الخطبة : 0132 - العلم اليقين - من آيات الله الدالة على عظمته - البعوضة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0132 - العلم اليقين - من آيات الله الدالة على عظمته - البعوضة .


1986-06-13

الخطبة الأولى :
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر
 اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

العلم واليقين :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ سؤالٌ دقيق ؛ هل ينقلبُ العلم جهلاً ؟ وهل ينقلب اليقين شكًّا ؟ والعلم والجهل شيئَان متناقضان ، ومعنى متناقضين أنّ أحدهما ينقضُ وجود الآخر ، فهل يوصفُ إنسانٌ بأنّه عالمٌ وجاهلٌ في وقت واحد ؟ هل يوصفُ إنسانٌ بأنّه متيقِّنٌ وشاكّ في وقت واحد ؟ شيئان متناقضان ؛ وجود أحدهما ينقض وجود الآخر ، أو سؤال بصيغةٍ أخرى ؛ هل ينقلبُ العلم جهلاً ؟ هل ينقلب اليقين شكًّا ؟ شيءٌ يبعث على الحيرة ، يقول عليه الصلاة والسلام : لا تجعلوا علمكم جهلاً ، ولا تجعلوا يقينكم شكّا ، يا سبحان الله ، يا سيّدي يا رسول الله ، متى ينقلب العلم إلى شكّ ؟ متى ينقلب العلم جهلاً ؟ واليقين شكًّا ؟ النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي أجابنا ، قال : لا تجعلوا علمكم جهلاً ، ولا تجعلوا يقينكم شكّا ، فإذا علمتم فاعملوا ، وإذا تيقَّنتم فأقْدِموا ، إنَّكم إن لم تعملوا بما علمتم ، كنتم على علمكم جهلاء ، وإن لم تقدموا لما تيقَّنتم به كنتم على يقينكم في شكّ كبير .
 هذا الذي تعلَّم شيئًا عن مبدأ تحريك السيارة ، إذا ارتكَبَ مخالفةً كبيرة فأعطبَ محرّكها فهو بالتأكيد جاهلٌ ، أو أنّه في حكم الجاهل ، لا تجعلوا علمكم جهلاً ، ولا تجعلوا يقينكم شكّا ، فإذا علمتم فاعملوا ، وإذا تيقَّنتم فأقْدِموا ، فإن لم تعملوا فهذا أحد أنواع الجهل المركّب ، جهلٌ بني على علم ، علمٌ هو حجّة على صاحبه يوم القيامة ، علمٌ يعمّق ندمه يوم القيامة ، أنْدَمُ الناس يوم القيامة عالمٌ دخل الناس بعلمه الجنّة ، ودخل هو بعلمه النار ، كلّ الناس هلكى إلا العالمون ، والعالمون إلا العاملون ، والعاملون هلكى إلا المخلصون ، والمخلصون على خطرٍ عظيم !! لابدّ من أن تكون عالمًا لأنّ عصْر التقليد قد ولّى ، يوم كان الناس صلحاء ، ويوم كانت الفضيلة منتشرة ، ويوم كان الدِّين راسخًا في المجتمع يمكن أن تنْجُوَ مع التقليد ، ولكنّه في عصر الفِتَن ، وعصر الشبهات ، وعصر الدلالات ، وعصر الأباطيل ، لا ينفعُكَ إلا علمٌ يقيني ، في عصرٍ صار فيه الدِّين غريبًا ، في عصرٍ القابض على دينه كالقابض على الجمْر ، في مثل هذا العصر لن تستطيع أن تصمد أمام مغريات الدنيا ، وأمام فتنها ، وأمام ضلالاتها ، وأمام زيْغِهَا ، وأمام شهواتها ، وأمام زينتها ، وزخرفها ، وبهرجها ، إلا أن تكون عالمًا ، قال سيّدنا عليّ كرَّم الله وجهه : يا كُمَيل ، الناس ثلاث عالمٌ رباني ، ومتعلّم على سبيل نجاة ، وهمَجٌ رعاع أتباع كلّ ناعق ، لن يستضيئوا بِنُور العلم ، ولمْ يلجؤوا إلى ركنٍ وثيق فاحْذَر يا كُمَيل أن تكون منهم ، إنّ الله عالمٌ يحبّ كلَّ عالم ، لا تجعلوا علمكم جهلاً ، ولا تجعلوا يقينكم شكًّا ، إذا تعلَّمتم فاعملوا ، وإذا تيقَّنتم فأقدموا وإلا يكون العلم حسْرة عليكم يوم القيامة ، ومعلِّقًا لمشاعر النَّدَم يوم القيامة ، يقول أهل النار : يا فلان الفلاني ألسْتَ أنت فلانًا ؟ فيقول : نعم ، ألَم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ قالوا : فما لك معنا هنا ؟ قال : كنتُ آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه ، أيْ اتَّخَذْتُ المَشْيَخَة صنْعةً ، وحرفةً أكسبُ بها رزقي .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ كنْ واضحًا مع نفسك ، وأبْشَعُ صفةٍ في الإنسان ما الذي يُثير فينا التقزّز والاشمِئزاز ، والتقيُّؤ ، قد ترى جيفةً لا تستطيع أن تنظر إليها ، ولا تستطيع أن تشمّ ريحها ، كيف أنّ هذه الجيفة أبْشَع شيءٍ في الحياة ، كذلك إنّ أبْشَعَ شيءٍ في عالم العقل هو التناقض ، أن تعتقد شيئًا وتعملَ خلافه ، هذا الذي يتناقضُ مع نفسه ، في عالمه الداخليّ انهدام يختلّ توازنهُ الداخليّ .
 فيا أيها الإخوة المؤمنون ؛ مرَّةً ثالثة لا تجعلوا علمكم جهلاً ، ولا تجعلوا يقينكم شكًّا ، إذا تعلَّمتم فاعملوا ، وإذا تيقَّنتم فأقدموا .

المنافقين :

 والآن إلى آيةٍ في كتاب الله تعالى ، ربّنا سبحانه وتعالى يصف المنافقين ويقول :

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 13]

 وقْفَةٌ عند هذه الآية ، فقد يظنّ المنافق أنّه ذكيّ وعاقل ، وأنّ هذا المؤمن محدود في تفكيره ، مضيّعٌ وقته من مسجد إلى مسجد ، ومن مجلس علم إلى مجلس علم ، هذا عنده حرام ، وهذا عنده لا يجوز ، وهذا يغضبُ الله ولا يحضرُ سهراتٍ ممتعة ، ولا يصاحبُ أشخاصًا مهمِّين ، إنّه منْزَوٍ ، قد يظنّ المنافق أنّ هذا المؤمن سفيه ، أي محدود التفكير ، بشكلٍ أو بآخر أحْمَق ، لكنّ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 13]

 ساعةٌ خطيرة حينما يفاجأ الإنسان الذي يتوهّم أنّه ذكيّ أنّه في منتهى الغباء ، ومنتهى الحمق ، والسّفه ، أيُّ إنسانٍ يا إخوة الإيمان يعصي الله تعالى ، مدموغٌ بالغباء ، بنَصّ هذه الآية ، لأنّ دنياه العريضة سوف تنتهي بالموت ، وسيقْدِمُ على ربّ العالمين ، وسيُنبِّئُه بما قدَّم وأخّر ، وسيُحاسبهُ عن أعماله كلّها ؛ صغيرها وكبيرها ، وسيعلمون حينما يرَوْن العذاب أنّ القوّة لله جميعًا ، هؤلاء الذين يتوهَّمون أنّهم أذكياء حينما يعصون الله عز وجل ، ويكسبون مالاً حرامًا ، أو حينما يستعلون على خلق الله تعالى ، وأنّ هؤلاء المؤمنين سفهاء ضعفاء لا يملكون حولاً ، ولا طولاً ، هؤلاء سوف يتأكّدون في ساعةٍ ما أنّهم هم السّفهاء ولكن لا يعلمون .

 

الهدى :

 آيتان في كتاب الله سبحانه وتعالى :
 الآية الأولى :

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 38]

 والآية الثانية :

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه الآية : 123 ]

 كلامُ خالق الكون ، وكلام الله ربّ العالمين ، وكلام من بيَدِهِ حياتنا وموتنا ، وكلامُ من بيده رزقنا ، كلام من بيدِهِ صحّتنا ، كلّ علاقاتنا ، وكلّ أمرنا صغيره وكبيره ، إليه يرجع الأمر كلّه فاعْبُده وتوكَّل عليه ، هذا الخالق العظيم يقول لك :

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه الآية : 123 ]

 في زواجه ، وفي بيعه ، وشرائه ، ووظيفته ، وعلاقته مع نفسه ، ومع ربّه ، ومع جيرانه ، فمن تبِعَ هدايَ فلا يضلّ عقلهُ ، ولا تشْقى نفسهُ ، صحيح الرؤية سعيد النفس .
 والآية الأولى :

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 38]

 لا خوفٌ عليهم بالدنيا ، إنّ الله يدافع عن الذين آمنوا ، أن نجعل المتّقين كالفجار ، قال تعالى :

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية الآية : 21]

 فإذا جاء ملك الموت لا يحزنون على فراق الدّنيا ، لا يحزنُ على فراق بيته لأنّه سيقْدِمُ على جنّة عرضها السماوات والأرض ، لا يحزنُ على فراق زوجته ، لأنّ في الجنّة من الحور العين ما لو أطلَّتْ إحداها على الأرض لغلبَ نور وجهها ضوء الشمس والقمر ، ولا يحزنُ على فراق محلّه التجاري ودخْله الكبير لأنّ في الجنّة ما لا عينٌ رأَتْ ، ولا أُذنٌ سمِعَت ، ولا خطر على قلب بشر ، لا يحزنُ على فراق الدّنيا ، ولا يخاف وهو في الدّنيا ، ولا يضلّ ولا يشقى ، ما منكم لا يغريه هذا العرْض ؟ ومن منكم يُعْمِل فكْرهُ قليلاً ولا يغريه هذا العرض الثمين ؟ لا تضلّ ولا تشقى ، ولا تخاف ، ولا تحْزَن ، لا تخاف في الدنيا فالله تعالى معك ، وإذا كان الله معك فمَن عليك ، وإذا كان الله عليك فمن معك ، قال تعالى :

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

[ سورة طه الآيات : 45-43 ]

 قال تعالى :

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

[ سورة الشعراء الآيات : 61-62]

 قال تعالى :

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

[ سورة الأنبياء الآية : 69]

 يا رسول الله ؛ لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا ، قال : يا أبا بكر ، ما ظنُّك باثنَين الله ثالثهما ؟
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ عرْضٌ من الله ثمين ، ثمنهُ أن تتَّبِعَ الهدى ، إنْ اتَّبعْت الهدى لا ضلال في عقلك ، ولا شقاء في نفسك ، ولا خوف في دنياك ، ولا حزْن عند فراق دنياك ، المؤمن ينتقلُ عند الموت من ضيق الدّنيا إلى سعة الآخرة ، كما يخرجُ الجنين من ضيق الرّحم إلى سعة الدنيا تمامًا بِتَمام ، كيف أنّ الرحِم لا يزيدُ حجمهُ عن سبع مئة وخمسين سنتمتر مكعّب ، هو مكان الجنين ، يخرجُ إلى الدنيا ، يسكن في بيت مساحته أربع مئة متر ، ويركبُ سيارةً فينطلقُ بها إلى العمرة ؛ ألف كيلو متر ، يطيرُ في الجوّ إلى أمريكا ، يعود إلى اليابان ، وازِن بين حجم الرّحم ، وحجم الأرض ، وهؤلاء الذين صعدوا إلى القمر ، قطعوا مسافة ثلاث مئة ومستّون ألف كيلو متر ، وازِنْ بين حجم الأرض ، وحجم القمر ، والمسافة بينهما ، وبين سبع مئة وخمسين سنتمتر مكعّب ، المؤمن حينما ينتقل إلى الدار الآخرة ، ينتقلُ من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، كما ينتقل الجنين من ضيق الرّحم إلى سعة الدنيا .

 

أحاديث شريفة تبدأ بـ : إياكم ....

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ إلى بعض الأحاديث الشريفة ، في بعض الأحاديث يبدؤها جميعًا بـ إيَّاكم.
 قال عليه الصلاة والسلام :

(( إياكم والحسد ، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ))

[ رواه أبو داود ]

 عن عبد اللّه بن عمرو قال : خطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال :

(( إياكم والشُّحَّ ؛ فإِنما هلك من كان قبلكم بالشُّحِّ : أمرهم بالبخل فبخلوا ، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ، وأمرهم بالفجور ففجروا ))

[ رواه أبو داود ]

 وإيّاكم وكثرة الحلف بالبيع ، لا تقل : في ديني ، وفي ذمّتي ، وفي أمانتي ، لا تقلْ هذا ، اليمين الفاجرة ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( اليمين الكاذبة منفقة للسلع ممحقة للبركة ))

[ متفق عليه ]

 إيّاكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث ، ولا تجسّسوا ، ولا تحسّسوا ، فالتجسّس تتبُّع الأخبار السيّئة ، والتحسّس تتبّع الأخبار الطيّبة ، طوبى لمن شغلهُ عيبُه عن عيوب الناس ، من حُسْن إسلام المرء ترْكُهُ ما لا يعنيه .
 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا ))

[ متفق عليه ]

 إيّاكم والجلوس على الطرقات ، فإنْ أبيْتُم فأعطوا الطريق حقّها ؛ غضّ البصر ، وكفّ الأذى ، وردّ السّلام .
 إيّاكم وأبواب السلطان .
 إيّاكم والطعام الحار فإنّه يذهب بالبركة .
 إيّاك عبد الله والتنعّم ، فإنّ عباد الله ليْسُوا بالمتنعّمين .
 إيّاك وقرين السّوء ، فإنّك به تُعْرف .
 إيّاك وما يسوء الأُذن ، أي أيّة كلمةٍ تسوء الأذن إيّاك أن تنطق بها .
 إيّاك ومحادثة النّساء إيّاك وما يُعتذر منه .
 إيّاك والكبْر ، فإنّ الكبْر يكون في الرّجل ، وليس عليه إلا عباءة .
 إيّاك والطّمع فإنّه الفقر الحاضر .
 إيّاك والدَّيْن فإنّه همّ بالليل وذلّ بالنهار .
 قال عليه الصلاة والسلام : لا أشتري شيئًا لا أملكُ ثمنه ، إيّاكم والدَّيْن فإنّه همّ بالليل وذلّ بالنهار .
 إيّاكم والتمادح فإنّه الذّبْح كثرة المديح ، والمجاملات ، توقِعُ في حرجٍ شديد .
 إيّاكم ومحقّرات الذنوب هذه مصافحة ؛ ذنبٌ صغير ، تراها صغيرًا ، إطلاق البصر ، تقول هذه لمم ، إيّاكم ومحقّرات الذنوب فإنّهم يجتمعن على الرّجل حتى يهلكْنهُ .
 إيّاكم ودعوَة المظلوم وإن كانت من كافر .
 وإيّاكم والهوى فإنّ الهوى يصِمّ ويُعمي .
 إيّاكم وسوء ذات البين ؛ وهي العلاقة السيّئة بين الأقارب ، وبين الزوجين ، وبين الأخوين ، وبين الأب وأولاده ، وبين الأولاد وإخوتهم إيّاكم وسوء ذات البين فإنّها الحالقة .
 سيّدنا سعْد قال : ثلاثةٌ أنا فيهنّ رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس ؛ ما سمعْتُ حديثًا من رسول الله إلا علمتُ أنّه حقّ من الله تعالى ، هذه منهِيّاتٌ نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام ، وحذّر منها ، وأغرانا بالبُعد عنها ، حذّرنا من مغبّة الوقوع فيها.

 

جعفر بن أبي طالب .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ إلى قصّة صغيرة من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، سيّدنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أخٌ لسيّدنا عليّ كرَّم الله وجهه ، وكان أشبه أصحاب النبي برسول الله صلى الله عليه وسلّم .
 أخرج الحاكم في الفضائل عن الأجلح عن الشعبي عن جابر ، قال : لما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من خيبر قدم جعفر من الحبشة ، فتلقاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقبّل جبهته ، وقال :

(( واللّه ما أدري بأيهما أفرح ، بفتح خيبر ، أم بقدوم جعفر ؟ ))

 كان يحبّه حبًّا جمًّا ، وفي مؤتة عيَّنه النبي صلى الله عليه وسلّم القائد الثاني بعد سيّدنا زيد في معركة مؤتة ، فلمّا أخذ الراية زيد رضي الله عنه وكان حبّ رسول الله ، وقاتلَ بها حتى قتل أخذ الراية سيّدنا جعفر ، أمْسكها بيمِينه ، فجاءتْ ضربةٌ قطعَتْ يمينه ، فأمسكها بشِماله ، فقُطِعَتْ شماله ، أمسكها بِعَضُدَيه فجاءتْهُ ضربةٌ قاضيَة ، ومات شهيدًا ، أخذ الراية أخوكم جعفر فقاتلَ بها حتى قتِل ، وإنّي لأرى مقامه في الجنّة ، موطن الثّقل في القصّة أنّه حينما عاد الجيشُ من مؤتة ، ومعه هذه الأخبار الحزينة ؛ موتُ زيدٍ واستشهاده ، واستشهاد جعفر وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم ، زوجة سيّدنا جعفر اسمها أسماء بنت عُمَير ، حينما علمَت بِعَوْدَة الجيش إلى المدينة ، كانت تسْتعِدّ لاستقبال زوجها ، فيروي التاريخ ، أنّها عجَنَتْ عجينها ، وغسَّلَتْ أولادها ، ودهنتْهم بالطّيب ، وألْبسَتْهُم ، وهي بانتظار زوجها ، فلّما علِمَ النبي صلى الله عليه وسلّم بِنَبأ استشهاده ، ماذا فعل ؟ أيتْرُكها وحدها تتلقّى النبأ ؟ فقد لا تحتمل ، أيبْعَثُ لها بإنسانٍ يبلّغها النبأ ؟ ما كان منه صلى الله عليه وسلّم ، وهو الرحيم الشّفوق ، والحكيم ، إلا أن ذهبَ إليها بِنَفسه ، فحينما رأتْهُ قالَتْ : رأيتُ غلالة من الحُزْن تغشّي وجهه الكريم ، فصارتْ المخاوِفُ في نفسي ، غير أنِّي لمْ أشأْ أن أسألهُ عن جعفر مخافة أن أسمَعَ ما أكرهُ عنه ، فلمّا دنا منها النبي صلى الله عليه وسلّم ، قال : أين أولاد جعفر ؟ فدَعَتْهم إليه ، فهبّوا نحوه فرحِين مسرورين مزغردين ، وأخذوا يتزاحمون عليه ، كلٌّ يريد أن يستأثر به ، فأكبّ عليهم ، وجعل يتشمَّمهم ، وعيناه تذرفان بالدّموع ، فقالت أسماء : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمِّي ، أبلَغَكَ عن جعفر وصاحباهُ شيء ؟ فقال : نعم ، لقد استشهدوا جميعًا هذا اليوم ، ودعا لهم وقال : اللهمّ اخْلُف جعفرًا في ولده ، اللهمّ اخْلُف جعفرًا في أهله ، وقال لها : رأيتُ جعفرًا في الجنّة ، وله جناحان مدرّجان بالدّماء ، وهو مصبوغ القوادم ، حكمةٌ بالغة ، جاء النبي عليه الصلاة والسلام بنفسه ، وأبلغها النبأ ليكون وقْعُ هذا النبأ عليها هيِّنًا .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ قال تعالى :

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 128 ]

 أرحَمُ الخلق بالخلق النبي عليه الصلاة والسلام فإذا أمركم فاستَمِعوا ، وإذا نهاكم فانتهوا ، وإذا حرّضكم على شيءٍ فأقبلوا ، وإذا دعاكم إلى رحمة الله تعالى فاسْتجيبوا ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 38 ]

 قال تعالى :

﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 39 ]

 قال عليه الصلاة والسلام :

(( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى ))

[ رواه الترمذي ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

البعوضة :

 أيها الإخوة الأكارم ، من آيات الله الدالة على عظمته قوله تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 26]

 بعوضة إذا وقفَتْ على يدك تقتلها ولا تشعر بشيءٍ ، وكأنّ شيئًا لمْ يحدُث لهوانها عليه ، لا شأن لها ، حتى أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ))

[ رواه الترمذي ]

 بعوضة إذا وقفَتْ على يدك تقتلها ولا تشعر بشيءٍ .
 هل تصدّق أنّ في هذه البعوضة جهاز رادار ، وهي في ظلمة الليل ، تتّجه إلى الإنسان النائم على فراشه ، من دون أن تخطئ الهدف .
 وهل تصدّق أنّ في هذه البعوضة جهازًا لتحليل الدمّ ، قد يُعجبها دم هذا النائم ، ولا يعجبها دم أخيه ، فتعْكف على الأوّل ، وتتْرك الثاني .
 وهل تصدّق أنّ في البعوضة جهاز لِتَمييع الدمّ لأنّ لزوجة الدمّ لا تعينها على امتصاصه ، في المنطقة التي تلدغ بها تفرز مادَّةً تميّع بها الدمّ .
 وهل تصدّق أنّ هذه البعوضة تملكُ جهازًا للتخدير لأنها إن وقفَتْ على جلدك ، وغمسَت خرطومها في جلدك ، وشعرْتَ بها ، لقتلتها قبل أن تأخذ من دمك شيئًا ، ولكنّها تخدر .
 فيها جهاز رادار ، وفيها جهاز تحليل دم ، وجهاز تخذير ، وجهاز تمْييع .
 وأنّ البعوضة إذا طارتْ سُمِع لها طنين ، ومعنى الطنين أنّ عدد خفقان أجنحتها أربعة آلاف خفقةٍ في الثانية الواحدة .
 وأنّ لها ثلاثة قلوب ؛ قلبٌ مركزي ، وقلبٌ لكلّ جناح .
 وأنّ في أرجلها محاجن ، ومخالِب ، فإذا وقفَتْ على سطحٍ خشن تستعملُ المخالب ، وإذا وقفَتْ على سطحٍ أملس تستخدمُ المحاجن ، وإنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 26]

الدعاء :

 اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى إنَّه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018