الخطبة : 0091 - الصدق2 - الاستخارة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0091 - الصدق2 - الاستخارة.


1985-08-02

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر .
 اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير .

ملخص عن الخطبة السابقة :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في مَطْلع الخطبة الماضية تحدَّثتُ لكم على أنّ سيّدنا جعفر رضي الله عنه كلَّم النجاشي ، وقد سأله عن هذا الدّين الجديد الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال :
عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها :

(( أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف - هذه الجاهلية - فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقة وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم ))

[أخرجه ابن خزيمة]

 وقفْت في الخطبة الماضية عند قول سيّدنا جعفر رضي الله عنه : حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقة وأمانته وعفافه ، فكأنّ هذه الصّفات الأربع قوام شخْصِيَة النبي عليه الصلاة والسلام ، بل هي قِوامُ كلّ مؤمن ، فأنْ يُصَلِّيَ المؤمن ، وأن يقول بالعبادات ثمّ لا تجِدُه صادقًا فليس بِمُؤْمِن .
 وقد حدَّثْتُكم في موضوع الخطبة السابقة عن موضوع الصِّدْق ، لأنّ المؤمن له صفات تُمَيِّزه عن الآخرين ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ))

[ أخرجه البخاري ]

 معنى ذلك أنَّ الإسلام شيء ، وهذه الأعمدة التي بُنِيَ الإسلام عليها شيءٌ آخر ، الإسلام بناء أخلاقي ، بني على شهادة أن لا إله إلا الله ، بني على إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحجّ البيت وهذه دعائم ، ولكنّ الإسلام بناءٌ آخر مَبْنِيٌّ على هذه الدَّعائم ، بناء الإسلام سُموّ في النَّفْس ، صدْق وأمانة ، إخلاصٌ واستقامة ، وورعٌ وكفّ ، هذا هو الإسلام ، وهذا هو المسلم ، فإذا ضيَّعَ المسلمون هذه الأخلاق ، وتمسَّكوا بِصَلاةٍ جَوفاء ، وبِصِيامٍ أخرق ، وبِحَجٍّ شَكلي ، وبِزَكاة يُباهون بها ، فأين هم ؟ وأين الإسلام ؟ هم في واد والإسلام في واد .
 لذلك أيّها الأخ الكريم ؛ راقِب نفسكَ طوال اليوم ، أنت مسلمٌ ما دُمْتَ صادقًا ، أنت مسلم ما دُمْتَ أمينٌ ، أنت مُسلمٌ مادُمتَ أخلاقيًّا ، فإذا تخلّيْت عن هذه القِيَم ، وكنت كَغَيرك من الناس ، وزِدْتَ على الناس بالصلاة والصّيام ، كانت صلاتك وصيامكَ مَبْعَثَ تنْفير من الإسلام ‍، لذلك : عن أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الكذب والخيانة ))

[أخرجه الإمام أحمد]

 ولمالك في الموطأ عن صفوان بن سليم مرسلا أو معضلا :

(( قيل يا رسول الله المؤمن يكون جبانا؟ قال نعم، قيل يكون بخيلا؟ قال نعم، قيل يكون كذابا؟ قال لا ))

[ رواه مالك ]

 في بعض حالات الضّعف الإنساني ، قد يكون ، ويبقى مؤمنًا ، أيَكون المؤمن بخيلاً ؟ وأغلب الظنّ أنّ المؤمن شجاع ، ولكن في ساعات الضّعف الإنساني قد يبخل ، ويبقى مؤمنًا ، فلمَّا قيل يا رسول الله : أيَكون المؤمن كذَّابًا ؟ قال : لا ، لا يجتمع الكذب مع الإيمان .
 تحدّثْت في الخطبة السابقة عن أحوال الكذب ، عن الكذب في الدِّين ، وهذا أخطر أنواع الكذب ، عن الكذب عن الأطفال ، وهذه كُذَيْبة ، ومن قال لابنه تعالى وهاك لِيُعطِهِ شيئًا ولم يعْطِهِ شيئًا ، فقد كتِبَت عليه كُذَيبة ، وعن امرأة قالت : إنّي لا أشتهي هذا الطعام ، وهي تشْتهيه كُذِبَت عليها كُذَيبَة ووصَلْتُ إلى الكذب في البيع والشراء .
 راقبوا الباعة المسلمين ‍، هؤلاء الذين يُصلون ، هؤلاء الذين يُحسبون على الله مسلمين ، هؤلاء الذين يدَّعون أنَّهم مسلمين ، هؤلاء الذين كُتب على صفيحتهم أنَّهم مسلمون ، تراهم يحلفون كذبًا ، عن أبو هريرة رضي الله عنه قال : سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول :

((الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة))

[أخرجه البخاري ومسلم]

 يحلفون كذبًا ، ويقولون كذبًا ، ويدلِّسون ، ويُخفون العيوب ، ولا يظهرونها ويُخفون نوع البضاعة ، ويذكرون نوعًا ليس هو الصحيح ، ويرفعون السعر ، هذا كلّه ليس من أخلاق المسلم ، لأنَّهم أشركوا بالله ، لأنَّهم ظنُّوا أنَّ هذه الطريقة تزيد من أرباحهم ، وأنَّهم إذا فعلوا هذا عاشوا ، فإذا صدقوا ماتوا !! هذا كلامٌ لا يقوله إلا جاهل .

العدل :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾

[ سورة النساء الآية:135]

 وكلمة قوَّامِين جمْع مفردها قوَّام ، وقوَّام صيغة مبالغة اسم الفاعل ، لم يقل : كونوا قائمين ، ولكن قال : كونوا قوَّامين ، شديدي القيام بالقسط ، قال تعالى :

﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾

[ سورة النساء الآية:135]

 هذه الآية يجب أن تكون شعار المؤمن في الحياة ، كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولو على أنفسكم .
 يُرْوَى أنَّ قاضيًا شهيرًا في العصور الغابرة جاء أمير المؤمنين الذي عيَّنه يريد أن يعْطِيَهُ من منْصِبِهِ ، فقال هذا الأمير : ولِمَ ؟ وليس في الأمّة من هو أعْدلُ منك ؟! فقال : أيّها الأمير طُرِقَ بابِيَ البارحة فجاءني غلامي بِطَبقٍ من رُطَب ، وقد شاع في المدينة أنَّني أحبّ الرُّطَب ، فقلْتُ لِغُلامي : من قدَّم هذا الطَّبَق ؟ فقال : فلان ، أو ذكر لي شكلهُ ، فعَرَفْتُ أنَّ هذا الإنسان له قضيّة عندي ، عندئذٍ ردَّدْت الطَّبَق ، وقد كان ذاك الرطب في بواكيره ، أي في أوَّله ، وكنتُ مِمَّن يحبّه ، وقد شاع في الناس ذلك ، وفي اليوم التالي ، حين دخل عليّ الخصْمان لِيَتخاصما ، يا أمير المؤمنين : والله ما اسْتويا في نظري ! أيْ تمنَّيْتُ أن يكون صاحب الحقّ هو الذي قدَّم الطَّبق ، مع أنَّني رددْتُه ، قلتُ : يا أمير المؤمنين : والله ما اسْتويا في نظري مع أنَّني رددْت الطَّبق ، فكيف لو قبلْتُهُ ؟ لذلك يأتي على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنَّى فيها أن لو لم يقضِ بين اثنين في تمرة ، قاضٍ إلى الجنَّة ، وقاضيان إلى النار .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ لو عرفتم دِقَّة الميزان الذي توزَنُ به الأعمال يوم القيامة لغيَّرتم من طرائقكم في الحياة ، لو عرفتم هول الموقف ، ودِقَّة الحِساب ، قال تعالى :

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

[ سورة الزلزلة الآية:7-8]

 يروي التاريخ أنَّ رجلاً دخل على عمر بن الخطاّب وعنده سيّدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما جميعًا ، وهذا الرجل يدَّعي على سيّدنا عليّ رضي الله عنه ، فقال سيّدنا عمر : يا أبا الحسن قِفْ إلى جانب الرجل كي يُساوِيَهُ مع خصْمه ، فلمّا قضى له وانتهى الأمر ، وعاد إلى مجلسه ، وجده قد حنق عليه ، فقال : يا عليّ ، أوجدت عليّ ؟ قال : نعم ، فقال : ولِمَ ؟ قال : لمَ قلْت لي يا أبا الحسن ، ولم تقل لي يا علي ؟ قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾

[ سورة النساء الآية:135]

 أيْ إذا حُكِّمْت في موضوع فقُلْ الحق ، ولو كان مرًّا ، ولا تأخذك في الله لومة لائم ، إذا عاملْت أولادك فَكُن عادلاً ، لأنَّ رجلاً جاء النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال : يا رسول الله اِشْهَد أنِّي نحلْت ابني هذا حديقة ، فقال عليه الصلاة والسلام : ألكَ ولدٌ آخر ؟ فقال : نعم ، قال : أنَحَلْتَهُ مثله ؟ فقال : لا ، قال : أشْهِدْ غيري فإنِّي لا أشْهد على جَوْرٍ .
 الحقيقة أنَّ الصِّدْق يلتقي مع العدل ، قد يقول أحدكم : كيف تحدَّثنا عن العدل والعدل أحد أنواع الصِّدق ؟ إن كنتَ صادقًا تعْدِل ، والشاهد إن كان صادقًا يشْهد بالحقّ ، والقاضي إن كان صادقًا مع الله عز وجل يحْكم بالعَدل .

الصدق بطلب مرضاة الله

 شيءٌ آخر في الصِّدق ، أنَّ الصِّدْق بِمَعناه الضَّيِّق أن تقول ما رأيْت ، أو أن تقول حقًّا ، وأن لا تقول باطلاً ، لكنّ الصِّدْق له معنًى آخر ، قال عليه الصلاة والسلام مُشيرًا إلى هذا المعنى الدقيق ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابً))

[أخرجه البخاري ومسلم]

 هذا موضوع آخر ، هذا الصّدق من نوع آخر ، هذا الصّدق في طلب الحقيقة ، هذا الصّدق في طلب الجنّة ، هذا الصّدق في طلب مرضاة الله ، هذا الصّدق في أن تكون مؤمنًا ، إما أن يكون الرجل صادقًا في طلبه ، وإما أن يكون كاذبًا في طلبه ، الصادق لا تقف أمامه كلّ العقبات ، مهما كانت العقبات أمامه كأداء فإنّه يتجاوزُها ، وأما الكاذب فإنَّه يرجع لأوّل عقبةٍ ظهرت في الطريق ، لو أنّ امرأً لم يتكلّم كذبًا في حياته قطّ ، وصار في طريق الدّين ، وطريق الإيمان ظهرَتْ له عقبة ، إن كان صادقًا يتجاوزُها ، ولا يجعلها عقبةً تحول بينه وبين هدفهِ ، فإن كان كاذبًا يتَّخِذُها حجَّة ، يقول : لا أستطيع ، فالإنسان الآن يعرف نفسه تمامًا ؛ ما إذا كان صادقًا أو كاذبًا ، صادقًا بمعنى الإلحاح في الطلب ، وكاذبًا بمعنى النّفاق ، فإن كان صادقًا لا يسمحُ لعقبة ما أن تقف بينه وبين هذا هدفه ، ولو أنّه ضيّق ذات اليد لا يبالي ، طاعة الله ورسوله خير ، لو عُرِضَ عليه مَبْلغٌ كبير وهو في أمسّ الحاجة إليه ، هذا العرْض لا يجعلهُ عقبةً بينه وبين الهل عز وجل ، لو خاف شيئًا ، وهذا الخوف حمله على التولي عن طريق الحق ؛ لا يفعل هذا ، الصادق يتجاوز كلّ العقبات التي تقف في طريقه إلى الله عز وجل ، وغير الصادق يتّخذ من أصغر عقبةٍ حجّة كبيرة ، ويقول : لا أستطيع ، الزمان صعب ! هذا الكلام ، صرنا في موضوع آخر ، فالصّدق هنا الإلحاح في الطلب ، قال تعالى :

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾

[ سورة الأحزاب الآية:23]

 لو أُتيح للإنسان ، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حجًّا مبرورًا ، وسعيًا مشكورًا ، وذنبًا مغفورًا ، لو أُتيح لإنسان أن يذهب إلى الحج ، وأُتيح له أن يقبّل الحجر الأسْوَد ، أو الحجر الأسْعَد ، وهو يمين الله في أرضه ، وأن يعاهد الله عز وجل وهو في هذا المكان المقدّس ، وهو يفاوِضُ كفّ الرحمن في الأرض أن يعاهده على الطاعة طوال حياته فإذا عاد إلى بلده ؛ انتبهوا ! هو عاهدهُ في هذه اللّحظة المباركة ، وفي هذا المكان المقدّس ، عاهده على الطاعة في كلّ أمور الحياة ، أن يطيع الله في زوجته ، وأن يطيعه في جيرانه ، أن يطيعه في أولاده ، أن يطيعه في عمله، أن يطيعه في عباداته ، لو أنَّ إنسانًا عاهد الله سبحانه وتعالى على الطاعة وعاد إلى بلده فارْتَكَب معْصِيَةً واحدة ، ماذا نقول ؟ لم يكن صادقًا في ذلك الوعد ، ولم يكن صادقًا في ذلك العهد ، إذًا الصِّدق هنا اليقين الكليّ والإلحاح الشديد في طلب مغفرة الله عز وجل ، وطلب رضْوانه ، لذلك ربّنا عز وجل أثنى على بعض الأنبياء ، قال تعالى :

﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾

[ سورة ص الآية:43]

 وقال تعالى :

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾

[ سورة مريم الآية:54]

 فإذا عاهدْت الله في ساعة الشدّة ، قلنا قبل أسابيع أنّ هناك أناسًا يتعرّفون إلى الله في الشِّدة ، إذا تعرّفت إلى الله في الشدّة ، وعاهدْته ، وأنت تحت وطأة النار ، أن تتوب إليه توبةً نصوحة ، أو عاهدْته وأنت بين براصم الخوف أن تتوب إليه توبة نصوحة ، وعاهدتهُ وسيفٌ مسلّط فوق رأسك ، عاهدتهُ على الطاعة ، فما بالك إذا رُفِعَت عنك هذه الشِّدَّة تعود إلى ما كنت عليه ؟ إذا فعلتَ هذا فأنت كاذب في عهدك ووعْدك وتوبتِكَ ، وإن بررْتَ بما عهدت ، ووفَّيْتَ بما عاهَدْت ، فأنت صادق .
 خطبة اليوم عن معنى آخر من معاني الصّدق ، إذا عاهْدَتَ الله فكُن صادقًا ، وإذا أعلنْتَ أنَّني أودُّ رضاك فكُن صادقًا ، لِتَكُن علانيتك كَسَريرَتِك ، وهذا من علامات المؤمن ، سريرته كَعَلانيَّته ، وباطنه كظاهره ، وورعُه في بيته كورعِهِ بين الناس ، وركعتان من روع خير ألف ركعة من مخلّط ، ومن لم يكن له ورعٌ يصدّه عن معصيَة الله إذا خلا لم يعبا الله بشيء من عمله ، لذلك النبي الكريم في هذا الحديث ، هذا حديث من أمَّهات الأحاديث ، وحديث من أصول الأحاديث ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابً))

[أخرجه البخاري ومسلم]

الصدق مع الله

 الموضوع الآخر ؛ الإنسان إما أن يكون صادقًا مع الله ، وإما أن يكون كاذبًا معه ، وقد يكون الكاذب مع الله صادق مع الناس ، ولكنَّه صادقًا في طلب مرضاته ، وليس مصِرًّا على نَيل الجنَّة ، ليس حريصًا على رضاه ، وليس متشبِّثًا بِطَاعته ، بينما الصادق ، قال تعالى :

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾

[ سورة النور الآية:37]

 لا تلْههم الدنيا بأكملها ، ولا يغترُّون بها ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الدنيا تضر وتغر وتمر .

علامات الصدق

 يا أيها المؤمنون ؛ سؤال دقيق يلخّص هذه الخطبة ، راقِبْ نفْسَكَ ، إن وجدْت عقبةً صغيرة تحول بينك وبين حضور مجالس العلم ، لِضَيف زارك في وقْت يتضارب مع مجلس العلم ، إذا تركْت الصلاة لشيء تافهٍ ، إذا حلفْت لشيء تافهٍ ، إذا أرْضَيْتَ مخلوقًا وعصَيْت ربَّك لشيء تافهٍ ، فالأمر خطير ، هذا الإنسان كاذبٌ على الله ، ليس صادقًا في طلب مرضاته ، ليس حريصًا في طلب رضاه ، ليس حريصًا على الجنَّة ، هذا أخطر أنواع الكذب ، أن يكون في طلبه كاذبًا ، أحيانًا مثلاً يذهب إنسان إلى دولة أجْنبيَّة لِيَدْرس ، يدخل للجامعة ، ثمّ يرسِل لأهله أنَّ الجامعة صعبة ، والدروس فوق مستواه ، ووجد عملاً حرًّا ، واستقرَّ بهذا العمل ! ماذا نقول ؟ هذا الرجل كاذبٌ في طلب العلم ، وجد عملاً دخلهُ وفير ، فاسْتقرَّ به ، وترك الدراسة ، هو ذهب من بلده إلى هناك لِيَدرس ، وليأخذ الدكتوراه ، ولكن من أجل دخْلاً يسيرًا تحقّق له ، وتحقّق مع هذا الدَّخْل رفاه يسير ، فترك الدراسة كلّها ، نقول : هذا إنسانٌ كاذبٌ في طلب العلم ، أما الصادق في طلب العلم لا يصرفُه شيءٌ عن هدفه ، مُغْريات هذا البلد كلّه لا تصْرفهُ عن طلب العلم ، لذلك يعود وهو حامل للدكتوراه ، نقول : هذا صادق في طلب العلم ، قد ينتسب الإنسان إلى الجامعة ، فإذا عمِلَ عملاً حرًّا يسيرًا ترك الدراسة ، نقول : هذا كاذب في طلب العلم ، معنى الكذب والصِّدق أخذ منحى آخر ، إما أن تكون صادقًا في طلب الحق ، وإما أن تكون كاذبًا علامة الصادق لا ينسيه شيءٌ عن هدفه ، لا تقف أمامه عقبةٌ مهما تكن كأداء يُذلّلها يحطّمها يتجاوزها يقضي عليها ، أما الكاذب فيحتجّ بشيءٍ يسير ، ويقول : لا أستطيع ‍! الأمر صعب ! إني أخاف وأقلق ! فيا أيها الإخوة الأكارم كونوا صادقين في طلب الحقّ ، ربّنا عز وجل أثنى على عباده الصادقين ، وقال في حقّ بعض العباد الذين تزلْزلوا يوم الخندق قال تعالى :

﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾

[ سورة الأحزاب الآية:12]

 أما تعالى فقد قال عن البعض الآخر :

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾

[ سورة الأحزاب الآية:23]

 علامة أخرى من علامات الصِّدق ، أنّ الإنسان الصادق في طلب الحق يطلب الحق في الرخاء والشّدة ، وفي الصحة والمرض ، في الأمن والخوف ، في الغنى والفقر ، في إقبال الدنيا وفي إدبارها ، في البحبوحة والشدّة ، في كلّ أحواله ، كلّ هذه الأحوال لا تؤثّر في طلبه الحق ، بينما الكاذب في طلب الحق إن جاءهُ خير اطمأنَّ به ، وإن كان الأمر غير ذلك انقلب على وجهه ، يطلب الحق في الرّخاء ويستغني عنه في الشِّدّة ، يطلب الحق في الفقر ، ويستغني عنه في الغنى ، أشخاصٌ كثيرون فتحوا محلاَّت تِجاريّة ، وراجَتْ تِجارتهم ، وربحوا أرباحًا طائلة ، فلم تعد تراهم في مجلس العلم ، أين فلان ؟ مشغول ! قال تعالى :

﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾

[ سورة الفتح الآية:11]

 هذا كاذبٌ في طلب الحق ، الصادق لا يثنيه شيء ؛ لا مال ، ولا موسِم ، ولا بيع شديد ، ولا تجارة ولا بيع عن ذكر الله .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزِنوا أعمالكم قبل أن توزَنَ عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلْنتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

 

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمدًّا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمَّد وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين .

كيفية أداء الاستخارة والهدف منها

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ أخٌ كريم سألني قبل أسبوعين عن دعاء الاستخارة قبل كلّ شيء موضوع الاستخارة يقابله موضوع الاستشارة ، الإنسان يستشير أهل الرأي والحكمة ، وأهل الخبرة من المسلمين في أعماله ، هو يُزْمِعُ أن يفتح محلاًّ تِجاريًّا مثلاً ، يسأل أهل الخِبرة الصادقين المخلصين من إخوانه المؤمنين ، يسألهم ، ويسْتشيرهم ، هل المكان مناسب ؟ هل بيع هذه البضاعة في هذا الحي مناسب ؟ كم يجب أن أنفق على هذا المكان ؟ فهذه الاستشارة لا بدّ منها ، قال عليه الصلاة والسلام : ما ندم من استشار ..." من استشار الناس استعار عقولهم ، عقلٌ راجِح اسْتعرتهُ كلّه باستشارة قبل أن تشتريَ بيتًا ، قبل أن تفتح هذا المحلّ ، وقبل أن تقدِمَ على هذا العمل ؟ قبل أن تخاطر ، وقبل أن تغامر ، اسْتَشِر أهل الرأي والحكمة من المؤمنين ، أما غير المؤمنين لا يُسْتشارون لأنَّهم قد يُشيرون عليك بِمَعصيَة ، وقد يورِّطونك ، وقد يوقِعونك في أزمات لا حلّ لها ، اسْتَشِرْ أهل الرأي والحكمة من المؤمنين ، هذه هي الاستشارة .
 ولكنَّ الاستخارة لله عز وجل ، أوَّلاً : لا استخارة في شيءٍ حرَّمَهُ الله عز وجل ، الأشياء المحرّمة ليس في استشارة ولا استخارة ، لكنَّ الأشياء المباحة كالزواج ، عليك أن تستشير ، وأن تستشير العقلاء من قومك ، وأن تستخير الله عز وجل ، إذا كنتَ مُصِرًّا على فتاةٍ معيَّنة فالاستخارة فاسدة ، ما دُمْت متعلِّقًا بها ، ولك تفوِّض أمرك إلى الله عز وجل فالاستخارة فاسدة ، لا يحقّ للمرء أن يستخير الله عز وجل في شأن من شؤون حياته إلا إذا كان مفوِّضًا له عز وجل ، يستوي عنده الزواج منها ، وعدم الزواج منها ، إن كنت في هذه الحالة فأنت أهل للاستخارة .
 ما هي الاستخارة ؟ أن تصلّي ركعتين ، خالصَتَين لِوجه الله عز وجل ، ثمَّ تدعو بهذا الدعاء :
 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ :

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ))

[ أخرجه البخاري ]

 قال تعالى :

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة البقرة الآية:216]

 قد يتزوَّج إنسانٌ إنسانةً فتأخذه إلى النار ، ويكون هلاكه على يدها ، هلاكه إلى الأبد على يدها ، فإن كان فيك خير يخلق الله عقبةً كأداء بينك وبين الزواج منها، تحزن أنت ‍! لا ، لا تحزَن ، قال تعالى :

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة البقرة الآية:216]

 إنسانٌ تزوَّج امرأة فلمَّا دخل عليها لم تُعْجِبْهُ إطلاقًا ، شعرَت عليك فقالت : يا أنس قد يكون الخير كامنًا في الشرّ ، لم يبالي بهذا الكلام ، وترك البيت ، وهام على وجهه عشرين عامًا ، عاد بعدها إلى المدينة ، فدخل إلى المسجد فرأى شابًّا وسيمًا منيرًا يحدِّث الناس ، والناس متحلِّقون حوله بأعداد كبيرة ، فسأل من هذا ؟ فقالوا : هذا مالك بن أنس ! يعني ابنهُ ، فجاءهُ وقال له يا بنيّ ، قلْ لأُمِّك : قد يكون الخير كامنًا في الشرّ ، فلمَّا ذهب إليها وكلّمها قالت : يا بنيّ هذا أبوك ! كلّ هذا الخير في صحيفة هذا الأب ، قال تعالى :

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة البقرة الآية:216]

 قد تفوتك بعثة ، والخير كلّه في فواتها ، وقد تفوتك امرأة خطبتها ، والخير كلّه في تركها ، وقد يكون دخلك محدودًا ، والخير كلّه في هذا الدَّخل المحدود ، لا تندب حظَّك ، ليس بالإمكان أبدع مما كان ، لذلك قال :

((فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ))

 قد يكون الأمر خير لك في دنياك فقط ، وليس في دينك ، مصلحةٌ متعلّقة بالنساء ، ممكن أن تفتن صاحبها ، قد يكون هذا خير في دنياك ، ولكن ليس في دينك ، قال : إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي ، اللهمّ ارزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدِّين والدنيا والآخرة ، ثلاثة مواطن ، قال فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ، أجمل شيء في هذا الدعاء واصْرفني عنه ، يعني يا رب ، لا تجعلني أتعلّق به ، ولكن هناك حديث أحفظه وهو قوله عليه الصلاة والسلام :

(( ما ترك عبد لله أمرا لا يتركه إلا لله إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه))

[ أخرجه ابن عساكر ]

 ما كان الله ليعذب قلبًا بشهوة تركها صاحبها في سبيل الله ، الله يُنْسِيكَها ، قال :
 وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ ، هذا دعاء الاستخارة ، إن كان الأمر مباحًا كالزواج والعمل ، أو عرضت لك وظيفة ، أو عمل ، أو ما شاكل ذلك ، أو سفر أو إقامة ، اسْتَشِرْ أوَّلاً واسْتَخِر الله ثانيًّا ، والاستخارة أن تكون في مباح من دون إصرار على شيءٍ ما .

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، وصلّ اللهمّ وسلم على سيّدنا محمّد النبي الأمي وعلى صحبه وسلّم ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بارك لنا في شهر رمضان ، وأعنَّا فيه على الصيام والقيام ، وغضّ البصر ، وحفظ اللّسان ، اللهمّ اكتب الصحة والسلامة للحجاج والمسافرين ، والمقيمين والمرابطين في برّك وبحرك من أمّة محمد أجمعين ، اللهمّ ارزقنا حجًّا مبرورًا ، وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا يا أرحم الراحمين ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعلي كلمة الحقّ والدِّين وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى إنَّه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018