الخطبة : 0447 - ما أصابكم من مصيبة فبما قدمت أيديكم - التفكّر بالموت. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0447 - ما أصابكم من مصيبة فبما قدمت أيديكم - التفكّر بالموت.


1993-08-06

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

نفس الإنسان هي العدو الحقيقي الذي يمكّن الأعداء منه :

 أيها الأخوة المؤمنون ، النبي عليه الصلاة والسلام يوجّهنا إلى أنّ أحدنا ينبغي ألا يخاف إلا ذنبه ، وألا يرجُوّ إلا ربّه ، فقد ورد في الحديث الشريف :" لا يخافنّ العبد إلا ربّه و . . ." قد يقول قائل : ما أكثر أعداء المسلمين ، ولكنّ العدوّ الحقيقيّ الذي يمكّن الأعداء من المسلمين هي نفسنا التي بين جنْبيْنا ، لأنّها إذا وقعَتْ في عُدوانٍ ، أو في تقصير ، أو في انحرافٍ ، أو تلبَّسَت بِمَعصيَةٍ صارت النفس هي التي تُسبّب المتاعب التي لا حصر لها ، لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾

[ سورة الشورى : 30]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ من الثابت أنّ واقع المسلمين اليوم ليس كواقع المسلمين في عُصور الازدهار ، ليس كواقع المسلمين في عهْد الصحابة ولا في عهْد التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، أيْن الخلل ؟ أين التقصير ؟ المسلم المخلص هو الذي يعكف على تشْخيص الداء ، والبحث عن الدواء ، وقد قالوا : إنّ إدراك المشكلة إدراكًا صحيحًا يُسْهم في نصف حلّها ، بمُجرّد أن تعرف مكمن الداء ، موطن العِلّة ، مكان التقصير والخلل ، إنّ هذه المعرفة وحدها تُسْهم في نصف الحلّ ، لأنّ أيّ حلّ يعتمد على وصف الدواء ، وأيّ دواء يعتمد على صحّة تشخيص الداء ، فإذا شعر المسلم أنّ بين واقع المسلمين اليوم ، وبين ماضيهم المتألّق بوْنًا شاسعًا ، ومسافةً كبيرةً ، وأنّ واقع المسلمين اليوم لا يدعو إلى الاعتزاز ، وأنّ واقع المسلمين في الأمس يدعو إلى الفخر ، إنّ المسافة بين الواقعيين لا بدّ وأن تكون لِسَبب خطير جوهري ، فما من عملٍ نحن في أمسّ الحاجة إليه من تشخيص الداء ، ثمّ البحث عن الدواء .
 المسلمون الأوائل كانوا يُصلّون ، ونحن نصلّي ، وكانوا يرتادون المساجد ، ومساجدنا ممتلئة بفضل الله ، وكانوا يتلون القرآن ، ونحن نتْلو القرآن ، فما الفرق بيننا وبينهم ؟ أين موطن الداء ؟ أين الخلل ؟ أين التقصير ؟

 

على كلّ إنسان أن يجلس جلسة متأنِّيَة يُحاسبُ فيها نفسهُ :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ لو أردنا أن نعدّ المسلمين الذين يرتادون المساجد ، والذين يؤدّون الصلوات ، والذين يصومون رمضان ، والذين يحجّون البيت ، والذين يتعاطفون مع الإسلام والمسلمين لرأيناهم كُثُرًا ، ولكن إذا عددْنا المسلمين الملتزِمين بالأمر والنهي ، الوقافين عند حدود الله تعالى ، الذين يخافون الله أشدّ الخوف ، ويتهيَّبون خرْق منهجه أشدّ التهيّب ، إذا عددْنا هؤلاء وجدناهم قِلّة ، لأنّ الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة يَعِدُ المؤمنين بالنّصر والتوفيق والتأييد ، وألا يجعلَ لأعدائهم عليهم سلطانًا ، ووعْدُ الله عز وجل مُحَقَّق الوُقوع فإذا لم يقع فلِعِلَّة فينا ، ولِتَقصيرٍ في سلوكنا .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لا بدّ مِن وقفةٍ متأنية مع الذات ، حياتنا تَتَّسِمُ بالتعقيد ، وأنّها مُفْعمة بالمشكلات ، وأنّ الإنسان يكاد يُستهلك من عمل إلى عمل ، ومن لقاءٍ إلى لقاء ، ومن حلّ مشكلة إلى حلّ مشكلة ، لا بدّ لهذا الإنسان في خضمّ المتاعب ، وفي خضمّ الاهتمامات ، وفي خضمّ الحياة الدنيا ، لا بدّ من وقْفَةٍ مع ذاته ، أرأيْتُم أيّها الأخوة إلى تاجر كثير الأعمال ، ثقيل الأعباء ، كثير العلاقات ، ألا ينبغي لهذا التاجر وهو في زحمة العمل أن يخْلُوَ بِنَفسه لِساعات معدودة يراجع حساباته ويعرف مركزهُ المالي ؟ أيسيرُ في طريقٍ صحيح مُؤدَّاهُ إلى الرّبح أم يسير في طريقٍ مؤدَّاه إلى الخسارة ؟ هذه الساعات التي يقضيها التاجر وهو في زحمة العمل ، وهو في أوْج الانشغال ، هذه الساعات المعدودة التي يخلو بها إلى نفسه يقلّب دفاتره ، يراجع حساباته ، يقيِّمُ مركزه المالي ، هذه الساعة أيّها الأخوة لابدّ من أن يتفرَّغ إليها المؤمن ، لأنّ طبيعة الحياة ، وكثرة اللّقاءات ، وكثرة الأشغال ، وازدحام الحياة بالأعباء والهموم، لا تسمح للمسلم أن يخْلُو إلى نفسه لذلك تستهلكُه الحياة ، وتنطبق عليه الآية أحياناً :

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾

[ سورة التكاثر : 1-2]

 يسير ويسير ، ويبحث ويبحث ، فإذا هو فجأةً في قبضة الموت ، ولاتَ ساعة مَنْدم ، النبي عليه الصلاة والسلام أيها الأخوة حينما كان يخْلو مع ربّه في غار حراء الليالي ذوات العدد كان يعلّمنا بأنّه لا بدّ من جلسةٍ متأنِّيَةٍ يُحاسبُ الإنسان فيها نفسهُ ، أو يتعرّف إلى ربّه ، أو يبحث عن سرّ وُجوده ، أو حقيقة رسالته .
 أيها الأخوة الكرام ؛ إنْ لمْ يُتَح لنا أن نخْلُوَ الليالي ذوات العدد فلا أقلّ من أن نخْلُوَ كلّ يومٍ بضعًا من الوقت ، نتعرّف إلى الله عز وجل ، نتعرّف إلى الله من خلال الآيات الكونيّة ، وفي كلّ شيءٍ له آية تدلّ على أنَّه واحدُ ، هناك آيات كَوْنِيَّة صارخة ، كأنّها تنطق بِوُجود الله ، وبِوَحدانيّته ، وبِكَماله ، وهناك آيات تَكْوينيّة ، إنّ الأفعال الإلهيّة التي نراها رأْيَ العين، والتي نستمع إليها عبْر وسائل الإعلام ، إنّ هذه الأفعال الإلهية لهي آياتٌ دالة على وُجوده ، وعلى وَحْدانيّته ، وعلى عدالته ، وعلى كماله ، وإنّ القرآن الذي بين أيدينا ، وهو كلام الله تعالى فيه نبأ من قبلنا ، وخبر من بعدنا ، وفيه وصْفٌ لحالنا ، وفيه أمر ونهي ، وفيه الثواب والعقاب ، وفيه الوعد والوعيد ، وفيه كلّ شيءٍ يحتاجه الإنسان ، قال تعالى :

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة : 3]

 في هذه الساعة المباركة ، ساعة يخلو بها الإنسان مع نَفسه ليُحاسِبَها ، ويخلو بِرَبِّه لِيَتَّجِه إليه ، ويفكّر لِيَعرف حقيقة وُجوده ، هذه الخَلْوَة مع الله لا بدّ منها ، وأنْسَبُ وقتٍ لها ما بين صلاة الفجر إلى طلوع الشمس ، فمن جلسَ يذكر الله عز وجل ، ويتْلوَ القرآن ، كُتِبَت له هذه الجلسة كَحَجَّة وعُمْرةٍ تامَّتَين تامَّتَين .

 

في الإسلام كليّات ثلاث على الإنسان أن يجمع بينهم ليتوازن :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في الإسلام كليّات ثلاث ؛ كُليَّة فِكْريّة ، وكُلِيَّة نفْسِيَّة ، وكُلِيَّة سلوكِيَّة ، لا بدّ من الجمع بين الكليّات الثلاث ، تحقيقًا للتوازن وإلا عرج المؤمن ، إذا نما جانبٌ على حِساب جانبٍ ، وكليّة على حساب كُلِيَّة ، ولم يحقّق الإنسان التوازن ، ولم يُفلِح الإنسان إلا إذا أخذ الدِّين من كلّ جوانبه ، له جانبٌ فكري لا بدّ من التعرّف إلى الله من خِلال الآيات الكونيّة والتكوينيّة والقرآنيّة ، لا بدّ من أن تنتزعَ وقتًا من أوقاتك الثمينة لِتَتَعرَّف فيه إلى الله عز وجل ، لأنّ معظَمَ الأمراض النفسيّة التي تُصيب المسلمين هي بِسَبب الشِّرْك لا الشِّرْك الجليّ ، ولكنّ الشِّرك الخفيّ ، والتفكّر في آيات الله ، وقراءة القرآن ، والتّعرّف إليه من خلال أفعاله ، يُقرّبك كل هذا من التوحيد ، وكلّما اقتربْت من التوحيد ، وابْتَعَدْت عن الشِّرْك فقد ابْتَعَدتْ عنك الضّغوط الأرضيّة ، واتَّجَهْت إلى الله عز وجل ، قال تعالى يبيّن هذه الحقيقة :

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[سورة الشعراء : 213]

 أحدُ أكبر عذابات النفس الشِّرْك الخفيّ ، الشّرك الخفيّ أن تتَّجِه لغير الله ، أو أن تعلّق الآمال على غير الله ، أو أن ترْجُوَ غير الله ، أو أن تخاف من غير الله ، أو أن تحرصَ على شيءٍ من حُطام الدنيا عن طريق المعصية ، إنَّه شرْكٌ خفيّ ، لأنّه ما تعلَّمَت العبيد أفضل من التوحيد ، ولأنّ الدِّين في جوهره توحيد الخالق ، وتوحيد ذاته وصفاته وأفعاله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لا بد من جانبٍ تعرُّفيّ ، لا بدّ من جانب فكريّ ، ولا بدّ من جانب علميّ ، لا بدّ من طلب العلم ، ولا بدّ من الاستزادة من العلم ، لأنَّ الله سبحانه وتعالى عالمٌ يحبُّ كلّ عالم ، وما اتَّخَذ الله وليًّا جاهلاً ، لو اتَّخَذهُ لعلَّمَهُ ، والعلم سلاحٌ ، ولعالم واحدٌ أشدّ على الشيطان من ألف عابدٍ .

 

لزوم المؤمنين :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ من لوازم هذه الخَلْوَة مع الله تعالى أن تكون لك جَلْوةٌ مع المؤمنين ، أي الْزَم المؤمنين ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 119]

 الْزَمْ مجالس العلم ، لا تُصاحب إلا مؤمنًا ، ولا يأكل طعامك إلا تقيّ ، لا تُقِمْ علاقةً حميمة مع غير المؤمنين ، فإنَّهم يسْحبونك إلى واديهم غير المقدّس .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ أمرٌ إلهي في نصّ القرآن الكريم ، وفي آيةٍ واضحة الدلالة قطْعِيَّة الدلالة ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 119]

 لا بدّ من ساعةٍ تخلو بها لِنَفْسِكَ تُحاسبها ، وتخْلُو بها مع ربّها لِتَتّجِه إليه ، ولا بدّ من أن تكون جَلْوَتُك مع المؤمنين لا مع أهل الفسْق والفجور ، فإن الإنسان إذا صاحب فاسقًا انْضمَّ إليه ، والله سبحانه وتعالى بريء منه ، قال تعالى :

﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾

[ سورة المائدة : 51]

العلم غذاء العقل والذِّكْر غذاء القلب :

 شيءٌ آخر أيها الأخوة ، الكليّة الأولى كُلِيَّةٌ أساسها العلم ، أساسها معرفة الله ، ومعرفة منهجه ، أساسها معرفة آياته ، أساسها معرفة سرّ وُجود الإنسان ، جانبٌ علميّ لا مجال للتفصيل فيه ، والكلية الثانية من كُلية الدّين هي الذِّكْرُ ، لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾

[ سورة الأحزاب : 41-42]

 والذِّكرُ أيها الأخوة أنواع كثيرة كلّها وردَت عن النبي صلى الله عليه وسلّم ، من أولى بنودها تلاوة القرآن الكريم ، إنّ أعظمَ قربَةٍ من نوع الذِّكْرِ تتقرَّبُ بها إلى الله عز وجل أن تتْلُوَ القرآن آناء الليل وأطراف النهار ، إنَّ أعظم قربةٍ وأعظمَ سعادةٍ وأعظم طمأنينة ينْغمسُ فيها قلبك حينما تتْلو كتاب الله عز وجل ، فالله سبحانه وتعالى يتجلَّى على المؤمن الصادق بِنَفحات القُرْب التي لا تعدلها نفحات .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ لا بدّ من ذِكْرٍ يومي ، فإذا كان العلم غذاء العقل ، فالذِّكْر غذاء القلب ، وقد قال تعالى :

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد : 28]

 قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب : 41-43]

 هذه ثمارُ الذِّكْر .

 

تلاوة القرآن الكريم من أبْرز أنواع الذِّكْر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ كما قلتُ قبل قليل : من أبْرز أنواع الذِّكْر تلاوة القرآن الكريم تلاوةَ تدبّر ، وتلاوَةَ تفكّر ، وتِلاوَةَ تفهُّمٍ ، ثمّ تِلاوَةَ عملٍ ، تتْلو كلام الله لتنطلق إلى تطبيق ما فيه ، وشيءٌ آخر ورد عن النبي صلى الله عليه وسلّم ، أنواع كثيرة من الذّكر ، فالتسبيح ذكرٌ ، والحمْدُ ذِكْرٌ ، والاستغفار ذِكْر ، وكلّ أنواع الذِّكْر التي وردَت عن النبي صلى الله عليه وسلّم بالأحاديث الصحيحة هي ذِكْرٌ ينبغي أن نلْزمهُ ، وينبغي أن نقول لكم أيها الأخوة : إنَّ القلب أحيانًا يتصحَّر ، إنّ القلب يسْتَوْحِش ، إنّ القلب أحيانًا يشعر بالضّيق ، ويشعرُ بالسَّأَم ، ويشعرُ بالضَّجَر ، ويملّ الحياة ، وتتكاثر عليه الهموم ، اقرأ قوله تعالى :

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد : 28]

 إنّ القلوب لتصدأ فقيل : وما جلاؤها ؟ قال : ذكر الله ، فذِكْرُ الله ومنه تلاوة القرآن ، ومنه الاستغفار ، ومنه الحمد لله ، وسبحان الله ، ولا إله إلا الله والله أكبر ، هذه هي الباقيات الصالحات التي أشار إليها القرآن الكريم حينما قال :

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾

[ سورة الكهف : 46]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ بقيَ هناك جانبٌ من جوانب الذِّكْر ، ألا وهو الدّعاء ، والدعاء كما تعلمون مخّ العبادة ، وليس الإنسان في حالةٍ أقرب إلى الله عز وجل منه وهو يدعوه وهو مضطرّ ، فلذلك لو تعوَّدنا أن ندْعُوَ الله عز وجل إذا دخلنا إلى بيوتنا ، وإذا خرجنا منها ، وإذا دخلنا إلى أعمالنا ، وإذا خرجنا منها ، وإذا واجهنا خُصومنا ، وإذا جلسنا مَجْلسًا ندعو الله عز وجل أن يوفّقنا فيه إلى كلمة حقٍّ أو أمرٍ بمَعروف ، أو نهْيٍ عن منكرٍ ، وأن نستعيذ بالله من مجلسٍ لا يُذْكرُ الله فيه ، وقد ورد عن النبي :

((مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ ثُمَّ تَفَرَّقُوا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ كَأَنَّمَا تَفَرَّقُوا عَنْ جِيفَةِ حِمَارٍ ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 وما مرّت ساعة على ابن آدم لمْ يذكر الله فيها إلا كانت عليه تِرَةٌ يوم القيامة ، والتِّرَة النّقصُ والمسؤوليّة .

 

الدعاء مخ العبادة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الله سبحانه وتعالى يأمرنا بنَصّ القرآن الكريم أن نكثِر من الدعاء له ، قال تعالى :

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 55]

 وقال تعالى :

﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾

[ سورة غافر : 65]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الدعاء كما ورد في مصابيح السنّة مخّ العبادة ، ولأنّك بالدعاء تكون أقرب شيءٍ إلى الله عز وجل .

 

الاستقامة على أمر الله :

 إذا تركْنا جانب طلب العلم وجانب الذِّكْر ، العلم غذاء العقل ، والذِّكر غذاء للقلب ، والإنسان عقلٌ يُدْرك ، وقلبٌ يحبّ ، فلا بدّ لقلبِهِ من غذاء ، ولا بدّ لعقله من غذاء ، إذا تركنا جانبيّ العقل والقلب ، واتَّجَهنا إلى الجانب السلوكي ، إنّ أوَّل شيءٍ في الجانب السلوكي الاستقامة على أمر الله ، قال تعالى :

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

[سورة هود: 112 ]

 وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، وأوّلُ شيءٍ في الاستقامة ترْك المال الحرام ، لأنّك إذا أكلتَ مالاً حرامًا ، جِهارًا أو خُفْيةً ، سِرًّا أو علانيَّة ، بِطَريقٍ مقبول أو بطريق غير مقبول ، إنّ المال الحرام الذي يصل إليك هذا المال الحرام يُبْطلُ عبادتك ، وقد ورد عن السيّدة عائشة رضي الله عنها في الحديث الصحيح أنّها نصحَت أحد أصحاب رسول الله وقد بلغها أنّه قد خالفَ منهج الله عز وجل في التعامل المادّي فقالت : " قولوا له إنّه أبْطَلَ جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم " إنّ أكل المال الحرام هو الذي يحجبنا عن الله عز وجل ، هو الذي يُقسِّي قلوبنا ، ويجمِّد الدموع في عيوننا ، هو الذي يجعل جلودنا لا تقشعرّ لِخَشيَة الله، يقول العبد : يا رب ، يا رب ، ومأكله حرام ، ومشربه حرام ، وقد غذي بالحرام ، فأنّى يُستجاب له ؟! ترك المفاسِد مُقدَّم على جلب المنافع .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ جانب عقلي وهو طلب العلم ، وجانب نفسي قلبي وهو الذِّكر كي يطمئنّ القلب ، وجانبٌ سلوكي ، في الجانب السلوكي أوّل بند فيه الاستقامة على أمر الله ، وأوّل بنود هذه الاستقامة ترْك المال الحرام ، لأنّ المال الحرام إذا اجترأ الإنسان عليه جعل الله بينه وبين الله حجابًا كثيفًا ، لذلك لا يعي على خير ، يختمُ على قلبه ، يقسو قلبه ، يستمرأُ المعصيَة .

 

الإحاطة بالدين من كل جوانبه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ كما قلتُ في أوّل الخطبة : إذا عَدَدْت المسلمين الذين يصلُّون ، ويصومون ، ويحجّون ، ويتعاطفون مع المشكلات الإسلاميّة في العالم فما أكثرهم ، أما إذا عددْت المسلمين الوقافين عند كتاب الله ، المتعفِّفين عن الحرام ، الذين يخْشَون الله وحدهُ، الذين يخافون من درْهم من حرام ، إذا عددْت هؤلاء المسلمين بهذه الصفة فما أقلّهم .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الدِّين لا يصْلحُ إلا إذا أخذْتهُ من كلّ جوانبهِ ، إذا بالغْتَ في العبادات ولم تكن مستقيمًا على أمر الله ، هذا نوعٌ من النِّفاق ، لأنّ هناك عبادة للجوارح ، وهناك عبادةٌ للقلب ، فَعِبادة الجوارح انْصِياعها للأمر والنهي ، وعبادة القلب إخلاصه لله عز وجل ، ولن يكون القلب مخلصًا إلا إذا كان مستقيماً على أمر الله .
 والبند الثاني هو العمل الصالح الذي يقرّبك إلى الله عز وجل ، فالاستقامة بِمَعناها الواسع ترْكُ ما نهى الله عنه ، ومن أبرز بنود الاستقامة ترْك المال الحرام ، والعمل الصالح بِمَعناه الواسع من بنوده الاستقامة ، ومن بنوده البذْلُ والتَّضْحِيَة ، لا بدّ من أن تعطف على يتيم، ولا بدّ من أن ترعى أرملة ، ولا بدّ من أن تصِلَ الرَّحِم ، ولا بدّ من أن تعطي الفقراء ، ولا بدّ من أن تعين الضعفاء ، والله لأن أمْشِيَ مع أخٍ مؤمن في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ لا نحقّق التوازن في شَخْصيّتنا ، جانب العلم يجب أن يُؤدَّى ، وجانب الذِّكر يجب أن يُؤدَّى ، وجانب الاستقامة والعمل الصالح يجب أن يُؤدَّى ، فإذا جمعْتَ هذه الكليّات الثلاث ، وحقَّقْت هذه الخطوط العريضة الثلاثة فقد أحطت الدِّين من كلّ جوانبه ، عندئذٍ يمكن أن تقطفَ بعض ثماره ، ألا وهي السعادة في الدنيا والآخرة ، ألا وهي الشّعور بالأمن ، قال تعالى :

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 81-82]

أيها الأخوة الكرام ؛ قيمة العلم في تطبيقه ، وقيمة العلم في العمل به ، وقيمة العلم في الاستفادة منه ، والعلم حجّة علينا ، إن لم نعمل به ، فإن عملنا به صار حجّةً لنا ، وتعلَّموا ما شئْتم فوالله لن تؤجروا إلا إذا عملتم بما علمتم ، وكلُّ وبالٌ على صاحِبِه ما لمْ يعمل به ، والله سبحانه وتعالى لا يعذر الجاهل مرّة ، ولا يعذر الذي تعلّم ولم يطبّق علمه ألف مرّة .

اللهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدنا علماً .
* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

التفكر بالموت :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان أحيانًا يشعر أنَّ نفسه تتفلّت منه ، وأنَّها تجمحُ وترْكَنُ إلى الدنيا ، وأنّ الدنيا أكبر همّها ، ومبلغُ علمها ، إذا جمحَتْ نفس الإنسان ، وإذا عجز على أن يضبطها فهناك دواء سِحريّ ، ألا وهو التَّفَكُّر بالموت لأنّ في معالجة جسدٍ خاوٍ لَعِبْرة ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( أكثروا من ذكر هادم اللذات ، مفرق الأحباب ، مشتت الجماعات ))

[الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

(( عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[الشيرازي عن سهل بن سعد و البيهقي عن جابر ]

 و :

(( أكيس المؤمنين أكثرهم للموت ذكراً، وأحسنهم له استعداداً ))

[الحارث عن عمران بن حصين ]

 وإنّ أعقلكم من تجافى عن دار الغرور ، وأناب إلى دار الخلود .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الأحاديث التي تدعونا إلى التفكّر بالموت كثيرة جدًّا ، فكُلّ مخلوق يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزّة والجبروت .

 

حقيقة الإنسان واحدة حينما يموت :

 ولكن أضعُ بين أيديكم دراسةً طريفةً عن طبيب عاشَ في بلدٍ غربي لفتَ نظرهُ أنّ إنسانًا ماتَ موتًا مؤقَّتًا ، أي توقّف قلبه لدقائق معدودات ، فلما صحا سأله عن المشاعر التي انتابتْهُ ، فذكر هذا الإنسان أشياء غريبة جدًّا ، من هنا انطلق هذا الطبيب يبحثُ في كلّ المستشفيات عن حالات مشابهة ، عن إنسان توقّف قلبه لِدَقائق معدودات ، ثمّ عاد وخفق ، يسأل هذا المريض عن المشاعر التي انتابتْهُ ، وقد أشْرف على الموت وقاربَ الموت ، أو كان على مِساسٍ مع الموت ، جمع هذه التقارير من معظم المستشفيات ثمّ طَمِحَ إلى أن ينتقل إلى بلاد أخرى ، ومستشفيات أخرى ، حتى جمَّعَ دراسةً مستفيضةً ، وعكف على قراءة التقارير ، وعلى دراستها ، وعلى استنباط الحقائق المسْتكنّة فيها ، دُهِشَ أنّ هناك قواسم مشتركة بين كلّ هذه التقارير ، خمسة عشر بنْدًا بين هؤلاء جميعًا ، كتابٌ يتوافقُ في جوْهره - وهذا من حُسن حظّه - مع ما جاء في القرآن الكريم والسنة ، طبعًا الكتاب طويل والمعلومات كثيفة جدًّا ، والتقارير كثيرة ، ولكنّ الاستنباطات التي اسْتنبطَها هذا الطبيب الباحث تنطوي على خمسة عشر عنصرًا كلّها مشتركة في تقارير هؤلاء الموتى الذين ماتوا لِدَقائق معدودات ثمّ عادوا إلى الحياة ، من أحد هذه البنود أنّ الميّت يبْتعدُ عن جسده ، وهو يرى ويسمع وكأنّه في كامل قِواه ، فقد ذكرَت امرأة أنّها أُدخلَت إلى المستشفى بِسَبب مشكلات قلبيّة في الصباح وحينما كانت مسْتلقيَّةً على سرير المستشفى بدأتْ بالشعور بألمٍ شديد في صدرها ، فضغطت على الزرّ بِجِوار السرير كي تسْتدعي الممرّضات ، وقد جئن وبدَأن بالعمل ، تقول : كنتُ في وَضْعٍ غير مريح ، وكنتُ مستلقِيةً على ظهري ، وحينما قلبَت نفسي توقَّفت عن التنفّس ، وتوقّف قلبي عن الخفقان ، في هذه الساعة سمعتُ الممرّضات يقلْن : لقد ماتَتْ ، وحينما كنّ يقلْنَ هذا شعرتُ أنّ نفسي كأنّها تخرج من جسدي متزَحْلقةً على جانب السرير ، وفي الحقيقة كأنّني أخترق ما أمامي في طريقي إلى الأرض ، وبدأتُ أرتفعُ شيئًا فشيئًا إلى الأعلى ، وعندئذٍ رأيْتُ كلّ ما حدث ، لقد توافدوا عليّ وعالجوني وضربوا على صدري إلى آخر التقرير ، حينما توقّف قلبها انفصلَت عن جسدها ، وارتفعَت إلى أعلى ، وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة أنّ روح الميّت تُرفْرف فوق النّعش ، تقول : يا أهلي يا ولدي لا تلْعبنَّ بكم الدنيا كما لعبَت بي ، جمعْتُ المال ممّا حلّ وحرم فأنفقتهُ في حِلِّه وفي غير حِلِّهِ ، فالهناء لكم والتّبعة عليّ .
 شابّ آخر في التاسعة عشرة من عمره كان يقودُ سيارته ، وقد وقع حادث أليم ، أوْدى بحَياتِهِ مؤقَّتًا ، يقول : وعندما نظرتُ رأيتُ ضوءاً قويًّا هو ضوءُ سيارة جاءَت مسْرعةً إلى جهتنا ، سمعتُ صوتًا مخيفًا هو صوت تحطّم جانب السيارة ، وخلال لحظات وجدْتُ نفسي متحرِّكًا خلال ظلام في فضاء مغلق ، كان ذلك سريعًا جدًّا ، وكنتُ مثل الطافي على ارتفاع خمسة أقدام فوق الشارع ، وقد سمعتُ صدى التَّحطّم ، ورأيتُ الناس يُهرعون ، ويتجمّعون حول السيارة ، ورأيتُ صديقي يخرج من السيارة في حالة الصّدمة ، وكنت أتمكّنُ أن أرى جسدي في الحُطام بين أولئك الناس ، وكدْتُ أتمكَّن من رؤية محاولتهم لإخراجي ، كانت ساقاي مُلْتَوِيَتَين ، وكان الدم في كلّ مكان !
 وعْيُ الإنسان بعد أن يموت ، إدراكهُ لما يحدث ، سمعهُ ، بصرهُ ، من أقدم لإنقاذه ، ماذا قال فلان ؟ كلُّه يسْمعهُ تمامًا ، ألم يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام قتلى بدر : قال : يا شيبة بن ربيعة ، يا صفوان بن أميّة ، خاطبهم بِأسمائهم واحدًا واحدًا ، قال : هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقًّا فإنّي وجدْتُ ما وعدني ربّي حقًّا ؟ لقد كذَّبتموني وصدَّقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وخذلْتموني ونصرني الناس ، فقالوا : يا رسول الله أَتُخاطبُ قومًا جيّفوا ؟! قال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ! كتابٌ كلُّه على هذه الشاكلة ، يصف شعور كلّ إنسان لامَسَ الموت ، أو اقترب من الموت ، هذا بندٌ واحد من خمسة عشر بندًا ، من هذه البنود أنّ الإنسان إذا اقترب من الموت يستعرضُ حياته كلّها بدقائقها وتفاصيلها بِثَوانٍ معدودة ، ويعرف ما كان منها صالحًا ، وما كان سيِّئًا .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ العجيب أنّ كلّ هؤلاء الذين ماتوا موْتًا مؤقَّتًا على اختلاف ثقافاتهم ، وعلى اختلاف أديانهم ، ومللهم ، ونِحَلِهم ، وتديُّنهم أو فسْقهم ، أو فجورهم ، كلّ الموتى الذين واجهوا الموت تكلَّموا كلامًا يشبهُ بعضهُ بعضًا لأنّ حقيقة الإنسان واحدة حينما يموت ، قال تعالى :

﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

[ سورة ق : 22]

 الإنسان يواجه الحقيقة ، أساسًا فرعون حينما أدركهُ الغرق قال : آمنتُ بالذي آمنَتْ به بنو إسرائيل .

 

العاقل من يعد لساعة الموت عدتها :

 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ قضيَّةُ الإيمان ليْسَت قضيّة أن تؤمن أو لا تؤمن ولكن قضيّة متى تؤمن ؟ لأنّه لا بدّ أن تؤمن ولكن بعد فوات الأوان ، فهذه الساعة ساعة الموت مهما بدَتْ لنا بعيدة ، قد يقول الشاب : بيني وبين الموت مسافات طويلة ، نقول له هكذا كما تشاء ، هذه الساعة لا بدّ آتِيَة طالَتْ أم قصُرَتْ ، ومن عدَّ غدًا من أجله فقد أساء صحبة الموت ، وما رأيْتُ أعْقَلَ مِمَّن يُعِدُّ لهذه الساعة عُدَّتها ؟ وما رأيْتُ أعْقَلَ مِمَّن يهيئ نفسه للحِساب ؟ يصفِّي علاقاته ، يكسب المال الحلال ، وينفقهُ في وُجوهه ، يطلب العلم ، يتْلو القرآن ، هذه الساعة ساعة المغادرة تُنهي كلّ شيء ، تنْهي غِنَى الغنيّ ، وفقْر الفقير ، وتُنْهي قوَّة القويّ ، وتنْهي ضَعف الضعيف ، وتنهي صحّة الصحيح ، ومرض المريض ، غِنَى الغنيّ ، وفقْر الفقير ، ساعةٌ حاسِمَةٌ ، وهذه الساعة آتية لا محالة ، بعُدَت أم قصُرَت ، فالعاقل هو من يسْتَعِد لهذه الساعة لأنّه ما من إنسانٍ على وجه الأرض بإمكانه أن ينْكرها ، لكن ما الذي يحصُل ؟ أنّ الإنسان يفكِّرُ في كلّ شيءٍ إلا في هذه الساعة ، ويحسبُ حِسابًا لكلّ شيءٍ إلا حِساب الموت ، فإذا جاء فجأةً كانت الطامّة الكبرى ، وكان الصَّعق الشديد .
 أيها الأخوة ، هذه حقائق ؛ الإنسان إذا واجه الموت هناك حياة بعد الحياة أكَّدَها القرآن الكريم فقال : " يا ليتني قدَّمت لحياتي . ." الموت بداية وليس نهاية ، بداية حياة أبدِيَّة ، إما في جنَّة يدوم نعيمها ، أو في نارٍ لا ينفذُ عذابها ، هذا الطبيب الشابّ الذي جمع مئات التقارير عن حالات موتٍ مؤقَّت ، وعكفَ على دراستها ، وجدها أنّ فيها قواسم مشتركة من أبرزها أنّ الإنسان تكشف له الحقائق بعد أن كان في غفلة عنها ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : " الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا " تكشفُ له الحقائق ووعْيُهُ وإدراكهُ وسمْعهُ وبصره ، وإدراكه لِماضيه ، وأفعاله السابقة ، وتقييمه لها من أدقّ ما يكون ، وهذا كلّه يؤكّده هذا الكتاب .
 أيها الأخوة الكرام ؛ السعيد من دان نفسه ، و كما قال عليه الصلاة والسلام : العاقل من دان نفسه - أيْ ضبطها - وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأمانيّ .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018