الخطبة : 0118 - لولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0118 - لولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم


1986-02-28

الخطبة الأولى :

 الحمد لله له ما في السماوات وما في الأرض ، وله الحمد في الآخرة ، وهو الحكيم الخبير .
 الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
 الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا .
 عبدٌ وقف بين يدي ربه يناجيه ، فقال : يا رب لقد عصيتك ولم تعاقبني . فوقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدر ، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟
 هذا الذي يعصي الله ويظن أن شيئاً لم يُصبه مِن جرّاء هذه المعصية ، لقد فاته أنه ضيّع على نفسه الشيء الكثير ؛ أن لذة القرب فاتته ، أن لذة المناجاة فاتته ، أن لذة السعادة في الإقبال على الله ذويت عنه .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمَن جحد به وكفر .
 قال الله تعالى في كتابه الكريم :

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 53 ]

 وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله ، وصفيّه وخليله ، أدى الأمانة ، وبلَّغ الرسالة ، ونصح الأمة ، وكشف الغُمَّة ، وجاهد في الله حق الجهاد .
 اللهمَّ صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، الطيبين الطاهرين ، الهداة المهديين ، الذين أحبّوه حباً ما أحبه أحدٌ لأحد .
 قال أبو سفيان : ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً .
 اللهم اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وفك أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وتولى أمرنا ، وبلِّغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا .
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم .

 

حقائق المصائب :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في سورة القصص آيةٌ بليغة المعنى ، دقيقة المؤدّى ، يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة القصص الآية : 47 ]

 يُسْتنبط مِن هذه الآية حقائق عِدَّة .

 

1- ما من مصيبة تقع إلا بما قدمت أيدي الناس :

 الحقيقة الأولى : أنه ما مِن مصيبةٍ تقع في الأرض إلا بما قدَّمت أيدي الناس ..

﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف الآية : 49 ]

﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

[ سورة النساء الآية : 77 ]

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾

[ سورة النساء الآية : 124 ]

(( إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا ))

[ صحيح مسلم ]

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود الآية : 56 ]

 أول استنباط مِن هذه الآية :

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾

 

[ سورة القصص الآية : 47 ]

 المصيبة لا تقع في الأرض إلا بذنوب العباد ..

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

 

[ سورة النساء الآية : 147 ]

 ما أصاب عبداً مصيبةٌ إلا بإحدى خُلَّتَيْن ؛ بذنبٍ لم يكن الله ليغفر له إلا بتلك المصيبة ، أو بدرجةٍ لم يكن الله ليبلِّغها إيّاه إلا بتلك المصيبة ، هذا هو الاستنباط الأول :

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾

 

[ سورة القصص الآية : 47 ]

2- المعاتب :

 الاستنباط الثاني : لو أن الله سبحانه وتعالى لم يرسل هذه المصيبة ، لم يضيِّق هذا التضييق ، لم يبعث بهذا المرض ، لم يشدد في دخل الإنسان ، لو كان في بحبوحة ، وكان في صحة ، وكان غارقاً في ملذّاته ، وكان منحرفاً ، ولم يسق الله له شيئاً ؛ لا نفسياً ، ولا جسمياً ، ولا مادياً ، ولا معنوياً ، وبقي في بحبوحةٍ ، وبقي في يسرٍ ؛ وظلّ غافلاً عن الله عز وجل ، وظل غارقاً في لذّته ، وظل تائهاً في سيرته ، وظل على هذه الحال إلى أن وافته المنيّة ، ما موقف هذا العبد من الله عز وجل ؟ إنه موقف المُعاتب ، إنه يعاتب ربه ، يقول : يا رب كنت تائهاً ، كنت ضالاً ، كنت جاهلاً ، كنت غائطاً في شهواتي ، لمَ لمْ تذكرني بمصيبةٍ ، لمَ لمْ تنبهني بمشكلةٍ ، لمَ لمْ تضيّق عليّ ، أنت العليم الحكيم ، أنت أرحم الراحمين ، لولا أن تصيب الناس مصيبة بما قدمت أيديهم لكان لهم عتاباً يوم القيامة ، وهاهو ذا العتاب ..

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾

[ سورة القصص الآية : 47 ]

 لو أن ابناً اختار طريقاً غير صحيح ، والأب وافقه على هذا الطريق ؛ ولم ينصحه ، ولم يَرْدَعْهُ ، ولم يبيّن له ، ولم يضيّق عليه ، ولم يعنّفه ، ولم يزجره ، ولم يضربه ، إذا كبر هذا الطفل وصار شاباً ، ورأى زملاؤه في مراتب عليّة وهو في أدنى السلم ، عندئذٍ ينشأ في نفسه عتابٌ كبيرٌ كبير ، يقول لأبيه : يا أبتِ ، أنت أعلم مني لمَ لمْ تنصحني ، لمَ لمْ تزجرني ، لمَ لمْ تردعني ، لمَ لمْ تضيق عليّ ..

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾

 

[ سورة القصص الآية : 47 ]

 لولا ذلك :

 

﴿ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾

 

[ سورة القصص الآية : 47 ]

 بعض العلماء جعل هذه الآية حُجَّةً على أن الفكر الذي وهبنا الله إيّاه يكفي لمعرفة الحق مِن الباطل ، وأن هذه المصائب ما هي إلا نوعٌ مِن التنبيهات ، ما هي إلا رُسلٌ من نوعٍ آخر تخاطب عقل الإنسان ، تقول : يا إنسان الله غنيٌ عن تعذيبك ، ما هذا التعذيب إلا تذكيرٌ ، إلا حَضٌ ، إلا إثارةٌ ، إلا لفت نظرٍ ..

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾

 

[ سورة القصص الآية : 47 ]

 لم يقل الله عز وجل :
 ربنا لولا أرسلت إلينا مصيبةً .
 بل بدل المصيبة بالرسول .
 بمعنى أن المصيبة نوعٌ مِن أنواع الرُسُل ، إنه بالمرض يذكِّر العبد ، إنه بالفقر يذكِّره ، إنه بالضيق المادي يبعث في نفسه التذكير ..

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ ﴾

 

[ سورة القصص الآية : 47 ]

 يؤكّد هذه الآية قوله تعالى :

 

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 

[ سورة الأنعام الآية : 147 ]

 أي تقتضي رحمة الله الواسعة ألاَّ يردَّ بأسه عن أولئك الذين لا عمل لهم ، أولئك الذين غرقوا في المعاصي ، أولئك التائهون ، أولئك الشاردون ، أولئك الغافلون ، لا يقع واقعٌ في الأرض إلا بحكمةٍ بالغة ، وتقديرٍ دقيق ، وكان أحد العارفين بالله كلّما أصابته مصيبةٌ يقول : ذلك تقدير العزيز العليم .
لا تقل : لو أني فعلت كذا وكذا ، ولكن قل : قدَّر الله وما شاء فعل ، فإن كلمة لو تفتح عمل الشيطان .

 

إتباع الهوى :

 الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص الآية : 50 ]

 إن لم يستجيبوا لك ويتوبوا إلى الله ، فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ، وليس في الأرض رجلٌ أشد ضلالاً ممّن جعل إلهَهُ هواه ، وليس في الأرض رجلٌ أشد ضلالاً ممن قادته نفسه الأمّارة بالسوء ، ممن كان مُنْقاداً لنفسه ، ممن جعل هواه هدفاً كبيراً في حياته .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ إشارةٌ دقيقة في هذه الآية :

 

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

 

[ سورة القصص الآية : 50 ]

 فهل هناك اتباع للهوى بهدىً مِن الله ؟
 بعضهم قال :
 حينما يختار الإنسان الطريق الشرعيّ في الزواج ، هذا عملٌ مشروع .
 وحينما يكسب الإنسان المال مِن طريق مشروع ، فالله يرضى عنه .
 ولكن الانحراف أن تميل مع الهوى مِن دون هدىً مِن الله سبحانه وتعالى .
 أن تميل مع الهوى على حساب الآخرين .
 أن تميل مع الهوى وتعتدي على حقوق الآخرين .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ آيتان من سورة القصص :

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 

[ سورة القصص الآية : 47 ]

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص الآية : 50 ]

 إذاً لو كشف الغطاء لاخترتم الواقع ، ولو كشف الغطاء لا يزداد المؤمن يقيناً ، بل يقينه قبل كشف الغطاء ، كيقينه بعد كشف الغطاء .

 

﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 

[ سورة يونس الآية : 10 ]

 والرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ، وعلامة الهدى الاستجابة ..

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾

 

[ سورة الأنفال الآية : 24 ]

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

[ سورة القصص الآية : 50 ]

* * * * *

السنة المطهرة :

أحاديث تبدأ بـ لو تعلمون......... :

 أيها الإخوة الأكارم ؛ إلى السُنَّة المطهّرة ، أحاديث شريفة عدَّة تبدأ بقوله عليه الصلاة والسلام :

(( لو تعلمون .......... ))

 النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر بالله عز وجل قال :

(( أخشاكم لله أنا ))

[ الجامع لأحكام القرآن ]

 أوتي من العلم ما لم يؤت أحدٌ مِن العالمين ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لو تعلمون ما ادخر لكم ما حزنتم على ما زوي عنكم ))

[ الجامع الصغير ]

 لو تعلمون ما ادخر لكم بعد الموت ، لو تعلمون ما ادخر لكم من نعيم مقيم ، من جنّاتٍ عرضها كعرض السماوات والأرض ، لو تعلمون ما ادخر لكم مما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، لو تعلمون طبيعة الجنة ، وما فيها من سعادة أبدية ، لو تعلمون مقدار الطمأنينة والسرور الذي يحصِّله المؤمن بعد الموت .

(( لو تعلمون ما ادخر لكم ما حزنتم على ما زوي عنكم ))

[ الجامع الصغير ]

 زوي عنه المال فهو في غَمٍ وحَزَن ، إنه جاهل ، لو يعلم ما عند الله من سعادة لما حزن على فوات المال ، لقد فاتته المرأة الصالحة ، أو فاتته المرأة التي تروق له ، فهو يندب حظّه ليل نهار .

(( لو تعلمون ما ادخر لكم ما حزنتم على ما زوي عنكم ))

[ الجامع الصغير ]

 فاتته هذه الشهادة فلم يحصّلها ، حصلها زملاؤه وارتقوا في مراتب اجتماعيةً عليّه ، دائماً في حزنٍ شديد .

(( لو تعلمون ما ادخر لكم ما حزنتم على ما زوي عنكم ))

[ الجامع الصغير ]

 لم يرزقه الله أولاداً ذكوراً ، فهو في غمٍ مستمر .

(( لو تعلمون ما ادخر لكم ما حزنتم على ما زوي عنكم ))

[ الجامع الصغير ]

 لم ينجب أولاداً البتَّة ؛ كان عقيماً ، قلبه يكاد يتفطّر ألماً .

(( لو تعلمون ما ادخر لكم ما حزنتم على ما زوي عنكم ))

[ الجامع الصغير ]

 يسكن بيتاً صغيراً ، دخل إلى بيتٍ واسع فأصابه حزنٌ شديد ، لهذا البيت القميء الذي يسكنه .

(( لو تعلمون ما ادخر لكم ما حزنتم على ما زوي عنكم ))

[ الجامع الصغير ]

 لو عرفت ما في الآخرة مِن نعيم مقيم ، لو عرفت مقعد الصدق عند مليكٍ مقتدر ، لو عرفت المكان الكريم الذي يحتلّه المؤمن يوم القيامة، لو عرفت العطاء الذي يعدك الله به ، لو عرفت ما عند الله ، ما ندمت على شيءٍ فاتك مِن الدنيا .
 وسيدنا الصديق ، رضي الله عن الصديق ، قرأت عنه كلمةً تركت في نفسي أثراً بليغاً ، قرأت عنه : أنه ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط . أبداً لأن الدنيا زائلة ، عرضٌ حاضر يأكل منه البر والفاجر ، كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو كأنك عابر سبيل ، كن في الدنيا كأنك مسافر ، ما لي وللدنيا .
 مر النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه بشاةٍ ميتة ، فقال لأصحابه الكرام :

(( أترون هذه الشاة هينة على أهلها ؟ قالوا : من هوانها ألقوها . قال : والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها ))

[ تخريج أحاديث الإحياء ]

 إن الله يعطي الدنيا لمَن يحب ولمَن لا يحب ..

 

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾

 

[ سورة القصص الآية : 76 ]

 ربنا سبحانه وتعالى يقول :

 

﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾

 

[ سورة يونس الآية : 58 ]

 يفرحوا بالعمل الصالح ، ليفرحوا بالقربى مِن الله عز وجل ، ليفرحوا بالاستقامة على أمر الله ، ليفرحوا بطاعة الله ، أما إذا فرحوا في الدنيا فهم مِن أصحاب الأفق الضيِّق ..

 

﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾

 

[ سورة القصص الآية : 76 ]

﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً ﴾

[ سورة التوبة الآية : 82 ]

 الذين كفروا :

 

﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾

 

[ سورة لقمان الآية : 24 ]

 قال :

 

﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

 

[ سورة البقرة الآية : 126 ]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ ﴾

[ سورة التوبة الآيات : 38-39 ]

 هذه مصيبة ..

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 

[ سورة القصص الآية : 47 ]

 أيها الإخوة المؤمنون :

(( لو تعلمون ما ادخر لكم ما حزنتم على ما زوي عنكم ))

 لو تعلمون ما بعد الموت ، لذلك قال سيدنا علي كرم الله وجه :
 الغنى والفقر بعد العرض على الله .
 والغنى والفقر مطيتان إلى الله ، لا أبالي أيهما امتطيت .
 الغنى يوصلك إلى الله عز وجل بتواضعك ، وسخائك ، وفعلك المعروف ، والفقر يوصلك إلى الله عز وجل بصبرك ، وعفَّتك ، وتجمُّلك ، مطيّتان إلى الله عز وجل .

(( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ))

(( لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت ما أكلتم طعاماً على شهوةٍ أبداً ، ولا شربتم شراباً على شهوةٍ أبداً ، ولا دخلتم بيتاً تستظلون به ، ولمررتم إلى الصعدات تلدمون صدوركم وتبكون على أنفسكم ))

[ كنز العمال ]

 لو تعلمون ..

 

﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾

 

[ سورة التكاثر الآيات : 5-8 ]

 لو تعلمون الذي يحاسِب على كل صغيرةٍ وكبيرة ما خرجتم عن أمره قيد أنملة .

رجلٌ اغتصب درعاً ، فتأمَّله ، فرأى عليه بيتين من الشعر :
إذا جار الأمير وحاجباه وقاضي الأرض أســــرف في القضاء
فويلٌ ، ثم ويلٌ ، ثم ويلٌ لقاضي  الأرض من قاضي الســــماء
* * *

 وقع مغشياً عليه ، وذهب إلى مكة المكرّمة ليطوف بالبيت ، وجعل يقول : ربي اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل ، فقال مَن سمعه : يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله ؟! قال : ذنبي عظيم .
 لو تعلم الذي يحاسب دقة حسابه ، ما خرجت عن أمره قيد أنملة ، ولكنه الجهل ..

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

 

[ سورة فاطر الآية : 5 ]

 الشيطان يقول لك : لن يحاسبك ، يقول لك كلاماً يؤدّي إلى أن تبقى على معصية الله .

(( لو تعلمون ما في الصف الأول ما كانت إلا قرعة ))

[ الجامع الصغير ]

 في الخُطَب ، وفي مجالس العلم ، وفي المساجد ، وفي الصلوات الخَمْس ، لو تعلمون ما في الصف الأول مِن الخير ما كانت إلا قرعة .

(( لو تعلمون من الدنيا ما أعلم لاستراحت أنفسكم منها ))

[ الجامع الصغير ]

 لأنها تغر ، وتضر ، وتمر ، الدنيا دار مَن لا دار له ، ولها يسعى مَن لا عقل ، خذ مِن الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً ، مَن أخذ مِن الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر .

(( لو تعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحدٍ يسأله شيئاً ))

[ الدر المنثور في التفسير المأثور ]

(( لأن يأخذ أحدكم أحبله فيحتطب به خيرٌ له من يسأل الناس أعطوه أو منعوه ))

[ الجامع الصغير ]

 كان الصديق رضي الله عنه يركب راحلته وكان خليفة المسلمين ، وقع ذمام الناقة على الأرض فنزل وأخذه ، عاتبه أصحابه : يا خليفة رسول الله نكفيك ذلك . قال : أمرني حبيبي عليه الصلاة والسلام ألا أسأل الناس شيئاً .

(( لو تعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحدٍ يسأله شيئاً ))

[ الدر المنثور في التفسير المأثور ]

(( لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً ))

[ كشف الخفاء ]

 يظهر النفاق ، وترتفع الأمانة ، وتقبض الرحمة ، ويتهم الأمين ، ويؤتمن غير الأمين هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن بعض أشراط الساعة .
 لو تعلمون قدر رحمة الله عز وجل لاتكلتم عليها ، ولكن الله سبحانه وتعالى يريكم مِن شدته ورحمته في وقتٍ واحد ، لعلكم ترغبون وترهبون ، لعلكم تحبون وتخشون .
 سيدنا أبو ذر لقي سيدنا عمر رضي الله عنه قال :
 يا خليفة رسول الله هاب الناس شدتك .
 فقال :
 يا أبا ذر لو يعلم الناس ما في قلبي مِن الرحمة لأخذوا عباءتي هذه .
 ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى .

* * * * *

زيد بن حارثة :

 أيها الإخوة الأكارم ... إلى قصةٍ قصيرةٍ قصيرة تنبئكم عن حقيقة الإيمان .
 كلكم يعلم أن سيدنا زيد بن حارثة كان غلاماً عند النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد قدَّمته السيدة خديجة له ، وفي موسمٍ مِن مواسم الحج قصد البيت الحرام نفرٌ مِن قومٍ زيدٍ ، وفيما كانوا يطوفون بالبيت العتيق إذا هم بزيدٍ وجهاً إلى وجه ، فعرفوه وعرفهم ، وسألوه وسألهم ، ولما قضوا مناسكهم ـ هذا قبل الإسلام وقبل بعثة النبي العدنان ـ وعادوا إلى ديارهم أخبروا حارثة والده ، بما رأوا وحدّثوه بما سمعوا ، وقال زيد رضي الله عنه لهم : أخبروا أبي أنني مع أكرم والد ، هكذا النبي كان يعامله .
 فما أسرع أن أعد حارثة راحلته ، وحمل معه المال ما يفدي به فلذة كبده وقرة عينه ، وصحب معه أخاه كعباً ، وانطلقاً معاً ، باتجاه مكة ، فلما بلغاها ، دخلا على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ـ قبل البعثة ، قبل أن يكون نبياً ـ وقالا له :
 يا عبد المطلب أنتم جيران الله تفكون العاني ، وتطعمون الجائع ، وتغيثون المَلْهوف ، وقد جئناك في ابننا الذي عندك ، وحملنا إليك مِن المال ما يفي به ، فامنن علينا وفاده بما شئت مِن المال .
 فقال محمدٌ صلى الله عليه وسلم : ومن ابنكما الذي تعنيان ؟
 فقالا : غلامك زيد بن حارثة .
 فقال : وهل لكما فيما هو خيرٌ من الفداء ؟
 فقالا : وما هو ؟
 قال : أدعوه لكم ، وأخيره بيني وبينكم ، فإن اختاركم فهو لكم بغير مال ، وإن اختارني فما أنا والله بالذي يرغب عما يختاره .
 فقالا : لقد أنصفت وبالغت في الإنصاف . من دون مال ، من دون فدية .
 فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً وقال :
 من هذان ؟ هذا الاحتياط ، وهذا الذكاء ؟
  فقال : هذا أبي حارثة بن شَرَحْبيل ، وهذا عمي كعب .
 فقال : قد خيَّرتك إن شئت أقمت معهما وإن شئت أقمت معي .
 فقال من غير إبطاءٍ ولا ترددٍ : بل أقيم معك ، وما أنا بالذي أختار عليك أحداً ، أنت الأب والعم والأم .
 فقال أبوه : ويْحك يا زيد أتختار العبودية على أبيك وأمك ؟!
 فقال زيد : إني رأيت مِن هذا الرجل شيئاً ، أنساني أبي وأمي ، وما أنا بالذي يفارقه أبداً .
 عندئذٍ خرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى السوق وقال : اشهدوا أن زيداً ابني حقاً ، أرثه ويرثني .
 وعندها صار يسمى سيدنا زيد : زيداً بن محمد ، إلى أن جاءت آية التبني وألغت التبني ، فعاد اسمه زيد بن حارثة ، كان حِبَّ رسول الله ، وعرف أصحاب النبي أنه يحبّه حباً جَمَّاً ، فقد غبطه على هذه المحبة أقرب الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـَن أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :
 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين .

الطيور وإمكاناتها:

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ قرأت في موسوعةٍ عن الطيران جملةً اهتزّت لها مشاعري ، موسوعة علمية عن الطيران ، عن الطائرات ، مكتوبٌ في هذه الموسوعة :
 أنه ما مِن طائرةٍ صنعها الإنسان ، ترتقي إلى مستوى الطير ، أو تجرؤ على أن تقترب منه .
 فالطيور التي خلقها الله سبحانه وتعالى ، هكذا قال :

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ﴾

[ سورة الملك الآية : 19 ]

 فالطيور ، مِن أكثر مخلوقات الله جمالاً ، ومِن أجملها نغماً ، ومِن أكثرها استحواذاً على الإعجاب ، توجد في كل بقعة من بقاع العالم ، في أطراف المناطق القُطبية ، إلى قمم الجبال الشامخة ، إلى أكثر البحار هيجاناً ، إلى أكثر الغابات ظلمةً ، إلى أكثر الصحارى عُرياً ، إلى أكثر المدن ازدحاماً ، في أي مكانٍ على وجه الأرض ، تجد الطيور .
 عَدّ العلماء حتى هذا التاريخ مِن أنواع الطيور ما يزيد عن تسعة آلاف نوعٍ ، تسعة آلاف نوع من أنواع الطيور ، وقد زوّد الله سبحانه وتعالى الطير بوزنٍ خفيف ، يعينه على الطيران ، وأكياسٍ هوائية ، منتشرة في كلِّ أماكن جسمه ، تخفف مِن وزنه ، وتبرِّد عضلاته الحارة ، من شدة الخَفَقان ، وجعل عظامه مجوَّفة ، وجعل ريشه ، لا وزن له ، ليعينه على الطيران ، وجعل الطير يتمتَّع بميزاتٍ يحتاجها في طيرانه .
 فهو يتمتَّع بقوة البصر ، بل إن قوة بصر بعض الطيور تزيد عن قوة إبصار الإنسان ، ثمانية أضعاف ، إن بعض أنواع الطيور ، يرى فريسته على بعد ألفين مِن الأمتار . والعين عند الطائر أيها الإخوة الأكارم أكبر حجماً مِن مخِّه ، وتستطيع أن ترى عينه دائرةً تامّة ، الإنسان يرى مئة وثمانين درجة ، حينما يدير وجهه ورأسه تتسع هذه الدرجات ، لكنَّ الطائر مزوَّد بعينين جانبيتين ، تمسحان الدائرة بأكملها .
 والطائر أيها الإخوة ؛ له سرعةٌ تزيد عن مئةٍ وثلاثين كيلو متراً في الساعة ، وبعض أنواع الطيور يقطع ستة آلاف كيلوا متر مِن دون توقُّف ، ستة وثمانين ساعة طيران بلا توقّف يقطعها الطير ، أية طائرةٍ تقطع هذه المسافة ، ستة وثمانين ساعة من دون توقّف ؟ ومِن دون تزوُّد بالوقود ، أو بالطعام ، أو بالشراب ؟

 

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ﴾

 

[ سورة الملك الآية : 19 ]

 وفي كل شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنه واحد

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018