الخطبة : 0112 - الإرادة الإلهية - القمح - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0112 - الإرادة الإلهية - القمح


1986-01-17

الخطبة الأولى :
 الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
 إن هذا دين قد أرتضيته لنفسي ، ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق ، ألا فأكرموه بهما ما صحبتموه .
 أي من كان ديناً فعليه أن يكون سخياً وذا خلق حسن ، ليقرب الناس من الدين ، فإن كان على عكس ذلك كان سبباً في تنفير الناس من الدين .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، القائل :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 24 ]

 الإيمان حياة ، والبعد عن الله موت ، وحياة القلب أخطر من حياة الجسد ، حياة الجسد لا معنى لها ، تنتهي بالموت ، ولكن حياة القلب تسعدك إلى أبد الآبدين .
 وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، خير نبي اجتباه وللعالمين أرسله .
 لقد أبلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وكشف الغمة ، وجاهد في الله حق جهاد .
 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه الهداة المهديين ، الطيبين الطاهرين ، الذين هم كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم .
 اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته ، ولا كرباً إلا فرجته ، ولا عيباً إلا سترته ، ولا ديناً إلا أديته ، ولا مريضاً إلا شفيته ، ولا ميتاً إلا رحمته ، ولا حاجة من حاجات الدنيا والآخرة إلا قضيتها يا رب العالمين .

 

الإرادة الإلهية :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في أواخر سورة يونس آية محكمة من آيات الله سبحانه وتعالى يقول فيها :

﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ﴾

[ سورة يونس الآية : 107 ]

﴿ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 17 ]

 الوقفة في هذه الآية عند كلمة :

﴿ يَمْسَسْكَ ﴾

 وعند كلمة :

﴿ يُرِدْكَ ﴾

 مرة جاء المس ، ومرة جاءت الإرادة .
 فلمَ لم تكن الإرادة في كلا الحالتين ؟
 أو المس في كلا الحالتين ؟
 لمَ ؟
 ولمَ بدل الله سبحانه وتعالى الحالة الأولى بالمس ، والحالة الثانية بالإرادة .

 

معاني الإرادة :

المعنى الأول : إن كل شيء أراده الله لابد من أن يقع .

 العلماء قالوا : إن كل شيء أراده الله لابد من أن يقع ، لأنه ليس هناك فاصلٌ زمني ، ولا مكاني بين إرادته ووقوعها .

﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

[ سورة يس الآية : 82 ]

 لا كن ثم يكون ، لا كن ويكون .

﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

 فكل شيء أراده الله لابد واقع ، ولكن الكفار قد يريدون شيئاً ولا يقع .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 36 ]

 أنت تريد وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما تريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد .
 الإرادة الإلهية وحدها نافذة في الأرض وفي السماء .

 

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

 

[ سورة يوسف الآية : 21 ]

 لا تنفذ إلا إرادة الله .

 

 كن مع الله ترى الله معك واترك الكل وحاذر طمعك
 وإذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطى إذا ما منعك
 من تبديل كلمة المس بالإرادة فهم أن كل شيء أراده الله لابد من أن يقع .

﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ ﴾

[ سورة الرعد الآية : 11 ]

﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

[ سورة الرعد الآية : 41 ]

 قد يقضي قاضِ الاستئناف بحكمٍ فيرفع الأمر إلى محكم النقض فينقض حكمه .
 قد يحكم الإنسان فيأتي أعلى منه فيفسد حكمه

﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

[ سورة الرعد الآية : 41 ]

 أليس من العقل أن تحب هذه الإرادة التي إذا أرادت شيئاً لابد من أن يقع .
 أليس من العقل أن تطيع هذه الإرادة .
 أليس من العقل أن تستسلم لهذه الإرادة .
 أليس من العقل أن تكون مع هذه الإرادة .
 هذا هو المعنى الأول ، الشيء الذي أراده الله لابد من أن يقع ، إذاً وعد الله حق ووعيده حق .

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

 

[ سورة النور الآية : 55 ]

 وعده حق .

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ﴾

 

[ سورة الكهف الآية : 107 ]

 وعده حق .

 

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

 

[ سورة الأحزاب الآية : 71 ]

 وعده هو الحق .

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

 

[ سورة النحل الآية : 97 ]

 وعده الحق .

 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

 

[ سورة طه الآية : 124 ]

 وعيده حق .

 

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

 

[ سورة البقرة الآية : 276 ]

 وعيده حق .

 

المعنى الثاني : أن كل شيء وقع أراده الله عز وجل.

 أن كل شيء وقع أراده الله عز وجل ، كل شيء أراده الله لابد له من أن يقع ، وكل شيء وقع على وجه الأرض قد أراده الله عز وجل ، أراده ، وسمح به ، بل كان بعلمه ، بل كان بتقديره ، بل كان بقوته سبحانه وتعالى .

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾

[ سورة الحديد الآية : 22 ]

 الشيء الذي أراده الله لابد من أن يقع ، والشيء الذي وقع أراده الله سبحانه وتعالى ، وإذا أراد شيئاً فبعلم ، وحكمة ، وفضل ، وخبرة وعدل ، وحسن تقدير ، ولكن كما قال بعض الأئمة ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني .
 قد يشكو إنسان ضيق ذات يده ، فيقول أين الحكمة ؟ هذه هي الحكمة بعينها .
 قد يشكو مرضاً أين الحكمة ؟ هذا المرض هو الحكمة بعينها .
 قد لا ينجب أولاداً العقم هو الحكمة بعينه .
 قد تأتيه بنات فقط البنات فقط هي الحكمة بعينها .
 ليس في الإمكان أبدع مما كان .
 الذي يشكو التهاباً في الزائدة ، ويصيح من شدة الألم ، ما هو أبدع شيء له ؟ أن يؤخذ إلى المستشفى ، وأن يدخل غرفة العمليات ، وأن يخدر ، وأن يشق بطنه ، وأن تستأصل الزائدة ، هل نقول لهذا الإنسان ليته يذهب إلى مصيف فلان ، إلى النزهة الفلانية ، ليته يدعى إلى الحفلة الفلانية ، ليس في إمكان هذا الإنسان المصاب بالتهاب الزائدة إلا ما أعطاه الطبيب من مخدر ، وشق بطن ، واستئصال زائدته .
 الشيء الذي أراده الله لابد من أن يقع ، والشيء الذي وقع لأراده الله .

 

المعنى الثالث : الضر وسيلة ولكن الخير مقصود لذاته .

﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ ﴾

[ سورة يونس الآية : 107 ]

﴿ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 17 ]

 المعنى الثالث :
 أن الضر أيها الإخوة المؤمنون ليس مقصوداً لذاته ، الضر وسيلة ولكن الخير مقصود لذاته

﴿ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ ﴾

 في موطن الحديث عن الضر قال الله عز وجل :

﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ ﴾

 وفي موطن الحديث عن الخير قال الله عز وجل :

﴿ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ ﴾

 فالخير مراد من قبل الله سبحانه وتعالى .

المعنى الرابع : الضر وسيلة تأديبية.

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود الآية : 119 ]

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 56 ]

 أي ليعرفوني ، فيطيعوني ، فيسعدوا بطاعتي ، يعرفوني أولاً فيطيعوني ، فيسعدوا بطاعتي ، كنت كنزاً مخفياً ، فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فعرفتهم بي ، فبي عرفوني .
 المعنى الأول : أن كل شيءٍ وقع بإرادة الله .
 المعنى الثاني : أن الشيء الذي يريده الله لا بد من أن يقع .
 المعنى الثالث : أن الخير مقصود لذاته .
 المعنى الرابع : أن الضر وسيلة تأديبية وليس غاية بذاته .

﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ ﴾

[ سورة يونس الآية : 107 ]

﴿ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 17 ]

السنة المطهرة :

 والآن أيها الإخوة إلى السنة المطهرة يقول عليه الصلاة والسلام :

(( أوثق عرى الإسلام الحب في الله ، والبغض في الله‏ ))

[‏ رواه الطبراني في الصغير عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏]

 العروة هي الأنشوطة ، يعني حبل ثنيته ثم عقدته ، فصار كالحلقة هذه اسمها في اللغة عروة ، والعروة هي الشيء الذي تتمسك به ، أو الشيء الذي ينقذك إذا وقعت في ورطة .

(( أوثق عرى الإسلام ‏ ))

 هناك عرى ما هي هذه العرى ؟
 أحدها الخوف ؛ الخوف من عذاب الله في الدنيا ، الخوف من المرض ، الخوف من الفقر ، الخوف من الغم والحزن ، هو عروة ، أو الخوف من عذاب النار ، عروة ، تتمسك بها ، أو الطمع بما عند الله في الدنيا عروة ، أو الطمع في الجنة عروة ، المجتمع المؤمن عروة ، لقاءك من أخيك عروة ، أشياء تحفظك ، أشياء إذا تمسكت بها تنقذك ، أشياء تهديك إلى سواء السبيل ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( أوثق عرى الإسلام ‏ ))

 أوثق ، يعني أشدها متانة ، أشدها إنقاذاً ، أشدها حفظاً ، الحب في الله ، والبغض في الله‏ .
 يعني إذا أحببت المؤمنين ، وانطويت تحت لوائهم ، وإذا كرهت الكفار المنافقين ، وابتعدت عنهم ، فهذه أوثق عروة من عرى الإسلام ، بها تصلي ، وبها تصوم ، وبها تغض بصرك ، وبها تمتنع عن الغناء ، وبها تمتنع عن الاختلاط ، وبها تمتنع عن أكل الحرام ، وبها تنفق مالك في طاعة الله ، هذا هي أحكام الإسلام ، ما الذي يعينك على التمسك بها ؟ الحب في الله ، والبغض في الله ، أن تحب المؤمنين ، وأن تصحبهم ، وأن تكون معهم ، وأن تحضر مجالسهم ، وأن تتخلق بأخلاقهم ، وأن تؤثرهم على نفسك وهواك ، وأن تبتعد عن الكفار المنافقين ، أن تهجرهم وتهجر مجالسهم ، وتهجر ندواتهم ، وصحبتهم ، وعطاءاتهم ، وأن تهجرهم وتقول :

 

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾

 

[ سورة الكافرون ]

 الحب في الله والبغض في الله .

 

عبد الله بن الزبير :

 يا أيها الإخوة المؤمنون :
 مثل من أمثلة المرأة التي رباها الإسلام تربية قل مثيلها في هذه الأيام ، أسماء بنت أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنها ، أنزلت مولود أسمه عبد الله بن الزبير ، كان غلاماً صغيراً في عهد عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ كان يلعب مع غلمان في المدينة ، فلما مر بهم عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ تفرقوا هيبة له ، إلا عبد الله ، بقي وافقاً في مكانه ، وقوفه في مكانه لفت نظر عمر رَضِيَ اللَّهُ عَن عمر ، قال له : أيها الغلام لما لم تهرب مع من هرب ؟ فوقف هذا الغلام بأدب جم ، وجرأة واضحة ، وقال : أيها الأمير لست مذنباً فأخشى عقابك ، ولست ظالماً فأخشى ظلمك ، والطريق يسعني ويسعك ، هذا الغلام ، لما كبر ، بويع بالخلافة ، بعد موت يزيد بن معاوية ، على الحجاز ومصر والعراق وخراسان ، وتعلمون من التاريخ الأموي أن عبد الملك بن مروان خلف يزيد بن معاوية ، وصار انشقاق في الخلافة ، فسير عبد الملك بن مروان جيشاً بقيادة الحجاج لعبد الله بن الزبير ، واشتد الزحام بينهما ، إلى أن تفرق معظم أصحاب عبد الله بن الزبير ، وكان بينه وبين الموت ساعة أو ساعتين ، عندها دخل على أمه أسماء ، وقال لها : كانت أمه أسماء عجوزاً فانية ، يزيد عمرها على المئة عام ، وقد كف بصرها ، قال لها : السلام عليكِ يا أمي قالت : وعليك السلام يا عبد الله ، وما الذي أقدمك هذه الساعة ، قال جئتك يا أمي لأستشيرك ، قالت : في ماذا ؟ قال لقد خذلني الناس وانحازوا عني ، رهبة من الحجاج ، أو رغبة بما عنده ، حتى أولادي وأهلي انفضوا عني ، ولم يبق معي إلا نفرٌ قليل من رجالي ، وهم مهما عظم جلدهم لن يصبروا إلا ساعة أو ساعتين ، ورسل بني أمية يفاوضونني على أن يعطوني ما شئت من الدنيا ، إذا أنا بايعت عبد الملك بن مروان ، خليفة يستشير أمه ، فقالت أمه : الشأن شأنك يا عبد الله وأنت أعلم بنفسك ، فإن كنت تعتقد أنك على حق ، وتدعو إلى حق فاصبر وجهاد ، كما صبر أصحابك ، وإن كنت أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك وأهلكت من معك ، قال لها : ولكنني مقتول لا محالة ، قالت ذلك خير لك ، قال : لست أخشى القتلة ، وإنما أخشى أن يمثلوا بي ، قالت ليس بعد القتل ما يخافه المرء ، فالشاة المذبوحة لا يؤلمها السلخ ، قال : يا أماه ، كوني على ثقةٍ بأن ابنك ، لم يتعمد إتيان منكرٍ قط ، ولا عمل بفاحشة قط ، ولم يجر في حكم قط ، ولم يغدر في أمانة قط ، ولم يتعمد ظلم مسلم ، ولا معاهد ، ولم يكن شيءٌ عنده آثر من رضى الله عنه فقالت : الحمد لله الذي كنت كما يحب الله وما أحب ، قال : لا تحزني يا أماه ، قالت : إنما أحزن عليك لو قتلت في باطل ، ثم اقتربت منه لتودعه وتقبله وكانت ضريرة ، فوقعت يدها على درعه ، فقالت : ما هذه يا بني قال : هذه درعي ، قالت : ما هذا يا بني لباس من يريد الشهادة ، قال : إنما لبستها لأطيب خاطرك ، قالت : انزعها عنك ، فذلك أشد لحميتك ، وأقوى لوثبتك ، وأخف لحركتك ، ونزعها ، واستشهد .
 ما هذا الموقف ؟ موقف امرأة عاقلة ، رأت الحق ، ورأت أن كل شيءٍ يبذل في سبيله هين ورخيص ، وأن الحياة الآخرة كل شيء .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد الأوليين والأخريين .

القمح :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ القمح جعله الله لبني البشر غذاءً كاملاً ، ولكن عناية الله سبحانه وتعالى ، فضلاً عن أنها جعلت هذا القمح ينبت في كل بقاع الأرض ، ينبت في السهول ، وينبت في الجبال ، وينبت في الأغوال ، وينبت في الأجواء الباردة ، وينبت في الأجواء الحارة ، وينبت في الأجواء المعتدلة ، وفي كل لحظة من لحظات الزمن هناك قمح على وجه الأرض ينبت ، وتنوع ثماره ولكن التخطيط الإلهي لهذه الثمرة أنه جعلها كاملة الغذاء ، ففيها غلاف خارجي هو تسع في المئة من وزنها ، يسمى عند العوام النخالة ، وفيها قشرة رقيقة تنطوي على مادة آزوتيه لا تزيد عن ثلاثة في المئة من وزنها وفيها الرشيم الكائن الحي الذي ينبت إذا أصاب القمحة رطوبة وهي في التراب ، ووزنه لا يزيد عن أربع في المئة من وزن القمحة ، والخمس والثمانين في المئة نشاء خالص ، ماذا نفعل نحن ؟ ننزع عن القمحة غلافها ، وغشائها ، ولا يبقى لنا إلا النشاء الخالص ، أما هذا الغلاف الذي نسميه أصحاب هذه المصالح نخالة ، أما هذا الغلاف ففيه ستة فيتامينات ، فتامين ب1 ، ب2 ، ب6 ، وفيتامينات أخرى في هذا الغلاف ، وفي هذا الغلاف مادة فسفورية هي غذاء للدماغ والأعصاب ، وفي هذا الغلاف حديد يهب الدم قوة وحيوية ويعين على اكتساب الأوكسجين من الرئتين ، وفي هذا الغلاف الكلسيوم يبني العظام ويقوي الأسنان ، وفي هذا الغلاف السيليكون يقوي الشعر ويزيده قوة ولمعاناً وفي هذا الغلاف اليود الذي يعجل عمل الغدة الدرقية ويضفي على آكله السكينة والهدوء ، وفيه البوتاسيوم ، والصوديوم ، والمغنزيوم ، تدخل هذه المعادن كلها في تكوين الأنسجة والعصارات الهاضمة ، أما نحن فنزع عن القمحة قشرها ، ونرميه للبهائم ، ونأكل هذا الغشاء الصافي ، الذي هو كما وصفه بعض الأطباء غراء جيد للمعدة ، غراء ، هو يذمه في هذا الوصف هذا تخطيط الله لنا ، أن نأكل القمح بقشره ، حتى نستفيد من هذه المواد التي أودعها الله في قشرة القمح .
 لذلك حينما نأكل كما أراد الله لنا أن نأكل ، وحينما ننام كما أراد الله لنا أن ننام ، ساعة في أول الليل ، لا تعدلها ثلاث ساعات في آخره وحينما نطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام :

(( نحن قوم لا نأكل حتى نجوع ، وإذا أكلنا لا نشبع ))

 وحينما نطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام :

(( ‏ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه‏ ))

[‏أخرجه الترمذي وقال حسن والنسائي وابن ماجه من حديث المقداد بن معد يكرب‏ ]

 إذا طبقنا السنة المطهرة ، وما أراده الله لنا من هذا القمح الذي جعله غذاءً كاملاً ، إذا فعلنا هذا فإن أغلب الظن ننجو من الأمراض الوبيلة التي هي علامة العصر الحديث .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا ، اللهم اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم استر عوراتنا ، وأمن روعاتنا ، وأمنا في أوطاننا واجعل هذا البلد أمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين ، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء ، مولانا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018