الخطبة : 0081 - الإسراء - صلاح الآخرة منوطٌ بسعيكم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0081 - الإسراء - صلاح الآخرة منوطٌ بسعيكم.


1985-04-19

الخطبة الأولى :

 الحمد لله الذي هدانا لهذا، و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا، وما توفيقي و لا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بربوبيته و إرغاما لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتَّصلت عينٌ بنظر أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذرِّيته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم ارحمنا فإنك بما راحم، ولا تعذِّبنا فإنك علينا قادر والطُف بنا فيما جرت به المقادير، إنك على كل شيء قدير، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علما، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإسراءُ و المعراج تسلية للنبي الكريم :

 أيها الأخوة المؤمنون، لا شك أنكم تتوقَّعون أن تكون الخطبة اليوم حول مناسبة عظيمة، هي مناسبة الإسراء و المعراج، و قد قيل في هذه المناسبة الكثيرُ الكثير، و بقي أن نستنبط من تلك المناسبة الشيء الذي لا غنى لنا عنه.
اللهُ سبحانه و تعالى قال في مطلع سورة الإسراء، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

[سورة الإسراء: 1]

 فسبحان مصدر ناب عن فعله، يعني سبِّح أيها الإنسان، عظِّم أيها الإنسان، هل وصلتَ إلى هذا المستوى؟ هل عرفت الله عز وجل؟ هل عرفت قدرته؟ هل عرفت رحمته؟ هل عرفت لطفه؟ هل عرفت إكرامه؟ لقد ضاقت الدنيا برسول الله، الأعداء من كل جانب،المكذِّبون من كل جانب، الكفار يأتمرون به، الكفار يكذِّبونه، الكفار يضطهدون أصحابه ضاقت به الدنيا، فجاء الإسراءُ و المعراج تسلية لهذا النبي الكريم، وإكراماً له، ومسحاً لجراحات الدعوة التي سبَّبها المعارضون.

شأن الله مع أنبيائه :

 أيها الأخوة الأكارم، قال تعالى:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾

[سورة الإسراء: 1]

 هذا شأن الله مع أنبيائه، شأن الوفاء، شأن الإكرام، شأن المحبة، هل سبَّحت الله سبحانه و تعالى؟ هل عرفت كرمه؟ هل عرفت قدرته؟ هل وحَّدته؟ هل عرفت أن كل شيء بيده؟ هل عرفت أن يد الله فوق أيديهم؟ هل عرفت أنه هو الأول و الآخر والظاهر و الباطن؟ هل عرفت أن الأمور كلها ترجع إليه؟ سبحانه، أي سبِّح، أي جُل في عظمة الله عز وجل، تنقل بفكرك في آلاء الله، عاينْ رحمته، اتصل به.

 

الإنسان عبد لله أو عبد لعبد لئيم :

 قال تعالى:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾

[سورة الإسراء: 1]

 قال بعض المفسرين: ليس في اللغة كلها كلمة أرقى و لا أنبل من أن يوصف بها عبدٌ من كلمة " عبد" لأنك عبد و الله هو الرب، إما أن تكون عبدا لله، و إما أن تكون لعبد لئيم، فاختر لنفسك إما أن تكون عبدا لله فعبدُ الله عزيز، و عبد الله حرٌّ و عبد الله كريم، و إما أن تكون عبدا لعبد لئيم، "و اللهِ واللهِ مرتين لحفرُ بئرين بإبرتين، وكنسُ أرض الحجاز في يوم عاصفٍ بريشتين، ونقلُ بحرين زاخرين إلى أرض الصعيد بمنخَلين، و غسلُ عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين أهون عليَّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين " هل عبد لله؟ إن كنت حرًّا فافعل ما تشاء، و إن كنت عبدا فما هكذا تصنع العبيد، هل أنت عبد لله أم عبدٌ لشهوتك؟ تعس الفرج:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنْ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

أرفع وصف وصفه الله لنبيِّه :

 الوصف أرفع وصف وصفه الله لنبيِّه المختار أنه عبد له، إن كنت عبدا فلك سيدٌّ عظيم، مطاع،قال تعالى:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾

[سورة الإسراء: 1]

 اللهُ سبحانه و تعالى وصف الإسراء ثم علَّله، ثم بيَّن حكمته فقال:

﴿ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا ﴾

[سورة الإسراء: 1]

 قال تعالى:

﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾

[سورة الأنعام: 75]

من طلب الحقيقة وصل إليها :

 أيُّ مؤمن صدق مع الله في طلب الحقيقة أراه اللهُ إياها، كل مؤمن طلب اليقين وصل إلى اليقين، قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾

[سورة الحجرات: 15]

 قال تعالى:

﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾

[سورة الكوثر: 5-6]

المراتبُ أربع عند الله :

 المراتبُ أربعة، مرتبة الإسلام و مرتبة الإيمان، و مرتبة التقوى ومرتبة الإحسان، و الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، زالت العلائق، زالت الحجُب، رأيتَ الحقيقة ناصعةً، الإمام علي كرم الله وجهه: فقال: و اللهِ لو كُشف الغطاءُ ما ازددتُ يقينا " يقيني قبل كشف الغطاء كيقيني بعد كشف الغطاء.

الحقيقة لا بد أن نعرفها قبل فوات الأوان :

 يا إخوة الإيمان، يا أحباب النبي العدنان، الحقيقة لا بد من أن نعرفها، و لكن الفرق الطفيف، أي الفرق الكبير، هو أن نعرفها قبل فوات الأوان، أو أن نعرفها بعد فوات الأوان، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

[سورة ق: 22]

 الناس نيام، إذا ماتوا انتبهوا " لا بد من أن تعرف الحقيقة، اعرفها قبل فوات الأوان، فإذا عرفتها بعد فوات الأوان أنى لك أنة تستفيد منها، قال تعالى

﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾

[سورة الأنعام: 158]

 قال تعالى:

﴿ لِنُرِيَهُ ﴾

[سورة الإسراء: 1]

أصل العلم أن تعرف اللهَ :

 ماذا رأيت يا أخي؟ إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، ماذا رأيتَ أنت من الحقيقة؟ جاء أعرابيٌّ إلى النبي عليه الصلاة و السلام قال: جئتك لتعلمني من غرائب العلم، قال: فماذا صنعت في أصل العلم؟ قال: و ما أصل العلم؟ قال: هل عرفتَ الربَّ قال: ما شاء الله، قال: فماذا صنعت في حقه " سؤال: تصوَّر أن النبي عليه الصلاة و السلام يطرحه عليك، هل عرفت الرب؟ ماذا تقول؟ إن قلت: نعم، هناك سؤال آخر، ماذا صنعتَ بحقه؟ هل أطعته؟ هل تقرَّبت إليه؟ هل أحببت أحبابه؟ هل عاديت أعداءه؟ هل أنت في الطريق إليه أم في طريق معاكس؟ إن قلت: نعم، فماذا صنعت في حقه، و إن قلت: لا فماذا تنتظر؟ ما الذي في الدنيا يفوق أهميةً من أن تعرف اللهَ عز وجل، الذي سوف تكون معه إلى أبد الآبدين إذا وُضع الميتُ في قبر في أول ليلة يقول الله عز وجل: عبدي رجعوا و تركوك، وفي التراب دفنوك، و لو بقوا معك ما نفعوك ولم يبق لك إلا أنا، و أنا الحي الذي لا يموت " لم يبق لك إلا الله، ألا ينبغي أن تعرفه قبل فوات الأوان، لم يبق لك إلا الله، لا زوجة ولا ولد و لا مال ولا جاه و لا قوة، لم يبق لك إلا الله، ألا ينبغي أن تعرفه الآن، إن قلت: لا أعرفه فهذه مصيبة، نقول بك: ماذا تنتظر، و إن قلت: أعرفه، نقول لك: فماذا صنعت في حقه، ما الشيء الذي يؤكِّد أنك تعرفه، هل استقمت على أمره، هل تخشاه و لا تخشى أحدا إلا هو، ثم قال هذا الأعرابي: ما شاء الله، قال: هل عرفت الرب؟ قال ما شاء قال: فماذا أعددت له؟ تصوَّر نفسك أمام النبي عليه الصلاة و السلام وهو يطرح عليك هذا السؤال هل عرفت الموت؟ قد تقول نعم، و أنا أقول: لا، لو عرفت الموت لأعددتَ العدَّة له، لو عرفت الموت لا تنام الليل، لم عرفت الموت لا تخشى في الله لومة لائم، لو عرفت الموت لأنفقت مالك بغير حساب في سبيل الله، لو عرفت الموت لخفت من المعصية كما يخاف الإنسان أن يُلقى في النار، فقال: هل عرفت الموت؟ قال: ما شاء الله، قال: فماذا أعددت لها؟ قال تعالى:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا ﴾

[سورة الإسراء: 1]

 ماذا رأيت من آيات الله؟ ماذا عرفت عنه؟

تعصي الإلهَ و أنت تظهر حبَّه ذاك لعمري في المقال بديعُ
لو كان حبُّك صادقا لأطعتـه  إن المحبَّ لمن يحبُّ يطيعُ
***

الفوز العظيم بطاعة الله :

 هل قرأت هذه الآية، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب: 71 ]

 ماذا ترى أنت؟ الله عز وجل يقول لك:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب: 71 ]

 فهل ترى أنت خلافَ ذلك؟ هل ترى أنه من حصَّل المالَ فقد فاز فوزا عظيما؟ لو لم تقل هذا بلسانك لا أريد ما يقوله اللسانُ، أريد ما يؤمن به القلبُ، ماذا ترى أنت؟ هل ترى أن المال هو كل شيء؟ هل ترى أن الوجاهةَ هي كلُّ شيء، هل ترى أن القوة هي كل شيء، ماذا ترى الله سبحانه و تعالى ينبئك:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب: 71 ]

 الله سبحانه و تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾

[ سورة المنافقون: 9 ]

 هل ترى الخسارة في الله و عن ذكر الله؟

(( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ))

[البغوي في شرح السنة عن عبد الله بن عمرو]

 البطولة أن تكون هناك مطابقة بين ما ترى و بين ما يرى الله عز وجل، القرآن الكريم هو الهدى، فهل هواك مطابق لما في كتاب الله؟

 

الإسراء و المعراج راحة للنبي الكريم :

 أيها الأخوة المؤمنون، الإسراء كما قلت قبل قليل، و سأعالج في خطبة أخرى إن شاء الله تعالى المعراجَ، و آياته:

﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾

[سورة النجم: 1]

 أكتفي في هذه الخطبة بالإسراء، النبي عليه الصلاة و السلام لاقى من قومه ما لاقى، لاقى من قومه الشدائد، و المعارضات و المؤامرات أخرجه قومُه، عذَّبوا أصحابه، كذَّبوا دعوته، ائتمروا على قتله، و تحمَّل كل ذلك، و لكن الله عز وجل بما كافأه؟ أكرمه أيَّ إكرام، و كافأه أيَّة مكافأة، لقد أطلعه على مقامه عنده، لقد أطلعه في الإسراء و المعراج أنه سيدُ ولد آدم، لقد أطلعه في الإسراء و المعراج أنه سيد النبيين، لقد أطلعه في الإسراء و المعراج أنه المخلوق الأول في الأرض، لقد أطلعه على مقامه عند الله، لقد قرَّبه منه، لقد تجلَّى عليه لقد غمره بلطفه، نسي كلَّ متاعب الدعوة، نسي كلَّ المعارضات، نسي كل التكذيبات، نسي كل الضيق، نسي يُتمه، نسي صدَّ قومه عنه، فالمؤمن كذلك، إذا استقمتَ على أمره و تحمَّلت ما تحَّملت، و ليكن ما يكن:

فليتك تحلوا و الحياة مريرة  و ليتك ترضى و الأنامُ غضابُ
و ليت بين و بينك عامــرٌ  وبيني و بين العالمين خـرابُ
***

 إذا استقمت على أمر الله و تحمَّلت ما تحملت في سبيله، إذا حضرت مجالس العلم و تأدَّبت فيها، و تعلَّمت كتاب الله , علَّمته لناس، و أنفقت من مالك، و تحمَّلت استهزاءَ الساخرين، و تحملت لوم الذين يلومونك، وهو جاهلون، و أعرضت عن أهل الدنيا و زينتها، و أنبتَ إلى أولياء الله و أحبابه، و كنت مع الذين أنعم اله عليهم، و صبرت نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه، وتحملت ما تحملت، و لاقيت ما لاقيت، فلك برسول الله أسوة حسنة، لا بد من أن يكشف اللهُ بصيرتك، لا بد من أن يتجلَّى على قلبك، لا بد من أن يعرِّفك مقامك عنده، لا بد من أن ترى أنك الفائز الأوحد، و أن الناسَ في خسارة، لا بد من أنك ترى أن الفلاح كلَّ الفلاح في معرفة الله،لك برسول الله أسوةٌ حسنة:

كن لهمومك معرضــــا  وكِلِ الأمورَ إلى القــدر
وابشِر بخير عاجـــــل  تنسى به ما قد مضــى
فربَِّ أمر مسخِــــــط  لك في عواقبه رضـــا
و يا رُب ما ضاق المضيـق  و يا رب ما تسع الفضـا
الله يفعل ما يشــــاء فلا   تكن معتــــــرضا
الله عوَّدك الجميــــــل  فقِس على ما قد مضــى
***

الهموم مهما كثرت فإن مع العسر يسراً :

 أيها الأخوة المؤمنون، الدرس الأول الذي يُستنبط من الإسراء أن المتاعب مهما اشتدَّت و أن المصائب مهما أحدقت، و أن الهموم مهما كثرت فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا، في ليلة واحدة نسي النبي عليه الصلاة و السلام كلَّ آلام الماضي، كل معارضات قريش كل الأذى الذي آذوه به، لقد أكرمه ربُّه إذا كان الله معك فمن عليك و إذا كان الله عليك فمن معك، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب: 71 ]

 أيها الأخوة المؤمنون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، و سيتخطى غيرنا إلينا، فلنتَّخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها، و تمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ و سلم و بارك على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه الطيِّبين الطاهرين.

صلاح الآخرة أنت مكلَّف به :

 يا أخوة الإيمان، النبي عليه الصلاة و السلام، خاض معركة أحُد مع أصحابه الكرام، و لاقوا ما لاقوا، تعرفون ما لاقوا، و مع ذلك وردت هذه الخطبةُ اليسيرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، و لكن متى؟ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: - متى - عند منصرفه من أُحُد، لا زالت آثارُ المعركة ومتاعبها و شدائدها، و لا زال هو وأصحابه في حالة إعياء عضلية، و مع ذلك وقف بعد منصرفه من أُحد و الناسُ يحدِقون به -يتحلَّقون حوله - و من شدة التعب استند إلى شجرة، وقف عند منصرفه من أُحد و الناس محدقون به، وقد استند إلى شجرة، اسمعوا ماذا قال: قال: أيها الناس، أقبلوا على ما كُلِّفتموه من صلاح آخرتكم - صلاح الآخرة أنتم مكلَّفون به، قال تعالى:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

[سورة النجم:39]

 و قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾

[سورة الإسراء: 19]

صلاح الآخرة منوطٌ بسعي الإنسان :

 صلاح الآخرة منوطٌ بسعيكم، قولا واحدا، دون خلاف، الآخرة بالسعي - أيها الناس أقبلوا على ما كلفتوه من صلاح آخرتكم، و أعرضوا عما ضُمِن لكم من أمر دنياكم - الدنيا مضمونة، قال تعالى:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

[ سورة الزمر: 36]

 لا تعص الله من أجل الرزق، رزقُك واصل إليك، قال عليه الصلاة و السلام، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها فاتقوا الله عباد الله، وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده بمعصيته))

[ ابن ماجه وأبو نعيم والحاكم وابن حبان وأخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]

 توضيحا لهذه الخطبة التي ألقاها النبي عليه الصلاة و السلام بعيد منصرفه من أحد، لو تصورنا طالبا في مدرسة داخلية، طعامه و شرابه مضمون على إدارة المدرسة، ليس له أن يأتي مع قرع الجرس لتناول الطعام، وهو مكلَّف أن يدرس، فإذا ترك الدراسة و دخل إلى المطبخ قبل انتهاء الطعام، شارك في إعداده، و قد أكل الهمُّ قلبَه خوفا من أن لا يأكل، كان هذا الطالبُ غبيًّا إلى أقصى الحدود، الشيء المكلَّف به تركه، والسيئ المضمون له أقبل عليه، هكذا قال النبي: أيها الناس أقبلوا على ما كلفتوه من صلاح آخرتكم، و أعرضوا عما ضُمِن لكم من أمر دنياكم.

عدم استعمال الجوارح في معصية الله :

 ماذا قال أيضا النبي الكريم، و لا تستعملوا الجوارح - العين جارحة، و الأذن جارحة، و اللسان جارحة واليد جارحة، الرجل جارحة، الأعضاء كلُّها جوارح - و لا تستعملوا الجوارح غُذِّيت بنعم الله في التعرُّض لمعصيته - هذه نعمة هذه جارحة و قد غذَّاها اللهُ فجعلك ترى بها، لا تستعملها في معصية الله، هذه جارحة وقد غذَّاها الله، أي جعلك تسمع بها فلا تستعملها في معصية الله، لا تستمع الغناء بها، وهذا اللسان جراحة، قد مكَّنه الله من النطق لا تغشَّ به أحدا، لا تكذب به، لا تقل كلاما فاحشا، لا تغتب أحدا، لا تنُمَّ بين اثنين، هذه جارحة - و لا تستعملوا الجوارح غذيت بنعمة الله في التعرض لمعصيته، واجعلوا شغلكم بالتماس مغفرته - اجعل همَّك الأوحد الشفاء من كل درن، الشفاء من كل مرض،الصحة النفيسة، فلا حسد و لا حقد، ولا ضغينة، و الكبر و لا أنانية و لا استعلاءَ - واجعلوا شغلكم بالتماس مغفرته، واصرفوا هممكم - هذه الطاقات التي أودعها الله فيكم، هذه القوة التي أعطاكم إياها، هذا النشاط الذي متَّعكم به -واصرفوا هممكم إلى التقرب لطاعته - ماذا يا رسول الله أيضا - من بدأ بنصيبه من الدنيا فاته نصيبُه من الآخرة، و لا يدرك من الدنيا ما يريد - من بدأ بالدنيا ضيَّع الآخرة، وضيَّع الدنيا، من بدأ بنصيبه من الدنيا فاته نصيبه من الآخرة ولا يدرك من الدنيا ما يريد، أنت تريد و أنا أريد فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، و إن لم تسلِّم لي فيما تريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد، من بدا بنصيبه فاته نصيبه من الآخرة، وفوق هذه الخسارة الكبرى، فلا يدرك من الدنيا ما يريد، حتى الدنيا التي رضي بها والتي كانت أكبر همِّه لن يحصِّلها، ما أشدَّ خسارة هذا الإنسان! ومن بدأ بنصيبه من الآخرة وصل إلى نصيبه من الدنيا، فأدرك من الآخرة ما يريد، و من بدأ بالآخرة أدرك الدنيا و الآخرة.

من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً :

 لذلك ملخَّص الملخَّص: من آثر دنياه على آخرته خسرهما معا، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معا، واللهِ الذي لا إله إلا هو هذا الحديث وحده يكفي الإنسان حتى الموت، من آثر دنياه على آخرته خسرهما معا، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معا، والواقع أمامكم خطبةٌ قصيرة أعيدها على مسامعكم مرة ثانية: أيها الناس، أقبلوا على ما كُلِّفتموه من صلاح آخرتكم، و أعرضوا عما ضُمِن لكم من أمر دنياكم، و لا تستعملوا الجوارح غُذِّيت بنعم الله في التعرُّض لمعصيته، واجعلوا شغلكم بالتماس مغفرته، واصرفوا هممكم إلى التقرب لطاعته، من بدأ بنصيبه من الدنيا فاته نصيبُه من الآخرة، و لا يدرك من الدنيا ما يريد، ومن بدأ بنصيبه من الآخرة أدرك نصيبه من الدنيا، و أدرك من الآخرة ما يريد.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت و بارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي و لا يُقضى عليك، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، و أكرمنا و لا تهنا و آثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا، اللهم أغننا بالعلم وزيِّنا بالحلم و أكرمنا بالتقوى، وجمِّلنا بالعافية، وطهر قلوبنا من النفاق، و أعمالنا من الرياء، و ألسنتنا من الكذب، و أعيننا من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، اللهم النفاق و سوء الأخلاق اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، و من الذل إلا لك، ومن الفقر إلا إليك، نعوذ بك من عضال الداء ومن شماتة الأعداء ومن السلب بعد العطاء، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عونا لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغا لنا فيما تحب، اللهم اغفر لنا ذنوبنا و استر عوراتنا و آمن روعاتنا و آمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمنا سخيًّا رخيا وسائر بلاد المسلمين، وصلى الله على سيدنا محمد.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018