الخطبة : 0111 - كيف الفوز ؟ من يطع الله ورسوله فقد فاز .... - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0111 - كيف الفوز ؟ من يطع الله ورسوله فقد فاز ....


1986-01-10

الخطبة الأولى :

 الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور .
 الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا .
 الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
 كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت .
 الليل مـهما طال فلابد من طلوع الفجر
 والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر
 ويقول الله عز وجل للعبد المتوفى في أول ليلة يدفن فيها في قبره : عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبق لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
 ‏سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ..
 إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا على ذلك وافترقا عليه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه‏ ، ورجل قلبه معلق بالمساجد ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه .
وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، القائل : ‏اصنع المعروف مع أهله ، ومع غير أهله ، إن أصبت أهله أصبت أهله ، وإن لم تصب أهله كنت أنت أهله .
 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، الهداة المهديين ، الذين هم كالنجوم ، بأيهم اقتديتم اهتديتم ، و ‏لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه .
 اللهم استر عوراتنا ، وأمن روعاتنا ، وأمنا في أوطاننا ، ولا تفضحنا يوم العرض عليك ، ولا تخزنا يوم القيامة ، ارزقنا قبل الموت توبة ، وعند الموت شهادة ، وبعد الموت جنة ونعيما ، اجعل يومنا خيراً من أمسنا ، واجعل غدنا خيراً من يومنا .

مقاييس الفوز :

 أيها الإخوة المؤمنون ....
 مَن مِن بني البشر لا يطمع أن يكون من الفائزين ؟!
 مَن مِن بني البشر لا يطمع أن يكون من المتفوقين ؟!
 من النخبة الممتازة ؟!
 من الصالحين ؟!
 من الناجحين ؟!
 مقياس بني البشر للفوز تعرفونه :
 1- سعة في المال .
 2- سعة في الجاه .
 وأما مقياس الله سبحانه وتعالى في الفوز فهو في بضع آيات أسوقها لكم .

1- الطاعة :

 ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب الآية : 71 ]

 الفوز كل الفوز ، والنجاح كل النجاح ، والتفوق كل التفوق والفلاح كل الفلاح ، في طاعة الله ورسوله .

2- الإيمان والجهاد :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[ سورة الصف الآيات : 10 ـ 12]

 الإيمان بالله ورسوله ، والجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ، هذا مقياس آخر .

3- العمل الصالح :

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[ سورة التغابن الآية : 9 ]

4- الولي :

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[ سورة يونس الآيات : 62 ـ 64 ]

 أن تكون ولياً من أولياء الله .

5- المبايعة :

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 111 ]

6- الرضا :

﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 100 ]

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 72 ]

7- النور والبشرى :

﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[ سورة الحديد الآية : 12 ]

8- التقوى :

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[ سورة الدخان الآيات : 51 – 57 ]

 هذه الآيات الثمانية تعطي مقياس الفوز العظيم عند الله سبحانه وتعالى .

9- الخوف من الله :

 وهناك آيات ثلاثة من نوع آخر ختمها الله سبحانه وتعالى بالفوز العظيم :

﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴾

[ سورة الأنعام الآيات : 15 – 16 ]

 فوز عظيم أن تنجو من عذاب عظيم .

10- القرين :

﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾

[ سورة الصافات الآيات : 50 ـ 53 ]

 هكذا كان يقول هذا القرين في الحياة الدنيا ، هل أنت مصدق أن هناك بعد الحياة حياة ، وأن هناك جنةً وناراً ، هذه غيبيات ، وهذه خزعبلات ، وهذه حالات ضعف في الماضي تجسدت في هذه المعتقدات .

﴿ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾

[ سورة الصافات الآيات : 53 ـ 61 ]

11- الابتعاد عن السيئات :

 الآية الثالثة :

﴿ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[ سورة غافر الآية : 9 ]

 من زحزح عن عذاب عظيم فهو في فوز عظيم ، ومن زحزح عن جهنم فهو في فوز عظيم ، ومن حفظ من الوقوع في السيئات .

﴿ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

 اعرفوا الفوز العظيم ، قبل ألا يكون للمعرفة نفع عند يوم القيامة .

 

بئس العبد .... :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام قال : ‏

(( بئس العبد عبد تخيل واختال ، ونسي الكبير المتعال‏ ))

[ ‏أخرجه الترمذي ‏]

 تخيل أنه عظيم ، وهو ليس كذلك ، واختال على عباد الله بغير حق ، ونسي الكبير المتعال .
 ‏عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت : سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال ، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال ، بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى ، ونَسيَ الجبَّار الأعلى ، بئس العبدُ عبد سها ولها ، ونَسيَ المقابر والبِلَى ، بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى ، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى ، بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين ، بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده ، بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه ، بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))

[ ‏أخرجه الترمذي ‏]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام في مقياس آخر ، أو في المقابل إن كان الفوز العظيم بالقرآن الكريم موضح بآيات عدة ، فإن الخسارة الكبرى والشقاء الأكبر ، والتعاسة الأبدية ، والهلاك المبين ، في هذه الصفات ‏.
 بئس العبد عبد تخيل واختال ، ونسي الكبير المتعال ، بئس العبد عبد تجبر واعتدى ، ونسي الجبار الأعلى ، بئس العبد عبد سها ولها ونسي المقابر والبلى ، بئس العبد عبد عتا وطغى ونسي ‏المبتدأ‏ ـ يوم كان نطفة ‏ـ والمنتهى‏ ـ يوم يكون تراباً في القبر ـ بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين‏ ـ يبتغي الدنيا عن طريق الدين ، يمرغ الدين في الوحول ، يزيف الدين ، يشوه حقائق الدين يعطل القيم السامية في الدين ، ينصل من الدين ، يكون قدوة سيئة للجيل الصاعد ـ بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات‏ ـ يدعي أن هذه المعصية مشروعة في هذه الآية ، وأكل الربا تغطيه الآية الكريمة :

﴿ لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 130 ]

 ويدعي ويدعي إن كل انحرافاته يحاول أن يخلطها بالآيات والأحاديث لعلها تغطي انحرافاته ، ‏بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات ، بئس العبد عبد طمع يقوده ، وهوى يضله ، ورغب يزله .

 

قصة ثعلبة :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ثعلبة كان حمامة المسجد ، لا تفوته تكبيرة الإحرام خلف سيد الأنام ، ذات يوم ذهب إلى المسجد بثوب بالٍ ، سأله النبي عليه الصلاة والسلام :
 كيف حالك يا ثعلبة ؟
 فلم يقل الحمد لله .
 بل قال حالي كما تراني .
 غثا قلبه ، وانغمس في حمأة المادة .
 وقال ثعلبة :
 يا رسول الله سل الله أن يغنيني .
 نظر النبي عليه الصلاة والسلام إليه بعين البصيرة ، فقال :
 يا ثعلبة قليل يكفيك خير من كثير يطغيك .
 ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس‏ ، ‏ليس الغنى عن كثرة العرض ، ولكن الغنى غنى النفس .
 يا ثعلبة : ‏مَنْ أَصْبَحَ حَزِيْنَاً عَلَى الْدُّنْيَا فقد أَصْبَحَ سَاخِطاً عَلَى رَبِّه‏ .
 يا ثعلبة : من شكا مصيبة نزلت به فكأنما يشكو الله عز وجل .
 يا ثعلبة : ‏من قعد إلى غني فتضعضع له لينال من ماله فقد ذهب ثلثا دينه .
 يا ثعلبة : قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تؤدي شكره .
 لكن ثعلبة ألح وأصر ورجا أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام ربه أن يغنيه ، بل قال :
 والله يا رسول الله لأن أغناني الله من فضله ، لأصدقن ولأكونن من الصالحين ، عندها قال عليه الصلاة والسلام :
 اللهم أغنى ثعلبة بما شئت وكيف شئت .
 ودعوة النبي عليه الصلاة والسلام مستجابة ، ليس بينها وبين الله حجاب ، ورزق ثعلبة برؤوس الأنعام ، وزادت ، وتوالدت ، حتى ضاقت بها شعاب مكة ، ثم ماذا حدث ؟
 أول شيء حدث أن النبي عليه الصلاة والسلام سأل عنه في المسجد فلم يجده .
 وسأل عن حمامة المسجد فلم يجدها ، فإذا بها قد قصت أجنحتها ، وتمرغت في أوحال الدنيا .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذه القصة أسوقها لمن يعلق توبته على المال ، على الغنى .
 قطع ثعلبة علاقته بالمسجد ، واستنكفت نفسه عن أن يجلس على الأرض ، واستكبر أن يسجد لله عز وجل ، ومضى عام ، وأرسل النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ثعلبة رسولاً ليأخذ منه زكاة ماله ، فلما التقى به نظر ثعلبة في الأمر ، وإذا به ينطق بكلمة السوء ، ويقول لعامل بيت المال : بلغ صاحبك ؛ النبي عليه الصلاة والسلام ، أنه ليس في الإسلام زكاة ، فقال له مبعوث النبي عليه الصلاة والسلام : أو ما تراه صاحباً لك ؟! صاحبي وحدي ؟! فلما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام قول ثعلبة وقد جمع إلى نقض العهد منع الزكاة ، قال عليه الصلاة والسلام : يا ويح ثعلبة مما يلقى في المستقبل ، عندئذٍ نزل قوله تعالى :

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾

[ سورة التوبة الآيات : 75 ـ 77 ]

 نزل قرآن بحق ثعلبة ، عندما بلغ ثعلبة هذه الآية خفَ مسرعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليعطيه مال الزكاة ، فقال عليه الصلاة والسلام :
 يا ثعلبة ما كنت لأقبل شيئاً رده الله ، وبعد أن لحق النبي بالرفيق الأعلى جاء ثعلبة بالمال لأبي بكر ، فقال لا أقبل شيئاً رده رسول الله ، فلما كانت خلافة عمر جاء بالمال إليه فقال ما كنت لأقبل شيئاً رده صاحباي ، فلما جاء بالمال إلى عثمان رده أيضاً ، وتوفي في خلافة عثمان .

﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ ﴾

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ لا تعلقوا إيمانكم واستقامتكم على الدنيا ، وإن فعلتم ذلك خسرتم الدنيا والآخرة .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
* * *

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

مادة مخدرة في دماغ الإنسان :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ اكتشف العلماء أن في دماغ الإنسان مادة مخدرة ، إذا بلغ الألم حداً لا يطاق أفرز الدماغ نفسه هذه المادة فعطلة الإحساس بالألم ، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى .
 واكتشفوا أيضاً أن هناك بوابات على مجرى الجهاز العصبي تمنع ورود الألم إلى الدماغ ، هذه البوابات تتحكم فيها العوامل النفسية ، فلو أن إنساناً كان يسعى في مرضاة الله ، وهو سعيد بهذا السعي ، إن الإحساس بالألم لن يصل إلى الدماغ .
 هناك حالات كثيرة وردت في التاريخ ، كيف أن صحابياً تقطع يده اليمنى ، فيمسك الراية باليسرى ، تقطع اليسرى فيمسكها بعضديه ، أين الألم ؟‍ هذا ما كشفه العلماء حديثاً ، أن على طريق الآلام ، على طريق السيالة العصبية التي هي من النهايات العصبية إلى النخاع الشوكي إلى الجسم تحت السرير البصري إلى أسرة الدماغ ، هذا طريق الآلام ، هناك بوابات على مداخل هذه الطرق ، أحياناً تغلق ، فتمنع إيصال الألم الدماغ ، وهذه البوابات تتحكم فيها العوامل النفسية ، يعني الثقة بالله سبحانه وتعالى ، الثقة بالفوز قد يعطل الإحساس بالألم ، وفوق هذا وذاك إن كان الألم لا يطاق أفرز الدماغ مادة مخدرة تعطل الإحساس بالألم .
 أيها الإخوة المؤمنون :

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 21 ]

 قبل أن ندعو في آخر الخطبة ، وردنا من وزارة الأوقاف أن لجنة جمع التبرعات تدعو في الوزارة نفسها تدعو المصلين إلى التبرع لشعب السودان الشقيق ، ذلك لأن هذا الشعب مهدد بالموت جوعاً ، وقد قيل إن أربعة أو خمسة ملايين من أشقائكم في السودان مهددون بالموت جوعاً وإذا وقع هذا فالمسلمون جميعاً في أقطارهم كافة مسؤولون أمام الله عن هذا ، لذلك هناك أسبوع دولي على مستوى الدول جميعاً لجمع التبرعات لهذا الشعب الشقيق الفقير ، فإذا دفعتم فالله سبحانه وتعالى يعلم ما دفعتم وحجم ما دفعتم ، والنية التي رافقت هذا الدفع .
 سيدنا عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ جاءه رسول من إحدى المعارك فقال يا أمير المؤمنين : مات خلق كثير من المسلمين ، فصار يبكي ، قال ومن هم رحمك الله ، فقال أنت لا تعرفهم ، فزاده هذا الكلام بكاءً ، قال وما يضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم .
 يعني إذا كان الله يعرف ماذا دفعت ، ماذا يضرك أن عرفت أم لم تعرف ، لذلك التبرعات اليوم لهذا الشعب الشقيق البائس الجائع الذي ينتظر ويتطلع إلى أشقاءه المسلمين والعرب أن ينقذوه من هذه المحنة القاسية والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا ، اللهم استر عوراتنا ، وأمن روعاتنا ، وأمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد أمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم إنا نعوذ من الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، ومن الخوف إلا منك نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء مولانا رب العالمين .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018