الخطبة : 0451 - مولد الرسول صلى الله عليه وسلم 2 - شخصيته - المثانة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0451 - مولد الرسول صلى الله عليه وسلم 2 - شخصيته - المثانة.


1993-09-03

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنَّك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

اجتماع الكمالات كلها في شخصية النبي الكريم :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ نحن في شهر المولد ، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرتُ لكم في خطبةٍ سابقة أن جوهر الاحتفال بعيد المولد هو معرفة الرسول عليه الصلاة والسلام ، معرفة حقيقة رسالته ، معرفة حقيقة المَنْهَج الذي جاء به ، معرفة حقيقة شمائله التي اكتملَت فيه ، فكانت نموذجاً إنسانياً أوَّل ، فالحديث عن شمائل النبي عليه الصلاة والسلام جزءٌ من تعريفِ المؤمنين برسولهم الكريم ، الذي امتن الله عليهم به .
 فقد تكاملت أيها الأخوة الشخصية الإنسانية في شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ، أوفى ما تتكامل في إنسان ، وبرزت الرجولة التي تتَّسم بالزهد ، والتواضع ، والشجاعة ، والوفاء، فكان عابداً يقف بين يدي ربه حتى تتورم قدماه ، وكان اجتماعياً يشارك الناس في سرَّائهم ، وفي ضرَّائهم ، وفي سرورهم ، وفي أحزانهم ، وكان يعطِف على من حوله إخوةً وزوجاتٍ وأولاداً وإخواناً ، وكان عليه الصلاة والسلام مُصْلِحَاً اجتماعياً من الطراز الأول ، عُرِفَ بضبط النفس وقوة التأثير ، وكان فعّالاً أكثر مما هو قوالٌ ، وكان عليه الصلاة والسلام لم يُستغفل في مكيدة، ولم ينم عن مهمةٍ لحظةً قط من ليل ولا نهار ، واتَّسم بالسياسة فكان مثلاً للكياسة والدهاء من دون تكبرٍ أو طغيان ، عقد المعاهدات ، وبعث البعوث ، وكان قائداً عُرِفَ بالبطولة الحربية وبالشجاعة ، فقاتل بيده ، وكان إذا اشتد بالناس البأسُ أقرب إلى العدو منهم ، ووصل إلى ذروة البلاغة في القول ، فكان محدِّثاً بارعاً .
 الشيء الذي يلفِت النظر في شمائل النبي أنها جمعت من كل أنواع العظمة ، من كل أنواع التفوّق ، من كل أنواع الرُقي ، الكمالات كلها اجتمعت في شخصية النبي عليه الصلاة والسلام ، لذلك كان قدوةً لنا ، كان سيد الخلق ، وحبيب الحق ، هذه إطلالةٌ سريعة ، ونظرةٌ شاملة ، ولكن إذا وقفنا عند دقائق شمائله ، وتفصيلات حياته ، وأنماط سلوكه لأخذنا العجب العُجاب .

النبي الكريم مثل أعلى لنا في الزهد والاكتفاء بالقليل :

 النبي عليه الصلاة والسلام اتَّسم بالزهد في الدنيا ، وكان يكتفي بالقليل ، ولكنه ليس زهداً ناتجاً عن عجزٍ وتقصير ، إنما زهد المالِك فيما يملك ابتغاء مرضاة الله ، النقطة الدقيقة أيها الأخوة هو أنه زهد في الدنيا ، واكتفى منها بالقليل لا عن عجزٍ ، ولا عن ضعفٍ ، ولا عن قصور ، ولكن ليكون مثلاً أعلى لمن بعده .
 لأن الإنسان أيها الأخوة حينما تقل عليه حاجاته يضطرب ، لئلا يكون الإنسان ضحية نقص الحاجات ، ضحية نقص الطعام ، ضحية نقص الشراب ، لئلا ينسى مهمته الأولى من أجل حظوظ الدنيا ، لئلا تشغله حظوظ الدنيا عن مهمَّته الكُبرى ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام في زهده واكتفائه بالقليل مثلاً أعلى لمن بعده من المؤمنين ، لأن حقيقة الإيمان أن يعرف الإنسان رسالته التي حَمَّلَهُ إيَّاها ربه ، حقيقة الإيمان أن يعرف أنه جاء إلى الدنيا لمهمةٍ خطيرة ، ليتعرف إلى الله عز وجل ، وليعمل بطاعته ، عندئذٍ يسعد في الدنيا والآخرة ، لئلا تكون الدنيا مُشاغِبَةً على هدفه ، لئلا تكون الدنيا صارفةً له عن رسالته ، لئلا يضطرب لأي نقصٍ في المطعم والمشرب والملبس والمبيت ، لئلا يقع ضحية نقص ماله أو نقص حظوظه ، كان النبي عليه الصلاة والسلام مثلاً أعلى في الزُهد والاكتفاء بالقليل . كان يقول :

(( مالي وللدنيا إنما أنا والدنيا كراكبٍ استظل بظل شجرة ثم مضى وتركها))

[ الترمذي عن عبد الله بن عمر]

 عرضٌ زائل ، رحلةٌ عابرة ، مرورٌ مؤقَّت ، دار انتقال لا دار قرار ، دار ترحٍ لا دار فرح ، " إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء " .
 لئلا يفرح المؤمن للرخاء ، فينسى بهذا الرخاء طاعة ربه ، فينسى ساعة لقائه مع الله عز وجل ، لئلا يفرح المؤمن بالدنيا فينسى مهمَّته ، لئلا يكون المال حجاباً بينه وبين الحقائق الكُبرى كان عليه الصلاة والسلام مثلاً أعلى في الزهد والاكتفاء بالقليل ، كان يقول :

(( مالي وللدنيا إنما أنا والدنيا كراكبٍ استظل بظل شجرة ثم مضى وتركها))

[ الترمذي عن عبد الله بن عمر]

كل مخلوقٍ يموت ولا يبقى  إلا ذو العـزة والجبـروت
* * *
الليل مهما طال فلا بد مـن طلوع الفـجــــــر
والعمـر مهـما طــــال فلا بد  من نزول القبر
* * *

 إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها ، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها ، أثر عنه صلى الله عليه وسلم - ونحن في تفاصيل حياته - أنه خرج من الدنيا ولم يشبع من خُبز الشعير .
 قد يدخل أحدنا على بعض الأفران الحديثة فيرى بها الأنواع المنوعة من الخبز الشهي ، المُصَفَّى ، المُنَقَّى ، الأبيض ، بأشكال ، وألوان ، وحجوم .
 أثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير ، وكان يرضى بالكفاف في المأكل ، والغليظ في الملبس ، وينام على وسادةٍ حُشِيَت ليفاً ، وكان يقول :

((حسب المرء لقيمات يقمن صلبه))

[ من الجامع لأحكام القرآن ]

 وكثيراً ما كان يبيت طاوياً صلى الله عليه وسلم ، وكثيراً ما قضى وأهله الأيام ليس لهم طعامٌ إلا الخبز والماء ، لماذا أورِد هذه التفاصيل ؟ لئلا يكون النقص في الطعام ، أو النقص في الشراب ، أو النقص في المَلْبَس ، لئلا تكون بعض الحظوظ القليلة من الدنيا حجاباً بينك وبين الله ، لئلا يكون نقص الحظوظ في الدنيا صارفاً لك عن مهمتك الكبرى ، لتجعل من الدنيا تحت قدمك ولا تجعل من نفسك عبداً لهذه الدنيا الزائلة ، قالت السيدة عائشة لعروة : " إنا كنا ننظر الهلال ثم الهلال ثلاثة أهِلَّة في شهرين وما توقد في بيوتنا نارٌ ، فقال : يا خالة ما كان عيشكم ؟ قالت : التمر والماء" .

 

الدنيا زائلة لا تبقى لمخلوق جوهرها معرفة الله و طاعته :

 الآن أيها الأخوة ؛ ما الذي يشعر الإنسان بالحرمان وبتفاهة الدنيا ؟ نقص حظوظه منها ، ما الذي يصرف الإنسان عن طاعة الله ؟ شعوره بالفقر ، ما الذي يجعل الإنسان يرتكب بعض المعاصي ؟ رغبته في المال ، رغبته في الرفاه ، رغبته بأن يجاري أقرانه الأغنياء ، هذه الرغبة في أن تجاري أقرانك ضيَّعت من أجلها دينك ، هذه الرغبة من أن أجل أن تكون في مظهرٍ لائق ، ضيَّعت من أجلها آخرتك ، هذه الرغبة في الدنيا حجبتك عن ربك ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان من المُمْكِن أن يكون نبياً مَلِكَاً ، وقد خيره جبريل عليه السلام ، قال : " يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أن نبياً عبداً ؟ فقال :

((أكون عبداً أجوع يوماً وأشبع يـوماً ، فإذا جعت صبرت ، وإذا شبعت شكرت))

[ورد في الأثر]

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ الدنيا زائلة لا تبقى لمخلوق ، جوهرها معرفة الله ، جوهرها طاعته ، جوهرها السعادة بقربه ، أما أن تكون الدنيا حجاباً ، أما أن يكون نقصُها يحمل الإنسان على السخط على ربه ، فهذه هي البَلِيّة العُظمى ، ليست المصيبة ألا تجد المال ، ولكن المصيبة أن ترى في نقص المال حجاباً بينك وبين الله .

 

تعظيم النبي عليه الصلاة و السلام النعمة مهما دقت :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أُثِرَ عنه صلى الله عليه وسلم أنه ما أكل أكلتين في يومٍ واحد ، إلا كانت إحداهما تمراً ، وما شبع من خبزٍ ، وكان مع ذلك يُعَظِّم النِعْمَةَ وإن دقَّت ولا يذم منها شيئاً .
 ما ذمّ طعاماً قط في كل حياته ، ما ذمّ طعاماً قط ، دعي إلى خبزٍ وخل فقال عليه الصلاة والسلام :

((نعم الإدام الخل))

[ الجامع لأحكام القرآن عن ابن حبيب ]

 وقال :

((لو دعيت إلى كراعٍ لأجبت ...))

[البيهقي في شعب الإيمان عن أنس ]

 كراعٍ بظاهر المدينة ، لو دعي إلى دعوةٍ متواضعةٍ في مكان بعيد لأجاب ، لأنه : من دعي فلم يجب فقد عصى أبا القاسم . ولا سيما إذا كان الداعي متواضعاً ، إذا كان الداعي رقيق الحال ، أراد أن يتشرَّف بك وأنت لا تجبه ؟! تجيب دعوة الأغنياء !! وكان يقول عليه الصلاة والسلام :

((إنما أنا عبدٌ آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد))

[ الجامع الصغير]

حياة النبي الكريم حياة توجيهية نموذجية :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لم تكن هذه الحياة حياة رسول الله حياةً فرديةً ، أرادها أن تكون حياةً توجيهية ، أرادها أن تكون حياةً نموذجية ، فالأحوال تختلف ، والأيام تمضي ، والدنيا تُقبل أو تُدْبِر ، والدخل يزداد أو يقل ، المؤمن ثابتٌ على مبدئه لا يتغيَّر ، ولا يتحوَّل ، لهذا قال عليه الصلاة والسلام :

((اخشوشنوا وتمعددوا فإن النعمَ لا تدوم))

[ كشف الخفاء عن عمر ]

 ما الذي يقلق الناس الآن ؟ نقص أرزاقهم ، لا يهتمُّ لقصوره في عبادته ، ولا لتقصيره في معرفة ربه ، ولا لجهله الفاضح في كتاب الله ، ولا لارتكابه بعض المعاصي والآثام، الذي يقلقه أن يقل رزقه فقط .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لئلا يكون الإنسان عبداً للدنيا ، من أجل أن يكون المسلم فوق الدنيا ، من أجل أن يَطَأَ الدنيا بقدمه ، من أجل أن يضحك على الدنيا دون أن تضحك عليه الدنيا ، كان عليه الصلاة والسلام زاهداً مُكتفياً بالقليل ، أراد أن تكون حياته نموذجاً ، ليس معنى هذا أن نمنع أنفسنا الطيِّبات التي خلقها الله لنا ، ولكني أقصد من هذا الكلام أنك إذا اجتهدت ، وسعيت وفق منهج الله عز وجل ، وسعيك انتهى بك إلى موقعٍ دون طموحك ، لا ينبغي أن تحمل نفسك على معصية الله من أجل الدنيا ، أسوق هذا الكلام لا لتأكلوا خبز الشعير فقط ، ولا لتأكلوا وجبةً واحدة في اليوم ، ولكن لئلا تحْمِلوا أنفسكم على معصية الله من أجل الدنيا ، لئلا تحجبوا عن ربكم من أجل الدنيا ، لأن الله سبحانه وتعالى يمتحن المؤمنين بالسرَّاء ، ويمتحنهم بالضرَّاء ، يمتحنهم بالغنى ، ويمتحنهم بالفقر ، يمتحنهم بإقبال الدنيا عليهم، وبإدبار الدنيا عنهم .

 

كرم النبي صلى الله عليه و سلم و شدة سخائه :

 علماء السيرة المحللون لسيرة النبي عليه الصلاة والسلام قالوا : إن هدف النبي عليه الصلاة والسلام من حياته المتقشِّفة الخشنة الزاهدة التي كان ذات مظهرٍ بسيط أن يبني في الإنسان شخصيةً تقف أمام الصِعاب ، لا تتأثرُ بالحرمان ، لا تنحرف عن هدفها من أجل دنيا قليلة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مع كل ذلك كان عليه الصلاة والسلام متميِّزاً بالجود والسخاء ، كان له وادٍ من غنم ، جاءه رجل وكان سيد قومه . قال : لمن هذا الوادي ؟ قال : هو لك . قال: أتهزأ بي ؟ قال : لا والله ، هو لك . قال : أشهد أنك رسول الله تُعْطي عطاء من لا يخشى الفقر .
 غالباً ما يكون الفقير في الدنيا حريصاً عليها ، يقبض يده ، هذا زُهد الأنبياء ؛ زهدٌ يرافقه سخاءٌ ما بعده سخاء ، بذلٌ ما بعده بذل .

 

محاسبة النبي نفسه أشدّ المحاسبة حينما يأكل طعاماً طيباً :

 وشيءٌ آخر مع هذا الزهد ، وذاك التقشُّف ، ومع هذا السخاء ، كان يحاسب نفسه أشد المُحاسبة حينما يأكل طعاماً طيباً ، فكان صلى الله عليه وسلم مرةً مع صاحبه الصِدِّيق وسيدنا عمر رضي الله عنهما ، وقد أَوْلَمَ لهما أبو هيثم التَيْهَان الأنصاري ، ذبح لهما شاةً ، واستعذب لهما ماءً ، ثم أتى بذلك الطعام والماء ، فأكل منه النبي وصاحباه وشربوا ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((لتسألن عن النعيم نعيم هذا اليوم ...))

[ الجامع لأحكام القرآن ]

 جمع بين هذه الصفات الثلاث ؛ بين زهده ، وبين سخائه ، وبين الشعور بالمسؤولية، إذا عاش الإنسان في رفاهٍ أو أكل أطيب الطعام . قد يأكل الإنسان أطيب الطعام ولا يشكر ربه ، أكل لحم شاةٍ ، وشرب ماءً عذباً ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((هذا هو النعيم الذي نسأل عنه يوم القيامة))

[ الجامع لأحكام القرآن ]

 وكان طعامه فيما تروي كُتب السيرة يوم عُرسه بأم سلمة لا يزيد عن شيءٍ من الشعير ، أخذته أم سلمة فعصدته ، هذا طعامه يوم عرسه بأم سلمة .
 وروى أنس بن مالك :

((أنه أُهْدِيَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم طبقٌ من رُطَب ، فجلس على ركبتيه فأخذ يناولني ، قبضةً قبضة يُرسل بها إلى نسائه ، وأخذ قبضةً منها فأكلها))

 هكذا كان يعلمنا ، وكان عليها الصلاة والسلام يقول :

((أخفت في الله وما يخاف أحد ، وأوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون ما بين يومٍ وليلة ما لي ولبلال طعامٌ يأكله ذو كبدٍ إلا شيءٌ يواريه إبط بلال))

[الجامع الصغير عن أنس ]

 كان عليه الصلاة والسلام يدخل بيته ليأكل ، فيقول :

((أعندكم شيء ؟ يقولون : لا . فيقول : إني صائم))

[الجامع الصغير عن عائشة ]

 وهل في بيت المسلمين بيتٌ واحدٌ مهما كان مستواه الاقتصادي متدنياً ليس في البيت شيءٌ يؤكل ؟! سيد الخلق ، وحبيب الحق كان قدوةً لنا، لماذا جعله الله قدوةً لنا ؟ لأنه أذاقه الفقر ، فكان مُتَجَمِّلاً صابراً ، وأذاقه الغنى فكان سمحاً باذلاً ، وأذاقه الضعف والقهر في الطائف فكان عبداً لله عز وجل ، راضياً بقضائه ، وأذاقه النصر فكان متواضعاً لله عز وجل .

 

انصراف الدنيا ينبغي ألا يصرف الإنسان عن هدفه :

 أما الشخصية المُنْعَمَة التي نشأت في النعيم فهذه تضطرب لأقل نقص ، لو تعطَّل المُكَيِّف ، لقامت الدنيا ولم تقعد لتعطل التكييف فقط أحياناً ، لو أن الطعام كان في مستوى أقل مما يرجو لصرخ ، وصخب ، وأقام الدنيا ولم يقعدها ، هذه الشخصية الغارقة في النَعيم ، الغارقة في ملذَّات الحياة الدنيا ، الغارقة في أطايب الطعام ، الغارقة في حظوظ النفس ، هذه الشخصية لا تصمد أمام الزلازل ، لا تصمد أمام المِحَن ، هذه الشخصية هَشَّة المقاومة ، سريعة الانهيار، سريعة الاضطراب ، سريعة السقوط .
 مبلغ من المال يغريها فتبتعد بها عن ربها ، قد يبيع الإنسان من أجل المال دينه ، قد يبيع آخرته .
 القضية أيها الأخوة في سيرة النبي أعمق من أن تقول : إنه كان زاهداً ، أراد أن يبني شخصية المؤمنين على الزهد ، بمعنى أنك إذا انصرفت عنك الدنيا لا ينبغي أن تنصرف عن رسالتك ، إذا انصرفت عنك الدنيا لا ينبغي أن تزيح عن هدفك ، إذا انصرفت عنك الدنيا لا ينبغي أن تسخط على ربك ، إنه الابتلاء والامتحان ، مثل هذه الشخصيات القوية الشامخة الصامدة التي لا تضطرب أمام نقص الطعام والشراب والملذَّات ، مثل هذه الشخصية أَهْلٌ لتحمل رسالة السماء.

بيت النبي عليه الصلاة والسلام جُزْءٌ من الدعوة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ جاء النبي عليه الصلاة والسلام ضيفٌ ، فأرسل يسأل في بيوت زوجاته التِسع ، فلم يجد عند إحداهن شيئاً يؤكل ، فوكل أمره إلى أصحابه ، وضاقت زوجاته بهذا الوضع ، وطلبن النفقة ، فنزل قوله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾

[ سورة الأحزاب: 28 ]

 لماذا ؟ لأن بيت النبي عليه الصلاة والسلام جُزْءٌ من الدعوة ، لو أن النبي دعا الناس إلى الزهد والتواضع وخشونة العيش ، ودعاهم إلى معرفة الله وتخطي الصعاب ، وكان هو في بيته مُنعماً ، غارقاً في النعيم ، ما صدَّق الناس دعوته ، لأن بيت النبي عليه الصلاة والسلام جزءٌ لا يتجزَّأ من الدعوة إلى الله ، فمن دعا إلى الله فليضبط بيته ، لأنه إذا اكتشف الناس أن البيت ليس كما يدعو سقطت الدعوة .
 هناك سؤالان كبيران : إذا كانت هذه الدعوة حقاً ، لِمَ لا تطبق في بيت الداعية ؟ وإن كانت غير واقعية صعبة التطبيق فلماذا يدعو إليها ؟ سؤالان ليس لهما جواب .
 لذلك : يريد الله ليطهِّر أهل بيت النبي من أجل أن تكون القدوة كاملةً في شخصه وفي أهله صلى الله عليه وسلم . ليس معنى هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام يحب الخشونة في طَبْعِهِ ، يحب تحمل المشاق ، لا ، كان رقيق الحاشية صلى الله عليه وسلم ، والدليل أنه ما خير بين شيئين إلا اختار أيسرها ، ما لم يكن إثماً . فهو نفسٌ بشرية تميل إلى الدَعَةِ ، وإلى الراحة ، وإلى ما لَذَّ من الطعام ، هكذا فطرة النفس ، لولا أن النبي عليه الصلاة والسلام تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر : " اللهم إني بشر " ، ولولا أنه تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، لذلك ما خُيِّرَ بين شيئين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً ، وكان عليه الصلاة والسلام يمزَحُ ويتفكه ولا يقول إلا حقاً .

 

تواضع النبي الكريم و لطفه الكبير :

 وهناك شيءٌ آخر في شخصيته صلى الله عليه وسلم : فأحياناً الإنسان إذا ارتفع مقامه قليلاً يرى في حمل بضاعته عاراً ، لابد من إنسان يمشي وراءه يحمل عنه بضاعته ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول :

(( برئ من الكبر من حمل حاجته بيده))

[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعاً وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته]

 كان عليه الصلاة والسلام يذهب إلى السوق ، ويحمل بضاعته بيده ، وكان إذا تصدَّق وضع الصدقة في يد السائل ، وكان يركب دابَّته ويُرْدِفُ خلفه . أما حينما يترفع الإنسان ويريد أن يكون له مظهر فخم مُفَخَّم يرفعه عن عامة الناس فهذا ليس قدوةً ، ولا يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام ، فلا ينبغي أن يبني المؤمن شخصيته على تلقي الخدمات ، ينبغي أن يبنيها على إعطاء الخَدَمَات ، لا ينبغي أن يبني المؤمن شخصيته على الأخذ بل على العطاء ، فكأن في شخصية المؤمن سمةً أساسية وهي البذل والعطاء .
 وكان عليه الصلاة والسلام مع هذه النفس الوديعة الطيِّبة ، مع هذه النفس الزاهدة العابدة كان يتلطَّف مع الأطفال وكان يقول :

((من كان له صبيٌ فليتصابَ له))

[ الجامع الصغير عن أبي معاوية]

 وكان إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً . وكان يقول :

((خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي، ما أكرم النساء إلا كريم ، وما أهانهن إلا لئيم))

[ كنز العمال عن عليّ ]

صبره عليه الصلاة و السلام على جفوة الغريب و تجاوزه عن المسيء :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كان عليه الصلاة والسلام يصبر على جفوة الغريب - الشخص الغريب الذي لا يعرفه ، قد يكون كلامه قاسياً ، قد لا يرعى حرمة النبي عليه الصلاة والسلام ، ربما لا يقف الموقف الأديب الذي يقفه أصحابه رضوان الله تعالى عليهم- لكن النبي عليه الصلاة والسلام لصدره الواسع ورحمته الكبيرة ، كان يصبر على جفوة الغريب في منطقه ومسألته ، وكان لا يواجه أحداً بما يكره من شدة حيائه ، وشدة حرصه على أصحابه ، وعلى طيبِ خاطرهم ، لا يواجه أحداً بما يكره ، وكان يجيب دعوة الداعي ، ويعود المريض ، ويقبل العذر ، هناك أشخاصٌ لؤماء مهما اعتذرت إليهم ، مهما استرضيتهم ، لا يقبلون العذر أبداً ، ولا يرضون عن الخطأ . لكن النبي عليه الصلاة والسلام يقبل عذر المعتذر ويتجاوز عن المسيء ، وله في كل حالةٍ من هذه الأحوال نماذج رائعة هي مضرِب المثل لأمته من بعده .

جوده صلى الله عليه و سلم و حسن خلقه :

 كان عليه الصلاة يُعطي من مَنَعَهُ ، ويصل من قطعه ، ويبذل لمن حرمه ، وكان يغضي طرفه عن الأذى ، وكان أجود الناس بل كان أجود من الريح المُرْسَلَة ، كان إذا أقبل إلى مجلسٍ جلس حيث ينتهي به المجلس .
 مرة دخلت عليه حليمة السَعْدِيَّة التي أرضعته ، فكان عليه الصلاة والسلام وفياً لها أشدّ الوفاء ، بسط إليها رداءه لتجلس عليه ، وكان إذا زاره ضيف يعطيه وسادةً - ليس في البيت وسادة أخرى إطلاقاً - وكان عليه الصلاة والسلام يجلس على الأرض تكريماً للضيف .
 لم يعرف في أخلاقه مهانةً ولا جفاء ، بل الدماثة واليُسْر ، جُبِلَ على حُسن الخلق ، بالرياضة النفسية ، وبالهبة الإلهية ، كان يحلب شاته ، ويخصف نعله ، وكان يحب التيمّن في كل شيء ؛ في طهوره ، وترجُّله ، وتنقُّله .
 دخل عليه رجل فأصابته رعدة :

(( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ ، فَقَالَ لَهُ : هَوِّنْ عَلَيْكَ ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ))

[ ابن ماجه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ]

 عُرِفَ عليه الصلاة والسلام بالتَفَكُّه ، فقد كان طيِّب النفس ، رقيق المعشر ، يألف ويُؤلف ، لم يكن جهماً يحمل حاجاته ، وكان الناس في وقتها يظنون حمل البضاعة عورةً ، أي عيباً ، حينما كان عليه الصلاة والسلام يحمل حاجاته بيده ، كان الناس يرون أن حمل البضاعة عورةً أي عيباً تسبب لصاحبها النَقْص .
 وكان عليه الصلاة والسلام ذا قلبٍ رقيق يفيض بالرحمة ، فكان يبكي لموت الأطفال ويقول:

((إنما هي رحمةٌ يضعها الله في قلب من يشاء من عباده ...))

[البخاري عن سعد]

 وكان يكره التميز والترفع عن أصحابه وعن أتباعه ، لو دخل غريبٌ إلى مجلسه لا يعرفه ، يقول : أيكم محمد ؟ فيقول عليه الصلاة والسلام : " قد أصبت" ، أي أنا .
 لماذا لم يعرفه الداخل ؟ لأنه ما كان متميزاً على أصحابه أبداً .
 السيدة خديجة بفطرتها الصافية ، حينما جاءه الوحي قالت له : " والله ما يخزيك الله أبداً ؛ إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكَل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ". هذه كلمة فيها استنباط دقيق ؛ هذه الفطرة السليمة من دون تعليم ، من دون وحيٍ من السماء ، الإنسان الأخلاقي ، الوفي ، الصادق ، الأمين ، الذي يعين الآخرين ، قلبه ممتلئٌ رحمةً لهم ، هذا لن يخزيه الله أبداً .
هذه الفطرة ، من دون تعقيدات ، الإنسان إذا كان محسناً ، وقد قصد بإحسانه إرضاء الله عز وجل ، فهذا الذي يفلح وينجح في الدنيا ، ولن يخزيه الله في الدنيا أبداً .

 

غضبه صلى الله عليه و سلم للدعوة و لربه فقط :

النبي عليه الصلاة والسلام لم يغضب إلا للحق ، ما غضب لنفسه ولا مرة ، ولا انتصر لها ، وهو في غضبه للحق يملك تعبيره ، فلا ينفلِت الكلام منه إطلاقاً ، أحياناً أشخاص لو أن غضبه للحق ، ينفلت الكلام منه فيجرح ويؤذي ، ويحدث من الشر أضعاف ما أراد أن يصلح ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام لم يغضب لنفسه قط ، ولم ينتصر لها ، وحينما يغضب لله كان لسانه منضبطاً ، فلم تكن العبارة تتفلَّت منه ، بل كانت في مكانها .
 وكان غضبه صلى الله عليه وسلم يتَّصل بالدعوة ولا يتصل بشخصه ، جاءه أعرابي ، قال : " يا محمد اقضِ حقي فأنتم معاشر بني عبد المطلب قومٌ مُطْلٌ " ، جرأةٌ ما بعدها جرأة ، وقاحةٌ ما بعدها وقاحة، يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام ، ما غضب النبي لنفسه .
 أعرابي جذبه في ثوبه النجراني حتى أثر في عنقه الشريف ، جذبه جذبةً ، فنظر له النبي وابتسم ، إذاً ما غضب النبي لنفسه .
 أعرابيٌ آخر سأل النبي حاجةً فأعطاه إياها قال : يا أعرابي هل أحسنت إليك ؟ قال: لا ولا أجملت . فما زال عليه الصلاة والسلام يسترضيه حتى رضي ، إذاً ما غضب النبي عليه الصلاة والسلام لنفسه أبداً ، أما إذا غضب فغضبه للدعوة ، غضبه لله عز وجل .
 كان عليه الصلاة والسلام يتوضَّأ ليزول غضبه ، ويجلس إذا كان قائماً ، ويقوم إذا كان قاعداً ، مرّ في طريقه إلى فتح مكة بكلبةٍ تَهُرّ على أولادها وهُن من حولها يسترضعنها ، فأمر أحد أصحابه أن يقوم بجانبها حتى يمر الجيش كُلّه لئلا يؤذيها أحد ، كلبةٌ تهر على أولادها وأولادها يسترضعنها ، فأمر صحابياً وهو في معركة ، وهو في طريقه لفتح مكة ، أمر صحابياً أن يقف جانب الكلبة ليحميها من أن جندياً دون أن يعلم يصيبها بالأذى .
 ذات مرة بكى موت إبراهيم رضي الله عنه - ابنه - فقال :

(( ... إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا ، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))

[ متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

 كان عليه الصلاة والسلام إذا قُدِّمَتْ له فاكهة في بواكيرها ، أي أول ما يأكل فاكهة، كان عليه الصلاة والسلام يقبلها ، ويضعها بين عينيه ، ويقدمها لأصغر طفلٍ في المجلس . هكذا كان إذا قدمت له الفاكهة في بواكيرها .

 

ثقة النبي المطلقة بربه :

 كان عليه الصلاة والسلام لا يزعجه الأمر الجلل مهما يكن الخبر كبيراً ، لا يزعجه لماذا ؟ لثقته بربه ، لثقته بأن الله سينصره ، ليت المؤمن يثِق بالقرآن الكريم ، بنصوص القرآن الكريم المطمئنة ، هذه النصوص ينبغي أن تُثْلِجَ صدره ، خالق الكون يقول :

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 وتخشى أنت الفقر ! وتخشى المرض ! وتخشى مصائب الدنيا ! وتخشى تقلُّبات الدَهْر ! هذه الآية الكريمة لست مصدقاً إيَّاها ؟! .
 أيها الأخوة الكرام ؛ نقطةٌ دقيقةٌ جداً ، كان لا يزعجه الأمر الجلل لثقته بربه . فجنديٌ يأخذ كتاباً من قائد الجيش يطمئنه ، ويثني عليه ، ويكافئه ، ويأتي عريفٌ صغير فيهدده فيبكي . هذا الكتاب لا قيمة له عندك ، هذا تفكيرٌ محدود ، الذي يستقيم على أمر الله ، ويؤمن بالله ، والله سبحانه وتعالى وعده بالنصر والتأييد والحفظ والرعاية ، ثم يخشى نوائب الدهر ومفاجآت الأيام ؟ هذا إدراكه للقرآن الكريم ليس كما ينبغي .

 

نظافته صلى الله عليه و سلم و جمال ملبسه و سعيه لطلب الرزق :

 وكان عليه الصلاة والسلام نظيفاً ، جميل المَلْبَس ، لا يُرى إلا في أكمل مظهر ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول :

(( إن الله يحب من أحدكم إذا خرج لإخوانه أن يتجمل لهم))

 وكان بعض الصحابة يعرف خروج النبي من ريحه الطيِّب ، فكان يحب العطر .
 ويقول أنس بن مالك : صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، وشممت العطر كله ، فلم أشم نكهةً أطيب من نكهة رسول الله ، ولا رأيت شيئاً أحسن من النبي، ولا رأيت أحداً أسرع في مشيته من النبي صلى الله عليه وسلم ، كأن الأرض تطوى له ، وإنا لنجهد في السير وراءه .
 وفوق كل هذا جاهد عليه الصلاة والسلام في سبيل رزقه ؛ برعي الغنم تارةً ، والتجارة الداخلية تارةً ، والتجارة الخارجية تارة أخرى ، وكان شريكاً مُضارباً بمال السيدة خديجة ، هذا هو النبي عليه الصلاة والسلام ، هذه بعض جوانب شخصيته .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ مرة ثانية : جوهر الاحتفال بعيد المولد لا أن نردد أطيب الأقوال ، ونأكل ما لذّ وطاب من الطعام ، جوهر الاحتفال بعيد المولد أن نتعرف إلى شمائله صلى الله عليه وسلم ، وأن نقتدي بهديه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

المثانة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قضيةٌ يمكن أن تَلْفِتَ النظر هي أن المثانة كالبالون تماماً ، إفراغ المثانة من دون عضلاتٍ تعصرها يحتاج إلى وقتٍ طويل ، ويحتاج إلى تهويةٍ من أعلاها، كي ينشأ ضغطٌ يضغط السائل إلى الأسفل ، أما أن تُجَهَّز المثانة بعضلاتٍ تعصرها فتفرغ ما بها في أقل وقتٍ ممكن ، فهذه نعمة عظمى لا نعرفها إلا إذا فقدناها .
 أولاً : قيمة الوقت في حياة الإنسان ، إن إفراغ المثانة من دون هذه العضلات التي تعصرها يحتاج إلى أكثر من خمس دقائق ، هذا عمل يومي ، لكن الله سبحانه وتعالى لأنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، زوَّد هذه المثانة بعضلاتٍ عاصرة ، فالإنسان إذا أراد إفراغ مثانته ما عليه إلا أن يُنْهي ذلك على عجل بسبب هذه العضلات التي تعصرها .

قيمة الوقت في حياة الإنسان :

 ذكرت هذا حينما قرأت كلمةً عن بعض الحواسب ، أن كل جيلٍ يمتاز على الجيل السابق بالسرعة فقط ، فهذا الحاسب من الجيل السادس ميزته أنه يقرأ ثمانية ملايين حرف في الدقيقة ، والجيل السابع مئة مليون، وهكذا ، فقيمة الوقت إذا أردت أن تسأل الحاسب سؤالاً ، وقال لك : انتظر خمس دقائق ، فهذا من الجيل الثالث ، أما إذا أعطاك الجواب في سبع ثواني فهذا حاسبٌ راقٍ ، قيمة الحاسب في السرعة ، إذاً الوقت حينما يختصر إذاً هو ثمينٌ جداً .
 كنت في حفلةٍ قبل أيام ، قال أحدهم : إن أثمن شيء يملكه الإنسان هو المال . والحقيقة أن أثمن شيءٍ يملكه الإنسان هو الوقت ، لأن الإنسان وقت ، فإذا عرف كيف يستخدم هذا الوقت ، في معرفة ربه ، وفي معرفة منهج ربه ، وفي السير على منهج ربه ، يكون قد سعد في الدنيا والآخرة ، لأن كل شيءٍ يملكه الإنسان آيلٌ إلى زوال ، وسوف يغادر الدنيا بقماشٍ أبيض من أرخص أنواع الأقمشة ، أما الوقت فهو وعاء العمل الصالح ، فمن هو الشقي ؟ هو الذي يستهلك الوقت استهلاكاً من دون جدوى ، لذلك قال الله عز وجل :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018