الخطبة : 0088 - أصناف الناس - قصة موت إبراهيم بن الرسول صلى الله عليه وسلم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0088 - أصناف الناس - قصة موت إبراهيم بن الرسول صلى الله عليه وسلم.


1985-07-10

الخطبة الأولى :
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر .
 اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير .

أصناف الناس :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الناس أربعة أصناف :
 1- منهم من يعرف الله في الرخاء والشدَّة .
 2- ومنهم من لا يعرفه لا في الرخاء ولا في الشدّة .
 3- ومنهم من يعرفه في الشدة .
 4- ومنهم من يعرفه في الرخاء .
 فلْينظر كلٌّ منَّا إلى أيّ نوعٍ ينطوي ، هؤلاء الذين عرفوا الله في الرخاء والشدَّة هم المؤمنون حقًّا

الصنف الأول :

 قال تعالى :

﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾

[ سورة النور الآية:37]

 ثلاثةٌ أنا فيهنَّ رجل -سيّدنا سعد- وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس : ما صلَّيْتُ صلاةً فشُغِلَت نفسي بغيرها حتى أقْضِيَها ، وما سِرْتُ في جنازةٍ فحدَّثْتُ نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ، ولا سمعتُ حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا علِمْتُ أنَّه حقّ من الله تعالى ، قال تعالى :

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾

[ سورة الأحزاب الآية:23]

 هؤلاء الطبقة الممتازة ، هؤلاء السابقون السابقون ، هؤلاء المقرّبون ، لا تؤثّر فيهم الدنيا ، أأَقْبَلَتْ أم أدْبرَت ، لا يؤثِّر فيهم المال ؛ أكان بين أيديهم وفيرًا أو يسيرًا ؟ لا تؤثّر فيهم الصّحة ؛ أكانت وافرةً أم منقوصة ؟ عرفوا الله وأحبّوه وأطاعوه لأنَّه أهل للعبادة ، ما أطاعوهُ خوفًا من ناره ، ولا طمعًا في جنَّته ، ولكنّهم عرفوا أنَّ لهم ربًّا فأطاعوه ، هو أهل للتقوى وأهل للمغفرة ، يا محمّد ؟؛ قال جبريل عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام : أتُحِبُّ أن تكون نبيًّا ملِكًا أم نبيًّا عبْدًا ؟ قال : بل نبيًّا عبدًا ، أجوعُ يومًا فأذْكرهُ ، وأشْبعُ يومًا فأشْكرهُ ، اسْأل نفسك هذا السؤال : هل أنت من هذا الصِّنْف ؟ هل ثقتك في الرخاء والشدَّة هيَ هي ؟ هل ظنّك الحسن بالله عز وجل في الرخاء والشدَّة هو هُو ؟ سؤال دقيق .

الصنف الثاني :

 الصِّنْف الثاني الذي لا يعرف الله ؛ لا في الرخاء ولا في الشدَّة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة البقرة الآية:6]

 قال تعالى :

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

[ سورة الأنعام الآية:44]

 سِيَّان ، ذكَّرَهم الله عز وجل ، وذكَّرهم ، وحذَّرهم ، وأنذرهم ، وأسْمعهم الحق ، وساق لهم من الشدائد ، وهم هم على كفرهم ، قال تعالى :

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

[ سورة الأنعام الآية:44]

 لذلك الكافر يُقْصَمُ قصْمًا ، ضربةٌ واحدة فإذا هم خامدون ، لكنّ المؤمن يُعالَجُ معالجةً ، لا يزال المؤمن يُعالج ويُعالَج ، دخل النبي عليه الصلاة والسلام على رجلٍ مريض ، فقال : يا رسول الله : ادْعُ الله أن يرْحمني ، فقال : يا ربّ ارْحَمهُ ، فقال الله عز وجل في الحديث القدسي :

(( وعزتي إني لا أقبض كريمتي عبدي فيصبر لحكمي ويرضى بقضائي فلا أرضى له بثواب دون الجنة ))

[ رواه عبد بن حميد ]

الصنف الثالث :

 هؤلاء الذين يعرفون الله في الشدَّة هم المؤمنون ، قال تعالى :

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾

[ سورة يونس الآية:12]

الصنف الرابع :

 لكنَّ الذين لا يعرفونه إلا في الرّخاء هؤلاء تنطبق عليهم الآية الكريمة :

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾

[ سورة الحج الآية:11]

الصنف الرابع غير مقبول :

 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ الصِّنْف الذي يعرف الله في الشِّدَّة مَقبول ، والصِّنْف الذي يعرفه في الرخاء غير مقبول ، لا بُدَّ من أن يُفْتَن ، قال تعالى :

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

[ سورة العنكبوت الآية:2]

 قال تعالى :

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾

[ سورة آل عمران الآية:142]

 لا يمكن ، قال تعالى :

﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾

[ سورة طه الآية:40]

 الأنبياء يفتنون ، ومعنى يُفتنون أيْ يُمْتحنون ، فقد يظهر من الناس إذا فُتِنوا الخير أو الشرّ ، ولكنّ الأنبياء إذا فُتِنوا لا يبْدوا منهم إلا الخير لأنَّ الله عز وجل يعرفهم ، ولكن يريد أن يعرّفهم بأنفسهم ، ويعرّف الناس بهم .
 النبي عليه الصلاة والسلام حينما وصل الطائف وردّه أهلها شرّ ردّ ، ماذا فعل ؟ أتَّهَمَ ربَّه ؟ غيَّرَ حُسْن ظنِّه بربِّهِ ؟ قال : يا ربّ ، إنِّي أشكو إليك ضَعفي ، وقلّة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا ربّ المستضعفين ، إلى من تكِلُني ؟ إلى قريب يتجهّمني ، أو إلى عدوّ ملَّكْتَهُ أمري ، إن لم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أُبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ولكنّ عافيتك أوْسعُ لي جاءهُ جبريل ، فقال : يا محمّد ، أمرني ربّي أن أكون طَوْع إرادتك ، لو شئت لأطبقْتُ عليهم الجبَلَيْن ‍؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام : لا ، اللَّهمّ اهْد قومي فإنَّهم لا يعلمون ، لعلّ الله يخرجُ من أصلابهم من يوحِّد الله ، هكذا ، فهؤلاء الذين يعرفون الله في الرخاء والشدَّة هم المؤمنون حقًّا ، الإمام عليّ كرّم الله وجهه : الرضا بِمَكروه القضاء ، أرفع درجات اليقين البطولة ، أن تكون مريضًا وأن تكون حسن الظنّ بالله ، البطولة أن تكون ضيّق ذات اليد ، وأن تكون حسن الظنّ بالله ، البُطولة أن تكون في ضيق العيش وأنت راضٍ عن ربّك ، يا ربّ هل أنت راضٍ عنّي ، قال الله عز وجل : ويا عبدي هل أنت راضٍ عنّي حتى أرضى عنك ؟ ، أرضيتَ عن تصرّفاتي ، أقبلْت حكمتي ؟ أصدّقْت بِتَدبيري ؟ ألَكَ اعْتراض على تصرّفاتي ؟ هذا هو الإيمان ، فهذا الذي يُسيء الظنّ بالله إذا أصابتْه شدَّة ، فهذا في إيمانه ضَعْف .

 

الصنف الأول هم المؤمنون والأنبياء الصادقون :

 من الناس من يعرف الله في الرَّخاء والشّدة ، المؤمنون الصادقون ، الأنبياء الصادقون ، هؤلاء ظنّهم بالله تعالى حسَن ، قال تعالى :

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾

[ سورة يوسف الآية:33]

 دخل السِّجْن سبْع سنين ، وكان حسَنَ الظنّ بالله عز وجل .

 

الصنف الثاني يُعْطَوْن الدنيا كما يريدون .

 ومن الناس من لا يعرفه لا في الرَّخاء ولا في الشدّة ، هؤلاء الذين يُعْطَوْن الدنيا كما يريدون ، قال تعالى :

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾

[ سورة القصص الآية:61]

 قال تعالى :

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آَمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾

[ سورة البقرة الآية:126]

 هؤلاء لا يعرفوه لا في الرَّخاء ولا في الشدّة ، وقد قال الله في الحديث القدسي ، عبدي اعْرِفْني في الرَّخاء أعْرفْكَ في الشدَّة ، اعْرِفْهُ وأنت في بحْبوحة العيش ، وأنت صحيح مُعافى ، وقبل أن يأتي التقرير ، وأنّ هناك مرضًا وبيلاً ، وقبل أن تأتي التحاليل وتقول أنّ مرضًا مسْتعصِيًا على الشفاء ، وأنت صحيح معافى ، وأنت متمتِّع بِحَواسِّكَ الخمس ، وبأجهزتك كلّها ، وأنت واقف ، قوّتك معك ، سمعك وبصرك هو هوَ ، وأنت في الرّخاء اعْرِفْهُ ، اغتنِم خمسًا قبل خمس شبابك قبل هرمك ، صحَّتَك قبل سقمك ، فراغك قبل شغلك ، غناك قبل فقْرك ، وحياتك قبل موتك ، اعْرفهُ في الرَّخاء ، وما أجمل أن تعرفه وأنت شاب ، وفي مَيْعة الصبا ، الله سبحانه وتعالى يقول : اُنظروا عبدي تركَ شهوتهُ من أجلي ، إنَّ الله لَيُباهي الملائكة بالشاب المؤمن التائب ، يقول : اُنظروا عبدي تركَ شهوتهُ من أجلي ، أُحِبّ ثلاثًا ، وحبّي لِثلاثِ أشدّ ، أحبّ الطائعين وحبّ للشابّ الطائع أشدّ ، يتَّقِدُ حيوِيَةً ، ونشاطًا ، وعندهُ طاقات مخزونة صرفها في طاعة الله ، وفي تلاوة القرآن ، وفي حفظه ، وفي حضور مجالس العلم ، وفي العمل الصالح ، وفي برّ الوالدين ، وفي الكسْب الحلال ، وفي الإحسان مطلقًا ، وأحبّ الكرماء ، وحبّي للفقير الكريم أشدّ ، وأحبّ المتواضعين ، وحبّي للغنيّ المتواضع أشدّ ، وأبغض ثلاثًا ، وبغضي لِثَلاثٍ أشدّ ، أبغض العصاة وبُغضي للشيخ العاصي أشدّ ، عندهُ زوجةٌ ، وخمسة بناتٍ متزوِّجات ، وثلاث شبان ، وسيق إلى المخفر بِتُهْمة الزنا في محلِّه التِّجاري ! فرجاهم أن لا يُخبروا أهله لأنا لا يُفْضح في بيته ، وهو فوق السِّتين .
 وأبغضُ المتكبِّرين ، وبغضي للفقير المتكبّر أشدّ ، وأبغض البخلاء ، وبغضي للغني البخيل أشدّ .

الخلاصة .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ اعْرِفْهُ في الرخاء قبل أن تأتي الشّدَّة ، من أين جئتَ بهذا الكلام ؟ من أين جئتُ أنا بهذا الكلام ؟ اسْألني ؟ قال تعالى

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

[ سورة الزمر الآية:53]

 انْتبِهوا ، ودقِّقوا فيما سأتْلوه عليكم ، قال تعالى :

﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾

[ سورة الزمر الآية:55]

 إن لم تتَّبِع ما أُنْزل إليكم من ربّك فلا بدّ من الشِّدَّة ، من قبل أن يأتيكم العذاب ثمّ لا تنظرون ، قال تعالى :

﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾

[ سورة الزمر الآية:56]

 لا بدّ من الشِّدَّة ، اعْرِفهُ قبل أن تأتي الشِّدة ، أما إذا جاءتْ الشِّدة وعرفْته فلا بأس ، وهذا مقبول ، أنْعِمْ وأكْرِم ، عَجِبَ ربّك لِقَومٍ يُساقون إلى الجنَّة بالسَّلاسل ، لا يتوبوا إلى الله تعالى إلا بعد فقْرٍ شديد ، أو بعد مرضٍ وبيل ، أو بعد قهْر وإذلال ، أو بعد فقْد حريَّة إلى أمدٍ طويل ، إذا فعل الله به ذلك قال : يا ربّ ، تُبْتُ إليك ‍! قُلها قبل أن تأتي هذه الشِّدَّة ، قلْها قبل أن يأتي بأس الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾

[ سورة البروج الآيات:12-13]

أين أنت من هؤلاء من هذه الأصناف ؟

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ينبغي أن نعرف إلى أيّ زمرةٍ نحن ننْتمي ، أإلى الذين عرفوا الله في الرخاء والشِّدّة ؟ أم من الذين عرفوه وهم ضِعاف الإيمان ، إذا جاءت الشِّدّة تنكَّروا ، ضيَّقَ الله على أصحاب رسول الله الكرام في معركة الخندق ، جاءتْهم جنود لا قِبَلَ لهم بها ، اجْتَمَعَ الأحزاب حولهم ، أوْقَدوا نيرانهُم ، ائْتمروا مع اليهود نقضوا عهْدهم ، كُشِفَتْ ظهورهم ، حنى قال بعض الناس مِمَّن كان مع النبي عليه الصلاة والسلام : أيَعِدُنا صاحِبُكم أن تفْتح علينا بلاد قيْصر وكِسرى ، وأحدنا لا يأْمَنُ أن يقضِيَ حاجتهُ ؟! هذا هو الضَّعف ، عرفهُ في الرخاء ، فلمَّا جاءتْ الشِّدَّة أنْكر دينه ، وأنْكر نبيّه ، وقال : صاحبكم !! ولم يقل النبي عليه الصلاة والسلام .
 هؤلاء الذين ضعفوا في الشِّدّة ، اعْرفْهُ في الرخاء قبل أن تأتي الشدّة ، وينبغي أن تعرفه في الرخاء والشدّة وإذا عرفْته في الشِّدة فلا بأس ، ولكنّ الخطر الكبير أن لا تعرفه لا في الرخاء ولا في الشّدّة ، قال بعضهم : من لم يكن له موعظةٌ من مصيبة نزلَت به ، فَمُصيبتهُ في نفسه أكبر ! نفسُهُ هي المصيبة .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزِنوا أعمالكم قبل أن توزَنَ عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلْنتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيّدنا محمّد الصادق الوعد الأمين ، اللَّهمّ صلّ وسلِّم وبارك على سيّدنا محمد صاحب الخُلق العظيم .

الغيب لا يعلمه إلا الله

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ آية أحبّ أن تقفوا عندها ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾

[ سورة الأنعام الآية:59]

 ليس في السماوات والأرض مخلوق ما يعلَمُ الغيب ، ولو تتبَّعْت أحاديث الناس لوجَدْت أحاديثهم في باطل ، أكثرهم يدَّعي أنَّ فلان يعرف ما سيكون ، وأن الساحر الفلاني أنبأني بكذا ، وأنّ العرّاف الفلاني قال لي كذا ، والآن في معظم العواصم الكبرى في العالم هناك منجِّمون يأتيهم رِجال مِن عليَّة القوم يستنبئونهم عمَّا سيكون ، يحملا دكتوراه !! فيأتي المنجِّم ويعطيه أجرًا باهظًا ليُنبئهُ عمَّا سيَكون ، والنبي عليه الصلاة والسلام وهو سيّد الخلق ، وحبيب الحق لا يعلم الغيب ، ولا يملك لنفسه نفعًا ، ولا ضرًّا ، قال تعالى :

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة الأعراف الآية:188]

 وهذه قصَّة تؤيِّد هذه الحقيقة ، جلس النبي عليه الصلاة والسلام أمام ابنه إبراهيم ، وهو في أحضان أمِّه ماريَة القبطيّة وكان عمرهُ لا يزيد عن سنة وأربعة أشهر ، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ، وابنه الأخير من الذكور يعالج سكرات الموت ؟ يقول له : يا إبراهيم أنا لا أملك لك من الله شيئًا ، يا إبراهيم أنا لا أملك لك من الله شيئًا ، يا إبراهيم أنا لا أملك لك من الله شيئًا ، هل استطاع النبي عليه الصلاة والسلام بما أوتيه من حبّ ؟ وما أوتيه من درجة رفيعة عند الله أن يدفَعَ الموت عن ابنه الوحيد ؟ ومات إبراهيم وحملهُ أبوه ليُوسَّدَ القبر ، وبعد أن انهال عليه التراب أهاله على مهجة قلبه وسمرة فؤاده ، قال : يا إبراهيم إذا جاءتْك الملائكة فقلْ لهم : الله ربّي ، ورسول الله أبي ، والإسلام ديني ، وتنفَّس النبي حوالَيْه ، فإذا به يرى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يبكي فيسأله الحبيب المصطفى ، يا عمر : ما يُبكيك ؟ فيقول عمر : يا رسول الله ، ابْنك لمْ يبلُغ الحُلم ، ولم يجْرِ عليه القلم ، وليس بِحاجةٍ إلى ملقّن ، فماذا يفعل ابن الخطاب ، وقد بلغ الحُلم ، وجرى عليه القلم ، ولن يجد ملقِّنًا يلقّنه مثلك يا حبيب الله .
 هذه القصّة تقول : إنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لا يملكُ من الأمر شيئًا ، وهكذا قال الله عز وجل : ليس لك من الأمر شيئًا ، وهكذا قال الله عز وجل : ليس لك من الأمر شيء ، يا فاطمة بنت محمّد ، يا عبّاس عمّ النبي أنْقذَا نفسيْكما من النار ، أنا لا أغني عنكما من الله شيئًا ، من يُبْطئ به عمله لم يسْرع به نسبهُ ، لا يأتي الناس بأعمالهم ، وتأتوني بأنسابكم .
 النبي عليه الصلاة والسلام أكَّدَ في أحاديث كثيرة ، لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقَت لقطعْتُ يدها ! ودخل على صحابيّ جليل خاض معاركة طاحنة في سبيل الله ، وهو مسجَّى على فراش الموت ، فسَمِعَ وراء السِّتْر امرأة تقول له : هنيئًا لك أبا السائب لقد أكْرمَكَ الله ‍! لو سكت النبي على هذا الكلام لكان إقرارًا ، فقال عليه الصلاة والسلام : وما أدراك أنَّ الله قد أكرمه ؟! قولها : لقد أكرمك الله فيه حسْم ، وما أدراك أنَّ الله قد أكرمه ؟! تعجَّبَت هي !! ألم يكن صاحبَكَ ؟ ألمْ يجاهد في سبيل الله ؟ فقال : قولي أرْجو الله أن يُكْرمَهُ ، والله إنِّي رسول الله ، ولا أدري ما يُفْعلُ بي ! قال تعالى :

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾

[ سورة آل عمران الآية:128]

 قال تعالى :

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

[ سورة الفتح الآية:10]

 كان مع أصحابه الكرام ، وقد مرُّوا بِجَنازة فقال أحدهم : لقد استراح ، فقال عليه الصلاة والسلام : وما أدراك أنَّه قد استراح ، إنَّما يستريح من قد غُفِرَ له ، هذا هو المسْتريح ، هل تعلم الغيب ؟
 بعد أن فرغ النبي الكريم من دفْن ابنه الحبيب كُسِفَت الشَّمس يومها ، فلمَّا كُسِفَت قال بعض الأصحاب : إنَّها كُسِفَت حزْنًا على إبراهيم ، سيّد المرسلين وحبيب الحق ، سيّد ولد آدم ، المخلوق الأوّل في الكون ، النبي عليه الصلاة والسلام كان يستطيع أن يسكت ، وسمع مقالتهم هذه ، وكان بإمكانه أن يسكت ، ولو سكت لكبُر في نظر أصحابه ، إنَّ الشمس كُسِفَت لموت ابنه ، هذا الموقف إذا سكت عليه النبي صلى الله عليه وسلّم فقد أُصيبَت العقيدة بثُلْمة ، فماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ روينا في صحيحي البخاري ومسلم ، عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال:

((إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتانِ مِنْ آياتِ اللَّهِ لا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلا لِحياتِهِ، فإذَا رأيْتُمْ ذلكَ فادْعُوا اللَّهَ تَعالى وكَبِّرُوا وَتَصَدَّقُوا - وفي بعض الروايات في صحيحيهما - "فإذَا رأيْتُم ذلكَ فاذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى ))

 فصَلَ هذه الظاهرة الكونيّة التي هي من صُنْع الله عز وجل وحدهُ عن أن ترتبط بِمَوت ابنه ، وهذا هو التفسير العلمي ، وهذه هي العقيدة الصحيحة ، لذلك قيل :

 

تزوَّد من التقوى فإنَّك لا تـــدري  إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجر
فكم من فتى أمسى وأصبح ضاحـكًا  وقد نُسِجَت أكفانه و هو لا يدري
وكم من صغار يُرْتجى طول عمرهم  وقد أُدخِلَت أجسادهم ظلمة القبـر
وكم من عروسٍ زيَّنوها لزوْجــها  وقد قُبِضَت أرواحهم ليلة القــدْر
و كم من صحيح مات من غير علَّة  وكم من سقيم عاش حينًا من الدَّهر

 تزوَّد من التقوى فإنَّك لا تدري ، والدنيا ساعة اجْعلها طاعة ، والنفس طمَّاعة عوِّدْها القناعة ، هي القناعة فاحْفظها تكن ملِكًا ، لو لم تكن لك إلا راحة البدن ، وانْظر لِمَن ملكَ الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن ، النَّفس تجزع أن تكون فقيرةً ، والفقر خير من غِنًى يُطغيها وغِنَى النفوس هو الكفاف ، فإن أبَت فجميع ما في الأرض لا يكفي .

 

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعلي كلمة الحقّ والدِّين وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى إنَّه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018