الخطبة : 0093 - الفرق بين العباد والعبيد - لا يخافن العبد إلا ذنبه. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0093 - الفرق بين العباد والعبيد - لا يخافن العبد إلا ذنبه.


1985-08-16

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيق ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيئاً قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

المعنى الدقيق للعبيد وللعباد

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ سأل سائل في هذا الأسبوع ما الفرق بين العبيد وبين العباد ؟
 فالخلق كلهم عبيد لله عز وجل بمعنى ؛ أنهم مفتقرون إليه ، تتوقف حياتهم على إمداده ، فإذا قطع عنهم الإمداد انتهت حياتهم ، يتوقف بقائهم على رزقه ، فإذا قطع عنهم الرزق انتهت حياتهم ، يتوقف سمعهم وبصره وفكرهم وحركتهم وسكنتهم وكل شيء فيهم على إمداد الله عز وجل ، بهذا المعنى الخلق كلهم عبيد لله ، اعترفوا بهذا أما لم يعترفوا ، شاءوا أما أبوا ، أعجبهم أما لم يعجبهم ، إن حياة كلٍ منا متوقفة على دقات قلبه ، فلو توقف القلب انتهت حياته ، لو قطع الله سبحانه وتعالى عن الجسد الروح لأصبح جثة هامدة ، لأصبح كتلة من اللحم والعظم بعد أن كان إنساناً ، يفكر ويبصر ويسمع ويفرح ويحزن ويغضب ، بهذا المعنى يا إخوة الإيمان كلنا عبيد لله .
 ولكن من هم العباد ؟ عرفنا من هم العبيد ، ولكن من هم العباد ؟ العباد هم الذين بمحض اختيارهم أطاعوا ربهم ، فتوافق اختيارهم مع أمر ربهم .

ما معنى الأمانة ؟

 أيها الإخوة المؤمنون :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

[سورة الأحزاب الآية:72]

 ما معنى حملها الإنسان ؟ أي قبل الأمانة ، قال يا رب أنا أهل لها ما هي الأمانة ؟ أن يعطى الإنسان الاختيار ، بين البدائل ، في هذه الساعة المباركة قد يأتي إنسان إلى المسجد ، وقد يذهب إنسان إلى النزهة ، وقت الصلاة ، وقد يقترف إنسان معصية ، وقد يرتكب إنسان جريمة ، هناك بدائل ، أنت مخير .

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

[سورة الأحزاب الآية:72]

 قال يا رب أنا أهل لها عندئذ زوده الله بالشهوة ، وزوده الله بالفكر ، وبث في الأرض آيات له ، وبث في السماوات آيات له ، وأنزل إليه كتاب مبين ، وأرسل إليه رسل مبشرين ومنذرين ، وأنزل معهم الكتاب بالحق أعطاه الكون ، دليلاً على الله عز وجل تجسيد لأسماء الله عز وجل أعطاه الفكر ليوازن به ويحاكم .

﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾

[سورة الرحمن الآية:7-8]

 هل فكرت في الشمس ؟ هل قلت من خلق هذا الكوكب العظيم ؟ هل قلت من أمدها بالحرارة ؟ عشرون مليون درجة في وسطها ، وستة آلاف درجة على سطحها ، ولسان اللهب يزيد عن مليون كيلوا متر ، ولو ألقيت الأرض فيها لتبخرت في ثانية واحدة ، خلق الكون دليلاً عليه وتجسيداً لأسمائه ، وخلق الفكر ميزان دقيق ، تقيس به الأشياء ، وخلق الشهوة لترقى بها إلى الله ، وخلق لك الاختيار ، أنت حر ، إما أن تأتي إلى المسجد ، وإما أن تذهب إلى النزهة ، وإما أن تقترف معصية ، وإما أن ترتكب جريمة ، أنت حر ، الإنسان رضي بحمل الأمانة ، لما وعده الله من حملها من سعادة عظمة أبدية متجددة متزايدة لا تنقضي .
 أما الحيوان فأبى أن يحملها وآثر شهوته من غير عذاب يوم القيامة فكان له ما أراد .
 وأما الملك فأراد أن يبقى مقبلاً على الله عز وجل من دون مسـئولية ، فكان له ما أراد .
 لكن الإنسان حمل الأمانة .
 فإذا اختار ما أراد الله سبحانه وتعالى .
 إذا اختار ما يرضي الله سبحانه وتعالى من دون ضغط ، أو إكراه .
 إذا اختار أمر الله عندئذٍ يسمى عبداً لله وجمع عبد الله عباد الله .

 

عباد الرحمن.

 لذلك قال الله تعالى :

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾

[سورة الفرقان الآية:63]

 معنى هونا ؛ أي يفكرون ، ليسوا غارقون في شهوات الدنيا ، ليسوا غارقون في جمع الدرهم والدينار ، ليسوا منكبين على شهواتهم ، لم تعمهم شهوتهم عن طلب الحقيقة ، يمشون على الأرض هونا يفكرون ، يحاكمون يتأملون ، يدققون ، يوازنون ، يمشي هونا ، من خلقنا ؟ وأين كنت ؟ وإلى أين المصير ؟ وما هو جوهر الحياة الدنيا ؟ أهو المال ، أهو الانغماس في الشهوات ، أما طاعة الواحد الديان ، الدنيا ساعة أجعلها طاعة ، والنفس طماعة عودها القناعة ، هذا معنى يمشون على الأرض هونا .

﴿تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾

[سورة النور الآية:37]

 يبحث عن الحقيقة ، يبحث عن ربه ، يبحث عن طريق إليه ، يبحث عن وسيلة ترضيه ، يبحث عن طريقة يتقرب بها إليه ، يتعرف إلى الله ، من خلال آياته ، من خلال قرأنه ، من خلال معاملته لخلقه ، يأنس في مجالس العلم ، يجعلها أول اهتماماته ، ولا يضعها وراء ظهره .

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾

[سورة الفرقان الآية:63]

 هم في واد والجاهلون في واد ، يترفعون عنهم ، وعن سخافاتهم ، وعن ترهاتهم ، وعن أباطيلهم ، وعن طريقهم الدنيء ، وعن أهدافهم المنحطة ، وعن أساليبهم الشيطانية في كسب الرزق ، يترفعون ليسوا من هؤلاء ، من طينة أخرى ، من طبيعة أخرى ، لأن لهم أهدافاً سامية ، ويستخدمون لهذه الأهداف وسائل شريفة ، لكم دينكم ولي دين .

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾

[سورة الكافرون الآيات:1-6]

 لابد من التمايز ، لابد من أن تكون لك طريقتك في الحياة ، وأسلوبك في الحياة ، وعاداتك ، المنبثقة من شرع الله ، ودع تقليد الأجانب ودع تقليد الكفار ، فإن من قلدهم فهو منهم ، من هوي الكفرة حشر معهم ولا ينفعه عمله شيء .

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾

[سورة الفرقان الآية:63]

 ابتعدوا عنا لنا طريقنا ولكم طريقكم ، لنا أهدافنا ولكم أهدافكم لنا وسائلنا الشريفة ولكم وسائلكم المنحطة .

﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾

[سورة الفرقان الآية:64]

 ربنا سبحانه وتعالى قال :

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾

[سورة الإسراء الآيات:78-79]

 حجمك عند الله بحجم صلتك به ، لا بحجم ثقافتك ، لا بحجم محفوظاتك ، لا بحجم فصاحتك ، لا بحجم بيانك ، ولكن بحجم اتصالك .

﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾

[سورة الإسراء الآية: 79]

 أحد العلماء الكبار الذين تركوا مؤلفات عديدة ، رآه تلميذه في المنام قال يا سيدي ما فعل الله بك ، قال يا بني : طاحت تلك العبارات وذهبت تلك الإشارات ، ولم يبق إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل .

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

[سورة الذاريات الآيات:15-18]

﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾

[سورة الفرقان الآيات:64-65]

 لا بد من قلق يعتلي المؤمن ، قلق شريف ، قلقٌ الله راض عنه أما ليس راضٍ ، هذا هو القلق ، قلق على مستقبله بعد الموت ، قلق على إيمانه ، قلق على إخلاصه ، قلق على صدقه ، قلق على توحيده ، من هنا يأتي القلق ، قلق شريف ، لا يقلق على الدنيا ، لا يأبى لها أقبلت أو أدبرت ، ولكن الذي يعنيه أن يكون الله راضٍ عنه ، اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، هذا دعاء النبي في الطائف ، وهواني على الناس ، يا رب المستضعفين ، إلى من تكلني ، إلى عدو ملكته أمري ، اللهم إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، هذا هو القلق ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبة حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي ، ما نوع قلقك أيها الأخ الكريم ؟ أتقلق على الدنيا ، أتقلق من نقص المواد أتقلق من ارتفاع الأسعار ، أتقلق على صحتك ، أما تقلق على مكانتك عند الله ، على إخلاصك لله ، على توحيدك لله ، على صدقك في طلب الحقيقة .

﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾

[سورة الفرقان الآيات:64-65]

 من اطمأن في الدنيا خاف يوم القيامة ، ومن خاف في الدنيا اطمأن يوم القيامة ، ومن حاسب نفسه حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً ومن لم يحاسب نفسه كان حسابه يوم القيامة عسيرا ، أمنان وخوفان لا أجمعهما على عبدي إن خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي ، وإن أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي .

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾

[سورة الفرقان الآية:67]

 لا هو مسرف متلاف للمال ، مبذر ينفقه بطرا وكبرا ورئاء الناس ولا هو بخيل شحيح مقطر ، ليس منا من وسع الله عليه ثم قطر على عياله .

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً * وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾

[سورة الفرقان الآيات:67-70]

باب التوبة والرحمة مفتوح دائماً.

 دائما وأبداً باب التوبة مفتوح ، دائما وأبداً باب الرحمة مفتوح .

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾

[سورة الزمر الآية:53]

 إن الله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ، والظمآن الوارد ، والعقيم الوالد ، إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادي في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله

﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ ﴾

[سورة الفرقان الآية:68]

 كلمة التوحيد ، لا إله إلا الله في دمهم ، في قلبهم ، في تفكيرهم ، في إحساسهم ، في شعورهم ، لا يرجو غير الله ، ولا يخاف إلا من الله ، ولا يبتغي غير الله ، ولا تأخذه في الله لومة لائم ، لا يدعون الله إله آخر ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾

[سورة الشعراء الآية:213]

 تعذب نفسك ، تشقيها .

﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[سورة الفرقان الآية:68]

 معظم الناس يتوهمون جهلاً أو تجاهلاً أن الله غفور رحيم ، بمعنى أنه مهما فعلت من ذنوب فإن الله غفور رحيم ، من دون توبة ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[سورة الفرقان الآية:68]

 في آيات أخرى .

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[ٍسورة النحل الآية:119]

 المغفرة لها ثمن ، ثمنها التوبة ، والإيمان ، والاستقامة ، والإصلاح والعمل الصالح "

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[ٍسورة النحل الآية:119]

﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً * وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾

[سورة الفرقان الآيات:71-72]

 لو قطعته أرباً أربا لا يشهد الزور .

﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾

[سورة الفرقان الآية:72]

 لا يخوضون في أحاديث الناس ، ولا يخوضون في وحول الناس ، ولا ينظرون إلى الناس على أنهم سعداء ، لهم عالمهم ، الروحاني الله .

﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ﴾

[سورة الفرقان الآية:68]

﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾

[سورة الفرقان الآية:73]

 يعني إذا تلوت عليه آية من آيات الله كله آذان واعية ، يعيها يقبلها ، تملئ قلبه ، لكن المنافق لا تملئ قلبه إلا الدنيا ، أما الحديث عن الله تراه يتثاءب ، ويتحول ، ويتململ ، ويغير جلسته ، ويقول لك عندي موعد ، وهذا الحديث ممتع ولكني مشغول والله ، فإذا خضت معه في حديث آخر بقي ثلاث ساعات بعد هذه الكلمة ، إذا خضت معه في التجارة ، وفي مشروع ، وفي كسب المال ، وفي بعض الشهوات ، بعد أن قال لك عندي موعد ، وهذا الحديث ممتع ينافق بهذا الكلام ، لكنني مشغول خض معه حديثاً آخر يبقى معك إلى ما لا نهاية .

﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾

[سورة الفرقان الآيات:73-74]

 هؤلاء هم عباد الرحمن الذين اختاروا طاعة الله بملء اختاريهم من دون إكراه ، لا إكراه في الدين ، من دون ضغط ، من دون شيء آخر ، ربنا سبحانه وتعالى في نهاية هذه الآيات من أواخر سورة الفرقان يقول :

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً * قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾

[سورة الفرقان الآيات:74-77]

 من أنتم ؟ لو كفرتم ، لو أن أهل الأرض كلهم كفروا .
 عن أبي ذَرّ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( ‏يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحرـ ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام ـ ‏يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه‏ ))

[ أخرجه مسلم والترمذي]

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾

[سورة الفرقان الآية :77]

 " لو أنكم كفرتم ، أتضرونه ؟.

﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾

[سورة إبراهيم الآية:8]

 ولكن ولا يرضى لعباده الكفر ، وإن تذكره يرضه لكم .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾

[سورة غافر الآية:10]

 حينما كانوا يدعوكم للإيمان وتعرضون ، وتكذبون ، وتسخرون مقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم ، يعني حينما كان الأب ولله المثل الأعلى يدعو ابنه ليحصل من الشهادات العلية وكان الابن يسخر من هذه الدعوة ويعرض عنها ، ولا يبالي بها ، حينما كبر ، وانسحق قلبه ألماً لتقصيره يقول الأب له أنا كنت أتألم حينما كنت أدعوك قبل سنوات عديدة ، ولم تستجب لي ، أشد من ألمك الآن لنفسك .

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾

[سورة الفرقان الآية:77]

 فإذا كذبتم سوف تندمون .

﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾

[سورة الفرقان الآية:77]

 عندئذ لا بد من عذاب النار ، لا بد من عذاب الحريق ، لا بد من عذاب أليم يكون جزاء وفاق لهذا الكفر والإعراض .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، ووزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، وأعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني والحمد لله رب العالمين .

 

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن والاهم ومن تبعه إلى يوم الدين .

لا يخافن العبد إلا ذنبه

 أيها الإخوة الأكارم ؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جامع مانع يقول :

(( لا يخافن إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه ))

 لو دققت في هذه الكلمات الأربع ، التي نطق بها النبي عليه الصلاة والسلام ، لوجدت أن حقائق الدين كلها إنما هي منطوية في هذه الكلمات ، لا شيء في الأرض يخيف ، إلا أن يأذن الله له .

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾

[سورة الزمر الآية:62]

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

[سورة الأعراف الآية:54]

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾

[سورة الكهف الآية:26]

﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾

[سورة غافر الآية:20]

﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾

[سورة الرعد الآية:41]

 قد يحكم لك قاضي استئناف ، يحكم لك وتفرح بهذا الحكم ، فإذا بخصمك يرفع الأمر إلى محكمة النقض ، وقد يأتي قاضي محكمة النقض فيفسد حكم هذا القاضي ، ويرده .

﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾

[سورة الرعد الآية:41]

 إذا حكم ليس في الكون جهة تستطيع أن تعدل هذا الحكم ، أو أن توقف تنفيذه أو أن تخففه ، أو أن تزيد فيه

﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾

[سورة الرعد الآية:41]

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾

[سورة الزخرف الآية:84]

﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾

[سورة االنحل الآية:51]

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[سورة هود الآية:55-56]

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾

[سورة الأنفال الآية:17]

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

[سورة الفتح الآية:10]

 هذه آيات التوحيد كلها .

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾

[سورة فاطر الآية:2]

 كل هذه الآيات جمعت بقوله عليه الصلاة والسلام ،لا يخافن العبد إلا ذنبه ، الله رحيم ، الله عادل .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت وبارك اللهم لنا فيمن أعطيت ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا وأثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وأرضى عنا ، اللهم أغننا بالعلم ، وزينا بالحلم ، وأكرمنا بالتقوى ، وجملنا بالعافية ، وطهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء ، وألسنتنا من الكذب ، وأعيننا من الخيانة ، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، اللهم اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا واقبل توبتنا ، وفك أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يرضك آمالنا واختم بالصالحات أعمالنا ، اللهم استر عوراتنا ، وأمن روعاتنا ، وأمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد أمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين ، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا إليك نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء مولانا رب العالمين ، اللهم اكتب الصحة والسلامة للحجاج والمسافرين والمقيمين والمرابطين في برك وبحرك من أمة محمد أجمعين اللهم يا أكرم الأكرمين ارزقنا وارزقهم حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018