الخطبة : 0441 - الدروس والعبر المستفادة من الهجرة - الطفل المضطهد. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0441 - الدروس والعبر المستفادة من الهجرة - الطفل المضطهد.


1993-06-18

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر. وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم، رسول الله سيِّد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر. اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

إثبات الهجرة النبوية أن حجم الإنسان بحجم عمله :

 أيها الأخوة المؤمنون... بعد أيامٍ قليلة تُطِلُّ علينا ذكرى هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، وكُلُّكُم يعلَم وقائع الهجرة، فما من مناسبةٍ دينيةٍ تُلْقى فيها كلماتٌ في موضوع الهجرة إلا وفيها وقائع الهجرة تأتي تِباعاً وبتفصيلاتٍ شديدة. ولكن أردت أن تكون هذه الخطبة عن الدروس والعِبَر، وعن الاستنباطات التي يمكن أن نستفيد منها من حدث الهجرة، الذي يأتي في الأهمية بعد حدث بِعثة النبي عليه الصلاة والسلام.
 أيها الأخوة الأكارم... لقد كانت الهجرة بداية التاريخ، ولم يكن ميلاد النبي عليه الصلاة والسلام بداية التاريخ، وفي هذا معنىً دقيق وهو أن حجم الإنسان بحجمِ عمله..

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[ سورة الأنفال: 72]

 الله سبحانه وتعالى لا يقرِّب العبد، ولا يسمو به إلا إذا جاء عمله مصداقاً لقوله، فالذي يؤمن بالله عزَّ وجل من دون أن يلتزم بأمرٍ، أو ينتهي عن نهيٍ، هذا ماذا فعل ؟ الجواب ما فعل شيئاً، لأنه آمن بالله عزَّ وجل؛ والله موجودٌ، وواحدٌ، وكاملٌ، آمنت أم لم تؤمن، أقررت أم لم تُقر، ولكنَّ الإيمان أيها الأخوة ليس هدفاً بذاته إنه وسيلة، إنه وسيلةٌ للعمل الصالح، والعمل الصالح سببٌ لدخول الجنة، وليس ثمناً للجنة، إذاً كان التاريخ الهِجْري مبنياً على هجرة النبي عليه الصلاة والسلام لنستنبط من ذلك أن الإنسان ما لم يكن له موقفٌ، التزامٌ، ائتمارٌ، انتهاءٌ، بذلٌ، عطاءٌ فلن يرقى في سلَّم الإيمان.
 أيها الأخوة الأكارم... ليس الإسلام قناعةً وقَبولاً، إنه قيامٌ والتزام، ليس الإسلام ثقافةً واطلاعاً، إنه إذعانٌ واستسلام، فالهجرة التي هاجرها النبي عليه الصلاة والسلام عبَّرت عن موقفٍ، عبَّرت عن إيثاره للحق.

 

الحديث عن الهجرة شيء والهجرة شيءٌ آخر :

 أيها الأخوة الكرام... الحديث عن الهجرة شيء والهجرة شيءٌ آخر. الحديث عن الهجرة ربما كان مُمْتعاً، ولكن أن تُقْتَلَع من جذورك، وأن تذهب إلى بلدٍ بعيد ليس فيه لك أرض، وليس فيه لك منزل، وليس فيه لك انصار، إن ممارسة الهجرة شيءٌ آخر غير الحديث عن الهجرة وعن وقائعها. سيدنا إبراهيم على سبيل المثال حينما أُمِرَ أن يذبح ابنه، أن تقرأ أنت الآيات، وأن تترنَّم بها، وأن تُشيد بهذا النبي الكريم، وهذه التضحية الكبيرة هذا شيء، وأن تعاني أمراً إلهياً ينصبُّ على ذبح ابنك شيءٌ آخر.
 والهجرة كذلك، أن تتحدث عن الهجرة، وعن فضل النبي عليه الصلاة والسلام، وعن إيثاره، وعن جهاده، وعن تحمُّله هذا شيء، ولكن معاناة الهجرة شيءٌ آخر، لقول الله عزَّ وجل:

﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾

[ سورة النساء: 66 ]

 والشيء الذي يؤكِّد ذلك أنَّ الذين يضطّرون أن يغادروا بلادهم، وأن يهيموا على وجوهِهِم في العراء، في أيام البَرد الشديد، أو في أيام الحَرّ الشديد، إن هؤلاء يعانون ما يعانون، وليس سماع أخبارهم كمعاناتهم، شيءٌ كبير! فلذلك الصحابة رضوان الله عليهم، كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( لو أنفق أحدكم مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه ))

[ السنة لابن أبي العاصم عنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

معركة الحق مع الباطل معركة أزلية أبدية :

 شيءٌ آخر في الهجرة هو أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما بعثه الله للعرب، وللناس جميعاً؛ بشيراً ونذيراً ماذا فعل ؟ كل قومه يعلمون أمانته، ويعلمون صِدقه، ويعلمون عفافه، ويعلمون استقامته، ويعلمون أصله، إلى ماذا دعاهم ؟ دعاهم إلى عبادة الله عزَّ وجل، ماذا فعل حتى يأتمروا على قتله ؟ حتى يخرجوه من دياره ؟ حتى ينكِّلوا بأصحابه ؟ ما الذي فعله ؟ ألم يقل سيدنا جعفر رضي الله عنه للنجاشي حينما سأله عن النبي صلى الله عليه وسلَّم، قال:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ))

[الإمام أحمد في مسنده عن أم سلمة أم المؤمنين ]

 هذا السؤال الكبير: لماذا العِداء ؟ لماذا هَبَّ زعماء قريش يحاربون النبي عليه الصلاة والسلام ؟ لماذا ائتمروا على قتله ؟ لماذا كادوا له ؟ لماذا أخرجوه ؟ لماذا نَكَّلوا بأصحابه؟
 الجواب أيها الأخوة إنها معركةٌ أزليةٌ أبدية، إنها معركة الحق مع الباطل، هكذا الحق، وهكذا الباطل، دائماً الباطل يريد أن يطفئ الحَق، الباطل يريد أن يقهر الحق، إنها معركةٌ أزليةٌ أبدية معركة الحق بالباطل.

 

الابتلاء سرّ وجود الإنسان على هذه الأرض :

 هناك سؤالٌ آخر: لماذا لم يخلق الله النبي وأصحابه في أرضٍ ليس فيها كفارٌ إطلاقاً، فاستراحوا من المعارضة، والكَيد، والتنكيل، والإخراج وما إلى ذلك ؟
 الجواب عن هذا السؤال: إنه الابتلاء، إن سرَّ وجودك في هذه الأرض أنك مُبْتَلى..

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 30 ]

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

[ سورة الملك: 2 ]

 إنك آمنت بالله، كيف ترقى إلى الله ؟ لا ترقى إلى الله إلا بالصَبر، إلا بالمجاهدة، إلا بتحمُّل الأذى، إلا ببذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، إن هذه الصعوبات التي تنشأ من احتكاك الكُفار مع المؤمنين، ومن تآمر الكفار على المؤمنين، ومن التضييق عليهم، ومن التنكيل بهم، ومن إخراجهم من بلادهم، إن هذا كلَّه هو ثمن الجنة الأبديَّة، هو ثمن العطاء، هو ثمن القُرب من الله عزَّ وجل.
 يا أيها الأخوة الأكارم... حينما حاصر كُفار قريش ومعهم الأحزاب جميعاً المدينة المنورة، وأرادوا أن يستأصلوا المسلمين، ليست معركة تنتهي بنصرٍ وهزيمة، إنها معركة استئصال، معركة إبادة، أراد الأحزاب، وأرادت قُريش، وأراد اليهود الذين جاوروا النبي عليه الصلاة والسلام أن يستأصلوا شأفة هذا الدين عن آخره..

﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾

[ سورة الأحزاب : 10-11]

 إنه الابتلاء، إذاً أيَّة متاعب تُعانيها من أهل الكفر والإعراض ومن أهل الدنيا؟ إنها متاعب تـرقى بك إلى الله، وتؤكِّد صِدْقَكَ، فرجلٌ يقول:

﴿ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

[ سورة الأحزاب: 12]

 ورجلٌ يقول: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟!

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

[ سورة الأحزاب: 23 ]

 إنه الابتلاء، شتَّان بين الموقفين، موقف التخاذُل، موقف الضَعف، موقف الشَك، موقف الارتياب، وبين موقف النصر والتأييد واليقين..

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

[ سورة الأحزاب: 23 ]

موقفان متناقضان هما بيانٌ موضِّحٌ لحقيقة الابتلاء :

 نُعَيْم بن مسعود رضي الله عنه، كان قد أتى مع الأحزاب ليقاتل النبي عليه الصلاة والسلام، وقد أوتي هذا الصحابيُّ عقلاً راجحاً، ففي ذات ليلةٍ من ليالي الحصار - حصار الكفار للمسلمين - الذي دام قريباً من عشرين يوماً، لجأ النبي عليه الصلاة والسلام إلى الله جلَّ جلاله، وجعل يدعوه دعاءَ المُضَّطر ويكرِّر في دعائه:

(( اللهمَّ إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهمَّ إني أنشدك عهدك ووعدك ))

[مختصر تفسير ابن كثير عن ابن عباس]

 ونُعَيْم بن مسعود في تلك الليلة كان يتقلَّب على مهاده أرقاً، كأنما سمّر جفناه، فما ينطبقان لنوم، فجعل يسرَح ببصره وراء النجوم السابحة على صفحة السماء الصافية، ويخاطب نفسه ويقول: " ويحك يا نعيم.. ما الذي جاء بك من تلك الأماكن البعيدة في نجدٍ لحرب هذا الرجل ومن معه ؟ إنك يا نُعَيم لا تحاربه انتصاراً لحقٍ مسلوب، أو حَمِيَّةً لعِرْضٍ مَغْصوب، وإنما جئت تحاربه لغير سببٍ معروف ؟ ".
 لحظة تفكيرٍ واحدة، إعمال العقل مرةً واحدة، التأمُّل. أكثر الناس أيها الأخوة يتحرَّكون بلا سببٍ واضح، وبلا هدفٍ واضح، مع الأكثرية ولو كانوا على باطل، وضدَّ أهل الحق ولو كانوا على الحق، لماذا تُعادي ؟ لا يعرف، لماذا تقف مع هؤلاء ؟ لا يعرف، لماذا تقف هذا الموقف ؟ لا يعرف، أين عقلُك ؟ أين عقل الإنسان ؟ أين تفكيره ؟
 هذا الصحابي الجليل كان مُشْركاً، وقد جاء مع قومه ليحارب النبي، وفي لحظةٍ من لحظات الصفاء أعمل عقله، وأجرى هذه المحاكمة المنطقيَّة، " ويحك يا نعيم إنك لا تحاربه انتصاراً لحقٍ مسلوب، أو حميةً لعرضٍ مغصوب، إنما جئت تحاربه لغير سببٍ معروف ، أيليق برجلٍ له عقلٌ مثل عقلك أن يقاتل فيقتل أو يقتل لغير سبب ؟ ويحك يا نعيم ! ما الذي يجعلك تُشهر سيفك في وجه هذا الرجل الصالح الذي يأمر أتباعه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القُربى؟".
 صلاحه ظاهر، دعوته إلى الخير، دعوته توافق العقل، توافق المَنطق، توافق الفطرة، توافق الواقع:" ويحك يا نعيم ما الذي يجعلك تشهر سيفك في وجه هذا الرجل الصالح الذي يأمر أتباعه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القُربى ؟ ما الذي يحملك يا نعيم على أن تغمس روحك في دماء أصحابه الذين اتبعوا ما جاءهم به من الهدى والحق ؟ ". ولم يحسم هذا الحوار العنيف بين نُعَيم وبين نفسه إلا قراره الحازم، الذي نهض من توِّه لتنفيذه، تسلَّل نعيم بن مسعود مِن معسكر قومه، تحت جُنح الظلام، ومضى يحث الخُطا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رآه النبي ماثلاً بين يديه قال: " نعيم بن مسعود ؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: ما الذي جاء بك في هذه الساعة ؟ قال: جئت لأشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبد الله ورسوله، وأن ما جئت به حق".
 والقصَّة لها تتمةٌ طويلة، وقد أجرى الله النصر في هذه المعركة المصيرية على يَدِ هذا الصحابيّ الجليل، بحكمته، وحِنْكَتِهِ، ودهائه، وكيف أنه وظَّف عقله في خدمة المُسلمين.
 ألا نحتاج اليوم أيها الأخوة إلى ساعة صفاء ؟ إلى لحظة تأمُّل ؟ إلى إعمال عقل ؟ لِمَ لا أُشَمِّرَ وأسعى إلى الله عزَّ وجل ؟ لِمَ لا أصطلح مع الله ؟ لِمَ لا أتوب من كل الذنوب ؟ لِمَ لا أُصلح بيتي ؟ لمَ لا أضبط بيتي الذي هو بإمرتي ؟ لا يُكَلَّف المسلم أن يمنع قِوى الشَر أن تمتنع عن إيذاء المسلمين، هذا ليس في قدرته، ولكنك مكلفٌ أن تجعل من بيتك إسلامياً، ومن عملك إسلامياً، إذا فعلت ذلك فقد أدَّيت ما عليك، وحقَّقت رسالة الله في هذه الأسرة الصغيرة، وفي هذا العمل الصغير.
 أيها الأخوة الأكارم... معركة الحق بالباطل معركةٌ أبديَّة، ماذا كان بعد هذا الابتلاء ؟ هذه المعركة بين الحق والباطل إنما هي ابتلاءٌ من الله عزَّ وجل، هؤلاء الذين عارضوا النبي، هؤلاء الذين كادوا له، هؤلاء الذين ائتمروا على قتله، هؤلاء الذين أخرجوه ، أين هم ؟ ناداهم النبي عليه الصلاة والسلام بأسمائهم واحداً واحداً، قال:

(( يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً؟ لقد كذَّبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، قالوا: يا رسول الله هل يسمعون ما تقول ؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم اليوم لا يجيبون))

[ مجمع الزوائد عن ابن مسعود ]

 أما هؤلاء الذين نصروا النبي، وقفوا معه، جاهدوا معه، بذلوا الغالي والرخيص، بذلوا النَفْس والنَفيس، أعملوا عقولهم، استجابوا لنداء فطرتهم، وضعوا كل إمكاناتهم في خدمة الحق، فماذا كانت النتيجة؟ قال الله عزَّ وجل مشيراً إلى فَضْلِهِم، وإلى إخلاصِهم، وإلى مكانتهم:

﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾

[ سورة الحشر: 9 ]

 من أروع المواقف التي وقفها الأنصار مع النبي عليه الصلاة والسلام موقف سيِّدنا سعد بن معاذ، سيد الأنصار، حينما سأله النبي عليه الصلاة والسلام عَشِيَّة معركة بدر، أراد استماع رأيه، أراد أن يرى موقفه وموقف الأنصار، فقال: " يا رسول الله لقد آمنا بك وصدَّقناك، وشهدنا أنَّ ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فامضِ يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضَّته لخضناه معك ما تخلَّف منا رجلٌ واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنَّا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عِند اللقاء، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعادِ من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت من أموالنا كان أحب إلينا مما تركت، فلعلَّ الله يُريك منَّا ما تقرُّ به عينك " هذان الموقفان المتناقضان إنما هما بيانٌ موضِّحٌ لحقيقة الابتلاء، نحن مبتَلَوْن فإما أن نقف مع الحق فنسعد إلى أبد الآبدين، وإما أن نضعف، وأن ندعم الباطل، فنهلك في الدنيا ونشقى في الآخرة.

 

الاقتداء بالنبي في الأخذ بالأسباب و التوكل على الله :

 أيها الأخوة الأكارم... شيءٌ آخر: ماذا تعلِّمنا الهجرة ؟ تعلمنا الهجرة أن النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيِّد الخلق وحبيب الحق، هو الذي وعده الله بالنصر، ما من رجلٍ على وجه الأرض أجْدَرُ بالنصر من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ومع كل ذلك؛ مع أنه نبي، ومع أنه موعودٌ بالنصر، ومع أن الله معه، ومع كل ذلك أخذ بكل الأسباب، وما توكَّل على الله إلا بعد أن أخذ بالأسباب.
 وهذا درسٌ بليغ ينبغي أن يضعه المسلمون نُصْبَ أعينهم، فإذا تركوا الأسباب فقد عصوا، كيف عصوا ؟ لأنهم ما عبئوا بهذا النظام الدقيق الذي وضعه الله للناس كافَّة، إن لم تأخذ بالأسباب وبالمسَببات، إن لم تأخذ بهذه القوانين، إن لم تحترم هذه النُظُم، إن لم ترعَ هذه السُنَن، فأنت لا تملك الإيمان الكامل. من ترك الأخذ بالأسباب فقد عصى.
 وأما المُنْزَلَقُ الآخر الذي يقع به أهل الدنيا اليوم فهو أنهم يأخذون بالأسباب بشكلٍ جيِّد، ولكنهم يؤلِّهونها ويعتمدون عليها، فالمؤمن بين أن يدعَ الأسباب فيعصي ربه، وبين أن يأخذها ويعتمد عليها فيشرك بربه. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بكل الأسباب، اختار الطريق المُناسب، واختار خبير الطريق المُناسب، واختار رجلاً لمحو الآثار، واختار آخر لتقصِّي الأخبار، واختار ثالثاً لتتبُّع حركات العدو، وما ترك ثُغْرَةً إلا وسَدَّها، ولا شيئاً إلا وأغلقه، وبعد ذلك توكَّل على الله. فلما وصل الكفار إلى غار ثور كان النبي عليه الصلاة والسلام كالطود الشامخ.. قال: " يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا، قال: " يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما ؟ قال: يا رسول الله لقد رأونا ، قال: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾

[الجامع لأحكام القرآن ]

 إذاً عليك أن تقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأن تأخذ بالأسباب، وأن تتوكل على الله، وأيُّ شيءٍ يأتيك بعد ذلك فهو قضاءٌ وقدر، أنت مستسلمٌ له، لكنَّ الذي تأتيه الشدائد لأنه ترك الأخذ بالأسباب، ينبغي أن يُسَمِّي هذه الشدائد " جزاء التقصير ". أما ما يقوله بعض أخوتنا الكرام من أن سيدنا عمر رضي الله عنه حينما هاجر هاجر علانيةً، وتحدَّى كفار قريش، ولم يعبأ بهم، ولم يفعل كما فعل النبي !! فالجواب واضحٌ وضوح الشمس: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليس مُشَرِّعاً، إنه يمثِّل نفسه فقط، فإن أصاب أصاب، وإن أخطأ أخطأ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان مُشَرِّعاً، فلو أنه اقتحم الأخطار، ولم يأخذْ بالأسباب لعُدَّ اقتحام الأخطار سنةً، ولعدَّ الأخذ بالأسباب معصيةً، إذاً لهلكت أمته من بعده.

 

الهجرة موقف نفسي :

 أيها الأخوة الكرام... الهجرة موقفٌ نفسيّ، ربما كان الإنسان في بلاد المسلمين، لكنه يهوى بلاد الكفر، ويتمنى أن يعيش معهم، وتذوب نفسه حَسَرَاتٍ لأنه لم يتمكَّن من أن يسافر إلى بلادهم، هذا كأنه ترك بلاده إلى بلاد الكفر، من غاب عن معصيةٍ فرضيها كان كمن شهدها، ومن شهد معصيةً فأنكرها كان كمن غاب عنها. فلذلك الهجرة في أصلها موقفٌ نفسي، فمن أراد بالهجرة الله ورسوله، كان مُخْلِصَاً، ومن أراد دنيا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.

 

حقيقة الهجرة :

 والحقيقة الثانية يا أيها الأخوة أن باب الهجرة الذي كان مفتوحاً في عهد النبي بين مكة والمدينة، أُغلِقَ بعد الفَتْح، فقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا هجرة بعد الفتح ))

[ متفق عليه عن ابن عباس]

 ولكن باب الهجرة مفتوح بين كل مدينتين يشبهان مكة والمدينة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. والمعنى الأَعَمّ والأشمل للهجرة أن حقيقة الهجرة هي هجرة المعصية إلى الطاعة. لذلك قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسي:

(( العبادةٌ في الهرج - أي في زمن الهجرة - كهجرةٍ إليّ ))

[الجامع الصغير عن معقل بن يسار ]

 أيْ إذا رأيت النساء في الطريق كاسياتٍ عاريات، مائلاتٍ مُميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت، فالعنوهنَّ لأنهن ملعونات، إذا رأيت الطُرُقات وقد اشتعلت فيها الفِتَن، فعبادة الله في هذا الزمان كهجرةٍ إلى الله عزَّ وجل.
 أيها الأخوة الكرام... هناك من يسلُك سلوكاً آخر، من يهاجر هجرةً عكسيةً، حينما تكون الهجرة أيها الأخوة ابتغاء دنيا يصيبها الرجل، أو ابتغاء مالٍ وفيرٍ يُحَصِّلُهُ، وحينما تكون الهجرة بذلاً للخيرات، بذلاً للطاقات فهي هجرة في سبيل الله. أما حينما تكون الهجرة هروباً من تحمل المسؤولية، وفراراً من البذل والتضحية، وحينما تكون الهجرة إضعافاً للمسلمين وتقويةً لأعدائهم، حينما تكون الهجرة تمكيناً للعدو من احتلال الأرض واستثمار خيراتها، حينما تكون الهجرة من بلدٍ تُقام فيه شعائر الدين إلى بلدٍ آخر فُرِّغَت منه كل القيَم، حينما تكون الهجرة كذلك فهي هجرةٌ في سبيل الشيطان. يذهب إلى بلاد الغرب فيتحدث حديثاً شجياً عن المباني، وعن الحدائق، وعن وسائل المواصلات، وعن وسائل التسلية، وعن البلاد الخضراء، وعما فيها من مُتَعٍ ومباهج، فيقيم هناك، ثم يكتشف أن ابنته لها صاحب، وأن هذا الصاحب بَلَغَ منها كل شيء، وأن ابنه اعتنق فكرة إلحاديَّة بتأثير البيئة، حينما يكتشف بعد فوات الأوان أنه ضيَّع أولاده، عندئذٍ يدفع ثمن هذه الهجرة التي كانت في سبيل الشيطان باهظاً.
 يا أيها الأخوة الكرام... أخوةٌ كثيرون عادوا إلى بلدهم في الوقت المُناسب، وأولادهم صِغار، حفظوا أولادهم، حفظوا بناتهم، حفظوا أهلهم، ما من شيءٍ يُسْعِد الأب كأن يرى ابنه صالحاً، وابنته مؤمنةً، وصهرَه مؤمناً، هذا شيءٌ لا يعرفه إلا من فقده. فلذلك إذا أغرى المال بعضُ الرجال فلا ينبغي للمؤمن أن يدعَ بلاداً تُقام فيها شعائر الله، يستمع فيها إلى مجالس العِلم، يرى حوله أخوةً كراماً مؤمنين صادقين، يدع كل هذه النِعَم من أجل بعض مغريات المادَّة، هذه هجرةٌ في سبيل الشيطان.
 أيها الأخوة الكرام... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجزُ من أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني.
والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الطّفل المضطهد :

 أيها الأخوة الكرام... وقع تحت يدِي كتابٌ في الأسبوع الماضي، كتابٌ مقرر لطُلاَّب كلية الطب، وقد طبعته جامعة دمشق، هذا الكتاب حول أمراض الأطفال، وقد ألَّفته نُخْبةٌ من أطبَّاء الأطفال في هذا البلد الطيِّب، ولكنَّ الشيء الذي كِدت لا أصدقه أن في صفحاته الأخيرة تحت عنوان " ظاهرة الطفل المضطهد " أيْ أنَّ من جملة أمراض الأطفال حالة صعبة جداً اسمها الطفل المضطهد، يقول مؤلِّفو الكتاب: يكثر وجود هذه الظاهرة في الدول المتطوّرة والمتقدِّمة، وبخاصةٍ في الولايات المُتحدة الأمريكية، حيث يوجد العديد من الحالات سنوياً لأطفالٍ يعانون من الإهمال الشديد، أو يتعرَّضون لشتَّى أنواع التَعذيب- أنا أقرأ لكم النصَّ الحَرْفِي - ومن حُسن الحظ أن هذه الظاهرة نادرةٌ جداً في بلادنا، وتكادُ تكون معدومة، وهذا ناتجٌ عن ترابط الأسرة وتماسكها.
 بفعل الدين طبعاً، بفعل الإيمان، الإيمان من ثماره تماسك الأسرة، وترابط الأسرة، والأسرة السَعيدة، وهذا التماسُك ينفي وجود هذه الظاهرة.
 فما هذه الظاهرة ؟ يقول مؤلِّفو الكتاب: يعاني الطفل عادةً من إصاباتٍ مختلفة كالحرق- من قِبَلِ والديه - والكسور، وخاصةً في العظام الطويلة، والرضوض بالجِلد، وضربٍ بالسياط، وخلعٍ للأظافر، ونزعٍ للشعر من فروة الرأس، وخرق طبلة الأذن، وكسر عِظام الأنف، والضرب على العَين، ويترافق هذا كله بنزفٍ خارجي أو داخلي، مِمَن ؟ من الأم والأب.
 طفلٌ صغير لا يتجاوز عمره السَنَتَيْن يتلقَّى هذا التعذيب من والديه، ويتعرَّض بعض الأطفال إلى إهمالٍ متعمَّد ؛ فيحرم من الغذاء، والشراب، واللباس، ويُمنع من اللعب، ويُحبَس طوال اليوم، وأحياناً لعدَّة أيام، ويحرَق بأعقاب السجائر والماء المَغلي، ويُعتدى عليه جنسياً من قِبَل أهله المصابون بالشذوذ. ثم يتابع مؤلِّف الكتاب التشخيص الذي يؤكد وجود هذه الظاهرة الخطيرة، ظاهرة الطفل المهمل.
 قلت: سبحان الله ! كم نحن بخير، كم أسرنا بخير، كم العطف الذي في قلوب الآباء عندنا، كم العطف الذي في قلوب الأمهات عندنا، ما أروع عظمة هذا الدين العظيم الذي من ثِماره هذه الأُسَر المُتماسكة، هذه الأسر المترابطة، ورد في بعض الأحاديث:

(( كل نفس تحشر على هواها فمن هوي الكفرة فهو مع الكفرة، ولا ينفعه عمله شيئاً))

[ كنز العمال عن جابر ]

 ورد في بعض الأحاديث في الجامع الصغير:

(( من أقام مع المشركين فقد برئت منه ذمة الله ))

[ابن المنذر عن جرير بن عبد الله البجلي]

 وعلاقة هذه القصَّة بالهجرة المعاكسة، بالهجرة في سبيل الشيطان.

 

وجود الإنسان لا معنى له دون منهجٍ يسير عليه :

 أيها الأخوة الكرام... آيةٌ قرآنيةٌ لا تغيب عن ذهني، وهي قوله تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن : 1-4]

 أيعقل أن يُعلَّم الإنسان القرآن قبل أن يُخْلَق ؟ لمَ لَمْ يقل الله عزَّ وجل: الرحمان خلق الإنسان علَّمه القرآن ؟ في الإجابة عن هذا السؤال نجد أن ترتيب الآيات ليس زمنياً ولكنه ترتيبٌ رُتَبِيّ، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له دون منهجٍ يسير عليه، فالمجتمع الغربي حينما ابتعد عن الدين، وابتعد عن ربّه، وحَكَّم عقله في كل شيء، وبحثَ عن مصلحته ولو كانت ضيِّقة، وكان له قلبٌ كالحَجَر، وفتك بالضِعاف في العالم كله فتكاً تندى له البشريَّة، هؤلاء انقطعوا عن الله، وحكَّموا عقولهم، واتجهوا نحو مصالحهم، فانعكس هذا على أسرهم، وعلى حياتهم الداخلية، أرأيتم وحشيةً بعد هذه الوحشيَّة ؟. طبيبٌ من أطباء دمشق اللاَّمعين حدَّثني، كان طبيباً مناوباً في بعض مستشفيات أمريكا، قال لي: جاءتني في ليلةٍ واحدة خمس عشرةَ حالة من الأطفال الذين ضُربوا بآلاتٍ حادَّة من قِبَل والديهم.
 هذا الإنسان حينما يبتعد عن الله عزَّ وجل يُصبح كالوحش، ووحشية الإنسان المقطوع عن الله عليها أدلَّة تروْنها وتسمعون بها كل يوم، وحشيةٌ ما بعدها وحشية، قسوةٌ ما بعدها قسوة، قلبٌ كالصخر ولكن الإيمان يُهَذِّب المشاعر، الإيمان يملأ القَلب رحمةً، الإيمان يملأ العقل نوراً، الإيمان يملأ النفس إنصافاً، الإيمان يملأ الإنسان لُطْفاً ورِقَّةً.
 فيا أيها الأخوة الكرام... ليس هناك حلٌ وَسَط، إما أن تكون مع الحق، فأنت مفعمٌ بالقيَم الخُلقية، وإما أن يكون الإنسان بعيداً عن الحق وهذا حاله.

 

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك اللهمَّ ونتوب إليك، اللهمَّ هبَّ لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنَّتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتِّعنا اللهمَّ بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلِّط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا. اللهمَّ ولِّ علينا خيارنا، ولا تولي علينا بذنوبنا شرارنا يا رب العالمين. اللهمَّ أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مَرَدُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهمَّ إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك مِن عُضال الداء، ومِن شماتة الأعداء، ومِن السَلب بعد العطاء مولانا رب العالمين. اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهمَّ استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين. اللهم اكتب الصحة والسلامة للحُجاج والمسافرين، والمُقيمين والمرابطين، في بَرِّك وبحرك من أمة محمد أجمعين. اللهمَّ يا أكرم الأكرمين أعطنا من كل خيرٍ سألك منه النبي عليه الصلاة والسلام، اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018