الخطبة : 0443 - الكلمة الطيبة - دوران الشمس والأرض. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0443 - الكلمة الطيبة - دوران الشمس والأرض.


1993-07-09

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيّته وإرغاماً لمن جحدَ بهِ وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتصلت عينٌ بنظرٍ ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صل وسلّم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آلهِ وأصحابه ، وعلى ذريّتهِ ومن والاهُ ومن تُبِعَهُ إلى يوم الدين، اللهمَّ ارحمنا فإنكَ بِنا راحم ، ولا تعذبنا فإنكَ علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنكَ على كلِّ شيءٍ قدير ، اللهمَّ أعطِنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تُهِنّا ، وآثِرنا ولا تُؤثر علينا ، وأرضِنا وارض عنّا .

الكلمة الطيبة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في سورة إبراهيم آيةٌ تتحدثُ عن الكلمة ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ، وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ))

[أحمد عن أنس بن مالك]

 استقامة القلب متعلقةٌ باستقامة اللسان ، واستقامة اللسان أن يأتمرَ بما أمر ، وأن ينهى عمّا نهى الله عنهُ وزجر ، فالآية الكريمة التي تقول :

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾

[سورة إبراهيم : 24]

 ما هي الكلمة الطيبة ؟ قال بعض العلماء : الكلمة الطيبة هي الكلمة التي تطيبُ بها النفس ، فإذا ذكرّت الإنسان بأنَّ الله سبحانه وتعالى بيده الأمر كلهُ ترتاحُ نفسك ، الإنسان إذا توهم أنَّ الأمر بيد آلهةٍ من بني البشر تضيقُ نفسُهُ ، فكلمة التوحيد تطيب بها النفس ، كلما أرجعتَ الأمور إلى قِوى في الأرض ضاقت النفس ، ورأت المستقبل مظلماً ، ورأت المستقبل ميؤوساً منه ، أما إذا تكلمت بكلمة التوحيد ووضحّت للناس أنَّ الأمر كله بيد الله ، وأنَّ يدَ الله فوق أيدي البشر ، وأنه :

﴿فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾

[سورة الزخرف: 84]

 وأنهُ :

﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾

[سورة هود : 56]

﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾

[سورة الحج : 14]

﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾

[سورة الرعد : 41 ]

﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

[سورة الكهف : 26]

 وأنَّ لكلِّ شيءٍ حقيقة وما بلغَ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يعلم أنَّ ما أصابَهُ لم يكن ليُخطِئَهُ وما أخطأَهُ لم يكن ليُصيبَهُ ، كلمات التوحيد تبعث في النفس الراحة والطمأنينة ، تطيبُ بها النفس ، ترتفعُ معنوياتها ، ترى المستقبل مشرقاً ، ترى أنَّ الله لن يُضيّعَ المؤمنين ، ولن يُضيّع المسلمين ، وأنَّ الله سبحانه وتعالى بيده الأمر ، وهو الخالق :

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[سورة الزُمر: 62]

 هذهِ الكلمة الطيبة كلمة التوحيد ، والحديث عن المُثل العُليا ، عن الأنبياء والمرسلين ، عن عِصمتهم ، عن كمالاتهم ، عن رحمتهم ، عن إنفاقِهم ، عن عدلِهم ، عن شجاعتهم ، عن بذلِهم ، هؤلاء المُثل العُليا قدوتنا وأسوتنا ، لا نتحرك إلا إذا رأينا الإسلام مجسدّاً في شخص ، فالحديث عن الأنبياء والمرسلين ، وعن كبار الصحابة والتابعين حديثٌ تطيبُ به النفس لأنها ترتاح ، ترى الكمال الإنساني ، ترى قيمة الإنسان ، ترى حقيقة الإنسان ، ترى الجانب العلوي في الإنسان ، ترى ارتفاع الإنسان ، ترى سموَّ الإنسان ، أمّا الحديث عن سقوط الإنسان ، وعن دناءة الإنسان ، وعن لؤم الإنسان ، وعن المستوى الذي لا ينبغي أن يكونَ فيهِ الإنسان ، فهذا حديثٌ يُعكّرُ النفس ، فالكلمة الطيبة كلمةٌ تطيبُ بها النفس ، ترتاحُ لها .

 

الفرق بين الكلمة الطيبة و الكلمة الخبيثة :

 شيءٌ آخر أيها الأخوة : حينما يعتذر الإنسان لأخيه الإنسان إذا أخطأَ في حقِهِ ، هذا الاعتذار كلمةٌ طيبة تزيلُ الضغن ، تُزيلُ الحقد ، تُزيلُ الألم ، تمسحُ الأسى ، فكلمات الاعتذار من الكلمات الطيّبة ، إذا رأيت الحق وكُنتَ موغلاً في الباطل فرجعتَ إلى الحق وأعلنتَ هذا صريحاً ، هذا الرجوع وهذا الاعتراف كلمةٌ طيبة ترتاحُ لها النفس .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا رُويت لك قصة فإذا قُلت : لعلّها غير صحيحة ، لعلَّ الناقِلَ فاسقٌ ، لعلَّ مبالغةً قد أحاطت بها ، لعلَّ تجاوزاً للحدِ قد ألمَّ بِها ، هذا التحفظ في كلماتك تحفظٌ طيب يُريح النفس ، لأنَّ الكلمة الخبيثة فيها تضخيمٌ للعيوب ، مبالغةٌ ، تطويرٌ للأمر لا يستحقهُ ، فربنا سبحانه وتعالى كلامُهُ موجز ، والبلاغةُ في الإيجاز ، الكلمة الطيبة كُلُّ كلمةٍ تُريحُ النفس ، تتوافق مع فِطرة النفس ، تتوافق مع المنطق ، تتوافق مع الواقع ، تتوافق مع القرآن، تتوافق مع الكمال البشري ، فكلمات التوحيد ، وكلمات النبوة ، والحديثُ عن كمال الأنبياء ، والحديثُ عن سيّر الصالحين ، وبيان الحكم الفقهي الذي يوقف الناس عندَ حدودهم ، وكلمات الاعتذار ، وكلمات التحفّظ ، هذه كلها كلمات طيبة ترتاح لها النفس ، فالمؤمن مثلاً يا أيها الأخوة يلتمسُ لأخيهِ العذر ، فإذا التمستَ لأخيكَ العذر هذا الالتماس كلمةٌ طيبة ، المؤمن إذا استمع إلى قصةٍ فيها طعنٌ بإنسانٌ معروف بالصلاح لا يقبلُها ، ويبحثُ عن نِقاط الضعف فيها ، ويبحث عن الراوي ، هذا التحفظ وهذا الدفاع كلمةٌ طيبة ، ربنّا جلَّ جلالُهُ يقول :

﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾

[ سورة إبراهيم: 24]

 أحياناً تدخل إلى بيتٍ صغيرٍ صغير يستحي به صاحبهُ ، تقولُ له : كان عليه الصلاة والسلام إذا صلّى قيام الليل رفعت السيّدة عائشة رجليها لأنَّ غرفتهُ الصغيرة جداً لا تتسعُ لصلاتِهِ ونومِها ، هذهِ كلمةٌ طيبة تُريح النفس ، تجبرُ خاطر صاحب هذا البيت ، أما إذا قُلتَ لَهُ: كيفَ يَسَعُكَ هذا البيت ؟ هذا بيت ؟ كيفَ تسكُنُهُ ؟ هذهِ كلمةٌ خبيثة ، زوجٌ قدّمَ لزوجتِهِ هدية بمناسبةٍ من المناسبات فإذا أثنيتَ أنتَ على الزوج ، وعلى أخلاق الزوج ، وعلى وفاء الزوج ، وعددتَ هذهِ الهدية ثمينةً لمعناها فهذهِ كلمةٌ طيبة ، أمّا إذا ازدريتَ الهديّة وقيّمتها بثمنٍ بخس وقُلتَ لزوجتِهِ : أهذا مكانُكِ عِندَهُ ؟ هذه كلمةٌ خبيثة لأنها فرّقت بين الزوجين ، الكلمات الطيبة تجمعُ الشمل ، والكلمات الخبيثة تُفرّق الشمل ، الكلمات الطيبة تطيبُ بها النفس ، والكلمات الخبيثة تنقبضُ منها النفس .

 

علاقة الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ربُنا جلَّ جلالهُ يقول :

﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ﴾

[ سورة إبراهيم: 24]

 ما وجه الشبه يا أيها الأخوة ؟ ما علاقة الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة ؟ الكلمة الطيبة هي بِضعةُ حروفٍ ينطق بها اللسان ، والشجرة أساسُها بذرةٌ صغيرة :

((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 كلمةٌ قالها ، إشارةٌ أشارَ بِها ، حركةٌ بالثوب حرّكها ، إنها كلمةٌ خبيثة ، فيا أيها الأخوة الشجرة الطيبة أصلُها بذرة ، والبذرة صغيرة جداً ، ربما نشبت معركةٌ بين أسرتين بكلمةٍ خبيثة ، فكما أنَّ الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة أصلُها بذرة ، وهذهِ البذرة نما لها سويق ، ونما لها جُذير ، ثمَّ خرجت فوق الأرض ، ثمَّ أصبحَ لها جذعٌ ، وفروعٌ ، وأوراقٌ ، وأزهارٌ ، وثِمار ، والكلمة كذلك يتناقلها إنسان لآخر ، أسرة لأسرة ، حي لحي ، قرية لقرية ، مدينة لمدينة ، إلى أن تنتشر هذهِ الكلمة في أكبر مساحة ممكنة ، وكذلك الأشجار وجه الشبه بين الكلمة الطيبة وبين الشجرة أنَّ الشجرة تنمو ، والكلمة الطيبة تنمو نمواً عجيباً .

 

توافق الكلمة الطيبة مع الفطرة و الواقع :

 شيءٌ آخر :

﴿ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ ﴾

[ سورة إبراهيم: 24]

 ما معنى أصلُها ثابت ، أيها الأخوة الأكارم ؛ الكلمة الطيبة تتوافق مع الفطرة الإنسانية ، والكلمة الطيبة تتوافق مع العقل البشري ، والكلمة الطيبة تتوافق مع الواقع ، والكلمة الطيبة تتوافق مع النقل الصحيح مع القرآن والسُنّة ، فإذا توافقت هذهِ الكلمات مع هذهِ المعطيات الثابتة كانت ثابتةً ثباتَ الحق ، فالكلمات الخبيثة سرعانَ ما تزول ، سرعان ما تتلاشى ، سرعان ما تضمحل ، لكنَّ الكلمات الطيبة النبي عليه الصلاة والسلام جاء بالكلمة الطيبة ، جاء بالقرآن، جاء بالسُنّة ، هذهِ الكلمات الطيبة انتشرت في كلِّ مكان ، انتشرت بين مليار ومئتي ألف مسلم يرددون صباحَ مساء الله أكبر ، هذهِ الكلمة الطيبة أصلُها ثابت ، لكنَّ الكلمة الخبيثة أيها الأخوة لا أصلَ لها سريعاً ما تتلاشى مهما دعمتها بالقِوى ، مهما روجّتَ لها ، مهما زخرفتها ، إنَّ القوة الداعمة لها إذا تلاشت عن الساحة تلاشت الكلمة ، وانهارت وانهارَ معها كُل شيء .
 يُروى أنَّ سيدنا جعفر الصادق رضي الله عنه عَلِمَ أنَّ رجلاً قد اغتابه فطلبَ من خادمِهِ أن يأتيَهُ بأحسن أنواع التمر - هذهِ قصةٌ بليغة - سيدنا جعفر الصادق عَلِمَ أنَّ رجلاً قد اغتابه فطلبَ من خادمِهِ أن يأتيَهُ بأحسن أنواع التمر الموجودة عندهُ ، ثمَّ انتقى أطيبَ هذا التمر وأرسلهُ هديةً لمن اغتابه ، وأرسلَ مع هذه الهدية كتاباً قصيراً قالَ فيه : أُعلمتُ أنكَ قد اغتبتني بالأمس ، وبما أنكَ قدمت إليَّ أحسنَ ما عِندك - إلى ماذا أشار ؟ المغتاب يوم القيامة يقف الذي اغتابهُ ويقول : يا رب خُذ لي مظلمتي من فُلان لقد اغتابني بالباطل ، لقد تكلّمَ فيَّ كلاماً غيرَ صحيح ، لم يتحقق ، لم يتثبت ، لم يُراجع ، فربنا جلَّ جلالهُ يُعطيهِ من حسناتِهِ فإذا فنيت حسناتُهُ تحمّلَ من سيئات الذي اغتيب - وهو حسناتُك ، فلم أجد بُداً من أن أرد لكَ الهدية فأقدم لكَ أحسنَ ما عندي وهوَ هذا التمر .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ ربما فُتت المجتمعات بالغيبة ، ربما تمزقت الأُسر ، ربما تفتتت الجماعات ، ربما حلت البغضاء والعداوة محلَ المودة والحب .

 

الحق ثابت راسخ لا يتبدل :

 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾

[ سورة إبراهيم: 24]

 الحق لا يتبدل ثابت ، راسخ ، لكنَّ الباطل كما قال الله عزَّ وجل :

﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾

[سورة الإسراء : 81]

 الباطل بمجرّد أن ترتفع عنه القوة الداعمة لهُ ينهار ويتلاشى ، وينساهُ الناس مهما امتدَّ عمرُ الباطل ، كما قُلتُ قبلَ قليل : لمجرد أن تختفي من الساحةِ القوةُ الماديةُ التي تدعمُهُ يتلاشى من النفوس ، ولا يبقى لَهُ من أثر ، لكنَّ الحق لَهُ شأنٌ آخر لأنهُ متوافقٌ مع طبيعة النفس ، متوافقٌ مع فِطرتها ، متوافقٌ مع الواقع ، متوافقٌ مع العقل ، متوافقٌ مع المنطق ، متوافقٌ مع النقلَ الصحيح ، لذلك ترى الحقَ راسخاً وثابتاً ومستمراً .
 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا))

[ ابن ماجه عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ]

 الله سبحانهُ وتعالى يُشجِعُنا على الكلمة الطيبة إنها كالشجرة ، هذهِ الشجرة لا يكفي أنها تنمو ، ينمو لها الجذعُ ، تنمو لها الفروع ، تنمو لها الأغصان ، تورِق ، تُزهر ، تُثمر، هذهِ الثمرة إذا أخذتها فيها بذرةٌ لشجرةٍ أخرى ، إذا زرعتها في مكانٍ آخر أنبتت شجرةً مثلها ، والشجرة الثانية إذا أخذتَ ثمارها فيها بذور لشجرةٍ ثالثة ، وكذلِكَ الحق . . كذلِكَ الحق أينما نقلتَهُ في أي مكان يُثمر ، في أي زمان يُثمر ، لأنهُ خالد ، لأنَّ اللهَ هوَ الحق ، وهذا الحق كلامُهُ ، وهذا الحق شرعُهُ .

 

وصول آثار الكلمة الطيبة إلى الله عز وجل :

 شيءٌ آخر : لعلَّ الله سبحانهُ وتعالى وهوَ الذي يعلمُ ما كان ، ويعلمُ ما يكون، ويعلمُ ما سيكون ، عَلِمَ أنَّ هذهِ الكلمة يمكن أن تنتقلَ سريعاً عبرَ المخترعات الحديثة ، فالكلمة التي يقولها إنسان في أقصى الشمال يسمعها كُلُّ سكان الأرض في الوقت نفسِهِ ، فالكلمات تتناقل عبرَ هذهِ الأجهزة الحديثة ، لذلك الكلمة تنتشر ، فإن كانت طيبة ينتشرُ خيرُها ، وإن كانت خبيثة ينتشر خُبثُها .
 شيءٌ آخر : الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾

[ سورة إبراهيم: 24]

 ما معنى فرعُها في السماء ؟ أي أنَّ هذه الكلمة الطيبة وصلت آثارُها إلى الله عزّ وجل ، إلى السماء ، عَلِمها الله عزّ وجل وباركَها ، رضيَ عنها وأعطاها قوةً في النشر ، أعطاها قوةً في التأثير ، الذي يتكلم الكلمة الطيبة الله سبحانهُ وتعالى يعلمُها ويعلم نواياهُ الطيبة ، وربما كافأهُ عليها ، وربما نشرها وأعطاها قوة تأثيرٍ عاليةً جداً ، فيا أيها الأخوة الكرام إذا تكلمنا الكلمة الطيبة لا ينبغي أن ننتظرَ الأجرَ من الأرض ، ينبغي أن ننتظرَ الأجرَ من السماء، ينبغي أن نتبيّنَ إخلاصنا فيها ، حتى يكونَ الإخلاصُ شفيعاً لها في أن يقبلها اللهُ عزّ وجلّ ، ويُثيبَ قائِلَها خيرَ الجزاء .

﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾

[ سورة إبراهيم: 25]

 وأما

﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾

  معنى تؤتي أُكُلها كلَّ حينٍ يا أيها الأخوة ؛ أي أنَّ هذهِ الكلمة أينما قلتها في أي مكانٍ ، وفي أي زمانٍ ، في أي ظرفٍ ، وفي أيّة بيئةٍ تؤتي الثمرةَ المطلوبة ، وهذا شأنُ الحق ، انظر إلى الإسلام وصلَ إلى أقصى الشمال ، إلى أقصى الشرق ، إلى أقصى الغرب ، وصلَ إلى كل الشعوب والبلدان ، الكلمةُ الطيبة تؤتي أُكُلها كلَّ حين أي في كلِّ حينٍ تزرعُها تُنبِتُ نباتاً طيباً ويُثمرُ ثماراً طيبة .

 

الكلمةُ الطيبةُ راسخةٌ رسوخَ الحق لكنَّ الكلمةَ الخبيثة سريعاً ما تُجتث :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ وأما الكلمة الخبيثة التي قالَ اللهُ عنها :

﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾

[ سورة إبراهيم: 26]

 أيضاً الكلمة الخبيثة كالشجرة تنتقل وتؤذي وينتشر خُبثُها وسوءُها في كُلِّ مكان، لكنَّ الفرقَ بينها وبين الكلمة الطيبة :

﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴾

[ سورة إبراهيم: 26]

 الكلمات الخبيثة ، النظريات الخبيثة ، المبادئ الخبيثة التي تفرّق ، التي تُثيرَ الحِقدَ بينَ الناس ، التي تَحُلُ الأسرة من أصولِها ، هذهِ الكلمات الخبيثة ، ترويج الباطل ، ترويج الإلحاد ، ترويج الشهوات ، الدفعُ إلى ارتكاب المعاصي ، هذا كُلّهُ يتم عن طريق الكلمات الخبيثة ، هي تنتشر ، ربما انتقلت كلمة السوء إلى كُلِّ قارات الأرض بلمح البصر ، فانتشار الكلمة الخبيثة يُشبهُ انتشار الكلمة الطيبة ولكن مع فارق وحيد هو أنَّ الكلمة الخبيثة

﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾

 إذا جاءها الحق بددها ، إذا جاءها الحق أذهبها ، أبطلَ مفعولها ، الكلمةُ الطيبةُ راسخةٌ رسوخَ الحق لكنَّ الكلمةَ الخبيثة لا أصلَ لها سريعاً ما تُجتث ، سريعاً ما ينساها الناس ، كم من الفِرق الضالّة ، كم من النظريات الهدّامة ، كم من المبادئ المضللة ، كم من الأفكار السيئّة التي روّجها أصحابُها ، وزخرّفوا لها القول ، وأمدّوها بكلِّ المُرغبّات ، بمجرّد أن تفقِدَ قوة الدعمِ لها تلاشت ، واندثرت ، وتلاشت آثارُها ، ونسيّها الناسُ وكأنها لم تكن ، بعضُ البلدان التي عمَّ فيها الإلحاد ردحاً من الزمن ، هل استطاع الإلحاد أن يُلغيَ الكلمة الطيبة ؟ أن يُلغيَ العقيدةَ الصحيحة ؟ أُلغيَ هوَ ولم تُلغ الكلمة الطيبة ، فرقٌ دقيق أشارَ إليه القرآن الكريم :

﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴾

[ سورة إبراهيم: 26]

القرآن الكريم قول ثابت يُثبّتُ النفس و يحميها :

 لكنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يقول بعد ذلك :

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾

[ سورة إبراهيم: 26]

 قد يأتي زمانٌ أيها الأخوة تكثرُ فيهِ الكلمة الخبيثة ، تكثُرُ وتنمو كالشجر ، وتزدادُ مساحات انتشارها ، ويزدادُ أثرُها في النفوس ، ماذا يُنجّي المؤمنين وقتها ؟ القول الثابت ، قالَ بعضُهم القرآن الكريم ،

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾

 إذا كَثُرَ الخبث ، كَثُرت النظريات الهدّامة ، كَثُرت المبادئ المُضللة ، كَثُرت الأفكار المُنحطّة ، إذا كَثُرت ونمت وانتشرت وأصبحت كأنّها هي الأصل ، المؤمنون الله جلَّ جلاله لإيمانِهم ولإخلاصِهم ولِطاعتِهم لِربِهم :

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾

[ سورة إبراهيم: 26]

 القول الثابت القرآن الكريم ، يقول الله عزّ وجل :

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[سورة القصص: 61]

 القول الثابت :

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾

[سورة آل عمران : 196-197]

 القول الثابت :

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

[سورة الأنعام : 44]

 القول الثابت :

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[سورة النحل : 97]

 هذا هوَ القول الثابت ، القول الثابت :

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[سورة طه: 123]

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[سورة البقرة : 38]

 القول الثابت :

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[سورة طه : 124]

 فالإنسان المؤمن إذا أحاطت بهِ هذهِ النظريات ، وتلكَ الكلمات الخبيثة ، وامتدت وانتشرت ونمت وكثُرت وطغت ، ملاذهُ القرآن ، ملاذُهُ كلام الواحد الديّان ، ملاذُهُ الحق الذي يُطمئِنُهُ ، فالله سبحانهُ وتعالى سمّى القرآن الكريم القول الثابت لأنهُ يُثبّتُ النفس ، وسمّاهُ القولَ الثابت لأنَّ أفعالَ الله تُثبِتُهُ ، هوَ يُثبِتُ المؤمن ، وأفعالُ الله جلَّ جلالهُ تُثبتُ هذا القول الثابت ، فالأحداثُ تأتي مِصداقاً لآيات القرآن الكريم :

﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ﴾

[سورة الإسراء : 16]

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[سورة هود: 117]

 تقرأُ القرآن الكريم فترى أنَّ الأحداث الضخمة التي تجري والتي هي من فِعل الله عزّ وجل إنها تؤكدُ القرآن الكريم ، وهذا معنى قوله عز وجل :

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾

[سورة يونس : 39]

 تأويلُهُ وقوعُ الوعدِ والوعيد .

 

الكلمة الخبيثةُ والكلمة الطيبة متساويتان في سرعة الانتشار :

 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ هناكَ كلمةٌ طيبة كلمة التوحيد ، كلمةُ النبوة ، كلمات النبوة، الأحكام الفقهية ، المواقف البطولية ، هذهِ الكلمات الطيبة إنها كالشجر تنمو ، وتنتشر ، وتنتقل من مكانٍ إلى مكان ، وتؤتي أُكُلَها كُلَّ حين ، في أيّ مكانٍ تزرعُها ، وفي أيّ حينٍ تزرعُها تعطيكَ ثمارها ، وكذلكَ الكلمة الخبيثة كلمة الشِرك ، كلمة الكُفر ، كلمة الشهوة ، الإغراء بالمعصية ، الدفعُ إلى الدنيا ، الدفعُ إلى أكلِ أموال الناس بالباطل ، هذهِ كُلُها كلمات خبيثة تنتشر انتشار الكلمات الطيبة ، ولكنّها ليسَ لها جذور ، فإذا جاءها الحقُ اجتثّها من أصلِها وبددها ، وقضى عليها ، فالفرقُ بين الكلمة الخبيثة والكلمة الطيبة هي في الثبات والاستقرار ، بينما الكلمة الخبيثةُ والكلمة الطيبة متساويتان في سرعة الانتشار ، أما المؤمنون فربُنا عزّ وجل يقول :

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾

[سورة إبراهيم : 27 ]

 أي شاءت حِكمة الله أن يكونَ الإنسانُ مُخيّراً ، فإمّا أن يختار الكلمة الطيبة فيسعدُ بِها إلى أبد الآبدين ، وإمّا أن يختار الكلمة الخبيثة فيشقى بها إلى أبد الآبدين ، لكنَّ المؤمنَ المستقيمَ على أمر الله عزّ وجل ولو طغت الكلمات الخبيثة ، والنظريات الهدّامة ، والمبادئ السافلة التي تحضُ على المعصية ، وتُغري بالدنيا وشهواتِها وزينتها ، المؤمنُ يُثبِتُهُ الله بالقولِ الثابت ، بالقرآن ، القرآن يُثبتُ المؤمن ، والله سبحانهُ وتعالى يُعزّزُ معاني القرآن بأفعالِهِ الجِسام ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام :

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ ؛ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))

[ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 أحدثُ إحصاءٍ لمرض الإيدز أنه يموتُ بهذا المرض إنسانٌ كُلَّ ساعتين . . . إنسان كُل ساعتين . . . وأنَّ عدد المصابين بهذا المرض يفوقُ مئات الألوف ، وأنَّ عدد الذين يحملونه يفوقُ عشرات الملايين ، وأنَّ نماءَ هذا المرض بسلسلةٍ هندسيّة لا بسلسلةٍ عددية ، الأحداثُ تؤكدُ أقوالَ اللهِ عزّ وجل وأقوالَ النبي عليه الصلاة والسلام ، هذا معنى :

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾

[سورة إبراهيم : 27 ]

 الله جلَّ جلالهُ يُلهمُ المؤمن الحُجّة يومَ القيامة ، ويُثبِتُهُ ، ويُنجّيهِ من عذابٍ غليظ.
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبلَ أن تُحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبلَ أن توزنَ عليكم ، واعلموا أنَّ ملكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطّى غيرنا إلينا فلنتخذ حِذرنا ، الكيّسُ من دانَ نفسَهُ وعَمِلَ لِما بعدَ الموت ، والعاجِزُ من أتبعَ نفسَهُ هواها وتمنّى على الله الأمانيّ

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الكلمة الطيبة تسعد الإنسان إلى أبد الآبدين :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ عودٌ على بدء :

((لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ ... ))

[أحمد عن أنس بن مالك]

 الكلمة الطيبة يمكنُ أن تسعدَ بِها إلى أبد الآبدين :

((عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : يَوْمَ خَيْبَرَ لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ فَقَامُوا يَرْجُونَ لِذَلِكَ أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا وَكُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَى فَقَالَ أَيْنَ عَلِيٌّ فَقِيلَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَأَمَرَ فَدُعِيَ لَهُ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ مَكَانَهُ حَتَّى كَأَنَّه لَمْ يَكُنْ بِهِ شَيْءٌ فَقَالَ نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

[البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ]

 وهذا الذي هديتهُ إلى الله عزّ وجل هوَ وذريّتُهُ وذريّة ذريّتِهِ إلى يوم القيامة في صحيفة من بَذَلّ جهداً في هِدايتِهِ ، هذهِ هي الكلمةُ الطيبة ، كلمة الهُدى ، كلمة الحق ، كلمات القرآن ، كلمات النبي .

 

دوران الشمس و الأرض :

 أيها الأخوة الكرام ؛ توهّمَ الناسُ قبلَ أن يُطوّرَ العِلمُ - عِلمُ الفَلَك - أنَّ الأرضَ ثابتةٌ في مكانِها ، وأنَّ الشمسَ تدورُ من حولِها بهذهِ الحركة الظاهرة التي يراها الناس ، ثمَّ جاء العلماء واكتشفوا أنَّ الأرضَ هي التي تدور ، وأنَّ الشمسَ ثابتةٌ في مركزِها ، فلمّا نَزَلَ القرآن الكريم جاءَ بحقيقةٍ لم تكن معروفةً وقتَ نزولِهِ ، قالَ تعالى :

﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾

[سورة يس : 38]

 تجري . . كانَ يُظن أنَّ الأرض ثابتة والشمس تدور ، ثُمَّ طُوِّرَ العلم فعُرِفَ أنَّ الأرضَ تدور والشمس ثابتة ، ثمَّ جاءَ القرآن الكريم وقال : وَالشَّمْسُ تَجْرِي ، إلى أينَ تجري ؟ وبأيّةِ سرعةٍ تجري ؟ وإلى متى تجري ؟ العلماء يقولون : الشمسُ تجري حولَ مركز المجرّة اللبنيّة بسرعةٍ تُقدّر بـ 230 مليون كيلو متر في الثانية الواحدة ، 230 مليون كيلو متر في الثانية الواحدة ، أي بسرعةٍ تقترب من سرعة الضوء ، هذهِ حقائق مُسلّم بها في علم الفلك ، الأرض تقطع في كُلِّ ثانية في رحلتِها حولَ الشمس 30 كيلو متراً ، أي في هذهِ الخُطبة التي مضى على بدئِها ثلاثون دقيقة تقريباً أو أكثر قطعنا مئات الألوف من الكيلو مترات ، كُل ثانية 30 كيلو متراً ، لكنَّ الشمس وهي تجري حولَ مركز المجرةِّ اللبنيّة تقطعُ في الثانية الواحدة 230 مليون كيلو متر ، هذهِ المجرّة التي تدور الشمسُ حولَ مركزِها قُطرُها 30 ألف سنة ضوئية ، بينَ الأرض والقمر ثانية ضوئية واحدة ، هذهِ المجرّة التي تدور الشمسُ حولَ مركزِها قُطرُها 30 ألف سنة ضوئية ومعنا السنة الضوئية أي 300 ألف كيلو متر في الثانية يقطعُ الضوء ، فالسنة الضوئية × 60 × 60 × 24 × 365 ، من أجلِ أن تُتِمَ الشمسُ دورةً واحدةَ حولَ مركز المجرّة تحتاج إلى 250 مليون سنة ، وقد قدّرَ العلماء أنّهُ منذُ أن ظهرت الشمس ويعودُ تاريخُها إلى خمسة آلاف مليون عام أتمّت ثماني عشرة دورةً حولَ المجرّة ، كُل 250 مليون سنة تدورُ الشمسُ دورةً حولَ مركز المجرّة ، لذلك قالَ تعالى :

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[سورة يونس : 101]

 وقالَ تعالى :

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

[سورة فاطر : 28]

﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾

  230 مليون كيلو متر في الثانية تحتاجُ أن تُتِمَّ دورةً واحدةَ حولَ مركز هذهِ المجرّة إلى 250 مليون سنة ، وقد قدّرَ العلماء أنها أتمّت حتى الآن ثماني عشرة دورة :

﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾

[سورة يس: 38]

﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾

[سورة التكوير: 1-2]

 إلى آخر الآيات .

 

موضوعات عامة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ ننتقل إلى موضوعٍ آخر أعلمتنا بهِ وزارة الأوقاف ، هذا الموضوع هوَ أنهُ أُفتُتِحَ في جامع العثمان مجمّعٌ طبي يشمل العيادات التالية : الداخلية ، والنسائية ، والأطفال ، والأذن والأنف والحنجرة ، والدوام من الساعة التاسعة صباحاً وحتى الساعة الثانية بعدَ الظهر يوميّاً عدا يوم الجمعة ، وتعرفة المعاينة أربعون ليرة سورية فقط ، ففيه أطباء اختصاص داخلي ، ونسائي ، وأطفال ، وأذن وأنف وحنجرة ، كُلَّ يوم من الساعة التاسعة صباحاً وحتى الثانية من بعد الظهر كُلَّ يومٍ عدا يوم الجمعة .
 بقيَ عليكم أنَّ لجنةً كريمة مزوّدة بكتاب من السيّد مدير أوقاف دمشق تدعوكم فيه للتبرّع للثانوية الشرعيّة بداريّا ، فادفعوا يدفع الله عنكم كُلَّ مكروه ، واعلموا أنَّ هذهِ الأموال إذا أثمرت فتياتٍ مؤمناتٍ طائعاتٍ للهِ عزَّ وجل عارفاتٍ بحقوق الزوج فلكم بهذا المبلغ الذي تدفعونَهُ عظيم الجزاء .

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك اللهمَّ ونتوب إليك، اللهمَّ هبَّ لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنَّتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتِّعنا اللهمَّ بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلِّط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا. اللهمَّ ولِّ علينا خيارنا، ولا تولي علينا بذنوبنا شرارنا يا رب العالمين. اللهمَّ أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مَرَدُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهمَّ إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك مِن عُضال الداء، ومِن شماتة الأعداء، ومِن السَلب بعد العطاء مولانا رب العالمين. اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهمَّ استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين. اللهم اكتب الصحة والسلامة للحُجاج والمسافرين، والمُقيمين والمرابطين، في بَرِّك وبحرك من أمة محمد أجمعين. اللهمَّ يا أكرم الأكرمين أعطنا من كل خيرٍ سألك منه النبي عليه الصلاة والسلام، اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018