الخطبة : 0131 - رمضان5 - التوبة - أركان التوبة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0131 - رمضان5 - التوبة - أركان التوبة .


1986-06-06

الخطبة الأولى :
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر .
 اللهمَّ صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
 اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير .

التوبة :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( أربعةٌ يدخلون الجنة بخير حساب إمامٌ عادل ، وعالمٌ عامل ، وشابٌ تائب ، وامرأةٌ مطيعةٌ لزوجها ، وأربعةٌ يدخلون النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا ، الزاني ولو مرة ، وشارب الخمر ولو قطرة ، وشاهد الزور ولو بكلمة ، والعاق لوالديه ولو بلفظة ))

 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ لا أدري لماذا اتجهت نفسي في هذه الجمعة الخامسة من رمضان المبارك ، إلى معالجة موضوع التوبة .
 الحقيقة أن من العلماء الأكارم مَن وضَّح للتوبة أركانها ، فذكر أن من أركانها ؛ العلم ، والندم ، والإقلاع ، والعزيمة ، والإصلاح .
 العزيمة على ألا يعود إلى هذا الذنب أبداً ، فإذا انتقض أحد أركانها ، بطلت التوبة .
 قلت في نفسي : هؤلاء الذين مَنَّ الله عليهم في رمضان بالتوبة ، هؤلاء الذين غضوا أبصارهم عن محارم الله في رمضان ، هؤلاء الذين ابتعدوا عن المُلهيات في رمضان ، هؤلاء الذي صامت جوارحهم في رمضان ، ليتهم يتابعوا هذه الاستقامة ، لأنهم لو نقضوها خسروها ، لأنهم لو لم يعزموا أبد الدهر على متابعة ما فعلوه في رمضان ، فإن الذي فعلوه في رمضان يحبطه الله سبحانه وتعالى ، مِنْ هنا اتجهت نفسي إلى معالجة موضوع التوبة في هذه الجمعة الأخيرة المباركة من رمضان .

 

الإرادة الإلهية :

 ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

[ سورة النساء الآية : 27 ]

 هذه إراداته ، يريد أن يتوب عليكم ، فإذا تبت أيها الأخ الكريم مِن كل معصيةٍ ، مِن كل ذنبٍ ، مِن كل سيِّئةٍ ، مِن كل مخالفةٍ ، مِن كل انحرافٍ ، فقد حققت مراد الله سبحانه وتعالى ، لذلك جاء في الحديث القدسي :

(( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد ، ومن الضال الواجد ، ومن الظمآن الوارد ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

 وإذا تاب العبد توبةً نصوحَ أنسى الله جوارحه ، وحافظيه ، والملائكة ، وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه .
 وإذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله .

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء الآية : 27 ]

 ربنا سبحانه وتعالى يؤكِّد لنا أنه من الخير لأنفسنا ، لا لأحدٍ سوانا ، من الخير لأنفسنا أن نتوب إليه ، فقال تعالى :

﴿ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 3 ]

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

[ سورة النساء الآية : 27 ]

 ينصحنا بالتوبة ، وعلَّة هذه النصيحة أنها مبعث خيرٍ لنا ، ثم يحذِّرنا مِن أننا إذا لم نتب فنحن في حكم الظالمين :

﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

[ سورة الحجرات الآية : 11 ]

 ويحُضُّنا على التوبة :

﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة المائدة الآية : 74 ]

 أكَّد لنا أن إرادته متعلقةٌ بالتوبة ، ونصحنا أن نتوب ، وحذَّرنا مِن مَغَبَّةَ عدم التوبة ، وحضّنا على التوبة ، ثم قال : فإذا لم تتوبوا فلابد مِن أن أحملكم على التوبة ، لابد من أن أضيِّق عليكم ، لابد من أن أبعث لكم شيئاً يحملكم على التوبة ، قال تعالى :

﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 118 ]

 معنى

﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾

 أي ساق لهم من الشدائد ما يحملهم على التوبة ..

﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

[ سورة التوبة الآية : 118 ]

 أما توبة الله سبحانه وتعالى ، فإن كانت قبل توبة العبد ، فهي التضييق والشدة مِن أجل أن يتوب هذا العبد ، وأما إن جاءت بعد توبة العبد ، فهي قبول التوبة .

(( تابوا فتاب الله عليهم ))

[أخرجه البخاري عن ذيفة بن اليمان ]

 أي أقلعوا عن الذنب فقبل الله توبتهم .

﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

 إن تاب عليهم قبل أن يتوبوا معنى ذلك أنه ضيق عليهم من أجل أن يتوبوا .
 ثم يقول الله عز وجل :

﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 117 ]

 السبب البعيد البعيد لتوبة الله على عباده ، لحَمْلِهِم على التوبة أنه بهم رؤوفٌ رحيم ، رحمته ، رأفته ، حِرْصُهُ ، محبَّته ، هي التي تدعو ربنا سبحانه وتعالى أن يتوب على عباده ..

﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 118 ]

 أي تاب عليهم ..

﴿ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 118 ]

 ضيقٌ نفسيّ ما بعده ضيق ، تعسيرٌ ما بعده تعسير ، ألمٌ ما بعده ألم ، إحاطة ما بعدها إحاطة ، من أجل أن يتوبوا ..

﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 118 ]

 التَّوَّابُ : اسمٌ من أسماء الله الحسنى ، على صيغة فعَّال ، وهي من أسماء الفاعل المُبالغ بها ، أي كثير التوبة على عباده ، يتوب عليهم ليلاً نهاراً ، صُبْحَاً ومساءاً .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة التوبة الآية : 119 ]

 وكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يحَصِّننا من الذنوب ، الوقاية خيرٌ من العلاج ، لئلا تقع في الذنب ، لئلا تُجَرَّ إلى معصية ، لئلا تستهويك شهوة ، لئلا تنزَلِقَ في غيبة ، لئلا تستخفُّ بك لذَّة " كن مع الصادقين " ، هذه وقاية قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 119 ]

 لا تصاحب إلا مؤمناً ، ولا يأكل طعامك إلا تقي ، صاحب المؤمنين ، تعلَّم مِن أدبهم ، تعلَّم مِن عفتهم ، تعلم مِن طهرهم ، رافقهم، جالسهم ، زرهم ، هؤلاء الذين إذا صاحبتهم رفعوك ، لا تصاحب من لا ينهض بك إلا الله حاله ، ولا يدلك على الله مقاله ، إنك إن صاحبت أهل الدنيا زلَّت قدمك ، وتاهت نفسك ، وعميت بصيرتك ، وانحرف سلوكك، وجعلت الدنيا أكبر همك ، كبرت الدنيا في عينيك ، من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط ..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 119 ]

 شيءٌ آخر هو : أنه من عرف أن هذا الذنب هو ذنبٌ عظيم ، وأن هذا العمل هو معصية ، وأن هذا السلوك هو انحراف ، وأن هذا الكلام لا يرضي الله ، ثم قال في نفسه : سأفعل كل ذلك وبعدها أتوب . مثل هذا الإنسان لن تقبل توبته ، لقوله تعالى :

﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 54 ]

 المغفرة لا تكون إلا إذا كان عملك للذنب عن جهالة ، عن غفلة ، عن غَلَبَة ، أما إذا كان اقترافك للذنب عن تخطيط ، عن وزنٍ للأمور ؛ تعرف أنه ذنب ، وأردت أن ترتكبه ، وبعدها تتوب إلى الله ، مثل هذا الإنسان لا تقبل توبته لأنه كالمُسْتَخِفّ بالله سبحانه وتعالى .
 عجبت لأمر الناس كلما واجهتهم بمعاصيهم ، قالوا هذه القولة الشهيرة : الله غفورٌ رحيم . وكأن الله سبحانه وتعالى يمحو كل هذه السيّئات فلا سبب ، وبلا جُهد من الإنسان ، وبلا مُبَرِّر .

 

شروط المغفرة : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى .

 جمعت الآيات التي تنطق بالحق ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ ﴾

[ سورة طه الآية : 82 ]

 واحد ..

﴿ وَآَمَنَ ﴾

[ سورة طه الآية : 82 ]

 اثنين ..

﴿ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

[ سورة طه الآية : 82 ]

 ثلاثة ..

﴿ ثُمَّ اهْتَدَى ﴾

[ سورة طه الآية : 82 ]

 أربعة .. لابد من تحقيق أربعة شروط :

﴿ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ﴾

[ سورة طه الآية : 82 ]

﴿ فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴾

[ سورة القصص الآية : 67 ]

 تاب ، وآمن ، وعمل صالحاً ..

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً * مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[ سورة النساء الآيات : 145-147 ]

 إذا كنت مُعَذَّباً في الدنيا ، كُن واعياً ، اجرِ محاكمةً دقيقة ، قل : يا رب لمَ تعذبني ، لا بد من أنني مذنب ، أنت غنيٌ عن تعذيبي ، لابد من ذنبٍ استحققت عليه هذا العذاب ..

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء الآية : 147 ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ لا زلت في هذا الموضوع الدقيق ، موضوع أن التوبة لها شروط ..

﴿ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الأعراف الآية : 153 ]

 دققوا في كلمة " من بعدها " ..

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة النحل الآية : 110 ]

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة النحل الآية : 119 ]

 هذا التعلُّق الشيطاني بالأماني : الله غفورٌ رحيم . فهذا القرآن الكريم أمامكم ، لا بد من توبةٍ ، لا بد من إيمانٍ ، لا بد من إصلاحٍ ، لابد من مجاهدة ، لا بد من صبرٍ ، الله سبحانه وتعالى من بعد هذه جميعاً لغفورٌ رحيم .
 إذا ضُبِطَ إنسانٌ متلبساً بمعصيةً ، وأراد الإمام أن يقيم عليه الحد، لا ينفع أن يقول : تبت إلى الله . لكن التوبة تنفعه إذا كانت قبل أن يُضْبَط بهذا الذنب ، وإليكم تفصيل هذه الفكرة :

﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾

[ سورة المائدة الآيات : 33-34 ]

 إذا تابوا بعد أن قدرتم عليهم ، وأخذتموهم ، هذه التوبة لا تنفعهم ، لا عند الله ، ولا عند عباد الله ..

﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة المائدة الآية : 34 ]

 الآن .. لو أنك تُعادي إنساناً لأسبابٍ دينية ؛ إنسان منحرف ، كاذب ، فاسق ، فاجر ، يستَّخف بالدين ، هذه العداوة ، لا ينبغي أن تكون أبديَّة ، لمجرَّد أن يتوب ، وأن يعود ، وأن يصلح يجب أن تعامله كأخيك في الدين ، قال تعالى :

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 11 ]

 انتهى الأمر ، إخوانكم ، سيدنا عمر قال : " دخل عمَيْرُ بن وهبٍ على رسول الله ـ وكان من ألد أعداء الله ورسوله دخل عليه ـ وهو أبغض إليٍ من الخنزير ، لما دخل عليه ، وحدَّثه النبي بما كان منه ، وأسلم ، وتاب إلى الله ، فقال عمر رضي الله عنه : وخرج من عنده وهو أحب إلي من بعض أولادي " . ليس في الإسلام عداوةٌ ثابتة ..

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 11 ]

﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة النور الآية : 5 ]

﴿ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾

[ سورة غافر الآية : 7 ]

 تابوا واتبعوا سبيلك . لكن الإنسان قد يقع في وهمٍ كبير أنه حينما يأتيه مَلَك الموت يتوب إلى الله عز وجل ، القضية سهلة ، لا تكلِّفه إلا أن يقول : يا رب تبت إليك . الله سبحانه وتعالى قال مبدّداً هذا الوهم :

﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ ﴾

[ سورة النساء الآية : 18 ]

 هذه التوبة مرفوضة ..

﴿ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾

[ سورة النساء الآية : 18 ]

 ليس هناك توبةٌ عند الموت ، وليس هناك توبةٌ بعد الموت ، التوبة في وقتها المناسب قبل الموت .

﴿ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾

[ سورة النساء الآية : 18 ]

التوبة أنواع :

توبتك من الربا أن تبقي رأس مالك فقط :

﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 279 ]

التوبة مِن الإضلال أن تبيِّن للناس الحق :

﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 160 ]

التوبة يلزمها الإصغاء :

 ويا أيها الإخوة الأكارم ؛ كلكم يصغي إلى هذه الخُطبة ، لكن الله سبحانه وتعالى قال : الذي أصغى قلبه هو الذي تاب ، فإن لم يتب فقلبه مغلق ، أغلقته الشهوات ، حينما امتلأ قلبه بالشهوات أصبح لا يعي على خير ، وهذا من قوله تعالى :

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾

[ سورة التحريم الآية : 4 ]

 لو أن في المسجد مئة ألف يستمعون الخطبة ، وكأن على رؤوسهم الطير ، وتقول : ما هذا الصمت العجيب ؟ ما هذا الإصغاء ؟ المئة ألف خرجوا جميعاً إلى عاداتهم ، وتقاليدهم ، وأعمالهم ، وسلوكهم ، واختلاطهم ، وكسب مالهم ، كما كانوا قبل الخطبة ، إنهم جميعاً عند الله غافلون ، لا يكون قلبك صاغياً إلا إذا انعكس هذا توبةً في عملك ..

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾

[ سورة التحريم الآية : 4 ]

لا ينبغي أن يكون هناك فاصلٌ زمنيٌ طويل بين الذنب والتوبة :

 شيءٌ آخر : لا ينبغي أن يكون هناك فاصلٌ زمنيٌ طويل بين الذنب وبين التوبة منه ، لو أن هناك فصل زمني كبيراً ، ربما جَمُدَ القلب ، ربما قسا القلب ، ربما أصبح هذا الذنب جزءاً لا يتجزَّأ من كيانك ، ربما أصبح عادةً مِن عوائدك ، ربما أصبح شيئاً ثابتاً في حياتك، هنا الخطورة ، لكن المؤمن كثير التوبة ، وسريع التوبة ، كثيرها وسريعها ..

﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾

[ سورة النساء الآية : 17 ]

 قرب زماني ، لذلك قيل عن المؤمن إنه مذنبٌ توّاب ، يعني كثير التوبة ، إذا ترك الذنب أسابيع وشهوراً ، استشرى ، وتفشّى ، ورسخ ، وصار جزءاً من حياتك ، عندئذٍ لا تستطيع أن تتوب ، تقول : لا أستطيع . مغلوب ، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾

[ سورة النساء الآية : 17 ]

 ومَنْ منكم يصدِّق أنك إذا تبت إلى الله سبحانه وتعالى ـ وأنا أقول وأعني ما أقول ، لأن هذا الكلام كلام الله سبحانه وتعالى ـ إذا تبت إلى الله توبةً نصوحاً ـ اسمعوا ـ حلت كل مشكلاتك في الدنيا ، كيف لا ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً ﴾

[ سورة هود الآية : 3 ]

 في الدنيا ؛ يصح جسمك ، تتحسَّن علاقتك بزوجتك ، ها هي ذي إنسانٌ آخر ، لم تعهد منها هذه الطاعة ، لم تعهد منها هذه المودَّة ، لم تعهد منها هذه القناعة ، فإذا دخلت إلى محلِّك التجاري ترى الناس يحبونك ، قلَّت شحناؤهم ، قلَّت مشكلاتهم ، يصح جسمك ، وتصح نفسك، تصح علاقاتك هكذا قال الله سبحانه وتعالى :

﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾

[ سورة هود الآية : 3 ]

 وإذا شكوتم شُحَّ الأمطار ، وقِلَّةَ النَبات ، وارتفاع الأسعار فهذا من الذنوب ، وهذه الآية تؤكّد ذلك :

﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً ﴾

[ سورة هود الآية : 52 ]

 ثمانين ميليمتر في دمشق ، أمطار العام بأكمله ، وهذه الأمطار تَهْطِل في بعض البلاد في ليلةٍ واحدة ، أو كانت تهطل في بلدنا في ليلةٍ واحدة ، ما يمنع أن تكون الأمطار ألف ميليمتر ، خمسمئة ميليمتر ، مئتان وخمسون ميليمتر معدلها السنوي ، أما ثمانين !!

﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾

[ سورة هود الآية : 3 ]

﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ﴾

[ سورة هود الآية : 52 ]

 دائماً التائب وضعه المعاشي المادي من حسنٍ إلى أحسن ، خَطُّه البياني صاعد ، ولكن المُذنب خَطُّه البياني هابط ؛ من بحبوحة إلى ضيق، من صحة إلى مرض ، من راحة نفسية إلى ضيق نفسي ، من حياةٍ زوجيةٍ سعيدة ، إلى حياةٍ زوجيةٍ شقيّة ، من أولادٍ أبرار إلى أولادٍ عاقّين ، الخط البياني هابط ، وإذا تُبت إلى الله يأخذ خطك البياني بالصعود ، والصعود إلى الأبد ، وما الموت إلا نقطةٌ على هذا الخط الصاعد .
 أما أن يقول أحدكم : يا أخي أنا الله عز وجل قدَّر علي هذا الذنب . سيدنا عمر جيء أمامه برجلٍ شاربٍ للخمر ، فقال هذا الأمير العظيم عملاق الإسلام :
 اجلدوه مرتين ، مرةً لأنه شرب الخمر ، ومرةً لأنه افترى على الله .
 قال له : ويحك إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار .
 العباد جميعاً مدعوون إلى التوبة ، لذلك قال تعالى :

﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً ﴾

[ سورة النور الآية : 31 ]

 ليس هناك أشخاص مستثنَوْن ، ليس هناك أشخاصٌ مستثنون مِن التوبة ، وليس هناك أشخاصٌ مستثنون مِن المغفرة ..

﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة النور الآية : 31 ]

التوبة النصوح :

 ويا أخي الكريم ؛ إذا تبت إلى الله فلتكن توبتك نصوح ، ومعنى التوبة النصوح : ألا تتوب من ذنبٍ وتقع في ذنبٍ آخر ، أجمع العلماء على أنه من تاب من ذنبٍ ووقع في ذنبٍ آخر ؛ غض بصره عن محارم الله ، ولم يحرر دخله مِن الشبهات ، حرر دخله مِن الشبهات ولم يغض بصره عن محارم الله ، التوبة النصوح أن تتوب من جميع الذنوب دفعةً واحدة ، والتوبة النصوح أن تتوب إلى الله ثم لا تعود إلى هذه الذنوب .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ﴾

[ سورة التحريم الآية : 8 ]

 والله سبحانه وتعالى يطمئننا ..

﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا ﴾

[ سورة التوبة الآية : 104 ]

 لِمَ لم يعلموا ؟ مالهم لا يعلمون ؟!

﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 104 ]

 بيمينه ، يقبله ، إذا قال العبد : يا رب لقد تبت إليك ، يقول : عبدي وأنا قد قبلت ، إذا قال العبد : يا رب وهو راكع ، قال الله : لبيك يا عبدي ، إذا قال العبد : يا رب وهو ساجد ، قال : لبيك يا عبدي ، إذا قال العبد : يا رب وهو عاصٍ ، قال الله : لبيك ثم لبيك ثم لبيك ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم . ألا تريدهم أن تكون حبيباً لله ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أحملهم على التوبة ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب .

﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 104 ]

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 222 ]

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾

[ سورة النساء الآية : 64 ]

 واحد وقع ..

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 135 ]

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ﴾

[ سورة النساء الآية : 64 ]

 لو أنك قلت : يا رب . لوجدت الله توّاباً رحيماً ، يقول لك : عبدي وأنا قد قبلت .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت تخطانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُق العظيم اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين .

أركان التوبة :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ مرةً ثانية أؤكد لكم أن سبب طرح هذا الموضوع في هذه الجمعة :
 أنك إذا عُدَّتَ إلى بعض الذنوب التي كنت متلبساً بها قبل رمضان ، فو الله الذي لا إله إلا هو كأنك ما صمت رمضان إطلاقاً ، إذا عدت إلى بعض الذنوب ، إذا غضضت بصرك في رمضان ثم أطلقته بعد رمضان ، فكأنك ما صمت رمضان ، هذا الذي دعاني إلى طرح هذا الموضوع .
أربعة أركان :

أول ركن : العلم .

 كيف تحمي نفسك عن بعض الأكلات الدسمة إن لم تحلل الدم ، وتعرف أن نسب الشحوم مرتفعة ؟ لا تقلع عن الدهون إلا بعد التحليل ، بعد العلم ، فمن أركان التوبة العلم ، حضور مجالس العِلم يعرِّفك بالحلال والحرام ، بما يجوز وما لا يجوز ، بما يرضي الله وما يغُضب الله ، بما هو شرعيّ ، وبما هو غير شرعي ، العلم .

ثاني ركن : الندم .

 ثم الندم ، لا بد من أن تندم على ما فات ، إن لم تحس بالندم الشديد فوالله الذي لا له إلا هو ما تبت إلى الله .

 

ثالث ركن : الإقلاع الفوري .

 الركن الثالث : الإقلاع الفوري . غداً أتوب ، بعد نهاية الامتحان أتوب ، بعد أن أشتري هذا البيت وأثثه أتوب ، بعد الزواج أتوب ، بعد أن أحج أتوب ، هلك المسوّفون ، هؤلاء الذين يسوّفون التوبة هالكون لا محالة ، لن يتوبوا .
 النبي عليه الصلاة والسلام يبدوا أنه حَضَّ أعرابياً على التوبة فقال : غداً أتوب . فغضب النبي عليه الصلاة والسلام وقال :

(( ويحك ‌! أو ليس الدهر كله غداً ؟ ))

[ من الجامع الصغير عن جعال بن سراقة ]

 هذه كلمة صعب جداً ، هذه ليس لها حدود ، من أركان التوبة النصوح الإقلاع عن الذنب فوراً .

 

رابع ركن : العزيمة .

 الركن الرابع : أن تعزم عزيمةً صادقة على ألا تعود إليه في المستقبل .
 لذلك إذا قلت : في هذا الشهر سوف أصلي ، في هذا الشهر سأغض بصري . من أول رمضان التوبة باطلة ، ما دمت قد نويت أن تطيع الله في هذا الشهر فقط ، شيء خطير جداً .
 الركن الثالث : أن يعزم القلب على ألا يعود إلى هذا الذنب أبداً ، لذلك من علامة التوبة النصوح ـ استمعوا ـ : أن تكره أن تعود في الكفر كما تكره أن تلقى في النار كلها .
 آخر بند من أركان التوبة : الإصلاح ، إذا في إساءة قولية لابد من أن تستسمح ، إذا في طغيان مادي لابد من أن تعيد المال إلى صاحبه، إذا في غيبة لابد من أن ترجو العفو والغفران ، أي ذنبٍ متعلقٍ بالعباد لابد من أن يسوى مع العباد أنفسهم ، الله سبحانه وتعالى ما كان بينك وبينه يغفره سريعاً ، وما كان بينك وبين العباد لا يغفره إلا إذا غفر العباد ، فعلاقتك مع العباد صعبة ، لأنك الله سبحانه وتعالى لا يتدخل .

﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴾

[ سورة الأحقاف الآية : 31 ]

 مِن للتبعيض ، الذي هو بيني وبينك أغفره لك .
 أنت إن كان لك عند إنسان مبلغ من المال ، وهذا الإنسان مدين لإنسان آخر ، هل لك أن تقول : أنا أسامحك بمالي ومال فلان ؟ تقول : أن أسمح لك بمالي ، هل تستطيع أن تسامحه بمال غيرك ؟ بحقوق الآخرين ، ربنا عز وجل قال :

﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴾

[ سورة الأحقاف الآية : 31 ]

 أي بعض الذنوب المتعلقة بالله عز وجل ، أما الذنوب المتعلقة بالعباد ، فورب العباد لا يغفرها الله سبحانه وتعالى إلا أن يغفر العباد أنفسهم ، لذلك قال سهل التستُّري : " والله لترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد الإسلام " دانق ، سدس الدرهم .
 شيءٌ أخير .. قال الإمام الغزالي : الذنب كلما استعظمه العبد صغر عند الله ، وكلما استصغره عظم عند الله .
 شيء غريب علاقة عكسية ، إذا استصغرته فهو عظيم ، وإذا استعظمته فهو صغير ، أي لا كبيرة مع الإصرار ولا صغيرة مع الاستغفار .
 وقال ابن مسعود : إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبلٍ يخاف أن يقع عليه ، يرى ذنبه كالجبل جاثمٌ على صدره ، وإن الفاجر يرى ذنبه كذبابةٍ وقعت على أنفه .
 يقول لك الإنسان المذنب الجاهل : ماذا حدث ؟ ماذا فعلنا ؟ من علامة النفاق أن ترى الذنب كالذبابة وقعت على أنفه .
 سيدنا أنس يقول : إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشَعْر ، إنا كنا نعدها على عهدها على عهد رسول الله من الموبقات .
 كلما تخلف الإنسان وامتد به الزمان يرى الذنوب لا قيمة لها ، قال عليه الصلاة والسلام :

 

(( إياكم ومحقرات الذنوب... ))

[ مختصر تفسير ابن كثير عن عبد الله بن مسعود ]

 ذنبٌ لا تأبه له ، فإذا كان الشريط كهربائي مقطوع ميلي واحد ، كل البيت مطفي ، جميع الأجهزة معطلة ، إذا كان القطع ميلي أو متر ، فهو مقطوع ، هذا الذنب قطع ، ما دام قطع العبد عن ربه فمفعوله كمفعول الكبيرة .
 قال بعضهم : إذا فرح الرجل بالصغيرة كبرت .
 وقال سيدنا بلال : لا تنظر إلى صغر الذنب ، ولكن انظر إلى عظم من عصيت " فأنت عصيت ذو العزة والجبروت ، عصيت الذي أنت إليه راجع .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ من ارتكب ذنباً ، وتهاون بالتوبة ، وطمع بسِتْر الله وحلمه ، ربما فضحه الله في عقر داره .
 آخر كلمةٍ أقولها لكم ... وهذه وصيتي لما بعد رمضان ، قال الله سبحانه وتعالى :

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 9 ]

 النبي عليه الصلاة والسلام خطب خطبةً ، حدثنا فيها عن القرآن فقال :

(( قصصه وأخباره موعظةٌ واعتبار ، ومنهجه قويم ، وصراطه مستقيم ، فرَّق بين الحلال والحرام ، وهو الضياء والنور ، والنجاة من الغرور ، فيه شفاءٌ لما في الصدور ، من خالفه من الجبابرة قصمه الله ، ومن ابتغى العلم في غيره أضلَّه الله ، وهو حبل الله المتين ، ونوره المبين ، وهو العروة الوثقى ، والمعتصم الأوقى ، وهو المحيط بالقليل والكثير والصغير والكبير ، لا تنقضي عجائبه ، ولا تتناهى غرائبه ، ولا يحيط بفوائده عند أهل العلم ـ تحديد ـ ولا يَخْلَق على كثرة الترديد ، هو الذي أرشد الأولين والآخرين ، لما سمعه الجن قالوا : إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * . كل من آمن به فقد وفق ، ومن قال به فقد صدق ، ومن تمسك به فقد هدي ، ومن عمل به فقد فاز ))

[ من كنز العمال عن يحيى بن عبد الله بن حسن عن أبيه ]

 وسوف أتحدث إن شاء الله تعالى في خطبة العيد إن أحيانا الله عن آداب المسلم في عيد الفطر .

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك .
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تُهنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا .
 اللهم بارك لنا فيما بقي من شهر رمضان ، وأعنا فيه على الصيام والقيام ، وغضّ البصر وحفظ اللسان .
 اللهم اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وفكَّ أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلِّغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا، مولانا رب العالمين .
 اللهم إنَّا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عُضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السَلْب بعد العطاء .
 اللهم يا أكرم الأكرمين طهِّر قلوبنا من النفاق ، وأعمالنا من الرياء ، وألسنتنا من الكذب ، وأعيننا من الخيانة ، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
 اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، مولانا رب العالمين .
 الله تقبل صيامنا ، ودعاءنا ، وركوعنا ، وسجودنا ، وطاعتنا ، وزكاة أموالنا ، وزكاة فطرنا يا رب العالمين .
 اللهم كن لنا كما نريد يا رب العالمين .
 اللهم احملنا على طاعة يا أكرم الأكرمين .
 اللهمَّ يا أرحم الراحمين أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018