الخطبة : 0262 - العبادة4 ( الشمولية ). - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0262 - العبادة4 ( الشمولية ).


1989-06-16

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

شمول العبادة الحياة كلها والدين كله ونشاطات الإنسان كلها :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ تتميماً للخطبة السابقة التي كانت حول موضوع العبادة، بل حول موضوع مجالات العبادة ، وقد بيَّنت لكم فيها أن الحياة كلها مجالٌ للعبادة ، بل إن الدين كله مجالٌ للعبادة ، بل إن الأعمال الطيبة الاجتماعية مجالٌ للعبادة ، بل إن كسب الرزق، أيّ إن المهنة والحرفة التي يكسب الإنسان منها رزقه ، يمكن أن تكون مجالاً للعبادة ، بل إن قضاء الحاجة التي أودعها الله في الإنسان ، حينما يأكل ويشرب ، وحينما يباشر ما أباح الله له هذا أيضاً مجالٌ للعبادة ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( وفي بضع أحدكم صدقة ، قالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجرٌ ؟! قال عليه الصلاة والسلام : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزرٌ ؟ قالوا : نعم ، قال : كذلك إذا وضعها في حلالٍ كان له الأجر ))

[من تخريج أحاديث الإحياء عن أبي ذر ]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ماذا بقي ؟ عملك عبادك ، زواجك عبادة ، طعامك وشرابك عبادة ، أعمالك الطيِّبة الاجتماعية عبادة ، العبادات الشعائرية من صلاةٍ ، وصيامٍ ، وحجٍ ، وزكاةٍ عبادة ، المعاملات والواجبات والحقوق عبادة ، العبادة تشمل الحياة كلها ، تشمل الدين كله ، ولا يعقل أن يقول الله عز وجل :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56 ]

 وتكون العبادة مجموعة أعمالٍ تُعَدُّ على أصابع اليد ، ما دام الله سبحانه وتعالى جعل عِلَّة خلقنا العبادة فلابد مِن أن تشمل العبادة الحياة كلها ، والدين كله ، ونشاطات الإنسان كلها .

 

مزاولة الإنسان لنشاطاته في الحياة عبادة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ من هو المسلم ؟ إنه خليفة الله في الأرض ، مهمَّته أن ينفِّذ أمره ، وأن يقيم حدوده ، وأن يُعلي كلمته ، وأن يقوم بواجب العبودية له ، عندئذٍ تصطبغ أعماله كلها بصبغةٍ ربانية ، فيكون كل ما يصدر عنه ؛ من أقوالٍ ، وأفعالٍ ، وحركات ، وسكناتٍ ، عبادةً لله رب العالمين .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هل صحيحٌ أن مزاولة الإنسان لنشاطاته في الحياة عبادة ؟ صحيحٌ بشرط أن تكون نيَّته من هذه الحركات والسَكنات وتلك المواقف أن تكون النيَّة نيةً طيبة. أرأيتم إلى معدن الحديد ، لو وضع في آلةٍ ، وأشارت عليه بإشاراتٍ وأشكالٍ معينة ، فصار نقوداً، أرأيتم إلى الورق الخام إذا طبع فأصبح عملةً ، هناك فرقٌ كبير بين الورق الخام وبين النَقْد ، إن هذا الورق الخام بهذه الأشكال وتلك الإشارات أصبح نقداً ثميناً تُقْضَى به الحوائج .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ورد في الحديث الصحيح المتواتر :

(( إنَّما الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّمَا لِكُلّ امرئ مَا نَوَى ، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللّه وَرَسولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللّه وَرَسولِهِ ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أَوِ امْرأةٍ يَنْكِحُها فَهِجْرَتُه إلى ما هَاجَرَ إلَيْهِ ))

[ البخاري عن عمر ]

 مرةً ثانية . . يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ليس الإسلام أعمالاً تقضيها في وقتٍ محدود ، ليس الإسلام أفعالاً معدودةً تعدُّ على أصابع اليد ، لا يعقل أن يكون الإسلام هكذا ، لا يعقل أن نعبد الله في الليل ونعبد الناس في النهار ، لا يعقل أن نعبد الله في المسجد ، ونعبد الدينار والدِرْهَم في الأسواق ، لا يعقل أن نعبد الله يوم الجمعة ، ونعبد سواه في بقية أيام الأسبوع. ليس هذا هو الدين ، وليس هذا هو الإسلام ، الإسلام أن تعبد الله في كل دقيقةٍ ، وفي كل ثانيةٍ ، في وقت راحتك ، وفي وقت عملك ، تعبده في عملك بإتقان عملك ، وتعبده في بيتك بأداء حقوق أهل بيتك ، وتعبده وأنت صامت بالتفكُّر في خَلْقِه ، تعبده وأنت ناطق بذِكْرِه، تعبده وأنت تنظر بالموعظة والعبرة ، لا يعقل أن يقول الله عز وجل :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56 ]

 وتكونُ العبادة أعمالاً محدودةً يسيرةً تعدُّ على أصابع اليد .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ماذا ينتج من هذا المفهوم الواسع جداً للعبادة ؟ العبادة الصوم والصلاة والحج والزكاة ، والعبادة المعاملات ، أداء الحقوق والواجبات ، العبادة الأعمال الخيرية ، العبادة المهنة التي نرتزق منها ، العبادة حينما يلبي الإنسان حاجات جسده في الطريق الصحيح ، وفي القناة النظيفة ، وفي الأسلوب المشروع ، وبنيةٍ عالية عندئذٍ تصبح أعمال الإنسان كلُّها عبادةً لله رب العالمين .

اصطباغ حياة الإنسان بصبغتين :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ينتج من هذا المعنى الواسع للعبادة أن حياة الإنسان تُصْبَغ بصبغتين ، الصبغة الأولى : هي الصبغة الربَّانية ، في كل أعماله يبتغي وجه الله ، إذا تزوَّج يبتغي من زواجه وجه الله ، إذا اشترى ثوباً يرتديه يبتغي من هذا العمل وجه الله ؛ ليظهر بالمظهر اللائق ، إذا أدّب ولده يبتغي بهذا وجه الله ، إذا عمل وباع واشترى يبتغي بهذا وجه الله، يصبح الله سبحانه وتعالى مقصوده في كل حركاته وسكناته . هذه الصبغة الربانية تنعكس على الحياة اليومية بتجويد الأعمال ، فالصانع يصنع هذه الصنعة ليقدِّمها هديةً لله رب العالمين، إذاً يتقنها . والتاجر يبيع ويشتري لينفع المسلمين ، ليأخذ منهم ثمن ما أخذوا منه ، لا ليأخذ منهم أضعاف ما أخذوا منه . المزارع يزرع هذا النبات ليقتات به المسلمون ، ولا يزرع نباتاً يضر صحتهم ، ويودي بحياتهم . حينما تصبح الصبغة في حياة الإنسان ربانية تنعكس على أعماله كلها ؛ في غضبه ، في رضاه ، في عطائه ، في منعه ، في صلته ، في قطعه ، لا يكون الإنسان عابداً لله عز وجل إلا إذا أعطى لله ، ومنع لله ، ووصل لله ، وقطع لله ، وخاصم في الله ، ورضي في الله ، إذا كانت الصبغة الرَّبانية تشمل حياته كلها عندئذٍ هو يعبد الله كما يريد الله أن نعبده .
 شيءٌ آخر . . إذاً من نتائج هذه الصبغة ؛ الصبغة الربانية ، تجويد الأعمال ، ينتفي الغش ، ينتفي الكذب ، ينتفي التلاعب ، ينتفي كل عمل يؤذي المسلمين ، ينتفي كل نشاطٍ يقوم على أنقاض مصالحهم ، ينتفي كل سعيٍ يقوم على إفقارهم ، يقوم على إشاعة الفساد فيما بينهم ، لأن كل عاملٍ يبتغي بعمله وجه الله ، إذا الصبغة الربانية هي الصبغة التي تتأتى من مفهوم العبادة الصحيح .
 لا يعمل عملاً ، لا يقف موقفاً ، لا يتصرف تصرفاً ، لا يغضب ، لا يرضى إلا بما يرضي الله عز وجل ، ينعكس هذا إتقاناً في الأعمال كلها عندئذٍ تصلح الحياة .
 هذا الذي يصنع المواد الغذائية لو أنه يبتغي الله عز وجل لأتقن هذه المواد ، ولابتعد عن كل ضررٍ يقع في صحة المسلمين ، لو أننا عبدنا الله كما يريد أن نعبده لكنا في حالٍ غير هذا الحال .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ شيءٌ آخر : إذا عبدت الله وحده بهذا المفهوم الواسع عندئذٍ تتوحد وجهتك ؛ لا صراع ، لا تناقض ، لا ازدواجية ، لا موقف معلن وموقف حقيقي، هذه الازدواجية ، وهذا النفاق كله ينعدم ؛ لأنك تعبد الله وحده الذي بيده كل شيء ، والله سبحانه وتعالى ما أمرك أن تعبده وحده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كلّه راجعٌ إليه ، قال تعالى :

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

[سورة هود : 123 ]

 أنت إذا عبدت الله وحده تتوحَّد وجهتك ، اعمل لوجهٍ واحد يكفك الوجوه كلها . من جعل همَّه إرضاء ربه كفاه الله الهموم كلها . يقول الله عز وجل في الحديث القدسي :

(( أنت تريد وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد ))

[ ورد في الأثر]

 إنك إذا عبدت الله وحده اصطبغت حياتك كلها بالصبغة الربانية ، ليس لك حظ نفس ، هذا كلام العامة : " ساعةٌ لك وساعةٌ لربك " ، ساعةٌ في القيَم المادية وساعةٌ في القيَم الروحية ، ساعةٌ في المسجد وساعة في الدنيا ، ساعةٌ لتعطي نفسك حظَّها من العبادة ، وساعةٌ لتعطي نفسك حظَّها من حظوظ الدنيا ، هذا كلامٌ غير مقبول ، هذه ازدواجية ، وقد يقع بين هذين الحَقْلَيْن تناقض ، يقع الصراع ، تقع المفارقة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون . . إذا عبدت الله وحده اصطبغت حياتك كلها بالصبغة الربانية ، وإذا عبدت الله وحده توحَّدت وجهتك وجهةً واحدة .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يجب أن تعبد الله حيثما كنت ، وأنى كنت ، وكيفما كنت، في كل أحوالك ، وفي كل أوقاتك ، وفي كل أمكنتك . .

﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة : 115]

تقسيم الأوامر و النواهي إلى عبادات و معاملات :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ شيءٌ آخر : العلماء قسَّموا الأوامر والنواهي إلى عباداتٍ وإلى معاملات . وهذا التقسيم ترونه في كتب الفقه وهو تقسيمٌ مدرسي ، ولكن لهذا التقسيم محذور . العبادات هي الحركات والأقوال والأفعال التي جاءتنا عن الله رب العالمين ، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم لنتقرب بها إلى الله عز وجل ، العبادات لا يجوز أن يضاف عليها، من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو رد ، كل بدعةٍ ضلالة ، الصلوات الخمس والصيام والحج والزكاة هذه عباداتٌ بعضها بدنية ، وبعضها زمانية ، وبعضها مكانية ، وبعضها مالية ، هذه العبادات تمتحن عبوديَّتنا لله عز وجل ، ربما كان حظ النفس فيها غير منظور ، هذه العبادات لا يجوز أن يضاف عليها ، ولا أن يحذف منها ، ولا أن تعدَّل ، ولا أن تبدَّل لأنها توقيفية ، ولو فتح باب التعديل فيها لألغيت ، أو لفقدت جوهرها كما هو ذلك في بعض الشرائع .
 ولكن المعاملات جاء الإسلام ليقر ما هو منها صالح ، و ليمنع ما هو منها طالح ، فالمعاملات ؛ الحقوق والواجبات ، أصول البيع والشراء ، كل ما جاء به الشرع الحنيف لينظم علاقاتنا ، بل إن تنظيم هذه العلاقات من أجل أن تستقيم وجهتنا إلى رب الأرض والسموات .

شمول العبادة كيان الإنسان كله :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ موضوعٌ ثالث . الموضوع الأول : شمول العبادة للحياة كلها ، والموضوع الثاني : شمول العبادة للدين كله ، والموضوع الثالث : شمول العبادة للنشاطات كلها ، والموضوع الرابع شمول العبادة لكيان الإنسان كله .
 فنحن يا أيها الأخوة نعبد الله بفكرنا ، بالتفكُّر في خلق السموات والأرض ، بتدبُّر آيات القرآن الكريم ، بالنظر والتأمل في الحوادث ؛ فهذه عبادة الفكر ، ابن عباسٍ رضي الله عنه يقول : تفكر ساعة خيرٌ من قيام ليلة ، فكر له حظه من العبادة . أبو هريرة رضي الله عنه يروي حديثاً عن رسول الله :

(( تفكر ساعةٍ خيرٌ من عبادة ستين سنة ))

[ أبو الشيخ عن أبي هريرة]

 فالفكر له حظٌ من العبادة .
 الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول : " طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة ". الإمام أبو حنيفة أيده في ذلك ، الإمام مالك كان بين يديه رجلٌ اسمه وهب ، قال وهب : كنت بين يدي مالك ، فوضعت ألواحي ، وقمت لأصلي صلاةً نافلة . فقال مالك : " مالذي قمت إليه بأفضل من الذي قمت عنه " .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يجب أن يكون حظ الفكر من العبادة وافياً . تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتاً ، إن الرجلين ليستوي عملهما ، وبرُّهما ، وصومهما ، وصلاتهما ، ويختلفان في العقل كالذرة جنب أحد ، وما قسم الله لعباده نصيباً أوفر من العقل واليقين .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ العبادة تشمل كيان الإنسان كله ، فنحن نعبد الله بأفكارنا ، ونعبده بقلوبنا ، فلابد من أن نحبه ، لابد من أن نخشاه ، لابد من أن نرجو رحمته ، لابد من أن نخشى عقابه ، لابد من أن نرضى بقضائه ، لابد من أن نصبر على بلائه ، لابد من أن نذكر نعمائه ، لابد من أن نستحي منه ، لابد من أن نتوكل عليه ، لابد من أن نخلص له . قال موسى :

(( يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال : يا موسى أحب عبادي إلي تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء ، أحبني وأحب من أحبني وحببني إلى خلقي . قال موسى : يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك ، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال الله عز وجل : ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي ))

[ من الدر المنثور عن ابن عباس ]

 ذكرهم بآلائي كي يعظموني ، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني ، وذكرهم ببلائي كي يخافوني ، لابد من أن يعبد القلب ربه من خلال محبَّته له ، ومن خلال تعظيمه إياه ، ومن خلال خوفه منه ، ومن خلال إخلاصه إليه . فنحن نعبد الله بقلوبنا ، نعبده بعقولنا ، ونعبده بقلوبنا ، ويجب أن نعبده بألسنتنا ، قلبه مؤمن ولكن لسانه في الباطل ، كلامٌ فارغ ، يجب أن تذكره . .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾

[سورة الأحزاب : 41]

 يجب أن تتلو كتابه ، يجب أن تدعوه آناء الليل وأطراف النهار ، يجب أن تسبِّحه، يجب أن تنزِّهه ، يجب أن تكبِّره ، يجب أن توحِّده .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾

[سورة الأحزاب : 41]

ذكر الله نوعان :

 وقد قال العلماء : ذكر الله نوعان ، ذكر ثناءٍ وذكر دعاءٍ ، وهناك من يقول : ذِكْر الله أنواع ؛ ذكر ثناءٍ ، وذكر دعاءٍ ، وذكر دعوةٍ إليه ، وذكر أمر بالمعروف ، وذكر نَهْيٍ عن المُنكر ، وذكر بيان نعمه الكثيرة .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول بعض العلماء : الذكر المحمود ما اجتمع فيه القلب واللسان معاً . قد تذكر الله والقلب ساهٍ ، وقد تذكره بقلبك واللسان صامت ، أما أكمل الأحوال فأن تذكره بلسانك وبقلبك معاً .

 

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ ويجب أن نعبد الله بأبداننا ، فقد تَكُفُّ عن الطعام والشراب، وهذا هو الصيام وهو عبادة ، وقد تعمل وتتحرَّك ، وتقف وتركع وتسجد وتتلو ، وهذه عبادة وهي الصلاة ، وقد تبذل المال الذي أنت حريصٌ عليه ، والذي هو شقيق الروح ، فبذل المال عبادة ، وقد يجتمع البدن بامتناعه ، والبدن بحركته ، وبذل المال ، كما هو في الحج ؛ فهو عبادةٌ بدنيةٌ ، ماليةٌ ، زمانيةٌ ، مكانيةٌ ، روحية . الإنسان قد يعبد الله عز وجل ببذل ما عنده ، ببذل مهجته ، والتضحية بها ؛ كما هو الحال في الجهاد ، ويعبده أيضاً بهدر مصالحه المادية القريبة كما هي الحال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لتكون كلمة الله هي العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلى ، هذه عبادة أيضاً أيها الأخوة المؤمنون .

أفضل أنواع العبادة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ موضوعٌ دقيقٌ أخير وهو : أي أنواع العبادة أفضل ؟ بعضهم يرى أن كل عبادةٍ رافقتها مشقةٌ هي أفضل أنواع العبادة . وهذا تفكيرٌ خاطئ ، لأن المشقَّة ليست هدفاً بذاتها . النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً واقفاً بالشمس فقال :

(( ما هذا ؟ قالوا : نذر أن يمشي ، قال : إن اللّه عن تعذيب هذا نفسه لغني وأمره أن يركب ))

[من نيل الأوطار رواه الجماعة إلا ابن ماجة والترمذي ]

 ليست المشقة هدفاً لذاتها ، أما إذا كانت المشقة سبيلاً وحيداً لبلوغ الخير فمرحباً بها ، حينما تكون المشقة ممراً إجبارياً واتجاهاً لابد من السير فيه ، مرحباً بها إذا كان طريقاً وحيداً ، أما أن يكون طريقان ؛ طريقٌ فيه سلامة وطريقٌ فيه مشقة ، فلنبتعد عن المشقة إلى السلامة ، لأن المشقة ليست هدفاً بذاتها ، قد تكون وسيلة ، لكن لا يجب أن تكون هدفاً لذاتها .
 بعضهم يقول : أفضل أنواع العبادة ترك الدنيا . قال عليه الصلاة والسلام :

(( ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولا من ترك آخرته لدنياه إلا أن يتزود منهما معاً فإن الأولى مطيةٌ للثانية ))

[الجامع الصغير عن أنس ]

 قال عليه الصلاة والسلام وقد بلغه أن أناساً نذروا أن يصوموا صوم الدهر ، وأناساً نذروا ألا يتزوَّجوا ، وأناساً وأناساً ، فوقف فيهم خطيباً وقال :

(( أما بعد فإن أشدكم لله خشيةً أنا - النبي عليه الصلاة والسلام- أنام وأقوم، أصوم وأفطر ، أتزوج النساء ، آكل اللحم هذه سنتي فمن رغب عنها فليس من أمتي ))

[ الدر المنثور عن أنس]

 ليس أيضاً ترك الدنيا أفضل أنواع العبادات ، بل إن أفضل أنواع العبادات ما عادت بالنفع على الناس ، خدمة الخلق أفضل أنواع العبادة ، والله لأن أمشي مع أخٍ في حاجته خيرٌ لي من صيام شهرٍ واعتكافه في مسجدي هذا ، الخلق كلهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ، هذه أعلى درجات العبادة ، خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه ، تعليم الناس ، خدمة الخَلْق ، القيام بشؤونهم هذا أعلى أنواع العبادة .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ شيءٌ أخير : قال بعض العلماء : إن أفضل أنواع العبادة أن تعبد الله في كل مناسبةٍ بما ينبغي أن تعبده به . فإذا جاءك الضيف ، فعبادة الله إكرام هذا الضيف ، وإذا دخل وقت الصلاة فأفضل أنواع العبادة أن تُصلي ، وإذا جاء العشر الأخير من رمضان فأفضل أنواع العبادة أن تعتكف ، وإذا جاءك طالب العِلْم فأفضل أنواع العبادة أن تعلِّمه، وإذا مرض من يلوذ بك فأفضل أنواع العبادة أن تمرِّضه ، هذه العبادة المُطلقة .
 بينما هناك العبادة المقيدة هذا الذي يتوهم أن يعبد الله في ترك الدنيا ، هذه عبادةٌ مقيدة ، وهذا الذي يتوهَّم أن يعبد الله في المحافظة على قلبه فقط ، ويدع شؤون الناس جانباً ، هذه عبادةٌ مقيَّدة ، بل إن أرقى أنواع العبادة كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام أن يعبد الله في كل وقتٍ ، بما هو أنسب الأوضاع ، فيما بين الفجر والشمس أفضل أنواع العبادة أن تصلي ، وأن تتلو كتاب الله . .

﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾

[سورة الإسراء : 78]

 هذه المرونة في فهم العبادة تجعل من الإسلام ديناً عظيماً يتمشَّى مع كل الظروف .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾

[سورة الحجر : 99]

 واليقين هو الموت ، أيْ يجب أن تعبد الله في كل حياتك .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018