الخطبة : 0444 - المصيبة - الوقاية من الأمراض المعدية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0444 - المصيبة - الوقاية من الأمراض المعدية .


1993-07-16

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيّته وإرغاماً لمن جحدَ بهِ وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلِّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آلهِ وأصحابه وعلى ذريّتهِ ومن والاهُ ومن تُبِعَهُ إلى يوم الدين ، اللهمَّ لا عِلمَ لنا إلا ما علمتنا إنكَ أنتَ العليم الحكيم ، اللهمَّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزِدنا علماً ، وارِنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتبّاعه ، وأرِنا الباطِلَ باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتبّعونَ أحسنَه ، وأدخلنا برحمتِكَ في عبادِكَ الصالحين .

الفرق بين المؤمن و غير المؤمن في فهم المصيبة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ أن يفهمَ الإنسانُ معنى المصيبة من خِلالِ منهج القرآن وهوَ يتعرّضُ لها في حياتِهِ الدُنيا ، إن فَهِمَ معنى المصيبة كما أرادَ اللهُ عزّ وجل ، هذا الفهمُ الصحيح هوَ في طليعة الأسباب التي تؤمّنُ للإنسانِ سلامتهُ النفسيّة وسعادتَهُ في الدنيا ، الدُنيا أيها الأخوة مُفعمةٌ بالمصائب ، ولكنَّ الفرقَ بينَ المؤمِنَ وغيرَ المؤمن هوَ أنَّ المؤمن يفهم المصيبة من خلالِ القرآن الكريم ، من خلالِ منهج الله عزَّ وجل ، يفهمُها فهماً حقيقيّاً وواقعيّاً يعودُ هذا الفهمُ عليهِ سلامةً في نفسه ، وسعادةً في الدنيا والآخرة ، المصائِبُ نفسُها التي تقعُ كُلَّ يومٍ في الأرض لو فَهِمَها الإنسانُ فهماً آخر ، فهماً بعيداً عن منهج القرآن الكريم ما الذي يحصل؟ يمتلئُ حِقداً ، يمتلئُ قهراً ، يمتلئُ إحباطاً ، يمتلئُ ضياعاً ، فالمصائِبُ هيَ هيَ ولكنَّ الفرقَ كبيرٌ جداً بين من يفهمُها فهماً كما أرادَ اللهُ عزّ وجلّ فهماً حقيقيّاً ، وبينَ من يفهمُها فهماً ما أرادَهُ الله ، فهماً يوسوِسُ بِهِ الشيطان .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ما من منهجٍ فلسفيٍ في الأرض ولا مبدأٍ وضعيّ استطاعَ أن يُعطيَ المصيبةَ معانيها الدقيقة كما وَرَدَ في القرآن الكريم ، مثلٌ بنَ أيديكُم هوَ أنَّ السيّارة صُنِعت من أجل أن تسير وفيها المكابح ، والمكابِحُ في حقيقتِها تعملُ على عكسِ الغرض المتوخّى من السيارة ، تعملُ على إيقافِها ، ولكن لولا المكابح لتدهورت السيّارة ولانتهت ، المكابِحُ التي تعمل على نقيضِ الهدفِ المتوخّى من صُنعِ السيّارة لضمانِ سلامتِها ، ولضمان استمرارِها، ولِضمانِ وصول هذهِ المركبة إلى أهدافِها ، فإذا فَهِمنا أنَّ المصائِبَ التي يسوقُها اللهُ عزّ وجل للإنسانِ بمعنى المكابح التي تضمنُ سلامةَ هذهِ المركبة ، وتجعلُها تُتابِعُ سيّرها ، وتبلُغَ هدفَها ، إن فَهِمنا المصيبة بهذا المعنى ، هذا الفهمُ نستنبِطُهُ من القرآن الكريم ، لكنَّ أعداء المسلمين ينفذونَ إلى الطعنِ في الدين من خلالِ مقولةٍ يزعُمُونَها وهيَ أنَّ المسلِمَ يستسلِمُ للمصيبة وبهذا الاستسلام يَكُفُّ عن التقدّمِ والتنمية وما إلى ذلك ، هذا فهمٌ سقيمٌ مريض ، المؤمِنُ مكلّفٌ بأن يسعى ، مكلّفٌ بأن يأخُذَ بالأسباب ، ولكن حيثُ ما انتهت بهِ الأسباب وحطّت بِهِ رِحالُ السعيِ بَدَلَ أن ينتحر في هذا الموقع الذي لا خِيارَ له فيه يستسلِمُ لقضاء الله عزّ وجل ، ويرضى بِهِ ، واللهُ سبحانَهُ وتعالى يعودُ عليهِ بالخير في الدنيا والآخرة .

: تفسير المصيبة من القرآن الكريم :

1 ـ مصائِبُ المخالفة بسببِ النفسِ الأمّارةِ بالسوء :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ للمصيبةِ تسعةُ تفاسيرَ من كتاب الله ، التفسيرُ الأول : هوَ أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى خَلَقَ الكون وفقَ أنظمةٍ بالِغة الدِقة ، فأيُّ مخلوقِ لم يأخذ بهذهِ الأنظمة ، ولم يرع هذهِ الأنظمة ، ولم يهتمَّ بهذهِ الأنظمة ، ولم يعبأ بهذهِ الأنظمة ، خَرَقَها وخالَفَها وقصّرَ في حقِها لابُدَّ من أن يدفعَ الثمن ، هذا أولُ تفسيرٍ للمصيبة ، هذا التفسير بعيدٌ عن الذنبِ والمعصية والعِقاب ، لِهذا الجسم قوانين ، فإذا خالفتَ قوانينَهُ وأُصيبَ الإنسانُ بمرض هذا المرض جزاءُ المخالفة ، أو جزاءُ التقصير ، الأجسام البشريّة ، النباتات ، الحيوانات ، كُلُّ شيءٍ خلقَهُ اللهُ عزّ وجل خَلَقَهُ وِفقَ نِظامٍ دقيقٍ دقيق ، فما لم يُرع هذا النِظام ،ما لم نأخُذ بِهِ فلاُبدَّ من دفعِ الثمن ، نوعٌ من أنواع المصائب هوَ نتائِجُ طبيعيّة لمخالفةِ سُننِ اللهِ في خلقِه ، والذي لا يحترِمُ سُنّة اللهِ في خلقِه ، الذي لا يحترِمُ النظامَ الذي نظّمَ بِهِ الكون ، هذا يجبُ أن يُعاقب ، من لم يُوقِ نفسَهُ من أسباب الأمراض إذا مَرِض فالمرضُ جزاءُ مخالفتِهِ لقوانين النفس، هذا نوعٌ من أنواع المصائب لا علاقة لَهُ لا بالطاعةِ ولا بالمعصية ، ولا بِالعقاب ولا بِالجزاء .
 من شَرِبَ الدُخانَ مثلاً العِلمُ الحديث أثبت أنَّ الدُخانَ يُضِرُّ بالقلبِ والأوعيةِ والرئتينِ وما إلى ذلك ، فالأمراضُ الناتِجةُ عن الدُخان هي جزاءٌ طبيعيٌّ لهذا الخروجِ عن منهج الله عزّ وجل ، فلذلك يُمكن أن نقول : إنَّ هُناك َعلاقةً علميةً بينَ الطاعةِ وأسبابِها وبينَ المعصيةِ وأسبابِها ، ومعنى علاقةٌ علمية أي علاقةُ سببٍ بنتيجة ، فقد أكّدَ بعضُ العلماء أنَّ الخمرةَ تُسببُ للإنسانِ أكثرَ من سبعينَ مرضاً ، الأمراضُ الوبيلة التي تُعاني منها البشريةُ اليوم هي بسببِ خروجٍ عن السُنن والقوانين التي قننها اللهُ عزَّ وجل ، زواج الأقارب مثلاً هذا ينتُجُ عنهُ نسلٌ ضعيف لأسبابٍ دقيقةٍ دقيقة ذكرها علماء الأجنّة ، وعلماءُ الوِراثة ، فإذا خالفنا القوانين والنُظم التي سنّها اللهُ عزّ وجل وأُصبنا بمشكلات صعبة أو غير صعبة هذهِ جزاءُ المخالفة وثمن الخروجِ عن سُننِ الله عزّ وجل .

2 ـ مصائِبُ جزاء المخالفة بسببِ الجهل :

 أيها الأخوة الكِرام ؛ نوعٌ آخر من أنواع المصائب هوَ بسببِ خروجٍ من منهج الله ولكن لا بسببِ أنَّ الإنسانَ فَعَلَ معصيةً بل بسببِ الجهلِ ، أكادُ أقول أيها الأخوة ما من مصيبةٍ تقعُ على وجه الأرض إلا بسببِ خروجٍ عن منهج الله ، هذا الخروج إمّا أنّهُ اقترافُ معصيةٍ ، وإمّا أنّهُ جهل ، ويجبُ أن يعلمَ الإنسانُ أنَّ الجهلَ هوَ أعدى أعداءِ الإنسان ، وأنَّ الجاهِلَ يفعل بنفسِهِ ما لا يستطيعُ أن يفعلُهُ بهِ أعداؤهُ ولو اجتمعوا ، أعداءُ الإنسان جميعاً لو اجتمعوا لا يستطيعونَ أن يفعلوا بالإنسان ما يفعلُهُ الجهلُ بِهِ ، لذلك اغدُ عالِماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محبّاً ولا تكُن الخامسة فتهلِك ، أي أنكَ إذا خرجتَ عن منهج الله ، عن قوانين الله ، عن سُننِ الله بسببِ الجهلِ تدفعُ الثمن ، أو بسببِ المعصيةِ تدفعُ الثمن في الدنيا والثمنَ في الآخرة ، أيُّ خروجٍ عن منهجِ الله لَهُ ثمن .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ قال تعالى :

﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ﴾

[ سورة طه: 81]

 الجهلُ كما قُلت أعدى أعداءِ الإنسان ، الإنسان كائن أودعَ اللهُ فيهِ قوةً إدراكية فإذا أبقى نفسَهُ جاهلاً فقد عطّلَ فيهِ هذهِ القوة الإدراكية التي بِها يتميّزُ على سائِر المخلوقات ، المخلوقات تنمو وأنتَ تنمو ، المخلوقات تتحرك وأنتَ تتحرك ، المخلوقات تشغَلُ حيّزاً وأنتَ كذلك ، ولكنَّ الفرقَ النوعيَ بينَ الإنسانِ وبينَ بقية المخلوقات هوَ هذهِ القوة الإدراكية التي أودَعَها الله فيه ، فإذا أبقى نَفسَهُ جاهلاً فقد عطّلَ هذهِ القوةَ الإدراكية ، لذلك رُتبةُ العلمِ أعلى الرُتب ، إذا أردتَ الدُنيا فعليكَ بالعِلم ، وإذا أردت الآخرة فعليكَ بالعِلم ، وإذا أردتهُما معاً فعليكَ بالعِلم ، وربُنا عزّ وجل يقول :

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

[سورة يونس: 44]

 أي حينما يخرجون عن سُنَنِهِ ، حينما يخرجون عن تعاليمِهِ ، حينما يخرجونَ عن قوانينِهِ ، حينما يخرجون عن معطيات النظام الذي نظّمَ بِهِ الكون ، فمن الطبيعي أن يدفعوا الثمنَ مصيبةً تُصيبُهُم هي جزاءٌ طبيعيٌ لمخالفتِهم لتعليمات الله عزّ وجل .
 فالإنسانُ أيها الأخوة إذا أُصيب بمصيبة بسبب تقصيرِهِ في منهج اللهِ عزّ وجل لا ينبغي أن يقول : هذا ترتيبُ الله عزّ وجل ، وهذهِ مشيئتُهُ ، وهذا قضاءُ اللهِ وقدرُهُ ، هذا كُلُه صحيح ولكن قُلْ قبلَ كُلِّ شيء : هذا هوَ جزاءُ التقصير ، أمّا المُقصّر في أمورِ صحتِهِ أو أمورِ دينِهِ إذا دَفَعَ الثمنَ باهظاً ينبغي ألا يعزوَ خطأهُ إلى اللهِ عزّ وجل ، وهذا شأنُ الكُسالى وشأنُ المُقصّرين كُلما أُصيبوا بمصيبةٍ هي جزاءُ تقصيرِهم عَزَوا هذهِ المصيبة إلى حِكمة الله ، وإلى فِعلِ الله ، وبهذا يُعيدونَ الكرّةَ مراتٍ عديدة ، وليسَ العارُ أن تكونَ جاهلاً ولكنَّ العارَ أن تبقى جاهلاً .

3 ـ مصائب الابتلاء :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ نوعٌ آخر من المصائب ، مصائِبُ الابتلاء ، والابتلاء هوَ الامتحان ، قالَ تعالى :

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[سورة العنكبوت: 2]

 لابُدَّ من وضعٍ دقيقٍ دقيق يُظهرُ الإنسانَ على حقيقتِهِ في الدنيا ، إن سميّنا هذهِ المصائب فهي مصائب ابتلاء ، ابتلاء أي امتحان :

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

[سورة الحج: 11]

 حِكمة هذهِ المصائِب أنَّ الإنسانَ أيها الأخوة يتوهّمُ أنّهُ مؤمنٌ كبير ، ولكنَّ اللهَ يعلمُ خِلافَ ذلك ، هذا الإيمان الذي يتوهّمُهُ مُدّعي الإيمان لا يظهرُ نقصُهُ في الرخاء يظهرُ في الشِدّة ، فإذا ساقَ اللهُ لَهُ بعض ألوانِ الشِدّة إذا هوَ غيرُ مؤمن ، إذا هوَ يتكلّمُ بكلماتٍ لا تليقُ بالمؤمن ، إذا هوَ يطعنُ في حِكمة اللهِ عزّ وجل ، يطعنُ بعدالَتِهِ ، يطعنُ برحمتِهِ ، كأنَّ اللهَ أرادَ من خلالِ هذهِ المصيبة أن يكشِفَ للإنسانِ أولاً ولمن حولَهُ ثانياً أنَّ هذا إدعّاء وليسَ حقيقة .
 في معركة الخندق يوم أحاطَ الكُفارُ بالمسلمين فكُشِفَ ظهرُهم بخيانةِ اليهودِ لهم من بني قُريظة ، قالَ بعضُ من صدّقَ النبي عليه الصلاة والسلام أنّهُ رسولُ الله ولكنَّ إيمانَهُ برسالتِهِ كانَ ضعيفاً ، ماذا قال ؟ قال : أيعدُنا صاحِبُكم أن تُفتح علينا بلاد قيصر وكِسرى وأحدُنا لا يأمنُ أن يقضيَ حاجَتَهُ ، نفى عنهُ النبوة ونفى عنهُ الرسالة وقالَ : أيعدُنا صاحِبُكم أن تُفتح علينا بلاد قيصر وكِسرى وأحدُنا لا يأمنُ أن يقضيَ حاجَتَهُ ؟ قالَ تعالى :

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾

[ سورة الأحزاب: 11]

 ويا أيها الأخوة ؛ الإمام الشافعي سُئِلَ أندعو اللهَ بالتمكين أم بالابتلاء ؟ فقالَ الإمام الشافعي رَحِمَهُ الهُ؛ تعالى : لن تُمكّنَ قبلَ أن تُبتلى ، أيّ مؤمن يدّعي أنّهُ مؤمن ، يدّعي أنّهُ يحبُ اللهَ ورسولَهُ ، يدّعي أنّهُ مُسلم ، هذا الإنسان لابُدَّ من أن يُمتحن ، لابُدَّ من أن يُمتحن لِتُكشَفَ حقيقةُ إيمانه أهوَ في المكان الرفيع أم في المكان الأدنى ؟ هذا مصداقُ قول الله عزّ وجل :

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾

[سورة العنكبوت: 2-3]

 لكَ أن تقولَ ما تشاء ، ولكَ أن تدّعي ما تشاء ، ولكَ أن تضعَ نفسَكَ في المرتبة التي تشاء ، ولكنَّ اللهَ متكفلٌ أن يكشِفَ حقيقةَ إيمانِك :

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾

[سورة آل عمران : 179]

 المصائبُ الأولى مصائِبُ التقصير أو المخالفة لمنهج الله إن برغبة المعصية وإن بسببِ الجهلِ ، المصائِبُ الثانية مصائِبُ الابتلاء لابُدَّ من أن تُبتلى ، تُبتلى بالغِنى وتُبتلى بالفقر ، تُبتلى بالقوة وتُبتلى بالضعف ، تُبتلى بالصحة وتُبتلى بالمرض ، هذا الابتلاء هوَ الذي يكشِفُ للإنسانِ حقيقة إيمانِهِ .

4 ـ مصائب الردع :

 شيءٌ آخر أيها الأخوة : مصائب من نوع جديد هي مصائبُ الردع ، قال تعالى:

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[سورة السجدة: 21]

 الإنسان إذا كان مقيماً على معصية ، مقيماً على مخالفة ، مقيماً على ظُلم ، مُقيماً على أكل أموال الناس بالباطل ، إذا كانَ متلبساً بمعصية فالله سبحانَهُ وتعالى رحمةً بِهِ وحِرصاً عليه ، ودفعاً إليه يسوقُ لَهُ بعض المصائب ليعودَ عن غيِّهِ ، ليعودَ إلى أبواب الله عزّ وجل ، ليلجأ إلى توبتِهِ ، وهذا معنى قول الله عزّ وجل :

﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾

[سورة التوبة : 118]

 أي ساقَ لهم من الشدائد ما حملهم بِها على التوبة ، لذلكَ قيل : من لم تُحدث المصيبةُ في نفسِهِ موعظةً فمصيبتهُ في نفسِهِ أكبر .
 هذهِ مصائِبُ الردع ، المتلبسّين بالمعاصي ، المخالفين لمنهج الله ، هؤلاءِ ربُنا سبحانَهُ وتعالى لا يدعُهم هكذا هملاً يسوقُ لهم من الشدائد ما يردعُهم ، وبالمناسبة إذا ساقَ اللهُ عزّ وجل لعبدٍ مخالفٍ لمنهجِهِ بعض الشدائد فهذهِ نعمةٌ عُظمى ، لأنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى عَلِمَ فيهِ خيراً ، ولو لم يعلم فيهِ خيراً لأعطاهُ كُلَّ شهواتِهِ ولَقَصَمَهُ دُفعةً واحدةَ :

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 44]

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

[سورة آل عمران :196- 179]

 فالإنسان إذا كانَ فيهِ بقيةٌ من خير وكانَ متلبساً بمعصية ، متلبساً بظلمٍ ، في مالِهِ دخلٌ حرام ، في إنفاقِهِ إسرافٌ وتبذير ، في علاقاتِهِ الاجتماعية خروجٌ عن منهج الله ، إذا كانَ كذلك وكانَ فيهِ بقيةٌ من خير ساقَ اللهُ لَهُ من المصائب ما يردعَهُ بِها عن غيِّهِ ، وعن معصيتِهِ ، وذلك مصداقُ قولِهِ تعالى :

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[سورة السجدة: 21]

﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

[سورة التوبة:118]

 أي ساقَ لهم من الشدائد ما حملهم بِها على التوبة هذهِ مصائِبُ الردع .

5 ـ مصائب القصم :

 وهناكَ مصائِبُ القصم :

﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾

[سورة سبأ: 17]

 حينما تنعدمُ إمكانية الخير عِندَ الإنسان ، وحينما يُصِرُّ على كُفرِهِ وعدوانِهِ ، وحينما يُصِرُ على شهواتِهِ القذرة ، وحينما لا تنفعُ معهُ الموعظة ، تأتي مصيبةُ القصمِ ، قبلَها الردع ، هذهِ القصم :

﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾

[سورة سبأ: 17]

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[سورة هود: 117]

﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ﴾

[سورة الإسراء: 16]

6 ـ مصائب المغفرة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ أما المؤمنون الصادقون ، أما المؤمنون المستقيمون على أمر الله ، فإذا ساقَ اللهُ لهم بعضَ الشدائد اللطيفة الملطّفة فهذهِ من أجلِ أن يغفِرَ لَهم : قال مالك يا فاطمة ؟ قالت : حمى لعنها الله ، قال : يا فاطمة لا تلعنيها فو الذي نفسُ محمد بيده لا تدعُ المؤمن وعليهِ من ذنب . قال تعالى :

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[سورة البقرة: 155-157]

 هذهِ مصائِبُ المغفرة ، للمؤمنين الذينَ أرادَ اللهُ سبحانهُ وتعالى أن يُخرجهم من الدنيا إلى الجنةِ مباشرةً .
 دخلَ النبي عليهِ الصلاة والسلام على بعضِ أصحابِهِ فقال هذا الصحابي : يا رسولَ الله ادع الله أن يرحمني ؟ فتوجه النبي عليه الصلاة والسلام إلى الله عزّ وجل يدعو له بالرحمة ، فقال اللهُ عزّ وجل : وعزتي وجلالي لا أقبضُ عبدي المؤمن وأن أحبُ أن أرحمهُ إلا ابتليتهُ بكل سيئةٍ كانَ عملها سُقماً في جسده ، أو إقتاراً في رزقه ، أو مصيبةً في مالِهِ أو ولده ، حتى أبلُغَ منهُ مِثلَ الذر ، فإذا بقي عليه شيء شددت له سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه .
 هذه مصائِبُ المؤمنين مصائِبُ مغفرة ، يسوقُ هذهِ المصيبة من أجلِ أن يخرجَ المؤمنُ من الدنيا كيومَ ولدتُهُ أُمهُ مغفوراً لَهُ ، معافى في نفسِهِ ، لا يستحقُ إلا الإكرام ، فالمؤمنُ يستسلمُ لقضاء الله عزّ وجل ، ويرضى بقدرِهِ ، ويرى أنَّ رحمة اللهِ عزّ وجل وسِعت كلَّ شيء ، وأنَّ يدَ اللهِ تعمل بالخفاء ، وأنَّ هذهِ المصيبة هي نِعمةٌ باطنة مصداقاً لِقولِهِ تعالى :

﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾

[سورة لقمان : 20]

 تحدثنا عن مصيبةِ مخالفة السُننِ والقوانين إن بسببِ النفسِ الأمّارةِ بالسوء أو بسببِ الجهلِ ، النفسُ الأمّارةُ السوء تدفعُ الثمنَ مرتين مرةً في الدنيا ومرةً في الآخرة ، وأمّا الجاهل فإذا ساقَ اللهُ لهُ المصيبة ففيها كفّارَتُهُ . وتحدثنا عن مصيبة الابتلاء :

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 2]

 وتحدثنا عن مصيبة الردعِ :

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 21]

 وتحدثنا عن مصيبة القصمِ حينما يُصِّرُّ الإنسانُ على مخالفاتِهِ ومعاصيهِ وجرائِمِهِ وحينما لا تنفعُهُ تذكِرةٌ ولا موعظة :

﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾

[سورة سبأ: 17]

7 ـ مصائب النعمة الباطنة :

 أيها الأخوة الأكارم المصيبةُ بحق المؤمنين مغفرةٌ لذنوبِهم أمّا المصيبةُ التي هيَ نِعمةٌ باطنة فهذهِ مصيبةٌ من نوعٍ آخر وردت في القرآن الكريم في سورةِ الكهفِ ، وفي قصة سيدنا موسى مع سيدنا الخضر حينما خُرِقت السفينة ، خرقُ السفينةِ مصيبة ولكنَّ هذهِ المصيبة انقلبت إلى نِعمةٍ عظيمة بسببِ أنَّ هذهِ السفينة نجت من المصادرة ، هذا معنى قولُ اللهِ عزّ وجل :

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 216]

 هذهِ ليست مصيبة إنما هيَ نِعمةٌ مبطّنة ، نِعمةُ خفيّة ، مصيبة المغفرة :

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ*أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 155-157 ]

 لكنَّ المصيبة التي هي نعمةٍ باطنة كمصيبةِ أصحاب السفينة تغطيها الآية الكريمة :

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 216]

8 ـ مصيبة الكشف :

 بقيت مصيبةُ الكشفِ ، هذهِ المصيبة الإنسان أحياناً ولا سيّما كِبارُ المؤمنين وكِبارُ الصديّقين والأنبياءُ والمرسلين ، هؤلاء ينطوونَ على كمالاتٍ تفوقُ حدّ الخيال لا تبدو هذهِ الكمالات إلا في بعضِ الشدائد ، فأن يخرُجَ النبي عليهِ الصلاة والسلام من مكةَ إلى الطائف مشياً على قدميه ليلقى التكذيبَ والسخريّةَ والإنكارَ وليلقى الإيذاء ، ويأتيهِ جبريل يقول لَهُ : أمرني ربي أن أكونَ طوعَ إرادتِك إن شِئتَ لأطبقتُ عليهم الجبلين ، ويقولُ النبي الكريم : اللهمَّ اهدِ قومي إنهم لا يعلمون لعلَّ اللهَ يُخرِجُ من أصلابِهم من يُوحِدُه ، هذهِ ليست مصيبة ولكنها كشفٌ لكمالٍ في نفسِ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، لا يُمكن أن يظهَرَ إلا بهذهِ الطريقة ، إنهُ يرقى بِها إلى أعلى علييّن ، قالَ عليه الصلاة والسلام :

((أَخْبَرَنَا كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ، ثُمَّ سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ، وَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ ))

[ البخاري عن كعب بن علقمة ]

 مصائبُ الكشف ، ومصائِبُ النعمةِ الباطنة ، ومصائِبُ المغفرة ، ومصائِبُ القصم ، ومصائِبُ الردع ، ومصائِبُ الابتلاء ، ومصائِبُ جزاء المخالفة بسببِ الجهل ، ومصائِبُ المخالفة بسببِ النفسِ الأمّارةِ بالسوء ، هذهِ ثمانية أنواع من المصائِب .

9 ـ مصائب يسوقها الله للإنسان بشكل مباشر أو على يد إنسان :

 بقيَ أنَّ الله سبحانَهُ وتعالى قد يسوقُ مصيبةً إلى الإنسانِ مباشرةً ، وقد يسوقُها على يدِ إنسان ، أمّا إذا ساقَها على يدِ إنسان فهناكَ مُشكلة هي أنَّ الإنسان بضعفِ توحيدِهِ وضعفِ إيمانِهِ بالله يتوهّم أنَّ هذا الذي ساقَ المصيبةَ على يديه هوَ الذي سببها ، فيمتلئُ حِقداً عليه ويتمنى لو يُقطِّعُهُ إرباً إرباً ، هذا أيضاً ضعفٌ في إيمانِهِ ، قال تعالى :

﴿) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾

[سورة الزُمر:62]

﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾

[سورة هود : 56]

 إذا آمنا هذا الإيمان انتهى الحِقدُ من القلب ، وانتفى الألمُ الشديد ، قال تعالى :

﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾

[سورة الشورى:43]

 فإذا كانت الحِكمةُ تقتضي أن يُعاقِبُهُ ردعاً لَهُ يُعاقِبُهُ ، وإن كانت الحِكمةُ تقتضي أن يعفوَ عنهُ تشجيعاً لَهُ على العفوِ عفا عنهُ ، وإن كانت الحِكمةُ أن يُعاتِبَهُ عاتِبَهُ ، من دونِ أن يحقِدَ عليه ، من دونِ أن يمتلئَ غيظاً وحِمقاً .

 

من لم تُحدث المصيبةُ في نفسِهِ موعظة فمصيبتُهُ في نفسِهِ أكبرُ :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ لكلِّ شيءٍ حقيقة وما بَلَغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتى يعلم أنَّ ما أصابَهُ لم يكن ليُخطِئَهُ وما أخطأهُ لم يكُن ليُصيبَهُ ، الإنسان أيها الأخوة إذا جاءهُ شيءٌ على خِلافِ ما يُريد لا ينبغي أن يسكت ، لا ينبغي أن يكسل عن البحث عن السبب ، الله جلَّ جلالُه يقول :

﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾

[سورة التغابن : 11]

 إلى عِلّة المصيبة ، لأنّهُ من لم تُحدث المصيبةُ في نفسِهِ موعظةً فمصيبتُهُ في نفسِهِ أكبرُ ، بهذهِ الطريقة ، بهذهِ الأساليب القرآنية عرّفنا اللهُ جلَّ جلالهُ بأنَّ المصائب لها حِكمٌ وغايات ، لو كُشِفَ الغطاء لاخترتم الواقع ، ويا أيها الأخوة الإنسان يومَ القيامة حينما يكشِفُ اللهُ لَهُ الحِكمةَ التي من أجلِها ساقَ لهُ بعضَ المصائِب لابُدَّ من أن يذوبَ كالشمعةِ حُباً للهِ ، وشُكراً لَهُ على أن ساقَ لَهُ هذهِ المصائب ، هذا معنى قولِ الإمام الغزالي : " ليسَ في الإمكانِ أبدعُ مما كان " هذا معنى قولِ الله عزَّ وجل :

﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة يونس: 10]

 أن يقولَ المؤمنُ إذا ساقَ اللهُ لَهُ المصيبة : يا رب لكَ الحمد على قضائِكَ وقدرك، هذهِ لها ثمن يومَ القيامة لا يعدلُهُ ثمن ، أن يسوقَ الله لإنسانِ مصيبةً وأن يصبِرَ عليها ، لكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام نهانا عن تمنيّ المصائب بل قال :

((... لكن عافيتك أوسع لي ))

[ ورد في الأثر]

 لا ينبغي للمؤمن أن يتمنى المصيبة مهما تحدثنا عن فضائِلِها ، مهما تحدثنا عن ثوابِها ، النبيُ عليه الصلاة والسلام قال :

((لك العتبة حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي))

[ ورد في الأثر]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ كما قُلتُ قبلَ قليل المصيبةُ هي المصيبة ولكن بينَ أن يتلقاها الإنسان من خلالِ فهمِهِ الدقيق لكلامِ الله عزّ وجل ، وبينَ أن يفهَمَها كما أرادَ الله عزّ وجل ، وبينَ أن يفهَمَها فهماً شيطانيّاً ما أنزلَ اللهُ به من سلطان ، إن فَهِمها فهماً رحمانياً عادت هذهِ المصيبةُ عليه بالخير الجزيل ، وإن فَهِمَها فهماً شيطانيّاً خَسِرَ الدنيا والآخرة ذلكَ الخُسران المُبين .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ . حاسبوا أنفسكم قبلَ أن تُحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبلَ أن توزنَ عليكم ، واعلموا أنَّ ملكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطّى غيرنا إلينا فلنتخذ حِذرنا ، الكيّسُ من دانَ نفسَهُ وعَمِلَ لِما بعدَ الموت ، والعاجِزُ من أتبعَ نفسَهُ هواها وتمنّى على الله الأمانيّ .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

النظافة هيَ الطريق الوحيدة للوقاية من الأمراض المعدية :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ قُبيلَ القرن السابِعَ عشر قبلَ أن يُكتشف المِجهر ، وقبلَ أن تُكتشف الجراثيم ، فسّرَ العلماء الأمراضَ الوبيلةَ الوبائية ذات العدوى تفسيراً ساذجاً ، قالوا : إنَّ المرض يتوالد في الإنسان توالداً ذاتيّاً ، أمّا لمّا كُشِفَ المِجهر واكتُشِفت الجراثيم التي هي مُسببات الأمراض المعدية والسارية عُرِفت الحقيقة أنَّ هذا المرض لابُدَّ لَهُ من سبب ، ولو كانَ هذا السببُ غيرَ مرئي ، كائناتٌ دقيقةٌ دقيقة لا تُرى بالعين لكنها تُرى تحتَ عدسات المِجهر ، وعُدّت القاعدةُ الأولى وقتها أنَّ النظافة هيَ الطريق الوحيدة للوقاية من الأمراض المعدية ، القرآن الكريم ماذا قال ؟ قالَ تعالى :

﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾

[سورة المدثر: 4-5]

 وقالَ تعالى :

﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾

[سورة الأعراف : 31]

 شيءٌ دقيقٌ جداً هو أنَّ القرآن الكريم استعمل كلمة الطهارة بدلَ النظافة لأنهُ ما كُلُ نظيفٍ طاهر لكن كُلُ طاهرٍ نظيف ، العكسُ غيرُ صحيح ، الأداة الطاهرة نظيفة لكن ما كُلُ أداةٍ نظيفةٍ طاهرة ، قد نجد فيها بعض الجراثيم ، فلذلك جاءت عبارة القرآن الكريم أدقَّ من عبارة النظافة ، جاءت كلمة الطهارة في القرآن الكريم .

 

الأخذ بالأسباب و عزو المرض إلى قضاء الله و قدره :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ النبي عليه الصلاة والسلام هوَ في الحقيقةِ من خلال الوحي السماوي بيّنَ أول من بيّن أنَّ هناكَ أمراضًا تنتقِلُ عن طريق العدوى ، قال عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّاعُونِ ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ، قَالَ أَبُو النَّضْرِ لا يُخْرِجْكُمْ إِلا فِرَارًا مِنْهُ ))

[البخاري عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ]

 المقيمُ في الأرضِ كالشهيد والفارُّ مِنها كالفارِّ من الزحف ، إنسان بأرض فيها مرض هو قد لا يمرض ولكنّهُ حَمَلَ المرض ، فإذا خَرَجَ من هذهِ الأرض أو من هذهِ البلدة نَقَلَ المرضَ إلى بلادٍ كثيرة ، فمن بقيَ في هذا البلد فهو في حُكمِ الشهيد ، ومن خَرَجَ مِنهُ فهو في حُكمِ الفارِّ من الزحف ، هذا قالَهُ النبي قبلَ خمسة عشر قرناً ، وقد أشارَ إلى أنَّ هناكَ أمراضاً تنتقِلُ عن طريق العدوى .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حديثٌ آخر ، قالَ عليه الصلاة والسلام :

((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: غَطُّوا الإِنَاءَ وَأَوْكُوا السِّقَاءَ فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ لا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ))

[مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

 أوكوا السقاء أي أغلقوا فتحة السِقاء ، أي هذهِ الجراثيم تنتقل عن طريق السوائل ، فالإناء غير المُغطّى والسِقاء غير المُغلق ربما دخلتهُ الجراثيم ، هذا حديثٌ آخر يدلُّ على انتقالِ المرضِ عن طريق العدوى .
 وهناك حديثٍ ثالث يقولُ عليهِ الصلاة والسلام :

((تنكّبوا الغبار فإنَّ منه تكونُ النسمة ))

[ النهاية في غريب الحديث و الأثر]

 والنسمة المخلوق الحي مهما دقَّ حجمُهُ ، وكأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام أشارَ بالنَسَمة إلى الجرثومة .
 وفي حديثٍ آخر :

(( من أكلَ الطين فقد أعانَ على قتلِ نفسِهِ ))

[ البيهقي عن ابن عباس]

 أي من أكلَ فاكهةً لم يغسلها فقد أعانَ على قتلِ نفسِهِ ، لكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام من باب التوحيد ، ومن باب أنّهُ لا يقعُ شيءٌ إلا بأمر الله قالَ : لا عدوى ، أي إذا مَرِضَ الإنسان لا ينبغي أن يتهِمَ فُلاناً بأنّهُ عداه ، لأنَّ النبي سُئِل عن الجمل يُصاب بمرض الجرب ، قالَ : فمن أعدى الأول ؟ لكَ أن تتخِذَ الأسباب ولكن لا ينبغي أن تعزّوَ المرضَ لغيرِ اللهِ عزّ وجل ، لكَ أن تَأخُذَ الأسباب ، لكَ ألا تدخُلَ على بلدةٍ فيها مرضٍ مُعدٍ :

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا عَدْوَى وَلا صَفَرَ وَلا هَامَةَ ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ ؟ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الأَوَّلِ قُلْنَا أَلَمْ تُحَدِّثْ أَنَّهُ لا عَدْوَى فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 ويقول :

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا هَامَةَ وَلا صَفَرَ ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 فينفي أن تكونَ العدوى من دونِ أمر الله عزّ وجل ، من دونِ إرادة اللهِ تفعل فِعلَها، يجب أن تأخُذَ بِكُل الأسباب وألا تعزوَ المرضَ إلا إلى قضاء اللهِ وقدَرِه .
 شيءٌ آخر هوَ أنَّ الكلبَ أيها الأخوة إذا وَلَغَ في إناءِ أحدِكُم النبي عليهِ الصلاة والسلام أمَرَ أن نغسِلَ الإناءَ سبعَ مراتٍ إحداهُنَّ بالتُراب ، ولو رجعتَ إلى علماء الجراثيم لوجدتَ أنَّ هذا الحديثَ الشريف من دلائِلِ نبوة رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فإنَّ الأكياسَ المائية التي ينقُلُها هذا الحيوان عن طريق لُعابِهِ أو بِرازِهِ لا تزولُ إلا بالتُراب ، فاغسلوهُ سبعَ مراتِ إحداهُنَّ بالتراب .
 الشيء الدقيق هوَ أنَّ أمراضاً كثيرةً كثيرة سُميّت في منظمة الصحة العالمية بأمراض القذارة لا سبيلَ إلى الوقاية منها إلا بالنظافة ، تنظيف كُلِّ شيء ، الطعام ، الخضراوات، الفواكه ، الأدوات ، المنزل ، الثياب ، الإنسان بالنظافة يقيهِ اللهُ عزّ وجل شرَّ أمراضٍ كبيرةٍ كثيرة ليست أقل من أن تكونَ مُهلِكةً بعض الأحيان .

 

من أطاع الله أكرمه الله بالسلامة في الدنيا و الآخرة :

 قبلَ أن ننتقل إلى الدعاء فِكرةٌ غابت عني في أثناء الخُطبة وهي أنَّ الله سبحانَهُ وتعالى يقول :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء: 147]

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

[سورة المائدة : 9]

 إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وعدهم الله بالحياة الطيبة ، فالإنسان - لازلنا في موضوع المصيبة - إذا تقصّى طاعة الله عزّ وجل في الأعمِّ الأغلب الله سبحانهُ وتعالى يُكرِمُهُ بالسلامةِ في الدنيا والآخرة .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018