الخطبة : 0092 - أهل الكتاب في القرآن - لعن الله آكل الربى. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0092 - أهل الكتاب في القرآن - لعن الله آكل الربى.


1985-08-09

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيق ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده و رسول ، سيد الخلق والبشر ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيئاً قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ما الحكمة من ورود آيات كثيرة تتحدث عن أهل الكتاب ؟

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ أخ كريم سألني أنه في القرآن الكريم آيات كثيرة تزيد على المئتين أو أكثر ، تتحدث عن أهل الكتاب ، فما حكمة ورود هذا الجمع الكثير من الآيات ، تتحدث عن أهل الكتاب ، وما علاقتنا بهما ، وما العبرة من ذكرهم ، والحديث عنهم ، وعن مشكلاتهم .
 الحقيقة أيها الإخوة المؤمنون أن أهل الكتاب ، هم أهل كتاب ، كما أن المسلمين اليوم هم أهل كتاب ، بمعنى لهم كتاب من الله سبحانه وتعالى وأن الأمراض الكثيرة والمزمنة والوبيلة التي أصابت أهل الكتاب ، إن المسلمين اليوم عندهم استعداد أن يصابوا بها ، لذلك الحديث عن أهل الكتاب هو في الحقيقة تنبيه وتحذير وتوجيه ولفت نظر إلى المؤمنين المسلمين ، فالله سبحانه وتعالى يقول في سورة المائدة :

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾

[سورة المائدة الآية:66]

تطبيق المنهج القرآني في حياتنا اليومية .

 لو طبقنا هذه الآية على المسلمين اليوم ، ولو أن المسلمين اليوم أقاموا القرآن الكريم في بيوتهم ، في أعمالهم ، في بيعهم وشرائهم ، في علاقاتهم الاجتماعية ، في علاقاتهم الاقتصادية ، في حربهم وسلمهم ، في دعوتهم ، إذا أقاموا القرآن الكريم ما يفعل الله بعذابهم .

﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

[سورة المائدة الآية:66]

 فالتقنين الذي يقنن الله به على عباده تقنين تربية وعلاج وليس تقنين عجز وافتقار .

﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

[سورة المائدة الآية:66]

 تنبيه لطيف للمسلمين ، أنهم إذا ضاقت بكم الدنيا ، وضاقت بكم سبل العيش وقلت المواد ، وشحت السماء ، وقلت المياه ، فالمأخذة إنما تعود عليكم إنكم قصرتم في تطبيق القرآن الكريم ، لو أنكم طبقتم كتاب الله في كل مناح الحياة ، أنه نضعه في مكان بارز من البيت ، أن نقرأه ، أن نجوده ، أن نرتله ، أن نعتز به ، أن نضعه في أماكن عملنا هذا لا يقدم ولا يؤخر .

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾

[سورة المائدة الآية:66]

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾

[سورة مريم الآية:59]

 هذه الآية أيها الإخوة المؤمنون يصح أن نفسرها على مستوى الجماعة ، ويصح أن نفسرها على مستوى الأفراد ، لو أن الفرد المسلم أطاع الله حق طاعته .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾

[سورة آل عمران الآية:102]

﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾

[سورة الحج الآية:78]

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾

[سورة هاد الآية:112]

 لو أن الفرد المسلم وحده من بين ألف مليون مسلم أقام القرآن الكريم في بيته لأبعد الله عنه شبح الفقر ، ولأكل من فوقه ومن تحت أرجله .
 ولو أن الأمة الإسلامية أقامت القرآن الكريم في حياتها ، في أحكامها ، في قوانينها ، في تشريعاتها ، في علاقاتها الاقتصادية والاجتماعية ، لأكلت من فوقها ومن تحت أرجلها .
 هذا كلام رب العالمين ، كلام الإله ، كلام خالق الكون ، كلام الذي بيده ملكوت كل شيء ، كلام الذي قال :

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾

[سورة الحجر الآية:21]

 خزائن الثروة كلها عند الله عز وجل ، الثروات الباطنية ، وما على الأرض ، وما تحت الأرض ، وما فوق الأرض ، وما بين السماء والأرض ، كلها بيد الله عز وجل .

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾

[سورة المائدة الآية:66]

 يعني القلة هي التي تتوخى أمر الله ، تخاف من معصية الله .

﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾

[سورة المائدة الآية:66]

 وقعوا في الربا ، وقعوا في الاختلاط ابتعدوا عن الله عز وجل ، انقطعت نفوسهم عنه قاسوا الحياة بمقاييس الغرب ، عظموا أرباب المال ، إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، هؤلاء الذين فعلوا ما فعلوا ، ووقعوا في أمراض من كان سبقهم استحقوا الغي .

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾

[سورة مريم الآية:59]

 آية أخرى تتحدث عن أهل الكتاب :

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾

[سورة المائدة الآية:68]

 وهذه الآية أيضاً تنسحب على المسلمون اليوم .

﴿ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾

[سورة المائدة الآية:68]

 لو ألفتم الكتب ، ولو نشرتم بعضها ، ولو وضعتموها ميسرة بين أيدي الناس ، ولو أنشأتم منشآت إسلامية ، وعمرتم المساجد ، وفعلتم ما فعلتم

﴿ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾

[سورة المائدة الآية:68]

 حتى تقيموا القرآن الكريم ، أن نطبعه ، وأن نزخرفه وأن نزينه ، وأن نضعه آيات على جدران بيوتنا ، وأن نضعه في متاجرنا ، وأن نصدر محلاتنا بكلمة بسم الله الرحمن الرحيم ، إنا فتحنا لك فتحاً مبينا فاستقم كما أمرت

﴿ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾

[سورة المائدة الآية:68]

 المظاهر الدينية لا تغني صاحبها شيئاً ، لو أن إنساناً ارتدى ثوباً أبيض ، ووضع نظارات على عينيه وسماعة قلب في أذنيه ، وأمسك قلماً ثميناً ، وورقاً أبيضاً ، هل صار طبيباً الطب شيء آخر ، الطب دراسات طويلة ، وعلم غزير وفهم دقيق وسنوات طويلة قضاها في الدراسة والتشريح ، والسؤال والجواب ، وأداء الامتحانات ، أما أن تفهم أن الطبيب هو كل من ارتدى ثوباً أبيض ، ووضع على عينه نظارة ، و أمسك بيده قلماً ، ووضع في أذنه سماعة
 لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾

 

[سورة المائدة الآية:68]

 آية ثالثة ، يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾

[سورة المائدة الآية:18]

 هذه دعواهم ، هذا زعمهم ، هذا قومهم ، هذه مقالتهم ، أما جواب الله عز وجل :

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾

[سورة المائدة الآية:18]

 إن كنتم كما تزعمون أبناء الله وأحباءه .

﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾

[سورة المائدة الآية:18]

 لم هذه المصائب كثرة ، لم هذا الضغط ، لم هذا الشح في المواد ، لم تضيق سبل العيش ، لم يبغض بعضنا بعضا ، لو كنا أحباباً لله عز وجل لم هذا .

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾

[سورة المائدة الآية:18]

 أن تقول أنا مسلم والحمد لله ، أنا من أمة محمد ، أمة محمد مرحومة ، ولك عمل سيئ هذا لا يقدم ولا يؤخر ، يقول عليه الصلاة والسلام وقد رأى أمته يوم القيامة يسحبون إلى النار فيقول أمتي أمّتي فيقال له لا تدري ماذا أحدثوا بعدك ، فيقول سحقاً سحقا .
 أيها الأخ الكريم : لا تنتمي إلى هذا السيد العظيم ، سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام إلا إذا اتبعت سنته ، واقتفيت أثره ، وسرت على أثره ، ووسعتك سنته ، ولم تستهوك بدعة الأجانب ، هذه البدع التي جاءتنا عن الغرب لا تستهوي مؤمن ، لا تستهوه إلا السنة المطهرة

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة الآية:18]

 آية رابعة يقول الله عز وجل :

﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾

[سورة المائدة الآية:15]

 استمعوا أيها الإخوة كيف أن الله سبحانه وتعالى يحدد المكاسب الجمة من فهم كتاب الله واتباعه .

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾

[سورة المائدة الآية:16]

 يعني إذا اتبعت أحكام القرآن الكريم في زواجك يهديك سبل السلام تعيش هذه الأسرة إلى نهاية الحياة وادعة ، هانئة ، مطمئنة ، بين أفرادها مودة ، وإخلاص ، فإذا اتبع الزوج غير ما أمر الله ، واتبعت الزوجة غير ما أمر الله إن اتباعهم للشيطان يوصلهم إلى الشقاق والبغضاء ، وسوء المعاشرة ، وقد ينتهي إلى الطلاق .

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾

[سورة المائدة الآية:16]

 في تجارتك ، في وظيفتك ، في عملك ، في أي نشاط من نشاطات حياتك ، إذا اتبعت أمر الله سبحانه وتعالى لن تأتي المصائب الكبرى ، لن تأتي الضربات القاسمة لا في مالك ، ولا في أولادك ، ولا في بيتك ، ولا في زواجك

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾

[سورة المائدة الآية:16]

 سلام في عملك ، سلام في بيتك ، سلام في صحتك ، سلام في حواسك ، هذه آية مطلقة ، سب السلام غير مقيدة ، يعني طرق السلام ، يعني أي طريق اتبعته مما جاء في كتاب الله يوصلك إلى السلام ، إلى سلام في الدنيا ، وإلى سلام في الآخرة .

﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾

[سورة يونس الآية:25]

 دار الطمأنينة ، لا قلق ، لا هم ، لا حزن ، لا خوف ، لا عذاب لا إهانة .

﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾

[سورة يونس الآية:25]

 وأما سبل السلام فهي آيات القرآن الكريم ، إذا ابتغيت رضوان الله ، واتبعت القرآن الكريم يهديك إلى سبل السلام .
 أيها الإخوة المؤمنون : هذه بعض الآيات ، أمثلة لا على سبيل الحصر بل على سبيل المثال ، إن الله سبحانه وتعالى حينما ذكر أهل الكتاب في آيات تزيد على المئتين في القرآن الكريم فإنما يذكر هذا لأن الأمراض التي أصابتهم يمكن أن نصاب بها ، والأصح من هذا قد أصبنا بها ، فعلنا المعاصي وقلنا نحن من أمة محمد ، اللهم صل عليه ، وأمة محمد مرحومة ، بغى بعضنا على بعض ، وقلنا النبي سيشفع لنا ، أضعنا الصلاة واتبعنا الشهوات وقلنا نحن أتباع محمد "

﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[سورة مريم الآية:59]

 ادعينا أننا أحباب الله ولم نكن كذلك ، فعذبنا الله بذنوبنا ، وكنا كأي بشر ممن خلقه الله عز وجل ، لذلك القول الشهير الذي قاله سيدنا عمر لسيدنا سعد قال له يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله فالخلق كلهم عند الله سواسية ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له .
 أيها الإخوة المؤمنون : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لم بعد الموت ، والعجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

 

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين واشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على أصحاب سيدنا محمد أجمعين .

لعن الله .....

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ تطبيقاً لهذه الآيات التي ذكرتها قبل قليل ، يقول عليه الصلاة والسلام :
 لعن الله آكل الربى ، وموكله ، وشاهده ، وكاتبه ، ومانع الصدقة معنى لعن ، أي أبعد ، آكل الربى بعيد عن لله عز وجل ، وأنى للبعيد أن يكون سعيداً ، وأن للبعيد أن يكون موفقاً ، وأن للبعيد أن يكون مطمئناً ، وأن له أن يكون سعيداً ، لعن الله آكل الربى ولو صلى وصام ، وزعم أنه مسلم ، لعن الله آكل الربى ، وموكله وشاهده ، وكاتبه ، ومانع الصدقة ، فالعبادات إن لم تسبق باستقامة فلا شأن لها .
 لعن الله من فرق بين والدة ووالدها ، وبين أخ وأخيه ، هذا الذي يفرق بين أم وابنها ، وبين أخ وأخيه ، ملعون ، يعني مبعد عن رحمة الله ، لا رحمة في قلبه ، لا يتجلى الله على قلبه بالرحمة يبعده ، يشقى .
 ولعن الله من لعن والديه ، يعني الذي يعمل أعمالاً سيئة فيضطر الناس إلى أن يلعن والدية لعنه الله ، يعني ليس المعنى الظاهري أن يلعن الإنسان والديه لا ، إن الذي يسعى للسيئات ، يؤذي الناس ، يؤذي الناس في طرقاتهم ، يؤذي الناس في بيوتهم ، يفسد أخلاق الشباب ، هذا الذي يسبب الأذى للناس يلعن الناس والديه ، فكأنه هو لعن والديه ، لعن الله من لعن والديه .
 ولعن الله من ذبح لغير الله .
 ولعن الله من آوى محدثاً ، الذي يحدث بدعة في الإسلام ، ويروجها ، من آواه ، من ساعده ، من أقره ، من أعانه ، لعنه الله سبحانه وتعالى .
 ولعن عبد الدينار ، ولعن عبد الدرهم ، هذا الذي يبيع دينه بدينار ، يحلف يميناً كذباً ، لا يأبى لحكم الله ، الدنيا كلها عنده هي كل شيء ، الدرهم والدينا هو كل شيء ، وفي سبيلهما يفعل كل شيء ولا يبالي بشيء ، أكان حراماً أو حلالاً ، لعن عبد الدينار ، ولعن عبد الدرهم .
 ولعن الله من مثل بالحيوان ، هذا الذي يعذب الحيوان ، الذي يمثل به ، الذي يصبره ، يموت صبراً ، يحشوه ليبيعه ، هذا الذي يرتزق من تعذيب الحيوان ، لعنه الله سبحانه وتعالى .
 ولعن الله من سب أصحابي ، هذا الذي يخوض فيما لا يعنيه ، أصحابي كالنجوم ، بأيهم اقتديتم اقتديم ، إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ، من أنت حتى تقيم الصحابي ، لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍ ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ، الله الله في أصحابي ، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ، إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ، إكراماً لرسول الله ، وتوقيراً له ، إذا ذكر أصحابه فأمسكوا ، لا تقول فلان فعل كذا وكذا ، فلان كان ضعيف الشخصية ، فلان كان قاسياً في غير محل القسوة ، من أنت ؟ لعن الله من سب أصحابي ، بمعنى انتقدهم ، أو أظهر بعض المثالب .
 ولعن الله المتشبهات من النساء بالرجال ، هذه المرأة المسترجلة ، التي فقدت أنوثتها ، الوقحة ، الذي ذهب من وجهها ماء الحياء ، هذه ملعونة ، كاسيات عاريات ، مائلات مميلات فلعنوهن لأنهن ملعونات ، ولعن الله الرذيلة من النساء ، المسترجلة .
ولعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما ، هذا الكسب الحرام الذي ينتهي إلى الدمار ، المال الحرام يدمر صاحبه ، ولعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما .
 ولعن الله الخمر وشاربها ، وساقيها ، وبائعها ، وعاصرها ومعتصرها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وآكل ثمنها ، هل بقي أحد ؟ عاصرها الذي يعصرها ، ومعتصرها من كانت له البضاعة حاملها والمحمولة إليه ، شاربها ، وساقيها ، وبائعها ، وعاصرها ومعتصرها وحاملها ، والمحمولة إليه ، وآكل ثمنها .
 هذه الأحاديث الشريفة من فعل هذه فهو ملعون ، ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم ، لئلا نقع كما فعلوا أهل الكتاب .

﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾

[سورة البقرة الآية:93]

 يأخذون ببعض الكتاب ويدعون بعضه ، يطبقون بعضه ويدعون بعضه ، يؤمنون ببعض الكتاب ، ويكفرون ببعض ، هذا التفريق بالتشريع هذا نطبقه سهل ، هذا لا نقوى عليه ننكره ، لعن الله بني إسرائيل أنهم كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، فهذه الأشياء التي لعنت على لسان النبي عليه الصلاة والسلام من فعلها فقد أصبح شقي في الدنيا والآخرة .
 أيها الإخوة المؤمنون : تلخيص سريع لموضوع الخطبة إن الآيات الكريمة الكثيرة التي وردت في كتاب الله سبحانه وتعالى ، والتي تحدثت عن أهل الكتاب إنها كلها تعنينا نحن ، وكأنها توجيه لطيف ، وتوجيه غير مباشر ، وبيان من أن الأمراض التي وقعوا بها ، والتي أهلكهم الله من أجلها ، والتي شقوا بها أنتم على استعداد أن تقعوا بها ، وأن تصيبكم ، وأن تهلككم كما أهلكتهم فآيات أهل الكتاب موجة إلينا نحن ، فإذا قرأتها لا تقول هذا كتاب تاريخ ، هذه البقرة بأكملها ، في ثلثي البقرة الحديث عن بني إسرائيل ، وفي آل عمران ، وفي النساء ، وفي المائدة ، وفي أكثر سور القرآن يتحدث الله عن أهل الكتاب ، وكأنه كتاب تاريخ ، لا ، إنه حديث غير مباشر ، إن كل مرض وقعوا فيه نحن مرشحون أن نقع فيه .
 لذلك أيها الإخوة المؤمنون : لسنا على شيء حتى نقيم القرآن الكريم ، جميع المظاهر الإسلامية لا تقدم ولا تؤخر ، ولو وضع في المسجد السجاد الفاخر ، ولو كيف المسجد ، ولو كانت إنارته جيدة ، إن لم نطبق كتاب الله في بيوتنا فهذا لا يقدم ولا يؤخر ، مظاهر جيدة ولكن لا تكفي ، مكتبة فخمة ، كتب في الحديث الشريف ، كتب في التفسير ، كتب في السيرة ، وصاحب هذه المكتبة لا يطيع الله ورسوله ، أتنفعه هذه المكتبة ؟ لا تنفعه ، المظاهر الإسلامية من مساجد إلى كتب ، إلى تفاسير ، إلى أشرطة ، هذا كله لا ينفع صاحبه ما لم يقيم القرآن الكريم ، لسنا على شيء حتى نقيم القرآن الكريم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت وبارك اللهم لنا فيمن أعطيت ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا وأثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وأرضى عنا ، اللهم أغننا بالعلم ، وزينا بالحلم ، وأكرمنا بالتقوى ، وجملنا بالعافية ، وطهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء ، وألسنتنا من الكذب ، وأعيننا من الخيانة ، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، اللهم اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا واقبل توبتنا ، وفك أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يرضك آمالنا واختم بالصالحات أعمالنا ، اللهم استر عوراتنا ، وأمن روعاتنا ، وأمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد أمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين ، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا إليك نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء مولانا رب العالمين ، اللهم اكتب الصحة والسلامة للحجاج والمسافرين والمقيمين والمرابطين في برك وبحرك من أمة محمد أجمعين اللهم يا أكرم الأكرمين ارزقنا وارزقهم حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018