الخطبة : 0083 - أحاديث تبدأ بكلمة خير - خير الدواء القرآن. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0083 - أحاديث تبدأ بكلمة خير - خير الدواء القرآن.


1985-05-10

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر .
 اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير .

أحاديث شريفة تبدأ بكلمة خير ...

 أيها الإخوة الأكارم ، النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث له شريفة تزيد عن المئة بدأها كلّها بقوله عليه الصلاة والسلام خيركم ؛ في مجالات الحياة خيْر الأزواج ، خير الرّجال ، خير الأبناء ، خير الأعمال ، فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذه الأحاديث يبيّن الوضع الأمثل والأكمل والأقرب إلى الله عز وجل .
 ليس الهدف أيّها الإخوة المؤمنون ؛ أنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقرّر حقيقة بِقَدْر ما هو الهدف أن يدفعنا إلى هذا المستوى ، إلى بُلوغ هذا المثَل الأعلى ، لذلك إنّ الأحاديث الشريفة الكثيرة التي تبدأ بكلمة خير ، وخيرٌ كما تعلمون اسم تفضيل أصلها أخْيَر .

الخلق الحسن .

 عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( خير الناس أحسنهم خلقا ))

[ أخرجه الطبراني ]

 صاحب الخُلُق الحسَن يقَعُ في القمّة ، صاحب الخُلُق الحسَن أقرب إلى الله عز وجل ، صاحب الخُلُق الحسَن أكثرهم سعادةً ، صاحب الخُلُق الحسَن مصيره الجنَّة .

(( خير الناس أحسنهم خلقا ))

 وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام - ولازلنا في موضوع الخلق الحسن -عن أسامة بن شريك مرداس الأسلمي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنده كأنما على رؤوسهم الطير فسلمت وقعدت فجاء أعراب يسألونه عن أشياء فقالوا يا رسول الله ما خير ما أعطي الناس قال :

((خلق حسن))

[أخرجه الحاكم]

 الخُلق الحسَن خيرُ عطاء يمنحُه الإنسان في حياته الدنيا ، لأنَّه زاده إلى الآخرة ، لأنَّه زادُه إلى حياةٍ لا تنقضي .
 أما المسلمون ، الحديث الأوَّل عن الناس قاطبةً ، يعني إذا أردنا أن نقيس الناس جميعًا بِمُختلف أجناسهم وأصنافهم ومِلَلِهم و نِحَلهم لكان صاحب الخلق الحسن في قِمَّة البشر ، أما المسلمون قال عليه الصلاة والسلام :

(( خيركم إسلاما أحاسنكم أخلاقا ، إذا فقهوا ))

[ رواه البخاري في الأدب ]

 هنا شرْطٌ آخر ، وهو لا بدّ مع الخلق الحسن من إيمانٍ بالله عز وجل ، حتى يكون الخلق الحسن ثمرة الإيمان ، لا ثمرة الذكاء الاجتماعي ؛ لأنّ من كان ذكيًّا اجتماعيًّا وكان ذا سيرة حسنة يبتغي بها مكاسب الدنيا ، جاء يوم القيامة وهو صفر اليدين ، لا تخلو الحياة من إنسان ذكيّ ، يسلك الطريق الصحيح لا حبًّا في الله ورسوله ، ولا ابتغاء مرضاة الله بل ابتغاء توسيع مكاسبه في الدنيا ، فالنبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى هذا فقال :

(( خيركم إسلاما أحاسنكم أخلاقا ، إذا فقهوا ))

[ رواه البخاري في الأدب ]

العمل الصالح .

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( خير الناس من طال عمره وحسن عمله ، وشر الناس من طال عمره وساء عمله ))

[ رواه الترمذي ]

 العمر المديد نعمة ونقمة ، نعمة للمؤمن لأنَّه يزداد به سعادة ، ونقمة على الكافر لأنَّه يزداد به شقاءً ، فخير الناس من طال عمره ، وحسن عمله ، وشرّ الناس من طال عمره وساء عمله ، ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( خير الناس أنفعهم للناس ))

[ أخرجه السيوطي ]

 اطْرَح على نفسك هذا السؤال ، ما الذي يجنيه الناس منك ؟
 هناك من يأخذ ولا يعطي ، وهناك من يعطي ولا يأخذ ، هناك من يأخذ و يعطي .
 فأنت من أيِّ صنْف ؟
 هل لك عملٌ مبنيّ على إيقاع الأذى في الناس ؟
 هل لك عملٌ مبنيّ على بثّ الرعب فيهم ؟
 أم لك عملٌ مبنيّ على تقديم خدمات لهم ؟

(( خير الناس أنفعهم للناس ))

 مقياس النّفْع مقياسٌ آخر ، لارتفاع الإنسان في سلّم الدرجات .

(( خير الناس أنفعهم للناس ))

 عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( الخلق كلهم عيال الله تعالى ، فأحبهم إلى الله عز وجل انفعهم لعياله ))

[ أخرجه أبو يعلى والحارث في مسنده ]

 الأغنياء أوصيائي والفقراء عيالي فمن منَعَ مالي عيالي أذقته عذابي ولا أُبالي ! خير البيوت ؛ هذه البيوت التي ترونها في جهات المدينة ، خيرها عند الناس أوسعها ، وأكثرها فخامةً ، وأحسنها موقعًا ، وما امتلأت بالزينة ، ولكنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( خير بيوتكم بيت فيه يتيم مكرم ))

[رواه أبو نعيم في الحلية ]

 إذا كان في البيت يتيم مكرَّم فهذا البيت خير البيوت عند الله عز وجل ، هذه مقاييس النبوَّة ، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .

التيسير .

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( خير دينكم أيْسره ))

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده ]

(( أفضل العبادة الفقه ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]

 قال تعالى :

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[ سورة البقرة الآية:185]

 ما خيِّر النبي عليه الصلاة والسلام بين شيئين إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون معصيَة ، خيرُ دينكم اليُسْر ، يسِّروا ولا تعسِّروا ، بشِّروا ولا تنفِّروا ،سدِّدوا وقاربوا ، بهذا جاء الدِّين إلا أن نقع في معصية ، عندئذٍ خير دينكم أن تكون متجدِّدًا ، إذا أوْصلَكَ اليُسْر إلى المعصية هذا ليس يسْرًا .
 وخير العبادة الفقه ؛ أن تصلّي ولا تعلم كيف تصلّي ؟ ولا لمَن تصلّي ؟ ولا حكمة الصلاة ، ولا تعلم سرّ الصلاة ، وأن تصوم ، ولا تعلم لم تصوم ؟ ولا لمن تصوم ؟ ولا كيف ينبغي أن تصوم ؟ ولا ما هي آداب الصوم ؟ وما هو نفع الصوم ؟ وما حكمة الصوم ؟ هذه ليْسَت عبادة ، إن لم يرافق العبادة الفقه فلا كانت هذه العبادة .

 

الورع .

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( وأفضل الدين الورع ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]

 ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلِّط ، من لم يكن له ورع يصدّه عن معصيَة الله إذا خلا ، لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله ، خير دينكم الورع ، الورع أن تدع ما لا بأس به حذرًا ممَّا به بأس ، أن تدع طريقًا ليس محرَّمًا في نصّ الدِّين المشي فيه ، ولكن لأنَّ في هذا الطريق بعض الفتن تركته ورعًا ، تركت صفْقةً لا لأنَّها حرام ، ولكن لأنَّ فيها شبهة ، تركْت امرأة وأبيْتَ الزواج منها لقصَّة بلغتْك عنها ربّما كانت تؤذي دينك ؛ هذا هو الورع ترك ما لا بأس به حذرًا ممَّا به بأس .
 ويقول عليه الصلاة والسلام : خيركم أزهدكم في الدنيا وأرغبكم في الآخرة ..." من تعلّقت بالآخرة همومه ، ونقل اهتماماته إلى الآخرة ، وجعل الآخرة نصْب عينيه ، ومن أصبح وأكبر همَّه الآخرة ، من سعى للآخرة ، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعْيَها ، من أقلقه مصيره في الآخرة ، ومن أقلقه مقامهُ عند الله في الآخرة فهذا من خير الناس ، ومن أقلقته الدنيا ومكاسبه فيها ، وما أُعطي منها وما حُرم فهذا ينطبق عليه قوله : من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره وفرق عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له همه وحفظ عليه ضيعته ، وجعل غناء في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة .

 

المسامح العاقل .

 وعن أبو هريرة رضي الله عنه ، أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ' وَقَفَ على ناس جُلُوس ، فقال :

((خيركمْ مَنْ يُرجَى خيره ، ويُؤمَن شره))

[أخرجه الترمذي]

 هل يخاف الناس منك ، هل يبيت الإنسان طوال الليل قلقًا خوفًا من أن توقع به الأذى ، هل أنت من هذا النوع ؟ إذًا هذا الإنسان من شرّ الناس ، خيركم من يرجى خيره ويُؤْمَن شرّه ، علامة المؤمن يطمئنّ الناس إليه ، وإنَّه مصدر سلامٍ لهم ، ومصدر أمْنٍ لهم ، ومصدر طمأنينةٍ لهم ، ومصدر خيرٍ لهم ، يُرجَى خيره ، ولا يخافه الناس على أموالهم ، ,لا يخافونه على أعراضهم ، لا يخافونه على مستقبلهم ؛ إنَّه مصْدر خير لهم .
 ويقول عليه الصلاة والسلام في حديث شريف فيه توجيه سديد :

(( خيركم من لم يترك آخرته لدنياه ، ولا دنياه لآخرته ، ولم يكن كلا على الناس ))

[ أخرجه السيوطي ]

 هذا الذي ترك الآخرة ، وتبع الدنيا ، وانْغمسَ فيها ، ليس من أولئك العقلاء ، لكن الطَّرَف الثاني في الحديث فيه دقَّة بالغة : ولا دنياه لآخرته ، هذا الذي زهد في الدنيا ، وتركها ، وأبى أن يعمل فيها ، وصار كلاًّ على الناس ، وعبئًا عليهم ، الناس يسْعون وهو يأخذ من سعْيِهِم ، هذا الذي ترك دنياه لآخرته ، أو هذا الذي ترك آخرته لدنياه ليس خير الناس ، لكنَّ الطرَّف الثالث في الحديث يوضح الطَّرَف الثاني : ولم يكن كلاًّ على الناس ، لذا روِيَ عن سيّدنا عمر رضي الله عنه أنَّه إذا بلغه عن الرجل أنَّه ليس له عمل سقطَ من عَيْنِهِ ، ويقول عليه الصلاة والسلام : قيمة المرء ما يحْسِنُهُ ..." فالعمل مقدّس في الإسلام ، ومن بات كالاًّ في طلب الحلال بات مغفورًا له .

(( خيركم من لم يترك آخرته لدنياه ، ولا دنياه لآخرته ، ولم يكن كلا على الناس ))

[ أخرجه السيوطي ]

 يجمع بين الدنيا ، بين الكسب الحلال واليد العليا ، والإنفاق على أهله وعِياله ، وبين طلب الآخرة ، وحضور مجالس العلم ، وأداء الصلوات في أوقاتها ، وبين عمله الصالح العميم .
 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( خيركم خيركم لنسائه ولبناته ))

[ أخرجه البيهقي ]

 هذا الذي يقسو على بناته أو نسائه في النّفقة ليس من أمّة النبي عليه الصلاة والسلام لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( ليس منا من وسع الله عليه ثم قتَّر على عِياله ))

[ أخرجه المتقي الهندي في الكنز ]

 قال عليه الصلاة والسلام :

(( خير نسائكم الولود ، الودود ، المواسية ، المواتية ، إذا اتقين الله . وشر نسائكم المتبرجات ، المتخيلات ، وهن المنافقات ، لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم ))

[ أخرجه البيهقي ]

 الولود عزيزة ودودة ذليلة ، عزيزة مع أهلها ، ذليلة مع بعلها ، ستِّيرة لا تكشف عورة زوجها ، أي نقاط الضعف عنده ، مواسيَة تعينه في النَّكبات ، لا تعين الشيطان عليه ، بل تعينه على الدنيا وعلى الشيطان ، ودودة والمودَّة هي الصّفة الأساسيّة في المرأة .
ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( خير جلسائكم من ذكركم الله رؤيته ، وزاد في عملكم منطقه ، وذكركم الآخرة عمله ))

[ أخرجه السيوطي ]

 إذا نظرت إليه تذكّرت الله عز وجل ، مثل هذا الإنسان صاحبك ، وزاد في عملكم منطقه ، منطقه سديد يقْنِعُك بالعمل الصالح ، يقنعكم بِتَرك المعاصي ، إذا كان منطقه يزيد عملكم صلاحًا وسدادًا واستقامةً فهذا من خير الأصحاب ، وذكّركم الآخرةَ عملُه ، أما عمله لأنَّه يسعى إلى الآخرة يعْديك بهذا السَّعي ، يدفعك لمثل هذا السعي ، ويغريك لمثل هذا السعي ، يكون لك قدوةً حسنة في هذا الطريق .

(( خير جلسائكم من ذكَّركم الله رؤيته ، وزاد في عملكم منطقه ، وذكّركم الآخرة عمله ، وخير أبواب البرّ صدقة ))

[ أخرجه السيوطي ]

 لأنّ الكلمة الطيّبة صدقة ولكنّها لا تكلّف شيئًا ، والوجه الضاحك البشوش صدقة ولكنَّه لا يكلّف شيئًا ، وأن تميط عن الطريق الأذى صدقة ولكنَّه لا يكلّف شيئًا ، وأن ترشد الرجل الضّال صدقة ، وأن تلقي دلْوَكَ في دلوه هو لك صدقة ، ولكنّ دفْع المال هو الذي يؤكّدك صدقك ، وإيمانك بهذا الدِّين ، ويؤكِّد محبَّتك لله ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((خير أبواب البر الصدقة))

[أخرجه الطبراني]

 دفْع المال يقطع الشكّ بالنفاق ، هذا الذي يدفع ماله الذي كسبه من حلال ، وكان بإمكانه أن ينفقه على شهواته ولذَّاته ، ولكنَّه آثر إلا أن يعطيَهُ لله عز وجل ، هذا من أوسع أنواع البرّ .
 خير النساء من تسرّك إذا أبصرْت ، أبْصرْت إليها ، أو نظرت إلى بيتها وإلى أولادها ، وتطيعك إذا أمرت ، وتحفظ غيبَتك في نفسها ومالك ، هذه خير النساء ، تؤدِّي واجبها كاملاً اتِّجاه زوجها ، واتِّجاه أولادها من حيث إدارة المنزل ، وحُسن ترتيبه ، والعناية به ، والعناية بالأولاد ، والعناية بالزّوج ، والعناية بمنظرها ، كلّ هذه المعاني دخلت في قول النبي عليه الصلاة والسلام : إذا أبْصرْتَ ، ولم يقل أبصرتها لأنَّه إن قال أبصرتها انصرف المعنى إليها بالذات ، ولكن إذا أبصرت فأيّ مكان في البيت تنظر إليه يسرّك ، نظيف ومرتَّب ، إذا أبصرْتَ أولادك وقد تنظَّفوا ، ولبسوا اللباس الحسن ، خير النساء من تسرّك إذا أبصرت ، وتطيعك إذا أمرت ، وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك .
 أيها الإخوة المؤمنون ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزِنوا أعمالكم قبل أن توزَنَ عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلْنتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

 

والحمد لله رب العالمين
***

 

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمدًّا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمَّد وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين .

خير دواء للمسلمين هو القرآن الكريم

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ تتْميمًا لهذا الموضوع ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

((خَيْرُ الدَّوَاءِ الْقُرْآنُ ))

[أخرجه ابن ماجه]

 وقفْت عند هذا الحديث ؛ كيف يكون القرآن دواءً إذا فهمت هذا الحديث فهمًا ساذجًا بمعنى إذا آلمك شيءٌ في جسمك ، ومكانًا فيه ثمَّ قرأْتَ سورةً من القرآن ونفختها على هذا المكان فبرِأَ هذا المكان ، هذا المعنى لم يقصده النبي عليه الصلاة والسلام ، ولكنَّك إذا قرأت القرآن ووقفْت عند القوانين التي سنَّها الله عز وجل ، مثلاً قال الله عز وجل :

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[ سورة النحل الآية:97 ]

 إذا أدركْت هذا القانون ، وآمنت به ، وآمنْت بالله وعملْت الصالحات فسوف تحيى حياةً طيّبة ، إذًا كان هذا القرآن دواءً لمُشكلات الحياة التي يسوقها الله عز وجل تضييقًا على التائهين والضّالِّين ، إذا قرأت قوله تعالى:

﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾

[ سورة الطلاق الآية:1]

 هذا أمر إلهي ، لا ينبغي للزَّوج إذا غضب من زوجته أن يخرجها إلى بيت أهلها ، إذا فعل الزوج ذلك انقلَبَت المشكلات الصغيرة إلى مشكلات كبيرة قد تنتهي بالطّلاق ، وإذا أبقاها في بيتها قد تنقلب أكبر مشكلة إلى مشكلة صغيرة ثمّ تتلاشى فإذا صدَّقْت هذه الآية فهي دواءٌ للمشكلات الزوجيّة ، قال تعالى :

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾

[ سورة النور الآية:30 ]

 إن طبّقت هذه الآية فهي دواء للشقاق الزوجي مهما ارتدَّ بك العُمر ترى أهلك أجمل الناس بِغَضِّ البصر ، ومهما امتلك الإنسان أجمل زوجة فبإطلاق البصر يشتهي غيرها ، وقد ينحرف ، وقد يقع في الفحشاء ، فدواء العلاقة الزوجيّة هو غضّ البصر ، قال تعالى :

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾

[ سورة البقرة الآية:276 ]

 لو طبَّقت هذه الآية في معاملاتك التِّجاريّة فهو دواءٌ للناحيَة المعاشية في حياتك ، لن تُصاب بإفلاسات ، لن تقع تحت الدَّيْن ، لن تفقد ثرْوَتَكَ دفعةً واحدة لأنَّك حصَّنْت ثرْوَتَكَ بالزكاة ، لم تُدْخِل عليها الربا ، لذلك : عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

((خَيْرُ الدَّوَاءِ الْقُرْآنُ ))

[أخرجه ابن ماجه]

 إذا أقرضْت إنسانًا وقلتَ له من باب الجهل بلا وصْل ، أنا واثقٌ منك ، فإذا مات هو ولم يعترف لك أولاده بالمبلغ عندئذٍ تعضّ على إصْبعك ندمًا ، الدواء من هذه الحالة التعيسة أن تكتب الدَّيْن كما أمرك الله به ، كتابة الإيصال ليس لعدم الثّقة بالدائن أو المدين ، ولكن خوفَ موتٍ مفاجىء لا يعترف أولاد هذا ، أو أولاد هذا بالمبلغ ، فقد أطْعمْتهُ حرامًا ، وأكله حرامًا ، وحرمْتَ نفسكَ من المال لأنَّك لم تكتب ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾

[ سورة البقرة الآية:282 ]

 خير الدواء القرآن ، القرآن الكريم في كلّ الآيات التي يقرّر فيها حقيقة ، مثلاً قوله تعالى :

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الأنبياء الآية:88]

 هذا دواء القلق ، الإنسان قد يحاط بِمُشكلات ، قد يُحاط بِمَخاوِف ، قد يبْدو له شبح مصيبةٍ كبيرة ، الذي يهزّ كيانه ، والذي يصيبه بأزمات قلبيَّة هو الخوف والقلق ، دواء هذه الأزمات أن تقرأ قوله تعالى :

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الأنبياء الآية:88]

 وقال تعالى :

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الروم الآية:47]

 وقوله تعالى :

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[ سورة الحج الآية:38]

 الإنسان قد يقلق في الحياة الدنيا ، يخاف أن تزول ، أو يزول عنها ، إذا قرأ قوله تعالى

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الرعد الآية:11]

 تطمئنَّ نفسه ، لن يغيّر الله ما بك من حالة حسنة إلا إذا غيَّرْت ، لن تُزاح عنك المشكلات إلا إذا غيَّرْت ؛ لها معنى آخر ، فإذا قرأت القرآن ففي كلّ آية دواء للنفس ، مشاعر القلق واليأس والقنوت ، والجبن والخوف والاضطراب والضَّياع والتَّشتت والتملّق والنفاق ؛ هذا كلّه من مظاهر القلق ، تخاف أن يزول هذا منك ، هذه كلّها أمراض ، بل إنَّها أعراض الإعراض ، خير الدواء القرآن ، اقرأ القرآن تتعرَّف إلى قوانين الحياة إذا اتَّبَعتها قطفْت ثمارها ، وإذا قطفت ثمارها سعِدْتَ في دنياك وآخرتك ، فدواء للعلاقات الزوجيّة ، ودواء للعلاقات الاقتصاديّة ، ودواء لحُسن العلاقة مع الآخرين ، قال تعالى :

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾

[ سورة النحل الآية:90]

 لو أنَّك في العدل معك الحق طبِّق الأمر الثاني وهو الإحسان تنشأ علاقة طيّبة بينك وبين أخيك ، بينك وبين جارك ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

(( رحم الله عبدا سمحا إذا باع ، سمحا إذا اشترى ، سمحا إذا قضى ، سمحا إذا اقتضى ))

[ رواه البخاري ]

 أيها الإخوة المؤمنون ، لا زلنا في هذا الموضوع ، وسوف أتابع بعض فقراته في الخطبة القادمة إن شاء الله تعالى .

 

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى إنَّه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018