الخطبة : 0448 - الكبائر - المخ و عجائب خلق الله فيه. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0448 - الكبائر - المخ و عجائب خلق الله فيه.


1993-08-13

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به و كفر ، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهمّ صلِّ وسلم و بارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته و من والاه و من تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الكبائر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في القرآن الكريم ثلاث آيات تتحدث عن الكبائر ، الآية الأولى هي قوله تعالى :

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾

[سورة النساء: 31]

 و الآية الثانية قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾

[سورة الشورى: 37]

 و الآية الثالثة قال تعالى :

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾

[سورة النجم: 32]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ يظل المسلم بخير ما لم يقترف كبيرة ، لأن الكبيرة توعد الله مرتكبها بالنار ، و لعنه ، وغضب عليه ، وأعد له جهنم ، وساءت مصيراً ، ولكن عامة المسلمين يظنون أن الكبائر لا تزيد عن قتل النفس ، وشرب الخمر ، والزنا ، مع أن العلماء وضعوا مقياساً دقيقاً ، هذا المقياس هو كما يلي : كل معصية فيها حدٌّ في الدنيا ، القتل فيه حدّ، القاتل يُقتل ، وشارب الخمر يُجلد ، والزاني يُرجم ، ويُجلد ، كل معصية عليها حدّ في الدنيا، أو وعيد في الآخرة ، أو ورد فيها وعيد ينفي عن مرتكبها الإيمان ، أو يسبب له اللعن ، أو الغضب ، أو التبرؤ ، أو كل معصية ورد فيها قول النبي عليه الصلاة و السلام : ليس منا ، نفي الإيمان ، لعن من الله عز وجل ، غضب ، وعيد في الآخرة ، حد في الدنيا ، هذا المقياس الذي اتفق عليه العلماء لتصنيف المعاصي إلى كبائر ، وإلى صغائر ، فما الكبائر التي تنطبق عليها هذه الأقيسة ؟

 

أهم الأمور التي تعتبر من الكبائر :

 عدّ بعض العلماء من الكبائر سبعين كبيرة ، الشرك ، وقتل النفس ، والسحر ، وترك الصلاة ، ومنع الزكاة ، وإفطار يوم من رمضان من غير عذر ، وترك الحج مع القدرة عليه ، وعقوق الوالدين ، وهجر الأقارب ، والزنا ، وما هو أشد من الزنا ، والربا ، وأكل أموال اليتيم ، والكذب على الله وعلى رسوله ، والفرار من الزحف ، وظلم الناس ، والكبر ، وشهادة الزور ، وشرب الخمر ، والقمار ، وقذف المحصنات ، والغلول من الغنيمة ، والسرقة ، وقطع الطريق ، واليمين الغموس ، و صاحب المكس ، وأكل المال الحرام ، والانتحار ، والكذب في غالب الأقوال ، والقضاء الظالم ، وأخذ الرشوة ، وتشبه النساء بالرجال ، وتشبه الرجال بالنساء ، والديوث المستحسن على أهله ، والمحلِّل ، و المحلَّل له ، والرياء ، والتعلم للدنيا ، وكتمان العلم، والخيانة ، والمن ، والتكذيب بالقدر ، والتسمع على الناس ما يسرون ، والنميمة ، واللعن ، والغدر ، وعدم الوفاء بالعهد ، وتصديق الكاهن والمنجم ، ونشوز المرأة على زوجها ، واللطم ، والنياحة ، والبغي ، والاستطالة على الضعيف ، وإيذاء الجار ، وإيذاء المسلمين ، وإيذاء عباد الله ، ولبس الحرير والذهب للرجال ، وإباق العبد ، والذبح لغير الله ، ومن ادعى لغير أبيه ، ومنع فضل الماء ، ونقص الكيل والوزن ، والأمن من مكر الله ، و إيذاء أولياء الله ، كل هذه العناوين فيها أدلة من كتاب الله ، أو من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صاحبها قد وقع في الكبيرة .

الثبات على الذنب و الإصرار عليه يحوله إلى كبيرة :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ أخطر ما في الموضوع هو قول النبي عليه الصلاة و السلام فيما رواه ابن أبي شيبة في التوبة من حديث ابن عباس :

((لا صغيرة مع الإصرار))

[ابن أبي شيبة عن ابن عباس]

 الذنب الصغيرُ الصغير الذي يبدو لك صغيراً ، والذي تتوهم أنه صغير لو أنك رأيته صغيراً انقلب كبيراً ، لو أصررت عليه ، وداومت عليه ، ولم تندم على فعله ، ولم تنو التوبة منه ، هذا الذنب الصغير الذي لم تندم على فعله ، وأصررت عليه وأردت أن تداوم عليه هذا الذنب الصغير انقلب إلى كبيرة ، لماذا ؟ لأن الذي يسير على طريق عريض عريض ، وعلى يمينه واد سحيق ، لو حرف مقود السيارة قيد أنملة وثبّت هذا الانحراف لا بد من أن ينزل في الوادي ، وأما الكبيرة لو حرف المقود تسعين درجة فجأة ينزل في الوادي ، في النهاية الذي يثبت على خطأ طفيف ، ولا يندم عليه ، ولا ينوي الرجوع عنه ، ولا يتوب منه ، هذا الذنب الصغير إذا استمرأه الإنسان ، وثبت عليه ، و أصر عليه ، ولم يتب منه صار حجاباً بين العبد وربه ، فأخطر ما في الأمر هذه الصغائر التي لم يندم فاعلها عليها فتنقلب إلى كبائر .
أيها الأخوة الأكارم ؛ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ))

[مسلم عَنْ جَابِرٍ]

 فالمسلم لا يُؤتى من الكبائر فهو بعيد عنها ، وفي الأعم الأغلب القتل و السرقة ، وشرب الخمر و الزنا ، هذه الكبائر التي لا يختلف فيها اثنان ، و لكن المشكلة في الذنوب التي نص عليها القرآن بأنها كبائر ، أو الذنوب التي نصت عليها السنة بأنها كبائر ، هذه الذنوب و تلك المعاصي يجب أن نكون على علم دقيق بها ، فمثلا الإضرار بالوصية ، أي إدخال الضرر على الورثة من خلال الوصية ، فمن أوصى بوفاء دين موهوم غير صحيح بعد موته ليحرم ورثته ، ولا سيما الإناث فقد أضرّ بالوصية ، و من يضر بالوصية يفعل كبيرة وهو لا يدري ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالْمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ انزعوا من أذهانكم أن الكبائر هي السرقة ، و الزنا ، وشرب الخمر ، وقتل النفس فقط ليس غير ، إن الكبائر واسعة جداً ، الذي يريد أن يغيِّر شرع الله ، الذي يريد أن يعطي الذكور ، و يحرم الإناث ، الذي يريد أن يضر ورثته بوصية جائرة فيها تصريح بدين خلبي موهوم ، مثل هذا الإنسان يلقى الله وهو عليه غضبان ، وفي نص الحديث الشريف تجب له النار .

المقاييس التي اعتمدها العلماء في تصنيف المعاصي إلى صغائر و كبائر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لشدة اهتمام العلماء بموضوع الكبائر ، و كيف أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾

[سورة النساء: 31]

 و قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾

[سورة الشورى: 37]

 و قال تعالى :

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾

[سورة النجم: 32]

 بنص هذه الآيات الثلاث يتضح أن كل كبيرة هي المعصية التي عليها حدّ في الدنيا ، أو وعيد في الآخرة ، أو أن صاحبها لعنه الله ، أو غضب عليه ، أو أن النبي عليه الصلاة والسلام وصفه بعدم الإيمان ، أو بـ : ليس منا ، أو بالتبرؤ منه ، هذه بعض المقاييس التي اعتمدها العلماء في تصنيف المعاصي إلى صغائر وإلى كبائر ، فالإضرار في الوصية مثلا من الكبائر ، نقص الكيل والذراع ًوالوزن من الكبائر ، و الدليل قوله تعالى :

﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾

[ سورة المطففين : 1 - 4]

 وهذا الذي يتحدث الناس عنه المكيال المزدوج ، مكيال نشتري به و مكيال نبيع به ، نقيس القماش عند الشراء بتشكيل خط منحنٍ مع المتر ، ونقيسه مع البيع بشد القماش حتى يغدو أقل من المتر ، هذا تطفيف ، و قد توعد الله المطففين بالويل ، والويل كما يقول بعض العلماء وادٍ في جهنم ، أو الهلاك والدمار .

 

عامل الناس كما تحب أن يعاملوك :

 أيها الأخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة و السلام كان في عصره رجل اسمه أبو جهينة ، كان له مكيالان ، إذا اشترى يستخدم مكيالاً ، و إذا باع يستخدم مكيالاً آخر ، ولو وسّعنا هذا أيها الأخوة ، الذي يعامل ابنته بطريقة ملؤها الرحمة والتسامح ، و لا يعامل زوجة ابنته بالطريقة نفسها ، هذا يكيل بمكيالين ، و الذي يعامل أمه بغير ما يعامل أم زوجته ، هذا يكيل بمكيالين ، والذي يعامل ابنه بغير ما يعامل من يعامل من كان عنده في المتجر ، هذا يكيل بمكيالين ، و الذي يكيل بمكيالين بعيد عن الاستقامة بعد الأرض عن السماء ، و ما من صفة في الإنسان أبشع من أن يزين بمكيالين أو أن يقيس بمقياسين ، و هذا التناقض الذي يبدو في شخصية الإنسان هو وصمة عار في حقه .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ قال تعالى :

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾

[ سورة المطففين : 1 -3]

 لذلك كما ورد في الأثر : أن عامل الناس كما تحب أن يعاملوك . و حينما تقيس الأمور بمقياس واحد ، و حينما تقيس نفسك و غيرك بمقياس واحد ، حينما تتبع منهجاً واحداً ، و حينما تسلك طريقاً واحدة فأنت مؤمن و رب الكعبة ، لأنك ابتعدت عن التناقض ، هذه الوصمة التي تجعل الإنسان في أسفل سافلين .

 

إيذاء الجار من الكبائر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ إيذاء الجار من الكبائر ، معظم المسلمين يشكون من إيذاء جيرانهم لهم ، قد يؤذي الجارُ جاره بقبض الثمن ، و الذي لا يصدق أن يؤذي الجارُ جاره بلا ثمن ، لمجرد الإيذاء ، دون أن يكسب شيئاً من هذا الإيذاء ، فأين إسلام الإنسان ؟ أين إيمانه ؟ أين استقامته ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ ، قَالُوا : وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : الْجَارُ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا بَوَائِقُهُ ؟ قَالَ : شَرُّهُ ))

[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 الجار أقرب الناس إليك ، و في الحديث عَنْ ابْنِ عُمَرَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ))

[ مسلم عَنْ ابْنِ عُمَرَ]

 و الجار له عليك حق الجوار ، فإن كان مسلماً له عليك حقان ، حق الجوار و حق الإسلام ، وإن كان قريباً له عليك ثلاثة حقوق ؛ حق الجوار ، وحق الإسلام ، وحق القرابة، وأربعون داراً من جهة اليمين جار ، وأربعون داراّ من جهة الشمال جار ، ونقيس على هذا وأربعون بيتاّ من جهة العلو جار ، فمن كل الجهات ؛ يميناّ أو يساراً ، شمالاً ، أو جنوباً ، دنواً أو علواً ، هؤلاء كلهم جيران ، الإسلام يريد من المؤمنين أن يكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ إيذاء الجار من الكبائر ، والإنسان إذا فعل الكبائر صارت حجاباً بينه و بين الله ، عندئذ لا يعي على خير ، و يُختم على قلبه ، ألا ترون إلى أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى كان له جار مغنٍ أقلقه سنوات طويلة بغنائه ، وكان يقول :

أضاعوني و أيّ فتى أضاعوا  ليوم كريهة و طعان خلسِ
***

 فلما أُلقي القبض عليه ذهب إلى صاحب الشرطة يتوسط له ، و في طريق العودة عاتبه أبو حنيفة وقال : هل أضعناك يا فتى ؟ فكانت هذه اللفتة من أبي حنيفة لجاره المقصر العاصي الذي كان يؤذيه بغنائه ، كانت هذه اللفتة سبب توبته و رجوعه إلى الله عز وجل .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ لو أن الجار فعل الإحسان مع جاره لاصطبغ البناء كله بصبغة موحدة ، لاجتمعت القلوب ، وتعاونت الأيدي ، وحُلّت المشكلات ، و قد قال العلماء : إن من الإحسان إلى الجار تحمل الأذى منه .
 جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة و السلام قال : يا رسول الله دلني على عمل إذا قمت به دخلت الجنة ؟ فقال عليه الصلاة و السلام :

((كن محسناً ، فقال : يا سول الله كيف أعلم أني محسن ؟ فقال عليه الصلاة و السلام - و دققوا في هذا القول - سل جيرانك ، فإن قالوا : إنك محسن ، فأنت محسن ، وإن قالوا : إنك مسيء ، فأنت مسيء))

[ الحاكم عن أبي هريرة]

 لذا قيل : ألسنة الخلق أقلام الحق ، فشيء طبيعي إذا كنت محسناً على مقياس الكتاب و السنة أن يرتاح الناس إليك ، و أن يثنوا عليك .

 

الأمور بخواتيمها والعبرة بالنتائج :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ لئلا يتوهم المسلم أن الكبائر هي القتل ، و الشرك ، وشرب الخمر ، والزنا ليس غير ، وأن ما سوى ذلك صغائر ، هناك كبائر عددتها لكم تزيد عن سبعين كبيرة ، معظمها يتوهم المسلمون أنها صغائر ، مع أنها كبائر ، والصغيرة من حيث النتيجة كالكبيرة ، إذا أصررت عليها ، لو أن الخط الواصل إلى بيتك خط الكهرباء انقطع ميليمتراً واحداً أو انقطع سنتيمتراً واحداً ، المفعول واحد ، التيار منقطع ، فالأمور بخواتيمها ، والعبرة بالنتائج ، و هذه الصغيرة التي لا يتوب الإنسان منها بل يصر عليها ، إنها تغدو حجاباً بينه و بين الله .

 

من الكبائر التي يتوهمها الناس صغائر :

1 ـ لطم الخدود وشق الجيوب والصراخ بالويل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ اخترت لكم من بين الكبائر ما يتوهمه الناس أنه من الصغائر لطم الخدود ، وشق الجيوب ، والصراخ بالويل ، و الدعاء بدعوى الجاهلية ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ ، وَلَطَمَ الْخُدُودَ ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ))

[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ]

 العويل و البكاء و تمزيق الثياب و الصراخ و الدعاء بالويل ، هذا كله ليس من أخلاق المؤمن ، إنه كفر بقضاء الله و قدره ، إنه عدم قبول بقضاء الله و قدره ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أُمِّ سَيْفٍ امْرَأَةِ قَيْنٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو سَيْفٍ فَانْطَلَقَ يَأْتِيهِ وَاتَّبَعْتُهُ ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى أَبِي سَيْفٍ وَهُوَ يَنْفُخُ بِكِيرِهِ قَدْ امْتَلَأَ الْبَيْتُ دُخَانًا فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا أَبَا سَيْفٍ أَمْسِكْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمْسَكَ ، فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّبِيِّ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ، فَقَالَ أَنَسٌ : لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَهُوَ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَاللَّهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ))

[ مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 هذا الموقف الكامل ، القلب يتألم ، والعين تبكي ، أما الصراخ ، والعويل ، والنياحة ، و تمزيق الثياب ، وشق الجيوب ، والصراخ بالويل ، فهذا كله ليس من عمل المؤمن، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ وَلَطَمَ الْخُدُودَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ))

[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ]

 عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ :

((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ))

[أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 المرأة التي تستمع إلى النائحة ، وهي تنوح ملعونة أيضاً من أجل أن يندفع الناس إلى إسكات هذه النائحة ، لأن الله سبحانه و تعالى يحب أن يرى عبده المؤمن يتلقى قضاء الله وقدره بنفس صابرة رضية .

2 ـ نشوز المرأة على زوجها :

 شيء آخر أيها الأخوة ، من الكبائر التي يتوهمها الناس أنها من الصغائر نشوز المرأة على زوجها ، والنشوز معصية الزوج ، وفي معنى آخر أن تمنعه نفسها ، وفي حديث طويل عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا تصعد لهم حسنة ؛ العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه ، والمرأة الساخط عليها زوجها ، والسكران حتى يصحو))

[البيهقي في شعب الإيمان عن جابر]

 تصلي كثيراً ، وتقرأ القرآن كثيراً ، لكن زوجها ساخط عليها ، إذاً في دينها خلل ، إذًا هي لا تعرف حق زوجها ، لأن حق زوجها ربع دينها ، فالمرأة إذا صلت خمسها ، وصامت شهرها ، وحفظت نفسها ، وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها ، فعلاقتها بزوجها تشغل ربع دينها ، فإذا صلت ، وصامت ، وقرأت ، وحفظت ، وهي مقصرة في أداء حقوق زوجها و أولادها ، أي أن زوجها ساخط عليها ، فقد وقعت في الكبيرة ، وهي لا تدري ، وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة :

(( أول ما تسأل عنه المرأة يوم القيامة صلاتها ثم عن بعلها))

[ ابن أبي الدنيا عن الحسن ]

 أي أداء حقوق زوجها ، عن صلاتها ، و عن بعلها ، قد قال عليه الصلاة و السلام :

(( انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ أي يعدل الجهاد في سبيل الله ـ ))

[أخرجه ابن عساكر وأخرجه البيهقى في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]

 فالمرأة المؤمنة إذا نظرت إليها سرتك ، و إذا أمرتها أطاعتك ، و إذا غبت عنها حفظتك في نفسها و مالها ، و لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر زوجها ، وهي لا تستغني عنه ، وأيما امرأة ماتت و زوجها عنها راض دخلت الجنة ، وعَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((الْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ))

[الترمذي عَنْ ثَوْبَانَ]

 وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

((أَيُّمَا امْرَأَةٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ لَمْ تَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ))

[الترمذي عن ثوبان]

 فنشوز المرأة من الكبائر التي تحول بينها و بين رحمة الله عز وجل ، فالكبيرة المعصية التي عليها حدّ في الدنيا ، أو وعيد في الآخرة ، أو هي المعصية التي تسبب لعن صاحبها و غضب الله عليه و بعده عن الله عز وجل ، أو أن النبي وصف صاحبها بأنه بريء منه ، أو الإيمان بعيد عنه .

3 ـ من أتى ساحراً فصدقه أو لم يصدقه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من الكبائر ، عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً))

[مسلم عَنْ صَفِيَّةَ]

 من أتى ساحراً فلم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً ، و لا قيام أربعين ليلة ، وأي قراءة لمعرفة الغيب و لو كان مزاحاً ، أو لعباً ، أو لهواً هو محرم بنص القرآن الكريم، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله ، فمن سأل منجِّمة ، أو قرأ في فنجان ، أو قرأ حظك هذا الأسبوع ، أو سأل كاهناً ، أو عرّافاً ، أو ساحراً ، أو صدّق شيئاً لم يرد في كتاب الله من سحر فقد كفر .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ في الحديث عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً))

[مسلم عَنْ صَفِيَّةَ]

 ليس هذه دعابة ، ولا مزاحاً ، ولا تسلية أن تستمع إلى منجم ، أو إلى كاهن ، لأنك تكفر بالقرآن الكريم ، لقول الله عز وجل :

﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾

[سورة النمل: 65]

 وقال أيضاً :

﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾

[سورة الأنعام: 50]

 النبي عليه الصلاة و السلام ، وقال تعالى :

﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾

[سورة الأعراف: 188]

4 ـ الطعن بالآخرين :

 من الكبائر أن يطعن الإنسان في الآخرين ، أن يطعن في علمهم ، أو أن يطعن في إخلاصهم ، أو أن يطعن في استقامتهم من دون دليل ظاهر ، من دون بينة ، لقول النبي عليه الصلاة و السلام ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيء))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ]

 أن تطعن في الناس لا لشيء ، إلا لحسد ، أو لترفع ، أو لمنافسة ، تغمطهم حقهم ، و هذا من أنواع الكبر ، فقد وصف النبي عيه الصلاة و السلام الكبر بأنه ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ، قَالَ رَجُلٌ : إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً ؟ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))

[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

 بطر الحق ردّ الحق ، أن ترفض حكم الله ، ألا تنصاع لأمر الله ، ألا تنصاع لحديث رسول الله الصحيح ، وغمط الناس ألا تنصفهم ، أن تطعن فيهم ، أن تطعن في أنسابهم، في أخلاقهم ، في استقامتهم ، في علمهم ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيء))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ]

5 ـ الاستطالة في عرض المسلم بغير حق :

 و يقول عليه الصلاة و السلام عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ :

((إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ))

[ أبو داود عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ]

 و ما فتّت المسلمين في مشارق الأرض مغاربها إلا هذه التفرقة ، وذاك التعصب، و ذاك الانحياز الأعمى ، وهذا الطعن ، و ذاك التجريح ، وتلك الخلافيات التي فتت في عضدهم ، وأضعفتهم أمام عدوهم ، و جعلتهم لقمة سائغة ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾

[سورة الأنفال: 46]

 و يقول الإمام الشافعي : " نتعاون فيما اتفقنا ، و يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا"

6 ـ النميمة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ و النميمة من الكبائر ، من الكبائر الكبيرة التي لا يرُح صاحبها ريح الجنة ، فعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا يَنُمُّ الْحَدِيثَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ ))

[مسلم عَنْ حُذَيْفَةَ]

 إطلاقاً ، هذا الذي يوقع بين الناس ، ينقل كلام فلان إلى فلان ، يوقع بينهما العداوة و البغضاء ، يفرق بين الأم و ابنها ، بين الأخ و أخيه ، بين الزوج و زوجته ، بين الجار و جاره ، بين الشريك و شريكه ، كلمة نقولها ، أتدري ماذا قال عنك ؟ قال عنك : كذا و كذا ، صلاته و صيامه وحجه وزكاته وعبادته وأذكاره ، هذا كله ذهب أدراج الرياح ، لأن النبي عليه الصلاة و السلام في الحديث الصحيح :

((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ ))

[مسلم عَنْ حُذَيْفَةَ]

 عددت لكم سبعين كبيرة ، وهذه بعض الكبائر التي يخطئ بعض المسلمين فيتوهمونها صغائر .

 

إعادة للكبائر التي يجب على الإنسان اجتنابها :

 مرة ثانية أيها الأخوة : الشرك ، و قتل النفس ، و السحر ، و ترك الصلاة ، و منع الزكاة ، و إفطار يوم من رمضان بلا عذر ، و ترك الحج مع المقدرة عليه ، وعقوق الوالدين ، و هجر الأقارب ، و قطيعة الرحم ، و الزنا و ما هو أشدّ من الزنا ، والربا ، و أكل مال اليتيم ، و الكذب على الله و رسوله ، أي إذا رويت حديثا تعرف أنه موضوع ، فهذا من الكبائر ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 من روى حديثاً دون أن يتحقق منه ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ ))

[مسلم عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ]

 الكذب على الله و رسوله ، أن تقول على الله ما لا تعلم ، الفرار من الزحف ، ظلم الناس ، الكبر ، شهادة الزور ، شرب الخمر ، القمار ، قذف المحصنات ، قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة ، الغلول من الغنيمة ، السرقة ، قطع الطريق ، اليمين الغموس ، صاحب المكس الذي يأخذ أموال الناس بالباطل ليعطيها لمن لا يستحق ، أي باع آخرته بدنيا غيره ، أكل الحرام ، الانتحار ، الكذب في غالب الأقوال ، القاضي السوء ، آخذ الرشوة ، تشبه النساء بالرجال ، تشبه الرجال بالنساء ، الديوث المستحسن على أهله ، زينة أهله ، المحلل و المحلل له ، الرياء ، التعلم فقط لجمع الدرهم و الدينار ، و كتمان العلم على مستحقيه ، من الكبائر ، الخيانة و المن ، و التكذيب بالقدر ، و التسمع على الناس ما يسرون ، النميمة ، اللعن ، الغدر، عدم الوفاء بالعهد ، تصديق الكاهن والمنجم ، نشوز المرأة على زوجها ، اللطم و النياحة والبغي ، الاستطالة على الضعيف ، إيذاء الجار ، إيذاء المسلمين ، إيذاء عباد الله ، إسبال الإزار ، لبس الذهب و الحرير للرجال ، الذبح لغير الله ، من ادعى لغير أبيه ، منع فضل الماء، نقص الكيل و الميزان ، الأمن من مكر الله ، إيذاء أولياء الله ، هذه تحتاج لشرح طويل ، اخترت لكم بعضها ، وسنختار بعضها الآخر في خطب في أوقات أخرى إن شاء الله تعالى .
أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، و سيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

المخ و عجائب خلق الله فيه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان من أرقى المخلوقات ، هو المخلوق الأول من كل النواحي ، و لا سيما من حيث تقويمه ، ومن حيث خلقه ، قال تعالى :

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾

[سورة البلد: 4]

 وقال تعالى :

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾

[سورة التين: 4-5]

 وأعظم ما في الإنسان هذا العضو النبيل الذي في جمجمته ، ألا وهو المخ ، هذا أعقد ما خلق الله عز وجل ، ورد في بعض الكتب العلمية لا يزيد عن اثنين بالمئة من وزن الجسم ، أي حوالي ألف وثلاثمئة وخمسة و سبعين غراماً ، هذا الدماغ يحصل على أكبر نصيب من الدورة الدموية ، ثمانمئة وثمانون سنتيمترًا مكعبًا في الدقيقة ، أي يستهلك سدس دم الإنسان ، الدماغ وحده ، لأنه أداة معرفة الله ، لأنه أداة معرفة الحقائق .
 في الدماغ خصائص عجيبة أيها الأخوة ، فكمية الدم التي ترد إليه ثابتة ، فيه خصائص ، ومن هذه ثبات كمية الدم الوارد إلى الدماغ ، في أثناء الراحة و النشاط ، و في أثناء الليل و النهار ، وهذا الدماغ يمتلك خاصة عجيبة ، وهي التحكم الذاتي لضغط الدم فيه ، فضغط الدم في الدماغ لا يتأثر كثيراً بالضغط العام في الجسم ، فإن ارتفع فجأة أو انخفض فجأة فلأوعية الدماغ خصائص تحافظ على ضغط الدم في الدماغ بعيداً عن تأثيراته في ضغط الدم العام .
 وفي الدماغ أيها الأخوة مجموعة من الخلايا ، تعد بمثابة الحارس ، لا تسمح إلا بمرور المواد النافعة للدماغ ، كالمواد السكرية ، أما المواد الضارة فلا تسمح بمرورها إلى الدماغ، هذه الخلايا الدبقية هي الخلايا الحارسة لعَظم هذا العضو ، و لأنه العضو النبيل في الإنسان ، و لأنه أداة معرفة الله عز وجل .
الدماغ أيها الأخوة يستهلك مئة وأربعة وأربعين غراماً من السكر ، أي ثمانون بالمئة مما ينتجه الإنسان من السكر ، ويستهلك الدماغ ربع ما يصل إلى الرئتين من الأكسيجين، لو انقطع الأكسيجين عن الدماغ عشر ثوانٍ فقط وقع في غيبوبة ، لو زاد الانقطاع عن أربع دقائق لماتت خلايا الدماغ ، فالإنسان يقول : أنا على ماذا ؟ عشر ثوان يصاب بغيبوبة ، أربع دقائق يموت الدماغ ، وأيّ شيء مهما دق يؤثر فيه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا الدماغ الذي أودعه الله فينا يجب أن نستخدمه لمعرفة الله ، أما إذا استخدمناه لغير ما خلق له فقد تمت خسارتنا ، لقول الله عز وجل :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 فمن استخدم عقله أو فكره أو دماغه لمعرفة الله عز وجل وانقضى الزمن سعد فيما بعد الزمن ، هذا العضو يفوق في تعقيده الوصف ، والدماغ لا يزال عاجزاً عن فهم ذاته ، مئة و أربعون مليار خلية لم تعرف وظيفتها بعد، خلية استنادية ، أربعة عشر مليار خلية قشرية تقوم بأدق العمليات الفكرية ، من محاكمة ، وتذكر ، وتصور ، وإنتاج ، واستقراء ، وتخصيص، وتعميم ، أعقد أعمال الفكر تتم في القشرة الدماغية .
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ ينبغي أن يستخدم هذا الدماغ لما خلق له ، إلا لتمت خسارة الإنسان ، الإنسان يوم القيامة الله عز وجل يسأله ماذا فعلت بهذا الجهاز الذي أعطيتك إياه ؟ ماذا فعلت به ؟ هذا المال فيم اكتسبته ؟ و فيم أنفقته ؟ هذا العمر فيم ضيعته ؟ هذا الشباب فيم أبليته ؟ وفي الحديث عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ؟))

[الترمذي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، و تولنا فيمن توليت ، و بارك لنا فيما أعطيت ، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي و لا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، و لا يعز من عاديت ، تباركت ربنا و تعاليت ، اللهم أعطنا و لا تحرمنا ، أكرمنا و لا تهنا ، آثرنا و لا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك من تحول به بيننا و بين معصيتك ، و من طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، و متعنا اللهم بأسماعنا و أبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، و انصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، و لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك و لا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018