الخطبة : 0450 - مولد الرسول صلى الله عليه وسلم 1 - وإنك لعلى خلق عظيم - أنا لمْ أُخْلَقَ لهذا. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0450 - مولد الرسول صلى الله عليه وسلم 1 - وإنك لعلى خلق عظيم - أنا لمْ أُخْلَقَ لهذا.


1993-08-27

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ، ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكُّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنَّك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

بعثة الأنبياء :

 أيها الأخوة الكرام ... بعد أيامٍ عدَّة تُطِلُّ علينا ذكرى ميلاد سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم، هذه الذِكرى العطرة التي تملأ قلب كل مسلمٍ غِبْطَةً وفرحاً ، ولكن ماذا ينبغي أن نفعل في ذكرى ميلاد النبي عليه الصلاة والسلام ؟
أيها الأخوة الكرام ... الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم ، سخَّر له السموات والأرض تسخير تعريفٍ وتكريم ، منحه نعمة العقل ليكون العقل أداةً لمعرفة الله، وليكون العقل مناطاً للمسؤولية ، فطره فطرةً نقيَّةً طاهرة لتكون فطرته ميزاناً له فيما لو خرج عن منهجه الإنساني ، أودع فيه الشهوات ليرقى بها شاكراً أو صابراً إلى رب الأرض والسموات ، منحه قوةً فيما يبدو ليحقِّق اختياره ، منحه حرية الاختيار ليثمَّن عمله ، وفوق كل هذا وذاك أنزل الكتاب بالحق ليكون ميزاناً على ميزاني العقل والفطرة ، فحيثما توصَّل العقل إلى مقولةٍ تتناقض مع القرآن فليعلم الإنسان علم اليقين أن في عقله انحرافاً أو قصوراً ، وحيثما قادته فطرته التي طُمِسَت إلى شيءٍ يُخالف شرع الله عزَّ وجل ، فليعلم المسلم علم اليقين أن الشرع وحده هو الحَكَمُ على كل شيء .
 ولكن يا أيها الأخوة الكرام على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى سخَّر الكون ، ومنح العقل، وفطر الفطرة ، وأودع الشهوات ، ومنح الاختيار ، وأعطى القوة ، لابدَّ من خطابٍ من السماء إلى الأرض ، لابدَّ من تربية الإنسان إذا زلَّت به الأقدام ، لذلك كانت بعثة الأنبياء ، الأنبياء رجالٌ من بني البشر اصطفاهم الله بتلقي الوحي وتبليغ هذه الرسالة ، ما كل إنسانٍ يستطيع أن يتلقَّى الوحي من الله ..

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ﴾

[ سورة آل عمران: 33-34 ]

الفرق بين معجزات الأنبياء و معجزة النبي العدنان :

 هؤلاء الأنبياء تلقوا عن الله الوحي ، وأَلْقَوْه للناس ، بلَّغوا الناس، كثيرون هم الذين يكذِّبون الأنبياء ، لأن دعوة الأنبياء تتناقض مع شهواتهم وانحرافاتهم ، فأول ردِّ فعلٍ من قِبَل أهل الدنيا ، من قِبَل المُترفين ، هو أن يكذبوا رسالات الأنبياء ، لذلك كانت المعجزات ، أيْ أنَّها خَرْقٌ للقواعد العامة ، أو خرقٌ لسنن الله في الأرض ، وهذا الخرق شهادة الله عزَّ وجل على أن هذا الإنسان هو رسول الله .
 إلا أن معجزات الأنبياء السابقين كانت معجزاتٍ حسيَّة ، هي كعود الثِقَاب ، تتألَّق ثم تنطفئ ، وتبقى خبراً يصدقه المصدِّق ، ويكذبه المكذِّب ، لكن معجزة النبي عليه الصلاة والسلام هي القرآن ، معجزةٌ بيانيةٌ عقليةٌ باقيةٌ إلى آخر الدوران ، وهذا من فضل الله علينا لأننا من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلَّم .
 ولكن لا ينبغي لمن ينتسب لهذه الأمة أن يظن أنه ناجٍ بمجرَّد انتسابه إليها ، فقد قسَّم العلماء أمة النبي عليه الصلاة والسلام إلى أمة التبليغ ، وأمة الاستجابة ، فإذا كنت من أمة التبليغ فلا تنجو إلا بطاعة الله عزَّ وجل ، وإن كنت من أمة الاستجابة فقد استجبت لله ولرسوله إذا دعاك لما يُحْييك .

مهمة الأنبياء :

 أيها الأخوة ... هذه مقدِّمة . ما مهمة الأنبياء ؟ إنهما مهمتان كبيرتان : المهمة الأولى مهمَّة التبيلغ ..

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ﴾

[ سورة المائدة : 67 ]

 هذه المهمة الأولى . وأما المهمة الثانية فهي مهمة القدوة ، ولعَمْري إن مهمة القدوة أبلغ بكثير من مهمة التبيلغ ، لأن كل الذين أَتَوْا بعد النبي عليه الصلاة والسلام يبلِّغون عنه ، ولكن الناس لا يستجيبون إذا سمعوا الحق بآذانهم ، لا يستجيبون إلا إذا رأَوْا الحق متمثلاً بأشخاصٍ من بني جلدتهم يعيشون معهم ، لا تستطيع أن تبلِّغ عن الله إلا إذا كنت متمثَّلاً بهذا الشرع العظيم ..

﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾

[سورة البقرة: 124]

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾

[ سورة السجدة :24]

 لا تطمع أن تستطيع أن تُبَلِّغَ عن الله عزَّ وجل إذا كان كلامك في واد ، وحياتك اليومية في وادٍ آخر ، لأن الناس لا يصدقون ما يسمعون ولكن يصدقون ما يرون ، لهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام بِمَثَلِهِ الخُلُقِيّ ، بقيمه الرفيعة ، بأخلاقه الرضيَّة ، بتضحيته ، بجهاده ، ببذله ، بحرصه ، برحمته ، كان سبب التفاف الناس حوله ، بماذا وصف الله النبي عليه الصلاة والسلام ؟ قال تعالى :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم: 4 ]

 كان من الممكن أن يصف الله النبي عليه الصلاة والسلام بآلاف الصفات ، لكنه اختار الصفة التي تحقق معنى الرسالة ، اختار الصفة التي تكمِّل التبليغ ألا وهي القدوة .

 

معرفة سيرة النبي فرضُ عين على كل مسلم :

 يا أيها الأخوة الكرام ... ما لم نتأسَّ برسول الله ، وما لم نقتفِ أثره ، وما لم نقتدِ به ، وما لم نجعله الشخصية الأولى في حياتنا ، ما لم نجعل من أقوال النبي ، ومن أفعال النبي ، ومن أخلاق النبي ، ومن شمائل النبي قدوةً لنا ، ما لم نقلِّد النبي في كل شؤون حياتنا، فاحتفالنا بعيد المولد لا معنى له ، يكاد يكون نوعاً من التقاليد والعادات .
 يا أيها الأخوة الكرام ... ما من وقتٍ يحتاج المسلمون إلى أن يتعرَّفوا إلى أخلاق نبيِّهم كهذا الوقت ، أكادُ أقول : إن معرفة سيرة النبي فرضُ عين ، طالبوني بالدليل ؟ ألم يقل الله عزَّ وجل :

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

[ سورة الممتحنة: 6 ]

 ألم يجعل الله عزَّ وجل من النبي في سيرته ، وفي أخلاقه ، وفي شمائله ، من النبي الرجُل ، ومن النبي الزوج ، ومن النبي الأخ ، ومن النبي الصديق ، ومن النبي القدوة ، ومن النبي الحاكم ، ومن النبي القائد ، ألم يجعل الله عزَّ وجل شخصية النبي قدوةً لنا ؟ ألم يأمرنا أن نأخذ عنه ؟

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7 ]

 ألم يجعل طاعة رسول الله عَيْنَ طاعة الله ؟ ألم يجعل إرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم عين إرضاء الله ؟ لدقةٍ في صياغة القرآن ، قال تعالى :

﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾

[سورة التوبة: 62]

 لم يقل : يرضوهما ، لأن عين إرضاء الله هو عين إرضاء رسول الله ، وعين إرضاء رسول الله هو عين إرضاء الله .
 يا أيها الأخوة الكرام ... لابدَّ من وقفةٍ متأنيةٍ عند هذه النقطة ، كيف أهتدي بهديه ؟ كيف أتَّبع سنته ؟ كيف يكون النبي أسوةً لي ؟ كيف يكون النبي قدوةً لي ؟ إن لم أطلع على حياته ، على سيرته ، على بطولته ، على مواقفه ، على خصوصيَّاته ، على علاقته بأزواجه ، علاقته ببناته ، علاقته بإخوانه ، أكاد أقول إن معرفة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام فرضُ عينٍ على كل مسلم.

سيرة النبي تجسيدٌ لفهم النبي عن الله عزَّ وجل :

 الشيء الذي ينبغي أن يُقال في هذا الموضوع هو أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي تلقَّى الوحي من الله عزَّ وجل ، وهو أول مخلوقٍ فهم الوحي كما أراد الله ، وحينما تحرَّك النبي في معاملاته وعلاقاته ، وأخذه وعطائه ، تحرَّك وفق فهمه لهذا الوحي ، فكأنَّ سيرة النبي تجسيدٌ لفهم النبي عن الله عزَّ وجل ، فإذا اتبعنا سيرة النبي ، فإذا اتبعنا أخلاق النبي ، فإذا اقتدينا بأفعال النبي ، فقد طبَّقنا الفهم الصحيح للقرآن الكريم ، عندئذٍ نجتمع ، عندئذٍ نتوحَّد ، عندئذٍ نتعاون ، عندئذٍ نحقق هدفاً كبيراً .
 من أين يأتي التفرُّق ؟ من تناقض السلوك ، من أين تأتي البعثرة ؟ من تشتُّت الأهداف ، من أين يأتي الضعف ؟ من التنازُع ، لو أننا درسنا سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، واقتفينا أثره ، وقَلَّدنا أخلاقه ، وطبّقنا منهجه ، لاجتمعنا جميعاً على سلوكٍ يُجَسِّد فهمه لكتاب الله ، إن أعلى إنسانٍ فهم القرآن الكريم هو النبي عليه الصلاة والسلام ، وما سيرته القولية والعملية إلا تجسيدٌ لفهمه صلى الله عليه وسلَّم .
 فكما أن القرآن هو وحي الله أوحاه لرسوله صلى الله عليه وسلَّم ، وكما أن السُنَّة تفسيرٌ ، وتبيينٌ ، وتوضيحٌ لما في القرآن الكريم ، سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، وسيرة أصحابه الذين رضي الله عنهم هي أيضاً تجسيدٌ لفهم النبي عن الله عزَّ وجل ، ففي النهاية نحن أمام منهجٍ سلوكي، وأمام مرتبةٍ عمليةٍ إذا تفهَّمناها وطبَّقناها سعدنا في الدنيا والآخرة .

ما يفعله الناس في ذكرى المولد النبوي :

 يا أيها الأخوة الكرام ... نحن على موعدٍ مع ذِكْرَى مولد النبي عليه الصلاة والسلام ، ماذا يفعل الناس في هذه المناسبة ؟ يجتمعون ، يستمعون إلى مديح رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، يلقون الكلمات التي تبيِّن شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ، ولكن لي ملاحظة أتمنى أن تُؤخذَ بعين الاعتبار وهي أننا إذا اجتمعنا في مساجد الله عزَّ وجل ، في بيوتات الله عزَّ وجل ، واستمعنا إلى مديح النبي عليه الصلاة والسلام ، واستمعنا إلى كلماتٍ وضيئةٍ تتحدَّث عن شمائله ، نحن جميعاً طرفٌ واحد ، نحن جميعاً نُصَدِّق ما يقال ، لأننا مؤمنون - ولله الحمد - نحن جميعاً لا نكذب من يتكلَّم عن النبي مادحاً ، ولكنَّ بطولتكم في عيد المولد النبوي الشريف أن تدعو أُناساً لا طريق لهم إلى المسجد ، بعيدون عن فهم هذا الدين ، عليكم أن تهتموا بالطرف الآخر ، لو أن واحداً منكم دعا أقرباءه ، دعا من يلوذ بهم ، دعا أصدقاءه ، دعا الذين على احتكاكٍ يوميٍ معهم وهم ليسوا على منهج الله عزَّ وجل ، وليسوا على شاكلته ، دعاهم إلى احتفالٍ متواضعٍ بمناسبة عيد المولد ، وأسمعهم شيئاً من الحق ، هذا الذي أحدث جديداً ، هذا الذي نقل الحق إلى من يجب أن يُنْقَلَ إليه.
 فلذلك أن نجتمع نحن المؤمنين في بيوتات الله لنحتفل بعيد المولد هذا سلوكٌ طيب، سلوكٌ مُسْعِد ، ولكنَّ الأطيب منه هو أن تنقُل أناساً قلَّما يأتون إلى بيوت الله ، أن تنقل أناساً شاردين عن منهج الله ، أن تنقل أناساً بعيدين عن الاتصال بالله ، أن تنقُل أناساً في خطٍ آخر غير خط الله ورسوله ، أن تنقل هؤلاء إلى دين الله ، إذا فعلت هذا فأنت داعيةٌ ورب الكعبة .
 فلذلك أعجبتني في المَوْسم الماضي نماذج من إخوتنا الكرام الذين دعوا أقرباءهم، من يلوذُ بهم ، أصدقاءهم ، جيرانهم الذين هم يشكِّلون الطرف الآخر ، الشاردون عن الله ، البعيدون عن قيَم الدين ، دعوهم إلى بيوتكم واحتفلوا بعيد مولد النبي عليه الصلاة والسلام ، ورددوا على أسماعهم أخلاقه العليَّة ، وصفاته الطاهرة ، وأسمعوهم شيئاً من حقيقة الإسلام ، وجوْهَر هذا الدين العظيم ، إن فعلتم هذا نقلتم أناساً من طرفٍ إلى طرف .

شمائل النبي :

 أيها الأخوة الكرام ... للنبي عليه الصلاة والسلام شمائل كثيرة ، أولاً : لقد زَكَّى الله عقل النبي حينما قال :

﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[سورة النجم : 2]

 وزكَّى لسان النبي حينما قال جلَّ جلاله :

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾

[سورة النجم : 3]

 وزكَّى شرع النبي حينما قال :

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[سورة النجم : 4]

 وزكَّى جليسَ النبي حينما قال :

﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾

[ سورة النجم: 5]

 وزكَّى فؤاده فقال :

﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾

[ سورة النجم: 11]

 وزكَّى بصره فقال :

 

 

﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾

[ سورة النجم: 17]

 وزكَّاه كلَّه فقال :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم: 4 ]

الخُلق الحسن هو كل شيءٍ في الدين :

 أيها الأخوة الكرام ... مرَّةً ثانية : بماذا وُصِفَ النبي عليه الصلاة والسلام ؟ وُصِفَ بأنه على خلقٍ عظيم ، لقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن :

((أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خُلقاً))

[ من الدر المنثورعن جابر بن سمرة ]

 وأنَّ ..

((أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا))

[ من الجامع لأحكام القرآن عن أبي جعفر ]

 وأنَّ ..

((من أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً))

[ من الجامع الصغير عن أسامة ]

 وأنَّ أقرب المؤمنين مجلساً من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أحسنهم خُلُقاً .
 هذا الحديث الرابع ، وأنَّ ..

((يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان ؟ قال: خلق حسن))

[ من الدر المنثور عن أسامة بن شريك ]

 وأنَّه ..

((ما من شيءٍ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلقٍ حسن))

[ من الدر المنثور عن أبي الدرداء ]

 وأنَّ ..

((المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم))

[ من تخريج أحاديث الإحياء ]

((بل إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة))

[من الدر المنثور عن أنس ]

 و..

((حسن الخلق يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيئ يفسد العمل كما يفسد الخل العسل))

[من الدر المنثور عن ابن عباس ]

 أكثر من عشرة أحاديث صحيحة تؤكِّد أن الخُلق الحسن هو كل شيءٍ في الدين ، لهذا وصف الله النبي الكريم بأنه على خلقٍ عظيم ، لذلك إذا أردنا أن نحتفل بعيد مولد النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي أن نذكر شمائله ، وأن نقتدي به ، ينبغي أن نتعلَّم ، وأن نطبِّق ، ينبغي أن نفهم وأن نسلُك ، ينبغي أن نجعل النبي عليه الصلاة والسلام قدوةً لنا ، أسوةً لنا ، نموذجاً لنا .

عناية النبي بأصحابه :

 إذاً ينبغي أن نسأل ماذا كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام ؟ مثلاً : كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته لفَّ ثوبه ، هذا من خُلُقه الرفيع ، ينبغي أن نتأسَّى به .
 كان من عنايته بأصحابه صلى الله عليه وسلَّم ما رواه الحاكم بإسناده : " أن النبي صلى الله عليه وسلَّم دخل بعض بيوته ، فدخل عليه أصحابه حتى غُصَّ المسجد بأهله وامتلأ، فجاء أحد أصحابه وهو جرير البُجَلِيّ ، فلم يجد مكاناً ، فقعد على الباب ، فنزع النبي عليه الصلاة والسلام رداءه ، وألقاه إليه ليجلس عليه ، فأخذه جرير ، ووضعه على وجهه ، وجعل يقبِّله ، ويبكي ، وأعاده إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم ، وقال : يا رسول الله ما كنت لأجلس على ثوبك ، أكرمك الله كما أكرمتني " ، فنظر النبي صلى الله عليه وسلَّم يميناً وشمالاً وقال : إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه"
 هـكذا كان مع أصحابه .
 وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه قال : لمَّا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلَّم ألقى إليَّ وسادةً من أدمٍ محشوةً ليفاً ، وقال : اجلس عليها ، قلت : بل أنت ، قال : بل أنت ، فقال عدي : فجلست عليها وجلس رسول الله على الأرض ، فقلت: أشهد أنك لا تبغي علواً في الأرض ولا فساداً، وأسلم عديُّ بن حاتم على يدي النبي لمَّا رأى من تواضعه .
 وروى البيهقي في الدلائل أنه : " وفدَ وفدُ النجاشي على النبي صلى الله عليه وسلَّم ، فقام النبي صلى الله عليه وسلَّم يخدمهم بنفسه ، فقال له أصحابه : نحن نكفيك يا رسول الله القيام بضيافتهم وإكرامهم " ، فقال عليه الصلاة والسلام : "إنهم كانوا لأصحابنا مُكْرمين ، وأنا أحب أن أكافئهم "
 خدمهم بنفسه ، هكذا كانت أخلاق النبيّ صلى الله عليه وسلَّم .

صبر النبي عليه الصلاة والسلام و شجاعته :

 من صبر النبي عليه الصلاة والسلام ما رواه الإمام أحمد والترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه أنه قال : قال عليه الصلاة والسلام :

(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ ))

[ أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان عَنْ أَنَسٍ]

 كان قدوةً لنا في السرَّاء والضرَّاء ؛ خاف ، وجاع ، وتحمَّل المشاق ، وتحمل عداوة قُرَيش ، وتحمل بأسَهم الشديد ، ومقاطعتهم ، وإيذاءهم ، وإخراجهم ، وسخريتهم ، وتكذيبهم ، ألم يقل عليه الصلاة والسلام لقتلى بدر : " يا فلان ، ويا فلان - وسمَّاهم بأسمائهم - هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ لقد كذَّبتموني وصدَّقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وخذلتموني ونصرني الناس"
 أيها الأخوة الكرام ... ومن شجاعة النبي عليه الصلاة والسلام ما قال سيدنا علي ابن أبي طالب كرَّم الله وجهه : " كنَّا - أي معشر الصحابة - إذا حمي البأسُ واحمرت الحَدَق اتَّقينا برسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فما يكون أحدٌ أقرب إلى العدو منه"

خشيته صلى الله عليه و سلم :

 وأما من خشيته ، كان يخاف الله خوفاً لا حدود له ، رأس الحكمة مخافة الله .
 غضب صلى الله عليه وسلَّم ذات مرةٍ من غُلام ، وكان بيده سِواك ، فقال له : "والله لولا خشية القصاص لأوجعتك بهذا السواك "
 وكان عليه الصلاة والسلام عظيم الهَيْبَةَ ، لأنه من اتقى الله هابه كل شيء ، ومن لم يتقِ الله أهابه الله من كل شيء ، كان عليه الصلاة والسلام فخماً مفخَّماً ، يتلألأ وجهه صلى الله عليه وسلَّم تلألؤَ القمر ليلة البدر ، من رآه بديهةً هابه ، ومن خالطه أحبَّه .
 دخل عليه رجلٌ فأصابته رعدةٌ شديدة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلَّم :

(( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ : هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ))

[ ابن ماجه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ]

عدل النبي و رحمته :

 ومن عدله صلى الله عليه وسلَّم ما رواه الشيخان - البخاري ومسلم - واللفظ للبخاري عن عروة :

((أن امرأةً سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ففزِعَ قومها إلى أسامة بن زيد رضي الله عنهما وكان حبَّ رسول الله - محبوبه - يستشفعونه ، قال عروة : فلمَّا كلَّمه أسامة تلوَّن وجه النبي عليه الصلاة والسلام وقال لأسامة : يا أسامة أتشفع في حدٍ من حدود الله ؟ فقال أسامة : يا رسول الله استغفر لي يا رسول الله . فلما كان العَشِيّ قام عليه الصلاة والسلام في الناس خطيباً فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : أما بعدُ .. فإنما أَهْلَكَ الناس من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها))

[البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ]

 هكذا العدالة .
 ومن رحمته صلى الله عليه وسلَّم ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال : " أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلَّم خلفه ذات يوم ، فدخل حائطاً - أي بستاناً - لرجلٍ من الأنصار، فإذا فيه جَمَل ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلَّم حَنَّ الجمل وزرفت عيناه ، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فمسح ذِفريه فسكن الجمل ، فقال صلى الله عليه وسلم :

((مَن صاحب هذا الجمل ؟ فجاء فتىً من الأنصار ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : ألا تتقي الله بهذه البهيمة التي ملَّكَكَ الله إيَّاها ؟ فإنه شكا إليه أنك تجيعه وتدئبه))

[الطبراني عن عبد الله بن جعفر]

 أيها الأخوة الكرام ... هذه رحمة النبي ، رحمته بالخَلقِ جميعاً ، رحمته بالخلق كافَّة ، حتى المخلوقات كان يرحمها ، كان يعطف عليها ، كان يحرَص على سلامتها ، يحرص على إطعامها، يحرص على عدم إرهاقها .
 وكان أعظم الناس حياءً لأنه أعظمهم إيماناً ، وقد قال صلى الله عليه وسلَّم :

((الحياء من الإيمان))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 فكان أشد حياءً من العذراء في خدرها ، وقد بلغ من حيائه صلى الله عليه وسلَّم أنه لا يواجه أحداً بما يكرَهه .

من تعرف إلى النبي كان حاله أفضل :

 يا أيها الأخوة الكرام ... لو أن المسلمين اليوم تعرَّفوا إلى نبيِّهم معرفةً صحيحة، لقوله تعالى:

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ ﴾

[سورة المؤمنون: 69]

 لو أنهم تعرَّفوا إليه ، لو أنهم طلبوا العِلم ، وتعرَّفوا إلى سيرته صلى الله عليه وسلَّم ، تعرفوا إلى أخلاقه ، تعرفوا إلى نفسه السامية ، لو تعرفوا إليه وجعلوه قدوةً لهم ؛ في حياتهم ، في أعمالهم ، في حركاتهم ، في نشاطاتهم جميعاً ، لكانوا في حالٍ غير هذا الحال .
 رحم الله من قال في مدح خير الأنام :

يا من له الأخلاق مـا تهوى العٌـلا  منها و ما يتعشَّق الكُبـــراء
فإذا ســخوت بلغت بالجود المدى  و فعلـــت ما لا تفعل الأنواءُ
وإذا عفـوت فقادراً ومقــــدَّراً  لا يســتهين بعفوك الجُهـلاء

وإذا رحمـت فأنــت أمٌ أو أبٌ  هـذان في الـدنيا هم الرحماء
وإذا غضبت فإنما هي غضبـة  في الحق لا ضِغنٌ و لا بغضـاء
وإذا خطبت فللمـنابر هِــزَةٌ  تعرو الَنديَّ و للـقـلـوب بكاء
يا أيها الأمي حســبك رتبـةً  في العلم أن دانت بك العـلمـاء
* * *

الحديث عن أخلاق النبي وشمائله يملأ القلب بهجة :

 أيها الأخوة الكرم ... أليست لكم سهرات ؟ أليست لكم لقاءات ؟ أليست لكم أُمْسِيَات ؟ أليست لكم أماكن تقضون وقتكم فيها ؟ هذه اللقاءات بماذا تملؤونها ؟ بالقيل والقال ؟ بالحديث الذي لا مضمون له ؟ بالحديث الذي لا يغني ولا يُسْمِن من جوع ؟ بالحديث الذي يفرِّق ولا يَجْمَع ؟ بالحديث الذي يملأ القلوب ضغينةً وحسداً ؟ بالحديث الذي لا معنى له ؟ باللغو الفارغ ؟ حبَّذا لو ملأتم مجالسكم ، ملأتم لقاءاتكم بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلَّم ، فبالحديث عن أخلاقه تتعطَّر المجالس ، بالحديث عن شمائله تمتلئ القلوب بهجةً وغِبْطَة ، بالحديث عن أخلاقه الرضيَّة ترتسم البسمة على الوجوه .

اتباع سنة النبي يوَحِّدنا :

 يا أيها الأخوة الكرام ... هكذا ينبغي أن نحتفل بالمولد النبوي الشريف ، لمَّا كَثُر مُدَّعو المحبة طُولِبوا بالدليل ، قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

 دقِّقوا في هذه الآية . كلٌ يدعي وصلاً بليلى ، كل الناس يدّعون حب الله عزَّ وجل، كل إنسان يدَّعي أنه مؤمنٌ كبير ، هذه دعوى ، هذا كلامٌ لا مضمون له ، لمَّا كثُر مدَّعو محبة الله عزَّ وجل طُولِبوا بالدليل ، وما الدليل ؟

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

 لن تكون محباً لله إلا إذا اتبعت رسول الله ، وإذا اتبعنا جميعاً رسول الله توحَّدنا ، وزالت تلك الفُرْقَةَ بيننا ، زالت تلك التناقضات فيما بيننا ، زالت تلك الأمراض التي تفتِّتنا ، والتي تنهشنا ، إن اتباع سنة النبي يوَحِّدنا ، إن طلب العلم ، وطلب معرفة رسول الله يؤلِّف بين قلوبنا، يُعَطِّر مجالسنا .
 فيا أيها الأخوة الكرام ... نحن على أبواب عيد مولد النبي عليه الصلاة والسلام، وأنتم جميعاً مطالبون أن تقيموا في بيوتكم مجالس تذكرون فيها النبي عليه الصلاة والسلام ، فلعل أناساً حولكم بعيدون عن دين الله ، بعيدون عن منهج الله ، بعيدون عن معرفة الله ، لعلَّهم ببيانكم ، ونُصْحِكُم ، وتوضيحكم يأتلفون ويزدادون قُرباً من هذا النبي عليه الصلاة والسلام .
 أيها الأخوة الكرام ... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

 

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُقِ العظيم ، اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .

أنا لم أخلق لهذا :

 أيها الأخوة الكرام ... النبي عليه الصلاة والسلام يوم كان طفلاً عزفت نفسه عن لهو الأطفال ، وعن ملاعب الأطفال ، وعن أسمار الأطفال ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول لأترابه إذا دعوه إلى اللهو : " أنا لمْ أُخْلَق لهذا "
 فهل عرفت أيها الأخ الكريم لماذا خلقت أنت ؟ ألا ينبغي أن نعلم جميعاً لماذا نحن على وجه الأرض ؟ ما الشيء الذي ينفعنا ؟ ما الفلاح ؟ ما حقيقة الفلاح ؟ ما حقيقة النجاح ؟ ما حقيقة الفَوْز ؟ من هو الفائز ؟ من هو السـعيد ؟ قال : "أنا أم أُخلق لهذا " ، فإذا عرفنا لماذا خلقنا ؟ قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 ويوم جاءت النبي عليه الصلاة والسلام رسالة الهُدَى ، وحُمِّلَ أمانة التبليغ ، قالت له زوجته خديجة رضي الله عنها : " خُذ قسطاً من الراحة " ، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن قال لها كلمةً لا تُنسى ، قال : "يا خديجة انقضى عهد النوم"
 هؤلاء المسلمون سادرون في غفلتهم ، غارقون في شهواتهم ، غافلون عن مصيرهم ، لماذا لا ينتبهون من غفلتهم ؟ " انقضى عهد النوم يا خديجة " ، أنتَ مكلَّفٌ أيها الأخ ؛ مكلفٌ بمعرفة الله ، مكلفٌ بطلب العلم ، مكلفٌ بمعرفة منهج الله ، مكلفٌ بالعمل الصالح من أجل أن تسعد به إلى أبد الآبدين .
 ويوم دانت للنبي عليه الصلاة والسلام الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها ، وجاء نصر الله والفتح ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً ، وهو في أَوْجِ نجاحه ، وهو في أوج قوته ، وهو في أوج تألُّقه ، مَلَكَ الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها ، صعد المِنبر واستقبل الناس باكياً وقال لهم :

((أيها الناس من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتد منه ، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه ، ولا يخشى الشحناء فإنها ليست من شأني ولا من طبيعتي))

[ من مجمع الزوائد عن الفضل بن عباس ]

 أتستطيع أن تصل إلى قمة المَجد وأن تحافظ على تواضعك ؟ وأن تحافظ على عبوديتك لله عزَّ وجل ؟ وأن تحافظ على خوفك من الله عزَّ وجل ؟ وهو في أعلى درجات القوة ، في أعلى درجات النجاح ، في أعلى درجات المَجْد قال :

((أيها الناس من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتد منه ، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه ، ولا يخشى الشحناء فإنها ليست من شأني ولا من طبيعتي))

[ من مجمع الزوائد عن الفضل بن عباس ]

 أيها الأخوة الكرام ... كان عليه الصلاة والسلام يُصَلِّي ، وكان إذا دخل وقت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه ، من شدة قربه من الله عزَّ وجل ، كان إذا صلَّى ذابت نفسه حُبًّا وشوقاً ، وكان يصلي صلاة الفجر بالآيات الطوال - كما علَّمنا - ودخل في صلاة الفجر، وحوله أصحابه الكرام ، هل تدرون أيها الأخوة أنه قرأ في هذه الصلاة أقصر سورةٍ في القرآن ؟ وأنهى صلاته على عَجَل ، لماذا ؟ قال : لأنه سمع طفلاً يبكي من وراء الصفوف ، وكأنه ينادي أمه ببكائه ، فرحم الأم ورحم ابنها ، وأنهى صلاته على عجل . هكذا كان عليه الصلاة والسلام أخفَّ الناس صلاةً في تمام .

سمو الإسلام بقلب المسلم :

 أيها الأخوة الكرام ... كان عليه الصلاة والسلام يرتَجِفُ إذا رأى دابةً تحمل على ظهرها فوق ما تطيق ، يرتجف ، كيف يقسو الناس على بعضهم ؟ كان قلبه الشريف لا يتحمَّل أن يرى دابةً تحمَّل فوق طاقتها ، فهذا الذي يفعله أعداء المسلمين بالمسلمين ، لهم قلوبٌ كالصخر ، لكن الإسلام يسمو بقلب المسلم إلى درجة أنه يصبح رقيقاً رقةً بالغة ، فالرَّاحمون يرحمهم الله ، و إذا أردتم رحمتي فارحموا خَلقي .
 ورقَّة القلب علامة القُرب ، وقسوة القلب علامة البُعد . حقاً كنت يا رسول الله أحسن الناس خُلُقاً ، وأجود الناس صدراً ، وأصدقهم لهجةً، وألينهم عريكةً ، وأكرمهم عشرةً ، لقد صدق مَلِكُ عُمان حينما قال لك بعد أن التقى بك يا رسول الله : " والله لقد دلني على هذا النبي الأمي إنه كان لا يأمر بخير إلا كان أول آخذٍ به ، ولا ينهى عن شيءٍ إلا كان أول تاركٍ له ، وإنه يَغْلِب فلا يَبْطَر ويُغْلَب فلا يضجر ، ويفي بالعهد وينجز الوعد " .
 أيها الأخوة الكرام ... لنا إن شاء الله تعالى خُطَبٌ عديدة مع شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ، ولكن أتمنى عليكم أن تُحيوا ذكرى مولده إحياءً حقيقياً ، أن تؤكَّدوا أن حبكم لله عزَّ وجل يتمثَّل باتباعكم رسوله الكريم ، أن تعطوا الدليل على حبكم لله ، أن تتعرفوا إلى رسول الله من خلال أقواله ، من خلال أفعاله ، من خلال سيرته ، معرفة السيرة فرض عين لأنكم مأمورون أن تقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وبطولتكم أن تضموا إلى المؤمنين الطرف الآخر ؛ الذي قليلاً ما يأتي بيوت الله ، الذي قليلاً ما يتبع منهج الله ، هؤلاء عرِّفوهم بهذا النبي الكريم ، إن فعلتم هذا فقد حققتم شيئاً ثميناً .

الدعاء :

 أيها الأخوة الكرام ... إني داعٍ فأمِّنوا :
 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت ، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ولا يعزُّ من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك اللهمَّ ونتوب إليك .
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحةً لنا موت كل شر مولانا رب العالمين.
 اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك .
 اللهمَّ لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين .
 اللهمَّ استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخيا وسائر بلاد المسلمين .
 اللهمَّ يا أكرم الأكرمين اعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018