الخطبة : 0231 - مصير الإنسان - النموّ العشوائي. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0231 - مصير الإنسان - النموّ العشوائي.


1988-10-14

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

مصير الإنسان إما إلى جنّة يدوم نعيمها أو إلى نارٍ لا ينفذُ عذابها :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في أواخر سورة الزمر آياتٌ بيِّنات توضّح مصير الإنسان؛ إما إلى جنّة يدوم نعيمها ، أو إلى نارٍ لا ينفذُ عذابها ، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة الزمر : 68-70]

 ما هذه التوفيَة أيها الأخوة المؤمنون ؟ قال تعالى:

﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾

[ سورة الزمر : 70]

 هذه التَّوْفِيَة بيَّنها ربّنا في زُمْرتَين من الناس ، فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾

[ سورة الزمر :71]

 قال العلماء : السَّوْقُ هو الحَثُّ على السَّيْر ، الدَّفْعُ ، التَّعنيف ، الإيلام ، كما يُساق المجرم لِيَلقى جزاءهُ ، العلماء قالوا : الذين كفروا هم الذين كذّبوا بالله ، كذّبوا بآياته ، بآياته القرآنيّة ، بآياته الكونيّة ، كذّبوا بشَرعِهِ ، كذّبوا بِوَعدهِ ، كذّبوا بِوَعيدِهِ ، أعرضوا عنه ، أبَوا أن يُطيعوه ، هؤلاء الذين كذّبوا بالله ، وكذّبوا بشريعته ، وكذّبوا بِوَعدِهِ ووعيدهِ ، وكذّبوا بآياته ، وكذّبوا بكتابه ، هم لمْ يُطيعوه ، وعصَوْهُ ، هؤلاء هم الذين كفروا ، قال تعالى:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾

[ سورة الزمر :71]

 أما الزُّمَر فهم زمرٌ كثيرة ، فالزناة ساقهم الله زمرةً ، وآكلو المال الحرام ساقهم الله زمرةً ، وشاربو الخمر ساقهم الله زمرةً ، والمعتدون على أعراض الناس ، والمعتدون على أموال الناس ، هذه المعاصي التي نهى الله عنها ، يُجمعُ الناس في ضوء هذا التصنيف ، ويُساقون إلى جهنّم زمرًا ، وبعضهم يقول : إنَّ الزُّمَر دفعاتٍ بعضها تلْوَ بعض ، قال تعالى:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾

[ سورة الزمر :71]

 أبوابها فُتِحَتْ حينما جاؤوها ، لأنّ جهنّم كالسّجْن تُفتحُ أبوابهُ لِيَستقبل السجين الجديد ، فُتِحَتْ حينما جاؤوها .

 

الأنبياء والرّسل حجَّة الله على الخلْق :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا الكلام دقيق جدًّا ، نحن في الدنيا الآن ، قال تعالى:

﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾

[ سورة الزمر :71]

 من جنسكم ، من بني البشر ، يعيشون كما تعيشون ، يعيشون ظروف بيئتكم ، أوْدَعَ الله فيهم ما أوْدَعَ الله فيكم ، يخافون ممّا تخافون ، ويرْجون ما ترجون ، ألم يأتكم رسلٌ منكم ؟ الله سبحانه وتعالى جعل الأنبياء والرّسل حجَّةً على الخلْق ، قال تعالى:

﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ﴾

[ سورة الزمر :71]

 يتلون عليكم آيات ربّكم ، آياته القرآنيّة ، أو آياته الكونيّة ، هذه الشّمس والقمر، هذه السماء والأرض ، هذه البحار ، هذه الجبال ، هذه الأسماك ، هذه الأطيار ، هذه النباتات ، هذه الخضراوات ، هذه كلّها آيات ، قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ﴾

[ سورة الزمر :71]

 إذًا الإيمان بالله طريقهُ أن تؤمن بآياته ، الإيمان بالله طريقهُ أن تتفكَّر في خلْق السموات والأرض ، أو أن تتفكّر في هذا التشريع العظيم الذي أنزله الله على نبيّه الكريم ، هناك آياتٌ تشريعيّة ، وهناك آيات كونيّة . قال تعالى:

﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾

[ سورة الزمر :71]

محاسبة الله عز وجل لكلّ إنسان :

 ربّنا سبحانه وتعالى جعل أركان الإيمان كما في الكتاب والسنّة خمسة ، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه ، ولكن في هذه الآية أبْرزُ دِعامَتَين هما الإيمان بالله ، واليوم الآخر ، فمَن لم يؤمن باليوم الآخر ، فكان إيمانه فيه ثلمة خطيرة ، وفيه شطرٌ مفقود ، قال تعالى:

﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر :71]

 ربّنا سبحانه وتعالى حينما كلَّف الإنسان ، وحينما منحهُ حريّة الاختيار ، وحينما أوْدَعَ فيه الشهوات لِيَرقى بها صابرًا أو شاكرًا إلى ربّ الأرض والسموات ، وحينما منحهُ العقل قوّة إدراكيّة ، يتعرّف بها الخير من الشرّ ، والحقّ من الباطل ، حينما منحهُ حريّة الاختيار ، وحينما منحهُ هذا الشّرع العظيم سيُحاسبهُ ، قال تعالى:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر : 92-93]

 فمن وفّى بما عاهد الله عليه ، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[ سورة النازعات : 37-41]

 كلمة الله عز وجل التي حقَّتْ على الكافرين هي أنّ الله سبحانه وتعالى بعد أن عرضَ الأمانة على السموات والأرض ، وبعد أن قبلها الإنسان لابدّ من دفْع الثَّمن ، إما إلى جنّة يدوم نعيمها ، أو إلى نارٍ لا ينفذُ عذابها ، ولكنْ حقَّتْ كلمة العذاب على الكافرين بمعنى أنّه لو كان في النّظام الداخلي لجامعةٍ من الجامعات أنّ الطالب إذا رسبَ سنَتَين متتالِيَتَين فُصِلَ من الجامعة ، فإذا رسبَ الطالب سنَتَين متتاليتَن باختياره ، ثمّ جاء يطلب أن يبقى في الجامعة ، نقول له : لقد انطبقَتْ عليك المادّة الثانية من النّظام الداخلي ، فلا مُوافقة أن تبقى في الجامعة، بهذا المعنى حقَّتْ كلمة العذاب على الكافرين .

 

تناقض الكِبر مع العبودية لله عز وجل :

 قال تعالى:

﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴾

[ سورة الزمر :72]

 من هنا استنبط العلماء أنَّه لا يجتمعُ كِبْرٌ مع العبوديّة ، من كان في قلبه مثقال ذرّة من كِبْرٍ لا يدخل الجنّة ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ))

[‏مسلم عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏]

 لأنّ الكِبْر يتناقض مع العبوديّة لله عز وجل ، قال تعالى:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾

[ سورة الزمر :73]

 قال العلماء : اتَّقَوا ربّهم أيْ اتَّقوا أن يُشركوا به ، وقد ميَّز العلماء بين نوعين من الشّرْك ، الشِّرك الجليّ ، والشّرك الخفيّ ، فالشِّرْك الجليّ هو أن تدَّعِيَ مع الله إلهًا آخر ، وأن تعبدهُ جِهارًا من دون الله عز وجل ، هذا شرْكٌ جليّ قلّما نجدهُ في هذا العصر ، وفي العالم الإسلاميّ ليس هناك شرْك جليّ ولكن هناك شرْكاً خفيّاً ، وهذا مأخوذ من قوله تعالى:

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

[ سورة يوسف : 106]

 ما معنى الشّرك الخفيّ ؟ أن تعتمد على الأسباب ، المال سبب لِقِوام الحياة ، إذا اعتمَدْت عليه ، ولمْ تعتمد على الله سبحانه وتعالى فهذا شرْكٌ خفيّ ، أن تعتمد على قوّتك ، أن تعتمد على مكانتك ، أن تعتمد على أولادك ، أن تعتمد على ما مُنِحْتهُ من قِبَل الله عز وجل ، هذا شرْكٌ خفيّ ، أن تأخذ بهذه الأسباب ، ثمّ تعتمد عليها ، تقول : أخذْتُ الحيطة ، وأعددْتُ لكلّ أمرٍ عُدَّتَه ، هذا هو الشّرْك الخفيّ ، وهو أن تعتمد على الأسباب ، وتنسى ربّ الأرباب ، قال تعالى:

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

[ سورة يوسف : 106]

 لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

((أخوف ما أخاف على أمّتي الشّرك الخفيّ))

[أحمد عن شداد بن أوس ]

 أما إنّي لسْتُ أقول إنّكم تعبدون صنمًا ، ولا حجرًا ، ولكن شهوةٌ خفيّة وأعمال لغير الله ، إذا اعتمدْت على مالك فهذا شرْكٌ خفيّ ، إذا اعتمدْت على قريبٍ لك من أولي الحَوْل والطّوْل فهذا شرْك خفيّ ، إذا اعتمدْت على أولادك السّبعة المتفوّقين في الحياة فهذا شرْكٌ خفيّ ، لذلك نعوذ بالله من الشّرك الجليّ ، ومن الشّرك الخفيّ .

 

تعريف المتقين :

 من هم المتّقون ؟ هم الذين اتَّقوا أن يُشركوا بالله عز وجل ، واتَّقوا أن يعْصوه ، قال تعالى:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾

[ سورة الزمر :73]

 أما سِيقَ هنا ، فكما يسوق المُضيف ضَيقهُ ، يحثّه على تلبيَة الطّعام ، حينما قال الله عز وجل:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾

[ سورة الزمر :73]

 هذا سوْقُ إكرام ، لا سَوْق إهانةٍ وإيلام ، قال تعالى:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾

[ سورة الزمر :73]

 أي كانت أبوابها قد فُتحت لهم من قبل إكرامًا لهم ، هذا هو الفرْق بين حتى إذا جاؤوها فتحَت ، فُتِحَت بعد إذْ جاؤوها ، وبين قول الله عز وجل :

﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾

 أي كانت أبوابها قد فُتحت قبل أن يأتوها إكرامًا لهم ، قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾

  أنتم الآن في سلام ، لا نغص ، ولا قلق ، ولا حزْن ، ولا خوف ، ولا مرضَ ، ولا كِبَر ، ولا ضعْف ، ولا خصومة ، ولا مشاجرة ، ولا حرّ ، ولا قرّ ، ولا أيّ شيءٍ من هذه المتاعب التي كنتم تعانون منها في الدّنيا .

 

نور الله يطهر القلب من الشرك و المعصية :

 سلامٌ عليكم ، لماذا سلامٌ عليكم ؟ طِبْتُم ؛ قال بعض المفسّرين : إنّ كلمة طبْتم هي عِلَّة لهذا السلام ، سلامٌ عليكم لأنّكم طبْتم ، طابَتْ نفوسكم في الدنيا ، اسْتقمتم على أمر ربّكم ، أقبلتم عليه ، فجاء نور الله عز وجل فطهَّر قلوبكم من الأغيار ، طهّرها من الشّرك ، طهَّرها من المعصية ، طهّرها من الحقد ، طهّرها من الأنانية ، طهّرها من الظّلم ، طهَّرها من اللُّؤْم ، طهَّرها من الكِبْر ، قال تعالى:

﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ ﴾

 لأنّكم طِبْتم سلامٌ عليكم ، فادخلوها خالدين .
 معنى خالدين تغايِرُ معنى الاستمرار ، الإنسان قد يستمرّ في حالةٍ لا يرضى عنها ، الخُلود في الجنّة أيْ هم مائلون إليها ، لأنّ فيها سعادةً متجدِّدَة مع تجدُّد الوقت ، قال تعالى:

﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾

[ سورة الزمر :73 -74]

 وعدَنَا الله في الدّنيا بالجنّة ، وها نحن فيها ، وعَدَنا في الدنيا بِجَنّة عرضها السموات والأرض وها نحن أولاء فيها ، وُعِدْنا بالنجاة فنَجَوْنا ، وُعِدنا بالفوْز ففُزْنا ، وُعِدْنا بأن نرى الله عز وجل فرأينا ، كلّ هذه الوُعود التي وعدنا الله إيّاها قد تحقّقتْ ، فالحمْدُ لك يا ربّ ، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾

[ سورة الزمر :74]

 من معاني هذه الآية ، أنّ هذه الجنّة ما كانتْ لولا الأرض ، لولا أنّك وُجِدْت على الأرض ، وأمركَ الله بعِبادتِهِ ، وأعطاك القوّة ، وأعطاك المال ، وأعطاك الزوْجة والأولاد ، امْتَحَنَكَ ، أمرك بالصِّدْق ، نهاك عن الكذب ، أمرَكَ بالإخلاص ، نهاك عن الخِيانة ، إنّه جعلك على وجْه الأرض لِتَدْفعَ ثمَنَ هذه الجنّة ، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾

[ سورة الزمر :74]

على الإنسان أن يحمد الله على كل أفعاله :

 لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ، قال تعالى:

﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

[ سورة الزمر :74-75]

 أي كلّ أفعال الله تعالى منذ أنْ خلق السموات والأرض ، وإلى أنْ انتهَت الدنيا ، ومن فيها ، تُلَخَّصُ بِكَلمةٍ واحدة ، وهي الحمد لله رب العالمين ، يجبُ أن تعرفها في الدّنيا ، يجبُ أن تعرف أنّ الله عز وجل يُحْمدُ على كلّ أفعاله ، قال تعالى:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[ سورة آل عمران : 26]

 وقيل : الحمد لله رب العالمين ، هذه الآيات الأخيرة من سورة الزمر فيها بيانٌ وتفصيلٌ لهذه التَّوْفِيَة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى قبل هذه الآيات فقال تعالى:

﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة الزمر : 70]

القرآن رحمة لنا :

 يا أيها الأخوة الأكارم ، هذا القرآن رحمةً لنا ، لأنّهُ يحدّثنا عمَّا سيكون ، فبإمكان الإنسان الذي مُنِحَ القدرة على التصوُّر ، هذه القدرة على التصوّر قدرةٌ تميَّز بها الإنسان ، ربّنا سبحانه وتعالى رحمةً بنا نبَّهنا ، وبيَّن لنا قبل أن تقع هذه الواقعة التي لا ثالث لهاتين الحالتين ؛ إما إلى جنّة يدوم نعيمها ، أو إلى نارٍ لا ينفذُ عذابها ، قبل أن تقع هذه الواقعة نبَّهنا إلى مصير أهل النار ، ومصير أهل الجنّة ، وصفَ لنا أحوالهم ، والأسباب التي أدّتْ إلى هذه الحال ، وصف لنا أحوال أهل النار ، والأسباب التي تؤدّي إليها ، لذلك السعيد من اتَّعظ بِغَيره ، والشقيّ لا يتَّعظ إلا بنفسه .

* * *

قصة ربيعة بن كعب مع النبي الكريم :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام أنّ ربيعة بن كعْبٍ رضي الله عنه قال عن نفسه : " كنتُ فتًى حديثَ السِنّ ، لمَّا أشْرقَتْ نفسي بِنُور الإيمان ، ولمَّا اكْتحلَتْ عينايَ بِمَرأى النبي عليه الصلاة والسلام نظرتُ إليه أوّل مرَّةٍ فأحببْتُهُ حبًّا ملك عليّ كلّ جارحةٍ من جوارحي ، وأولِعْتُ به ولعًا صرفَني عن كلّ ما عداه ، فقلتُ في نفسي ذات يومٍ: ويْحَكَ يا ربيعة ، لم لا تجرِّبْ نفسك لخِدمة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟ اِعْرض نفسك عليه فإن رضي بك سعِدْت بقُربِهِ ، وفُزْتَ بحُبّه ، وحظيتَ بِخَيريّ الدنيا والآخرة ، ثمّ ما لبثْتُ أن عرضْتُ نفسي على رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، ورجوْتُهُ أن يقبلني في خدره ، فلم يخيِّب رجائي ورضيَ بي أن أكون خادمًا له ، فصِرْتُ منذ ذلك اليوم ألزمَ للنبي من ظلّه ، أسير معه حيثما سار ، أدور في فلكه كيفما دار ، فما رمى بِطَرفهِ مرّة نحوي إلا امتثلْتُ واقفًا بين يديه ، وما تشوّف لِحاجةٍ من حاجاته إلا وجدني مُسرعًا في قضائها ، وكنتُ أخدمهُ نهارهُ كلّه ، فإذا انقضى النهار ، وصلى العشاء الأخيرة ، وأوى إلى بيته ، أهمُّ بالانصراف ، ولكن ما ألبثُ أن أقول في نفسي : إلى أين تمضي يا ربيعة ؟ فلعلّها تعرضُ لِرَسول الله صلى الله عليه وسلّم حاجةٌ في الليل فأجلسُ على بابه ، ولا أتحوَّلُ عن عتبة بيته ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقطعُ الليل قائمًا يصلّي ، فربّما سمعتهُ يقرأ بفاتحة الكتاب ، فما يزال يكرّرُها هزيعًا من الليل حتى أملّ ، فأتركه ، أو تغلبني عيناي فأنام ، وربّما سمعتهُ يقول : سمع الله لِمَن حمده ، فما يزال يُرددّها زمنًا أطول من ترديد الفاتحة ، وكان من عادة النبي عليه الصلاة والسلام - ودقّقوا هنا أنّه ما صنَعَ له أحدٌ معروفًا إلا أحبّ أن يُجازيَهُ عليه بما هو أجلّ منه ، هذه أخلاق النبي صلى الله عليه وسلّم ، ما قُدِّمَ له معروفٌ إلا جازى عليه بما هو أجلّ منه - وقد أحبّ النبي عليه الصلاة والسلام أن يُجازيني على خدمتي له فأقبلَ عليّ ذات يوم ، وقال : يا ربيعة بن كعب ، قلتُ : لبَّيْك يا رسول الله وسعدَيك ، قال : سَلْني شيئًا أُعطِهِ لك ، فقلتُ : أمْهِلني يا رسول الله لأنظر فيما أطلبهُ منك ، فأمهلهُ النبي عليه الصلاة والسلام أيّامًا عديدة " وفي الخطبة القادمة إن شاء الله تعالى نتابعُ قصّة هذا الصحابي الجليل الذي أمهلهُ النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن سألهُ حاجةً تكون ردًّا على خدمته لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه ، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنّكم كافأتموه))

[الطبراني عن الحكم بن عمير ]

 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

النمو العشوائي :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ من آيات الله الدالة على عظمته أنّ الله سبحانه وتعالى خلق كلّ شيء ، وجعله موزونًا ، لئلاّ يطغى شيءٌ على شيء ، فَمِن أغرب ما وقع في بعض البلدان أنّه زُرع نوعٌ من الصَّبّار في قارّة أستراليا ، كسِياجٍ وِقائي ، لكنّ هذا النبات مضى في سبيله حتى غطّى مساحةً تزيدُ عن مساحة بريطانيا ! وصار هذا النبات نباتًا وبائيًّا ، زاحمَ أهل المدن والقرى ، وأتلف مزارعهم حتى أنّه حال بينهم وبين زراعة أراضيهم ، إلى أن توصَّل العلماء إلى حشرةٍ لا تعيشُ إلا على هذا الصَّبار ، هذه الحشرة استطاعَتْ أن تضع حدًّا لانتشاره، فكأنّ الله تعالى كلّ شيءٍ خلقه فيه طبيعة النموّ العشوائي ، خلق له مضادًّا يحول بينه وبين هذا النموّ ، وهذا هو التوازن ، ووفْقَ هذه القاعدة هناك أشياء كثيرة من هذا القبيل ، فربّنا سبحانه وتعالى جعل الغدّة النخاميّة تحثّ الغدّة الدرقيّة ، لكن هرمون الغدّة الدرقيّة يثبّط الغدّة النخاميّة ، من أنّ هذا الهرمون يثبّط هذه الغدّة ، وهرمون هذه الغدّة يحثّ هذه الغدّة ، يقوم التوازن بين الغدّة النخاميّة وبين الغدّة الدرقيّة ، هناك جهاز لِضَبْط السوائل في الجسم ، هو الذي خلقه موزونًا ، هناك جهازٌ آخر لضَبط السكّر في الجسم ، هناك جهاز ثالث لِضَبط الأملاح في الجسم ، نِسَبُ الأملاح ثابتة ، وكذا نِسَب السّكر ، ونسبُ الماء ، ونسبُ الهرمونات ثابتة ، هناك فيتامينات من دون أن تؤخذ يُصاب الإنسان بأمراض كثيرة سمّاها العلماء أمراض نقْص التغذية ، أمراض وبيلة ، وكان بعض البحّارة يموتون في أثناء رحلتهم الطويلة من دون سبب إلى أن عرفوا أنّ غذاءهم تنقصهُ الفيتامينات .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا التوازن الذي حقّقه الله سبحانه وتعالى في الكون شيءٌ يلفت النّظر ، ويدعو إلى الدّهشة ، فالأسماك لولا أنّ كبيرها يأكل صغيرها لطَغَت الأسماك على مياه البحر ، ولأصبحَ البحر بحرًا من السّمك ، لا بحرًا من الماء ، وكذا الحشرات جعل الله تنفّسها عن طريق أنابيب ، لا عن طريق الرئة ، ولأنّ تنفّسها عن طريق الأنابيب لا تنمو أكثر من حجمها الذي تروْنهُ ، ولو أنّه كان لها رئات لأصبحَت بِحَجمٍ كبير ولأهلكَت الإنسان، فالحشرات لها حدّ تقف عنده ، والنباتات لها حدّ تقف عنده ، والحيوانات لها حدّ تقف عنده ، والأسماك لها حدّ تقف عنده ، وبنية الجسم البشري فيه حدود ، وفيه سدود ، وفيه مقاييس ، وفيه ضوابط ، وفيه موازين .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لو دقَّقتم في خلق السموات والأرض لرأيتم العجب العُجاب ، قال تعالى:

﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴾

[ سورة الحجر : 19]

 فهذا النبات موزون ، قيمه الغذائيّة موزونة ، حجمهُ موزون ، نموُّه موزون ، تكاثرهُ موزون ، لولا هذا الشيء الموزون لأهلك الله الإنسان بهذا النموّ العشوائيّ ، وحادثة هذا النوع من الصَّبّار الذي استقدِمَ ، وزرع في أُستراليا ، وكاد يقضي على الأراضي الزراعيّة كلّها ، لولا هذه الحشرة التي وقفت في وجهه ، وكانت علاجاً منه ، تدل على عظمة الله ، و أن الله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا تكن هذه الآيات التي تسمعونها ، أو التي تروْنها ، أو التي تقرؤونها ، لا تجعلوها تمرّ هكذا مرورًا عابرًا دون أن تقفوا على حقيقتها ، وأن تقفوا على عظمة خالقها ، فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018