الخطبة : 0258 - الصلاة - الصلاة وفائدتها الصحية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0258 - الصلاة - الصلاة وفائدتها الصحية .


1989-05-12

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهدث أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الصلاة هي الركن الوحيد الذي لا يسقط بحال :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ انقضى شهر الصيام ، ولكن العبادة التي لا تنقضي ، ولا تسقط بحال ، إنما هي الصلاة ، بل إن الصيام من أجل الصلاة ، وإن الزكاة من أجل الصلاة ، وإن الحج من أجل الصلاة ، وإن الصلاة من أجل الصلاة ، الفرض الوحيد ، الركن الأوحد ، الذي لا يسقط بحال وهو المتكرر على الدوام إنما هو الصلاة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ قد يكون الإنسان مريضاً فتسقط عنه عبادة الصيام ، ولا تسقط عنه عبادة الصلاة ، وقد يكون الإنسان فقيراً ، فتسقط عنه عبادة الحج ولا تسقط عنه عبادة الصلاة ، وقد يكون الإنسان فقيراً أيضاً فيعفى من الزكاة ولا يعفى من الصلاة ، الصلاة في بعض أقوال العلماء تجمع أكثر معاني العبادات الأخرى ، فإذا كان الصيام ترك الطعام والشراب ، فأنت في الصلاة تترك الطعام والشراب والحركة ، غير التي نصت عليها أحكام الصلاة ، وأنت في الصلاة تتجه إلى بيت الله الحرام ، وهذا من معاني الصلاة التي تشترك بها مع الحج ، وأنت في الصلاة إنما تزكي عن وقتك والوقت أصل في كسب الرزق ، ففي الصلاة معنى الزكاة ، وفي الصلاة معنى الحج ، وفي الصلاة معنى الصيام ، إنها الركن الوحيد الذي لا يسقط بحال .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ربنا سبحانه وتعالى قال على لسان سيدنا إبراهيم في دعائه :

﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴾

[ سورة إبراهيم : 40 ]

 وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على سيدنا إسماعيل فقال عنه جل جلاله :

﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً ﴾

[ سورة مريم : 55 ]

 وسيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام أمره الله سبحانه وتعالى بإقامة الصلاة قال تعالى :

﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه : 13 ـ 14 ]

 وسيدنا لقمان في القرآن الكريم يوصي ابنه فيقول :

﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾

[ سورة لقمان : 17 ]

 وسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، يقول متحدثاً عن وصية الله له :

﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

[ سورة مريم : 31 ]

 وسيدنا محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم ، تأمره بالصلاة :

﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[ سورة العنكبوت : 45 ]

 والله سبحانه وتعالى جعل الصلاة من ألزم صفات المؤمنين المتقين قال تعالى :

﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 1 ـ 3 ]

 والله سبحانه وتعالى جعل الصلاة عنواناً للفلاح ، بل جعلها هي الفلاح ، قال تعالى :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 2]

الصلاة عماد الدين وعصام اليقين :

 والعلماء يقولون : إن الخشوع ليس من فضائل الصلاة بل من فرائضها ، بعد أن انقضى شهر الصيام لا تزال فريضة الصلاة هي الفريضة الأساسية ، الصلاة عماد الدين وعصام اليقين كما قال عليه أفضل الصلاة والتسليم ، بعد انقضاء رمضان فرض الصلاة هو الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال ، ربنا سبحانه وتعالى في سورة المؤمنون بدأها بقوله تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 2]

 وأنهى هذه الآية بقوله تعالى :

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 9 ]

 إنه يحافظ على أدائها في وقتها ، إنه يحافظ على أدائها بحركاتها وسكناتها كما نص عليه الفقهاء ، إنه يحافظ على الخشوع فيها ، إنه يحافظ على الإقبال على الله فيها .

﴿يُحَافِظُونَ ﴾

 تعني أشياء كثيرة ، بل إن مما تعني كلمة يحافظون إنهم يحافظون على طاعتهم لربهم ، وعلى استقامتهم على أمره فيما بين الصلوات حتى تستطيع النفس أن تقف بين يدي الله عز وجل في أثناء الصلاة خاشعة مقبلة منيبة .
 أيها الأخوة الأكارم : كما قلت لكم قبل قليل إن الصلاة لا تسقط بحال ، لا تسقط لا في الحضر ولا في السفر ، لا في الخوف ولا في الأمن ، لا في المرض ولا في الصحة ، يقول الله عز وجل :

﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾

[ سورة البقرة : 238 ـ 239 ]

 صلوا وأنتم مترجلون أو

﴿رُكْبَاناً﴾

 صلوا وأنتم راكبون .

﴿فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾

 أي صلوا راكبين أو صلوا ماشين من دون ركوع ولا سجود ، بل بالإشارة والإماء ، إذاً الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين ، بل إن الصلاة تصح من دون استقبال القبلة إذا تاه الإنسان في أرض ولم يعرف بالضبط أين القبلة ، لقوله تعالى :

﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾

[ سورة البقرة : 115 ]

الويل و الثبور لتاركي الصلاة :

 والله سبحانه وتعالى أوعد تاركي الصلاة بالويل والثبور ، فقال تعالى :

﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾

[ سورة الماعون : 4 ـ 5]

 وبعض العلماء فسر كلمة ساهون بأن الذي يصلي الصلاة في أول وقتها فلا يفرح أو يصليها في آخر وقتها فلا يحزن ، فهذا من الذين عناهم الله سبحانه وتعالى في هذه الآية .
 شيء آخر ، هؤلاء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها أيضاً ممن تعنيهم هذه الآية:

﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾

[ سورة الماعون : 4 ـ 5]

 المعنى الثالث : هؤلاء الذين يصلون ، ولكنهم حاضرون غائبون مقبلون معرضون، هؤلاء الذين تنتابهم الوساوس وما أكثرها في الصلاة إلى درجة أنه ينصرف عن الصلاة ، ولا يدري أأربعاً صلى أم ثلاثاً قال تعالى :

﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾

[ سورة الماعون : 4 ـ 5]

العلاقة المتينة بين ترك الصلاة واتباع الشهوات :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ والله سبحانه وتعالى حدثنا في القرآن الكريم عن هؤلاء الذين يأتون في آخر الزمان ، وكيف أنهم أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، بل كيف أن إضاعة الصلاة سبب في اتباع الشهوات ، أو إن اتباع الشهوات سبب في إضاعة الصلاة ، على كل هناك علاقة وشيجة بين ترك الصلاة وبين اتباع الشهوات ، وهؤلاء الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات توعدهم الله عز وجل بأنهم سيلقون غياً .

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم : 59]

الصلاة هي الشعار الذي يفصل الرجل عن أهل الكفر والعصيان :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الحقيقة التي لا شك فيها ، أن جوهر الدين اتصال بالخالق ، وإحسان إلى المخلوق ، فالدليل الأول على التزام الرجل بعقد الإيمان والشيء الذي يفصل الرجل عن الكفر هو الصلاة ، يروي الإمام أحمد ومسلم عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال :

(( إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ ))

[ مسلم عن جابر]

 فالصلاة دليل أول على التزام الرجل بعقد الإيمان ، بل إنها الشعار الذي يفصله عن أهل الكفر والعصيان ، وفي حديث صحيح رواه الخمسة يقول عليه الصلاة والسلام :

(( الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ ))

[ الترمذي عَنْ بُرَيْدَةَ ]

 لهذا قيل لا خير في دين لا صلاة فيه ، والنبي عليه الصلاة والسلام يبشر المصلين ، يطمئنهم إلى أنهم إذا حافظوا على الصلاة ، حافظوا على أدائها في وقتها ، حافظوا على إتمام ركوعها وسجودها ، حافظوا على خشوع قلبهم بها ، حافظوا على حضور عقلهم ، حافظوا على استقامتهم توخياً لإحكامها ، هؤلاء الذين يحافظون على الصلاة ينجون غداً من عذاب الله ، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال :‏

((من حافظ عليها ـ أي على الصلاة ـ كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ، ومن لم يحافظ عليها ، لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة ، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف ))

[ أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 علماء الحديث فسروا هذا الحديث أنه من شغله ماله عن الصلاة حشر مع قارون، ومن شغله ملكه عن الصلاة حشر مع فرعون ، ومن شغلته أعماله عن الصلاة حشر مع هامان ، ومن شغلته تجارته عن الصلاة حشر مع أبي بن خلف ، من حافظ عليها كانت له نوراً ، رأى بها الحق حقاً والباطل باطلاً ، رأى رؤية صحيحة ، فسلك السلوك الصحيح ، رأى رؤية صحيحة فوقف الموقف الصحيح ، رأى رؤية صحيحة فكسب المال الحلال ، رأى رؤية صحيحة فأنفق المال في الوجه الصحيح ، أساس الأعمال صحة الرؤية .

 

الحكمة من فرض الصلاة في الإسراء والمعراج :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ من منكم يصدق أن النبي عليه الصلاة والسلام يحدد أنه من تهاون في أداء الصلاة كان كمن فقد أهله وماله ، هل من مصيبة في الحياة الدنيا أكبر من أن يفقد المرء أهله ؟ أو من أن يفقد المرء أهله وماله معاً ؟ يقول عليه الصلاة والسلام :‏

((من فاته صلاة فكأنما وتر أهله وماله ))

[ الترمذي والحاكم عن ابن عباس‏ ]

 أي فقد أهله وماله ، ولعظم هذه العبادة ، ولأنها أساس الدين ، ولأنها عصام اليقين ، ولأنها نور المؤمن ، ولأنها برهان المؤمن ، ولأنها حجة المؤمن ، ولأنها اتصال بين السماء والأرض ، ولأنها اتصال بين المخلوق والخالق ، ولأنها نور ، ولأنها حبور ، ولأنها طهور، لهذا كله الصلاة لعظم شأنها فرضت في الإسراء والمعراج على النبي عليه الصلاة والسلام في سدرة المنتهى ، لعظم شأن الصلاة ، ولم تفرض عن طريق سيدنا جبريل عليه السلام ، النبي عليه الصلاة والسلام وهو في السموات العلا ، وهو في سدرة المنتهى فرضت عليه الصلاة .

 

حضور القلب و العقل معاً في الصلاة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا الذي يصلي بلا تدبر ، وبلا تعقل ، وبلا خشوع من القلب تشبه صلاته نقر الديك ، أو خطف الغراب ، أو التفات الثعلب ، هذا قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام من خلال قوله لأحدهم :

((‏ارجع فصلّ فإنك لم تصل‏ّ))

[متفق عليه عن أبي هُريرة]

 يقول عليه الصلاة والسلام مشيراً إلى أن الصلاة يجب أن تكون حضوراً لقلب المصلي ، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي :

((‏إنما الصلاة تمسكن ، ودعاء ، وتضرع ، وتضع يديك فتقول : اللهم ، اللهم ، فمن لم يفعل ، فهي خداج ))

[ الترمذي عن الفضل بن عباس]

 الصلاة دعاء ، الصلاة قرب ، الصلاة إقبال ، الصلاة صلة ، الصلاة خشوع ، الصلاة اتصال .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا يكفي أن يكون القلب حاضراً في الصلاة ، لابد من أن يكون العقل حاضراً ، يجب أن يحضر القلب والعقل معاً ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾

[ سورة النساء : 43 ]

 قال العلماء : من صلى وكان غائب العقل ولم يعِ ما قال ، ولا ما قرأ ، فهو في حكم السكران ، سكران بشهوات الدنيا ، لا بالخمرة ، وحكمة بقاء هذه الآية المنسوخة :

﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾

[ سورة النساء : 43 ]

 توجيه لطيف من رب العالمين إلى أنك إذا وقفت في الصلاة فيجب أن تعلم ما تقول ، يجب أن تعي ما تقول ، يجب أن تتدبر ما قلت ، يجب أن تفهم كتاب الله وأنت في الصلاة ، لذلك الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى يقول :" إن أعلى درجة من درجات القرب أن تقرأ القرآن في الصلاة واقفاً وفي المسجد " أن تصلي في المسجد واقفاً وأن تقرأ القرآن فربما كان العقل صاحياً والقلب خاشعاً .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنهما :" ‏ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه "‏ ركعتان ، وركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ، خشوع القلب وحضور العقل ، ركعتان من ورع ، لأنه كان ورعاً ، أغلب الظن أن قلبه حاضر في الصلاة ، وإذا كان متدبراً ، أغلب الظن أن عقله حاضر في الصلاة ، ‏ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه .‏

 

الصلاة نهر جار يغتسل منه المؤمن في اليوم خمس مرات :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الإنسان في يومه من خلال التعامل مع الناس قد تتلوث نفسه ببعض اللمم ، قد يشعر بالبعد قليلاً ، فالله سبحانه وتعالى جعل الصلاة كما قال عليه الصلاة والسلام نهراً جارياً يغتسل منه المؤمن في اليوم خمس مرات يقول عليه الصلاة والسلام :

((أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء ؟ قالوا : لا يبقى من درنه شيء ؛ قال : فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ‏]

 حمام روحي ، اغتسال روحي ، إذا صليت الصلاة كما أراد الله عز وجل تشعر بعد الصلاة وكأنك ولدت من جديد ، وكأن الله محا عنك كل شيء ، وكأن الذنوب قد سقطت عنك.

 

الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها بل من فرائضها :

 يا أيها الأخوة الأكارم : إن العبد كما قال عليه الصلاة والسلام :

((إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له منها إلا نصفها ، أو ثلثها ، أو ربعها ، أو خمسها ، أو سدسها ، أو عشرها))

 فقط ، بل في رواية أخرى : ‏

(( إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له نصفها ولا ثلثها ولا ربعها ولا خمسها ولا سدسها ولا عشرها ))

 وكان يقول :

(( إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها‏ ))

 حديث صحيح رواه الإمام أحمد .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ كما حدثتكم قبل قليل إن الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها بل من فرائضها ، وبعض العلماء يقول : إن الخشوع ثمرة من ثمرات الإيمان بالله ، واستحضار جلال الله ، فالمؤمن خاشع في الصلاة وفي غير الصلاة ، في خلوته خاشع ، مع أهله خاشع ، في نزهته خاشع ، في عمله خاشع لأن المؤمن يستحضر عظمة الله عز وجل ، لذلك فهو من باب أولى خاشع في الصلاة ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 2]

 يقول أحد العارفين بالله : ما دخلت في صلاة قط فأهمني فيها إلا ما أقول وما يقال لي ، تقول أنت في الصلاة : الحمد لله رب العالمين هل أنت كذلك ؟ تقول : الرحمن الرحيم هل أنت تؤمن بهذا إيماناً قطعياً ؟ مالك يوم الدين ، تقول : إياك نعبد وإياك نستعين ، هل تعبده حقاً ؟ هل تستعين به حقاً ؟ تقول بالصلاة : إياك نعبد ، وأنت لا تعبده في أغلب الأحيان ، هل أنت تستعين به أم تستعين بجهة أخرى ؟ إياك نعبد وإياك نستعين ، اهدنا الصراط المستقيم ، هل تطلب من الله عز وجل أن يهديك الصراط المستقيم إذا جاءت الآيات وقالت لك:

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾

[ سورة البقرة : 83 ]

 ماذا تقول لهم أنت ؟ هل تقول لهم شيئاً آخر ؟ إذاً أنت لم تستهدِ الله عز وجل ، ولم تركع ، ولم تسجد ، لأن لكل سورة حظها من الركوع والسجود .
 ويقول بعض العارفين : الصلاة من الآخرة ، فمن دخل فيها خرج من الدنيا ، من دخل في الصلاة خرج من الدنيا لأنها من الآخرة ، وقد تعلمون أيضاً أن النبي عليه الصلاة والسلام فيما روته عنه السيدة عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنها قالت : " كان إذا حضرت الصلاة ، فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه‏ " .

 

الصلاة هي كلّ شيء في الدين :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذه نبذة عن الصلاة ، الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال ، وإذا كان الصيام من أجل الصلاة ، والحج الذي نحن على أبوابه من أجل الصلاة ، والزكاة من أجل الصلاة ، والصلاة من أجل الصلاة ، فالصلاة هي كل شيء في الدين ، لقوله تعالى :

﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

[ سورة مريم : 31 ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا لنا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

فوائد الصلاة في الأجهزة العضليّة والوعائيّة والقلبيّة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ أمر الله عز وجل فيه خيرات أكثر من أن تحصى ، فالحديث عن الصلاة ، وعن الخشوع ، وعن القرب ، وعن أنها نور ، وعن أنها طهور ، وعن أنها حبور ، هذا لا يعني أنه ليس للصلاة فوائد مادية ، فالصلاة بحركاتها ، من قيام ، وركوع ، وسجود ، واعتدال ، نوع من الطب الوقائي ، فقد أكّد علماء التربية الرياضية أن أحسن أنواع الرياضة ما كان يومياً ، وما كان موزعاً على أوقات اليوم كله ، وما كان متكرراً ، وما كان غير مجهد ، ويستطيع أن يؤديه كل إنسان من كل جنس ، ومن كل عمر ، في كل ظرف ، وفي كل بيئة ، وهذا كله متوافر في الصلاة ، علماء التربية الرياضية يؤكدون أن أحسن أنواع الرياضة ما كان يومياً متكرراً ، وموزعاً على أوقات اليوم ، وغير مجهد ، ويستطيع أن يؤديها كل إنسان من كل جنس ، أي من ذكر أو أنثى ، ومن كل عمر صغير أو كبير ، وفي كل ظرف في السفر وفي الحضر ، وفي كل بيئة ، وهذا كله متوافر في الصلاة .
 شيء آخر : لقد ثبت لعلماء الطب أن الصلاة فيها تحريك لجميع العضلات القابضة والباسطة ، وتحريك لجميع المفاصل حتى الفقرية منها ، وأن الصلاة تنشط القلب والدورة الدموية ، وأن أخطر جهاز في الإنسان هو الدماغ ، وأن حسن أداء وظيفته منوط بحسن ترويته بالدم ، وأن السجود والركوع كفيلان لإعطاء الدماغ أعلى درجة من أنواع التروية .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ شيء آخر في الصلاة : أن الرأس في الصلاة ينخفض في الركوع وفي السجود ، وهذا الانخفاض يعدل ست مرات في الركعة الواحدة أو مئتين مرة في اليوم ، أو ستة آلاف مرة في الشهر ، إن المصلي حينما يخفض رأسه تحتقن شرايين الدماغ بالدم ، فإذا رفع رأسه فجأة يهبط الضغط في الأوردة .
 مرونة الأوعية الدماغية ، من ارتفاع الضغط وانخفاضه ، الركوع والسجود كفيلان أن يرفعا الضغط فجأة ، وأن يهبطانه فجأة ، من ارتفاع الضغط وانخفاضه ينشأ لدى الأوعية الدماغية ما يسمى بالمرونة ، والمرونة هذه تقي تصلب الشرايين في الدماغ ، وتقي انفجارها ، وانفجار هذه الشرايين يسمى السكتة الدماغية ، لذلك لو ارتفع ضغط الشرايين في الإنسان وهو يصلي أغلب الظن أن هذا الارتفاع يبقى سليماً ، لكن ارتفاع الضغط عند إنسان لا يصلي لأن شرايين الدماغ متصلبة ، هذا مما يسبب له انفجاراً في هذه الشرايين ، أو ضيقاً في تروية الأعضاء .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ امرأة سحقتها آلام الشقيقة ذهبت إلى بلد غربي بغية العلاج ، الطبيب هناك سألها هذا السؤال : هل أنت مسلمة ؟ قالت : نعم ، قال أتصلين ؟ قال لها : صلي يذهب ما بك ، هذه المرأة تعجبت أشدّ العجب ، بل غضبت أشدّ الغضب ، جاءت من بلاد بعيدة ، ودفعت الآلاف المؤلفة من أجل أن يقول لها الطبيب : صلي ، فلما استوضحت منه ، قال : إن الصلاة تسبب تروية عالية المستوى للدماغ ، وأحد أسباب الشقيقة الضعف في تروية الدماغ .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الحديث عن الخشوع في الصلاة ، وعن النور في الصلاة ، وعن الطهور في الصلاة ، وعن الحبور في الصلاة ، هذا لا يعني أن الصلاة مقتصرة على هذه الفوائد ، إن لها فوائد جمة في الأجهزة العضلية والوعائية والقلبية .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018