الخطبة : 0128 - رمضان2 - شهر القرآن - حليب الأم . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0128 - رمضان2 - شهر القرآن - حليب الأم .


1986-05-16

الخطبة الأولى:

  الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر .
 اللهمَّ صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
 اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير .

تذكير :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ أوحى الله لموسى عليه السلام :

(( أن يا موسى أتحب أن أسكن معك بيتك ؟ فخرَّ موسى ساجداً لله عزَّ وجل ، قال : يا ربّ وكيف ذلك ؟ فقال الله سبحانه وتعالى : يا موسى أما علمت أنني جليس من ذكرني ؟ وحيثما التمسني عبدي وجدني ؟ ))

 ومن ذكر الله سبحانه وتعالى قراءة القرآن . وقد تحدثت في خطبةٍ سابقة عن فضل الصيام ، وعن أسرار هذه العبادة ، وعن حكمته ، وكيف أن كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لله سبحانه وتعالى ، وهو يجزي به ، وكيف أن الصيام عبادة الإخلاص ، وعبادة الصبر ، وعبادة التقوى .
 وتحدَّثت في الخطبة السابقة عن أنَّ من مفطرات الصيام الكذب ، والغيبة ، والنميمة ، والنظر بشهوةٍ ، واليمين الغموس ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يكثر في رمضان من قراءة القرآن ومدارسته ، وكان أجود ما يكون في رمضان .
 هذه الخطبة عن تلاوة القرآن ، والخطبة القادمة إن شاء الله تعالى عن الإنفاق في سبيل الله .

 

رمضان شهر القرآن :

 فالله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 185 ]

 من كرامة هذا الشهر على الله عزَّ وجل أنه قد أنزل فيه القرآن ، ومن آداب قراءة القرآن الاستماع له ، والإنصات فلعلَّ الله سبحانه وتعالى يتجلَّى على قلب القارئ والسامع برحمته ..

﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

[ سورة الأعراف الآية : 204 ]

﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

[ سورة يونس الآية : 38 ]

 هذا أشد أنواع النفي في اللغة (ما كان) نفي الحدث ، ونفي السبب، ونفي الإمكان ، ونفي الإرادة ، ونفي الرغبة ..

﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

[ سورة يونس الآية : 38 ]

 والله سبحانه وتعالى يدعونا لا إلى تلاوته فحسبُ ولكن إلى تدبُّره، وإلى فهمه ، وإلى التأمُّل في معانيه ، وإلى التبصُّر في آياته ، وإلى التدقيق ، والتمحيص ، والسؤال ، والجواب ، قال تعالى :

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾

[ سورة محمد الآية : 24 ]

 وتلاوة القرآن شأنٌ كبيرٌ من شؤون المؤمن ، إن له أحوالاً عدَّة ، من أبرز أحوال المؤمن تلاوته للقرآن الكريم ..

﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾

[ سورة يونس الآية : 61 ]

 والله سبحانه وتعالى العظيم ، وصف القرآن بأنه عظيم ، فقال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ ﴾

[ سورة الحجر الآية : 87 ]

 أفلا نُعَظِّمه ؟ إذا وصفه الله ـ وهو خالق الأكوان ، وهو عظيم العظماء بأنه عظيم ـ أفلا نعظِّمه ؟ والله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نلتجئ إليه ، ونستعيذ به ، ونحتمي بحماه من كل شيطانٍ رجيم ، ومن كل وسوسة اللعين إذا تلونا كتاب الله ..

﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾

[ سورة النحل الآية : 98 ]

 وهو سبحانه وتعالى يبيِّن ..

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 9 ]

 والمطلق على إطلاقه ؛ في حياتك الزوجية ، في حياتك المعاشية، في عملك ، في صحَّتك ، في جسدك ، في نفسك ، في كل شؤونك لو اتبعت القرآن الكريم لعرفت ..

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 9 ]

 والله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نقرأ القرآن في أوقات السحر ، في أوقات الفجر ، فإنها ..

﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴾

[ سورة المزمل الآية : 6 ]

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 78 ]

 ويبيِّن الله سبحانه وتعالى أن القرآن شفاءٌ للنفوس ، ورحمةٌ للمؤمنين فقال تعالى :

﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 82 ]

 وتولَّى الله سبحانه وتعالى تيسيره ، وتيسير تلاوته ، وحفظه ، فقال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾

[ سورة القمر الآية : 17 ]

 و ..

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الحشر الآية : 21 ]

 كيف لا نخشع له والجبال تخشع له ؟! هذه الجبال الشامخة تخشع له لو أُنْزِلَ عليها .
 والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً ﴾

[ سورة المزمل الآية : 4 ]

 أو :

﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ﴾

[ سورة المزمل الآية : 20 ]

 لابدَّ من قراءة القرآن ، ولو صفحةً في اليوم ، ولو حِزْباً ، ولو جُزْءاً .
 والله سبحانه وتعالى أثنى على بعض أهل الكتاب فقال تعالى :

﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 121 ]

 وقد فسَّر العلماء (حقَّ التلاوة) بتجويده ، وفهمه ، والعمل به .
 هذه بعض آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن القرآن الكريم ، فماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا الكتاب العظيم ؟

 

الأحاديث التي تتحدث عن فضل قراءة القرآن

 قال عليه الصلاة والسلام :

(( من قرأ القرآن ثم رأى أن أحداً أوتي أفضل مما أوتي فقد استصغر ما عظَّمه الله ))

[ من تخريج أحاديث الإحياء عن عبد الله بن عمر ]

 و..

(( ما من شفيعٍ أفضل منزلةً عند الله تعالى من القرآن ))

 و ..

(( لو كان القرآن في إهابٍ ـ أي في جلدٍ ـ ما مسَّته النار ))

[ من تخريج أحاديث الإحياء عن سهل بن سعد ]

 و..

(( أفضل عبادة أمتي تلاوة القرآن ))

[ من الجامع الصغير عن النعمان بن بشير ]

 و..

(( خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه ))

( من الجامع الصغير : عن " سعد " )

 و..

(( من شغله القرآن عن دعائي ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ))

[ من زيادة الجامع الصغير عن أبي سعيد ]

 من شغله القرآن عن مسألتي ، وعن دعائي أعطيته فوق ما أعطي السائلين .
 و..

(( ثلاثةٌ يوم القيامة على كثيبٍ من مسكٍ لا يهولهم فزعٌ ، ولا ينالهم حساب ، أحدهم رجلٌ قرأ القرآن ابتغاء وجه الله ، وثانيهم رجلٌ أمَّ قوماً وهم له راضون ))

 وليسو كارهين .

[ من تخريج أحاديث الإحياء ]

 من أمَّ قوماً وهم له كارهون فهذا مرفوضٌ ، ومردودٌ .
 و..

(( أهل القرآن أهل الله وخاصَّته ))

 و..

(( إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد ، فقيل : يا رسول الله وما جلاؤها؟ قيل : تلاوة القرآن وذكر الموت ))

[ من تخريج أحاديث الإحياء عن ابن عمر ]

لا يحزن قارئ القرآن .

 والحديث الذي أريد أن أقف عنده قليلاً ، قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( لا يحزن قارئ القرآن ))

 أنَّى للحزن أن يتسرَّب إلى قلبه ؟ إنه يوحِّد الله ، ويرى الله هو كل شيء ، وبيده كل شيء ، وإليه المصير ، فإذا كان الله عنك راضياً فما الذي يحزنك ؟ إذا كان الله عنك راضياً فما الذي يُقْلِقُك ؟ إذا كان الله عنك راضياً فمن الذي يخيفك ؟ إذا كان الله عليك راضياً فما الذي تحزن على فقده ؟ .

(( ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء وإذا فتُّك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ ابن كثير ]

 إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ أنَّى لقارئ القرآن أن يحزن وهو يتلو قوله تعالى :

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ]

[ سورة النحل الآية : 97 ]

 أنَّى لقارئ القرآن أن يحزن وهو يعلم أن ..

﴿ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الحج الآية : 38 ]

 أنَّى لقارئ القرآن أن يحزن وهو يعلم أن الله سبحانه وتعالى سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات ودَّا ؟ أنى لقارئ القرآن أن يحزن وهو يعلم أن الله يحبهم ..

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة الآية : 54 ]

 أنَّى لقارئ القرآن والله تعالى يقول :

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود الآية : 56 ]

 أنَّى له أن يحزن ؟ أنىّ له أن يحزن وهو يتلو قوله تعالى :

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾

[ سورة الجاثية الآية : 21 ]

 أنَّى لقارئ القرآن أن يحزن وهو يتلو قوله تعالى :

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص الآية : 61 ]

 أنَّى لقارئ القرآن أن يحزن والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة الآية : 18 ]

 علامة قراءة القرآن أنَّ الحُزْنَ لا يمكن أن يصل إلى قلبك ، وعلامة البُعْد عن القرآن أن القلب تثقله الأحزان ، تثقله المخاوف ، تثقله الهموم بسبب الشرك ..

(( لا يحزن قارئ القرآن ))

 و..

(( من تعلم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت ))

 ما من خريف عمرٍ أجمل من خريف عمر المؤمن ، لأنه نشأ في طاعة الله ، وهذا الدماغ ـ إن صحَّ التعبير ـ وعى القرآن ، أنَّى له أن يخرف ، أنى له أن يُضَيِّع وقد قرأ كتاب الله ، وقد فهم كتاب الله ..

(( من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))

 والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( القرآن غنىً لا فقر بعده ... ))

[ من الدر المنثور عن أنس ]

 إن شعرت أنك محروم فلست تقرأ القرآن ، من علامة تلاوة كتاب الله كما أراده أن يُتلى أن تحسَّ بالغنى ، إن الغنى غنى النفس ، من علامة تلاوتك لكتاب الله كما أراد الله أن تتلوه أنك تحسُّ بالغنى الذي لا حدود له .

(( القرآن غنىً لا فقر بعده ولا غنىً دونه ))

أقوال الصحابة والتابعين والعلماء في حق القرآن .

 ماذا قال أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وبعض التابعين ، وبعض العلماء العاملين في حق القرآن الكريم ؟
 قال سيدنا عمر حينما رأى إنساناً ترك العمل ، وقعد في المسجد في النهار يتلو كتاب الله ، فقال سيدنا عمر مُعَنِّفاً :

(( إنما أُنْزِلَ هذا القرآن ليُعمل به ، أفاتخذت قراءته عملاً ))

 اقرأه في الليل واعمل به في النهار ، هذا هو المسلم الحقيقي .
 وأبو هريرة رضي الله عنه قال :

(( إن البيت الذي يُتلى فيه القرآن اتسع بأهله ، وكثر خيره ، وحضرته الملائكة ، وخرجت منه الشياطين، وإن البيت الذي لا يتلى فيه كتاب الله ضاق بأهله ، وقلَّ خيره ، وخرجت منه الملائكة ، وحضرته الشياطين ))

 ويحضرني في هذه المناسبة قولٌ مأثور : أن الرجل إذا دخل بيته ولم يسلِّم ـ لم يقل : السلام عليكم ـ قال الشيطان لإخوانه أصبتم المبيت في هذا البيت ، فإذا جلس إلى الطعام ولم يسمِّ قال الشيطان لإخوانه : أصبتم العشاء ، فإذا دخل ولم يسلِّم ، وجلس إلى الطعام ولم يسم قال الشيطان لإخوانه : أصبتم المبيت والعشاء ، فإذا هذا البيت شقاقٌ ، وخصامٌ ، ونفورٌ ، وسُبابٌ ، وضربٌ ، وتكسيرٌ ، ونغصٌ لا حدود له .
 سيدنا عمرو بن العاص قال :

(( كل آيةٍ في القرآن الكريم درجةٌ في الجنة ...))

 بمعنى أن كل آيةٍ تفهمها ترتقي بك درجةً في الجنة ، كم آيةٍ في كتاب الله ؟ وإذا شئت التضييق كل كلمةٍ تفهمها ، وكل حرفٍ تعقله ، وكل حركةٍ ، الحركة لها معنى دقيق ..

﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾

[ سورة التوبة الآية : 40 ]

 قال تعالى :

﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 40 ]

 لم يقل : وكلمةَ الله ، لو قال : وكلمةَ الله هي العُليا ، أي جعلها عُليا بعد أن كانت سفلى ، وهذا معنى فاسد ..

﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 40 ]

 مبتدأ ..

﴿ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾

[ سورة التوبة الآية : 40 ]

 دائماً وأبداً ، إذا فقهت حركة الكلمة فلك عند الله درجة ، الحركة درجة ، الحرف درجة ، الكلمة درجة ، الآية درجة ، " كل آيةٍ في القرآن درجةٌ في الجنة ومصباحٌ في بيوتكم " . هذا الذي يغضب من زوجته ويطردها إلى بيت أهلها ما تلا كتاب الله ..

﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ ﴾

[ سورة الطلاق الآية : 1 ]

 لو أنه تلا هذه الآية لكانت مصباحاً له فأبقاها في بيته ، فانطفأ الشرُّ بعد ساعات ، فلما طردها إلى بيت أهلها تفاقم الشر ، وانتهى بالطلاق ، وتشريد الأولاد ، مصباحٌ في بيوتكم .
 وسيدنا الحسن يقول :

(( والله ما دون القرآن من غنىً ، ولا بعده من فاقة ))

 وسيدنا عمرو بن العاصي يقول أيضاً :

(( من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جبيه إلا أنه لا يوحى إليه ))

 أما التابعين فيقول بعضهم وهو الفضيل بن عياض :

(( ينبغي لحامل القرآن ألا يكون له إلى أحدٍ حاجة ، فينبغي أن تكون حوائج الخَلْق إليه ، وحامل القرآن حامل راية الإسلام ، لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو ، ولا أن يسهو مع من يسهو ، ولا أن يلغو مع من يلغو تعظيماً لحق القرآن " . هذا الذي يحمل كتاب الله ينبغي أن يكون في موضع إعزازٍ وتقدير ، لا في موضع سؤالٍ ، وتذلُّل ، وخنوع ))

 والعكبري يقول :

(( تؤخذ ألفاظه من حفَّاظه ، وتؤخذ معانيه ممن يعانيه". تأخذ ألفاظه ، ومخارج حروفه ، ومُحْكَمَه ، ومتشابهه من حفَّاظه، وتؤخذ معانيه ممن يعانيه ))

 والقاسم بن عبد الرحمن التقى بناسكٍ ، فشكا له الوحشة ، فقال له :

(( ما أحدٌ هنا تستأنس به ؟ قال : لا . فمدَّ يده إلى كتاب الله ووضعه في حجره، استأنس به ))

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ والإمام الغزالي رضي الله عنه عقد في الإحياء باباً حول آداب تلاوة القرآن الكريم ، ذكر فيه : أن أفضل أحوال المؤمن أن يقرأ القرآن واقفاً في صلاةٍ في مسجدٍ . أي أنتم حينما تصلون التراويح ، تقفون في المساجد بين يدي الله عزَّ وجل ، تستمعون إلى الإمام وهو يتلو عليكم آيات القرآن ، فهذه أفضل أحوال المؤمن .
 وفد إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في عهد عمر رسول عامله على أذربيجان ، وقد دخلها بعد منتصف الليل ، فَكَرِهَ أن يطرق باب أمير المؤمنين في هذا الوقت المتأخِّر ، فدخل المسجد النبوي ليمضي فيه بعض الوقت ، ريثما تقام صلاة الفجر ، فسمع رجلاً وسط الظلام يقرأ القرآن مصلياً ، يبكي بكاء الحزين ، ويتأوه تأوّه السقيم ، ويقول بعد أن انتهى من صلاته :
 " يا رب أنا واقفٌ ببابك ، أرجو جنابك هل قبلت توبتي فأهنِّئ نفسي ، أم رددتها فأعزيها ؟
  فدنوت منه وقلت له : من أنت يرحمك الله ؟
 قال : أنا عمر .
 فقلت : يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل ؟! .
 فقال : يا هذا إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي ، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي .
 فلما دخل وقت الفجر ، وصلَّى عمر الفجر بالمسلمين ، أخذني وانطلق بي إلى بيته ، وفي البيت نادى زوجته على أم كلثوم فقال لها : ما عندكِ من طعامٍ لضيفنا ؟ قالت : والله ما في بيتي إلا خبزٌ وملح . فقال : أحضريه لنا ، تناول مع رسول عامله على أذربيجان هذا الطعام المتواضع ، وحمد الله وأثنى عليه ثم قال له :
 ما الذي أقدمك إلينا ؟ لماذا جئت ؟
 فقال : هديةٌ بعث بها إليك عاملك على أذربيجان .
 قال : افتحها . فإذا هي حلوى نفيسة ، وضع بعضها في فمه وقال: يا هذا أيأكل عامَّة المسلمين عندكم هذا الطعام ؟ .
 قال : لا إنه طعام الخاصَّة .
 قال : أو أعطيت فقراء المسلمين في المدينة مثلما أعطيتني ؟ .
 قال : لا هذه لك وحدك .
 فقال : خذها ، ووزعها على فقراء المسلمين ، وحرامٌ على بطن عمر أن يذوق طعاماً لا يطعمه فقراء المسلمين .
 ومرَّةً قرقر بطنه كثيراً ـ لتركه أكل اللحم فترةً طويلة ـ فقال مخاطباً بطنه : " قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين ".
 أيها الإخوة المؤمنون ... هكذا تفعل تلاوة القرآن في الليل ، هكذا تفعل ، هكذا تفعل قراءة القرآن في الليل ؛ تملأ القلب رحمةً ، تملأ القلب إنصافاً ، تملأ القلب حباً لخلق الله كلهم .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت تخطانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُق العظيم .

حليب الأم :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حليب الأم من آيات الله الدالة على عظمته .

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

[ سورة البلد الآيات : 8-10]

 قال بعض المفسرين : وهديناه النجدين أي الثديين ، وهديناه ، لهذا الإنسان الذي كرمه الله ، الذي كرّمه الله على كل الخلق :

﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

 ماذا قال علماء الطب ، عن حليب الأم ؟ قالوا : إن الهوَّة واسعةٌ جداً ، بين الإرضاع الوالدي الطبيعي ، وبين الإرضاع الصناعي . ففي حليب الأم ، موادُّ نوعيةٌ ، يصعب تصوّر تقليدها ، يصعب تصور تقليد حليب الأم .
 ففي حليب الأم مضادات حيوية ، وفي حليب الأم مواد حالَّة للجراثيم ، مركزةٌ فيه تركيزاً شديداً ، تحلُّ الجراثيم ، وفي حليب الأم مواد تمنع التصاق الجراثيم ، بمخاطية الأمعاء ، وفي حليب الأم كرياتٌ بيض ، مزودةٌ بمضادتٍ حيوية ، تمنع العدوى بالأمراض الوبيلة ، مناعة الأم كلها في حليب الأم ، أيُّ مناعةٍ تتمتع بها الأم ضد الأمراض ، إن هذه المناعة كلها ، في حليب الأم .
 في حليب الأم مواد حامضية ، تقتل الجراثيم في الأمعاء ، لذلك ـ هكذا إحصاءاتهم ـ إن حالات وفاة الأطفال هي ثلاثة أضعاف ، عند الأطفال الذين يتلقون الإرضاع الصناعي ، وأقل منها بثلاثة أمثال ، عند الأطفال الذين يرضعون من أثداء أمهاتهم مباشرةً .
 واكتشف العلماء ، من خلال تجارب طويلة ، أجروها على أطفال تلقَّوا الحليب من أمهاتهم ، وعلى أطفال أرضعوا إرضاعاً صناعياً ، فوجدوا أن بعض الآفات الكبرى ؛ كتصلب الشرايين ، والآفات القلبية ، ومرض السُكّر ، والبدانة ، تكثر في الأطفال الذين تلقوا الإرضاع الصناعي .
 والإرضاع الوالدي فوق كل هذا ، يقي المرأة من سرطان الثدي، حيث وُجِدَ أن أكثر حالات سرطان الثدي عند المرأة ، موجودٌ في النساء اللواتي يمتنعن عن إرضاع أولادهن ، حفاظاً على شكلهن ، عقاب الله سبحانه وتعالى هذا المرض الخبيث .
 وقد وقف العلماء ، عند بعض ميزات حليب الأم مثلاً : جاهزيته في أعلى مستوى ؛ ليلاً ، نهاراً ، صباحاً ، مساءً ، في السفر ، في الحضر، حليبٌ معقمٌ ، ذو حرارةٌ مناسبة ، دافئٌ في الشتاء ، باردٌ في الصيف ، مُعَيَّرٌ تعييراً دقيقاً ، كل يومٍ له معيارٌ خاص ، بحسب نمو الطفل، خالٍ من الجراثيم ، يقي من سوء التغذية ، يقي من التَحَسُّس ، ومن الأمراض المعدية ، سهل الهضم ، ويقي الأم من الأمراض الخبيثة، سهل التحضير ليلاً ، وفي السفر .
 وقد أشار العلماء إلى أن الفطام السريع :

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 233 ]

 يحدث رضاً نفسياً ، وانحرفاتٍ سلوكية .

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

[ سورة البلد الآيات : 8-10]

 فيا أيها الإخوة الأكارم ؛ لا ينبغي أن نحيد عن التصميم الإلهي تصميم ربنا أن يرضع الطفل من ثدي أمه ، فإذا انحرفنا عن هذا التصميم، وقعنا في شر أعمالنا .

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك .
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضّ عنا ، يا رب العالمين .
 اللهم أعنا على الصيام والقيام ، وغضّ البصر وحفظ اللسان ، وأدخلنا الجنة بسلام .
 اللهم اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وفكَّ أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلِّغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا، مولانا رب العالمين .
 اللهم إنَّا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، ومن الخوف إلا منك ، نعوذ بك من عُضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السَلب بعد العطاء .
 اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018