاستقامة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ بقي في الخطبة شيءٌ واحد ، وهو حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلّم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة فقال أحدهما : يا رب خذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله تعالى : كيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء ؟ قال: يا رب فليحمل من أوزاري، إن ذلك اليوم عظيم يحتاج الناس أن يحمل عنهم أوزارهم ، فقال الله للطالب : ارفع بصرك فانظر ، فرفع رأسه ، فقال : يا رب أرى مدائن من ذهب ، وقصوراً من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا ؟ أو لأي صديق هذا ؟ أو لأي شهيد هذا ؟ قال : هذا لمن أعطى الثمن ، قال : يا رب ومن يملك ذلك ؟ قال : أنت تملك ، قال : بماذا ؟ قال : عفوك عن أخيك ، قال : يا رب فإني قد عفوت عنه، قال الله : فخذ بيد أخيك فأدخله الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ، فإن الله يصلح بين المسلمين يوم القيامة ))

[البيهقي عن أنس]

 أيها الأخوة الكرام ؛ مرّة ثانية وثالثة ورابعة ؛ هذا الدِّين مضمونه أخلاقي ، هذا الدّين مجموعة قِيَم ، جوهرهُ الاستقامة ، وجوهرهُ الكمال البشري ؛ الصِّدق والأمانة والحياء والعفْو والإنصاف والرحمة والرأفة هي جوْهر الدّين ، لذلك حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم :" بني الإسلام على خمس " أيْ الصلاة والصيام والحج والزكاة والشهادة ؛ هذه دعائم وليْسَت هي الإسلام ، فإن لم يكن هناك الأخلاق ، والاستقامة ، والأمانة ، والعفو ، فهذه العبادات الشعائريّة لا تقدّم ولا تؤخّر ، والآيات والأحاديث الشريفة الصحيحة كثيرة في تأكيد بطلانها ، يحجّ الإنسان بِمَالٍ حرام فإذا قال : لبّيْك وسعْدَيْك ، يقول الله : لا لبيك ولا سعْدَيك ، وحجّك مردود عليك ، فإذا صام الإنسان دون أن يترك المعاصي ، ربّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ، فإذا أنْفقَ ماله ولم يكن مستقيمًا ، قال تعالى :

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾

[ سورة التوبة: 53]

 وإذا قام يصلّي ولم تنْههُ صلاته عن الفحشاء والمنكر قال عليه الصلاة والسلام مؤكِّدًا هذا المعنى في أحاديث كثيرة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ العبادات الشعائريّة لا تؤتي ثمارها إلا إذا صحّت العبادات التعامليّة ، والعفْو أحدُ أكبر مفردات الأخلاق التي كانت متمثّلة في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلّم في أبهى صُوَرها .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب، اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018