الخطبة : 0079 - ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن - معنى الإسلام . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0079 - ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن - معنى الإسلام .


1985-04-05

الخطبة الأولى :

الحمد لله الذي هدانا لهذا، و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا، و ما توفيقي و لا اعتصامي و لا توكُّلي إلا على الله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بربوبيته و إرغاما لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتَّصلت عينٌ بنظر أو سمعت أذنٌ بخبر،اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذرِّيته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين اللهم ارحمنا فإنك بما راحم، ولا تعذِّبنا فإنك علينا قادر، والطُف بنا فيما جرت به المقادير، إنك على كل شيء قدير.

الإنسان بفطرته السليمة لا يخضع إلا للحق :

أيها الأخوة المؤمنون؛ آية كريمة استوقفتني في هذا الأسبوع، وهي قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾

[سورة النساء: 125]

الإنسان بفطرته السليمة لا يخضع إلا للحق
فباستعمال اسم التفضيل أحسن اتَّضح أن الإنسان قد يدين بالحق، و قد يدين بغير الحق، و معنى يدين أي يخضع، و المدين هو الذي يخضع للدائن، و الدينونة هي الخضوع، و الإنسان بفطرته السليمة و بعقل وفكره الذي أنعم الله به عليه لا يخضع إلا للحق، لا يخضع إلا للحقيقة، لا يخضع إلا للفطرة، فإذا قلت لإنسان: الجمل أكبر من الفرس، فإنه يسكت، لماذا يسكت؟ لأن هذه حقيقة، و قد خضع لها، فالإنسان أحيانا يخضع لنظرية باطلة، يخضع لفلسفة غير صحيحة، يخضع لمبدأ أساسه باطل لذلك ربُّنا سبحانه و تعالى قال:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ ﴾

[سورة النساء: 125]

دين الحقّ هو الدين الذي فضَّله الله :

قد يدين المرءُ بمبدأ اللذة، جعل إلهه هواه، و قد يدين لمبدأ العلو في الأرض مهما كان الثمنُ، وقد يدين لمبدأ جمع المال من أيِّ طريق، و قد يدين لاقتناص اللذة دون النظر إلى عواقبها، لكن الدين الحقَّ، لكن الدين الذي فضَّله الله على كل أنواع الخضوع،قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾

[سورة النساء: 125]

هذا كلام الله، ربُّنا سبحانه و تعالى يقول:

﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾

[سورة آل عمران: 83]

دين الله، أي هذا النظم الذي وضعه الخالق، وهل من جهة أخرى أخبَر من بالإنسان من خالقه، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر: 14 ]

الحقيقة تستحق أن تستمع إليها :

أيُّ الحقيقة تستحق أن تستمع إليها غير الحقيقة التي جاء بها الدين، لأنها من عند الله قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾

[سورة النساء: 125]

الحقيقة تستحق أن تستمع إليها
أي خضع لأمر الله، طبَّق شرعه، وائمتر بأمره، انتهى عما عنه نهى و زجر، ضبط سلوكه وفق الشرع، وفق ما أراد الله، وفق ما حكم الله، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾

[سورة النساء: 125]

لا يكفي أن تخضع، يجب أن تحسن، لا يكفي أن تستقيم، يجب أن تتقرب من الله عز وجل بعملك الصالح، قال تعالى:

﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾

[سورة آل عمران: 83]

كل مخلوقات الله أسلمت لله :

كل مخلوقات الله أسلمت لله
كل مخلوقات الله صغيرها و كبيرها أسلمت، أي استسلمت له طوعا و كرها، و لم يبق من بين مخلوقات الله قاطبة إلا هذا الإنسان الذي كرمه الله و فضله على كثير ممن خلق تفضيلا، و خلق الكون من أجله وسخر السماوات و الأرض من أجله و خلق له ما في الأرض جميعا منه، هذا الذي يستنكف عن عبادته، يستنكف عن أن يدين له، يستنكف عن أن يسلم له قال تعالى:

﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾

[سورة آل عمران: 83]

الإسلام مطلق الاستسلام لله عز وجل :

أيها الأخوة المؤمنون؛ كأن الله سبحانه و تعالى حينما يذكر الإسلام في كتابه الكريم يعني به شيئين؛ يعني به ذلك الدين الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم وفق ما في كتاب الله المنزل عليه، أو كأن كلمة الإسلام تعني مطلق الاستسلام إلى الله عز وجل، فأيُّ مخلوق منذ آدم حتى يوم القيامة يجب أن يخضع لله، أن يسلم له أن ينفِّذ مشيئته، أن يخضع لحكمه، أن يطبِّق أمره، أن يأتمر بأمره، قال تعالى:

﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾

[سورة البقرة: 111]

هكذا قال أهل الكتاب،قال تعالى:

﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ﴾

[سورة البقرة: 111]

هذه أماني، لا تقدم و لا تؤخِّر، و لا ترفع و لا تخفض، قال تعالى:

﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[سورة البقرة: 111-112]

دين الله ائتمارٌ بأمر الله و إحسان لخلقه :

هذه القاعدة المطلقة التي تنطبق على كل البشر في كل زمان و مكان، قال تعالى:

﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[سورة البقرة: 112]

هذا هو دين الله، ائتمارٌ بأمر الله و إحسان لخلق الله، و عندئذ لا خوف عليك في الدنيا و لا تحزن على فراقها.
في آية أخرى يقول الله عز وجل:

﴿ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾

[سورة آل عمران: 20]

الهدى أن تكون مستسلماً لله عز وجل :

الهدى أن تكون مستسلما لله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾

[سورة آل عمران: 20]

قال تعالى:

﴿ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾

[سورة آل عمران: 20]

الهدى أن تكون مستسلماً لله عز وجل
كيف يتوازن الإنسان مع نفسه إن لم يكن مسلما مستسلما لأمر الله، كيف تقرُّ له عين، كيف يغمض له جفنٌ وهو يعصي الله، وهو خارج عن أمر الله، وهو شارد عن شريعة الله، كيف يكون ذلك، قال تعالى:

﴿ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾

[سورة آل عمران: 20]

قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي ﴾

[سورة غافر:66 ]

هل أنت منضبط بشرع الله أم بالهوى ؟

نهيت أن أطيع مخلوقاً جاهلاً صاحب أهواء، صاحب نزعات، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة غافر:66 ]

مِحكٌّ دقيق، أين أنت من هذه المعاني؟ هل في حياتك يا أخي الكريم تصرفات خارجة عن دين الله، عن أوامر الله؟ هل أنت منضبط بشرع الله؟ أم أنت منضبط بالهوى؟ قال تعالى:

﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾

[سورة النحل: 81]

الهدف من المخلوقات والنعم أن نكون مسلمين حقيقةً لا شكلاً
الهدف أن تنساق إلى أمر الله أن تستسلم، مخلوقات الله، المجرات الشمس و القمر، الجبال، السهول و البحار، الأسماك والأطيار الظلال، السرابيل، الألبسة التي تقيكم الحر و القرَّ، و السرابيل التي تقيكم بأسكم، كل هذه النعم من أجل أن تسلم، أي أن تكونوا مسلمين حقيقة لا انتماءً شكليا، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة الأنعام: 71]

قال تعالى:

﴿ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ﴾

[سورة الحج: 34]

ليس في الأرض آلهة، ليس في الأرض إلا إله واحد، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

[ سورة الزخرف: 84 ]

لا إله إلا الله، ما دام الإله واحدا، و ما دام لا إله إلا هو، و ما دامت الأمور كلها بيده فلا تنتظر؟ قال تعالى:

﴿ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ﴾

[سورة الحج: 34]

الأفضل أن تأتي لله طواعيةً :

لكن الإنسان إذا لم يسلم رحمةُ الله سبحانه و تعالى بالمرصاد، لا يتركه من علاج، لا يتركه هملا، لا ينساه، لا يدعه و شأنه، ليس هذا من أخلاق الله، قال تعالى:

﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾

[سورة الزمر: 54]

إما أن تأتي طواعيةً، و إما أن تستسلم رغبةً، و إما أن يأتي العذابُ فيرغمَ المرءَ على أن يسلم، شاء أم أبى، قال تعالى:

﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ﴾

[سورة الزمر: 54]

و اللهُ سبحانه و تعالى في آخر آية نزلت في كتاب الله يقول:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة: 3 ]

اخضعوا له، هذا هو الحق، هذا هو الهدى، هذا هو المنهج القويم هذا هو الهدف الذي خُلقتم من أجله، هذا هو طريق سعادتكم، هذا هو طريق الفوز العظيم،هذا هو طريق الفلاح، هذا هو طريق النجاح في الدنيا و الآخرة، و قال تعالى:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة: 3 ]

إذا حاد المرءُ عن الإسلام ظلم نفسه :

أما إذا حاد المرءُ عن الإسلام و تنكَّب له و ألقى بتعاليمه عرض الطريق و لم يبالِ به، و كان مع دهماء الناس و سُوقتهم، يعيش يومهم و لحظته، و يواجه مشكلاته، فاللهُ سبحانه وتعالى وصفه فقال:

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾

[سورة الصف: 7]

إذا حاد المرء عن الإسلام ظلم نفسه
أي هل في الأرض كلها إنسانٌ أشدُّ ظلما لنفسه قال تعالى

﴿ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ ﴾

[سورة الصف: 7]

يقول: العالم الفلاني قال: إن الإنسان كان أصله قردا، افترى على الله كذبا، وهو يُدعى إلى الإسلام، العالم الفلاني الأخلاقية نسبية، تتبدل بالأمكنة و الأزمنة، ليس هناك شرع إذًا، قضية أعراف و تقاليد خاضعة للمكان و الزمان و للتطورات، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ ﴾

[سورة الصف: 7]

اللهُ سبحانه وتعالى يقول:

﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾

[سورة آل عمران: 19]

إن المعتمد، إن الطريق الصحيح الذي من سار به نجا ومن تركه هلك هو الإسلام، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾

[سورة آل عمران: 85]

هذه أيها الأخوة الأكارم، بعض الآيات الكريمة التي تحدَّثت عن الإسلام، و لكننا نُفاجأ أن هناك معان أخرى للإسلام ليست متعلقة بديننا بل هي شاملة و لكنها شاملة لكل من استسلم لدين الله تعالى.
أيها الأخوة المؤمنون؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، و سيتخطى غيرنا إلينا، فلنتَّخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها، و تمنى على الله الأماني و الحمد لله رب العالمين.

***

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل و سلم على سيدنا محمد و على آله و صحبه الطيبين الطاهرين.

الأنبياء جميعاً مسلمون :

الأنبياء جميعاً مسلمون
أيها الأخوة المؤمنون؛ آياتٌ في كتاب الله تلفت النظرَ، يقول الله عز وجل:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ﴾

[سورة المائدة: 44]

هذه الآية الوحيدة، وهذا كلام الله تؤكِّد أن الأنبياء جميعاً مسلمون، قال تعالى:

﴿ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ﴾

[سورة المائدة: 44]

من معاني الإسلام الخضوع لأمر الله :

الآن معنى الإسلام له معنى آخر، معنى الخضوع لأمر الله، الاستسلام له، فربُّنا سبحانه وتعالى يقول

﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ﴾

[سورة آل عمران: 67]

فإبراهيم كان مسلما قال تعالى:

﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة البقرة: 131]

إذًا معنى الدين هو الاستسلام لله عز وجل، فإبراهيم كان مسلما، سيدنا يوسف، قال تعالى:

﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾

[سورة يوسف: 101]

سيدنا يوسف وإبراهيم وإسماعيل كانوا مسلمين :

سيدنا يوسف كان مسلماً، أي مستسلماً لأمر الله خاضع، طائع، محبٌّ منيب، سيدنا إبراهيم و سيدنا إسماعيل معًا، قال تعالى:

﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾

[سورة البقرة: 127-128]

يدعوان الله أن يكونا مسلمين، سيدنا عيسى، الحواريون، قال تعالى:

﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾

[سورة المائدة: 111]

نحن أيضا مسلمون، سيدنا نوح، قال تعالى:

﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[سورة يونس: 72]

سيدنا نوح وموسى و سليمان كانوا مسلمين :

سيدنا نوح، سيدنا موسى، قال تعالى:

﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾

[سورة يونس: 84]

من معاني الإسلام الخضوع لأمر الله
فرعون دُعي إلى الإسلام فأبى، و لكن حينما أدركه الغرقُ، استمعوا ماذا قال: قال تعالى:

﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[سورة يونس: 90]

سيدنا سليمان، قال تعالى: فلما جاءت - أي بلقيس -

﴿ فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ﴾

[سورة النمل: 42]

الإسلام إذًا إما أن تكون خاضعا لأمر الله عامةً فأنت مسلم، و إما أن تكون خارجا عن هذا الأمر، فهذا هو الشقاء.

 

هل يُعقل أن تكون حياة المسلم كغير المسلم ؟

أختم هذه الخطبة بآية تركت في نفسي أثرا كبيرا، وهي قوله تعالى:

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ﴾

[سورة القلم: 35]

هل يُعقل هذا؟! هل يُعقل أن تكون حياة المسلم كغير المسلم؟! هل يُعقل أن تكون حياة المسلم في الدنيا من حيث الطمأنينة و من حيث الحفظ الإلهي، ومن حيث السموُّ كحياة إنسان شرد عن أمر الله، و إياكم أيها الأخوة الأكارم، إياكم أن تظنوا أن من خرج عن أمر الله يُسمَّى عند الله مسلما، قد يُسمى عند المجتمع مسلما قد يقولون: هذا مسلم، لكن من خرج عن أمر الله لا يُسمى مسلما، لأن الاستسلام هو طاعة الله عز وجل، استسلام لما جاء به النبي عليه الصلاة و السلام، لذلك حتى هذا الإسلام هناك فوقه درجة، قال تعالى:

﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾

[سورة الحجرات:14]

الخضوع لأمر الله هو الإسلام :

أي مجرَّد الخضوع لأمر الله هو الإسلام إذا خرج الإنسان عن أمر الله لم يحقق الحدَّ الأدنى من الدين، الحد الأدنى و ليس الأعلى، هناك إسلام وهناك الإيمان، و هناك التقوى، وهناك الإحسان، الحد الأدنى هو الاستسلام لأمر الله عز وجل، من خرج عن أمر الله لم يحقق الحد الأدنى، لذلك قال تعالى:

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

[سورة القلم: 35-36]

قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص: 61]

قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 18 ]

اللهُ سبحانه و تعالى يقول:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

الحق يجب أن تستقيه من كتاب الله :

الحق يجب أن تستقيه من كتاب الله
فالحقائق عند الله واضحة جداً، أما عند الناس قد تكون هذه الحقائق مختلفة، قد تكون ضبابية، قد تكون متداخلة،و لكن الحق يجب أن تستقيه من كتاب الله، فالسؤال الدقيق: أين أنت من هذه الخطبة؟ هل أنت مسلم بمقياس الله عز وجل لا بمقياس الناس؟ بمقياس الناس جميعا أنت مسلم، و لكنك بمقياس الله قد تكون مسلما و قد لا تكون، فالطالب حينما يقيس ويقدِّر علامته هو أو يقدِّر ها له زميلُه، هذا شيء لا قيمة له، العبرةُ المدرِّس الذي سوف يقيِّمها له، من بيده وضعُ العلامة، فالإنسان لا ينبغي أن يفرح بتقييم الناس له، و لا بتقييم نفسه هو، يجب أن يعرض إسلامه على كتاب الله، فهل هناك استسلام و خضوع للحق، أم هناك خروج عنه؟ هذا الذي ينبغي أن نعرفه، وهذا الذي ينبغي أن نسعى من أجل الوصول إليه.

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت و بارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي و لا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت اللهم أعطنا و لا تحرمنا، وأكرمنا و لا تهنا، و آثرنا و لا تؤثر علينا و أرضنا وارض عنا، اللهم أغننا بالعلم وزيِّنا بالحلم وأكرمنا بالتقوى وجمِّلنا بالعافية،وطهِّر قلوبنا من وأعمالنا من الرياء، و ألسنتنا من الكذب، و أعيننا من الخيانة،فإنك تعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا واجعل الحياة زادا لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين،اللهم كما هديتنا للإسلام ثبتنا عليه، اللهم ألزمنا سبيل الاستقامة فلا نحيد عنها أبدا، واهدنا لصالح الأعمال فلا يهدي لصالحها إلا أنت يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، واقبل توبتنا،وفك أسرنا، و أحسن خلاصنا، و بلغنا مما يرضيك آمالنا، واختم بالصالحات أعمالنا، اللهم اسقنا الغيث و لا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث و لا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث و لا تجعلنا من القانطين، اللهم ما رزقتنا مما نحبُّ فاجعله عونا لنا فيما تحبُّ، وما زويت عنا ما نحب فلجعله فراغا لنا فيما تحب، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمنا سخيًّا رخيا وسائر بلاد المسلمين، اللهم استر عيوبنا، اللهم يا أرحم الراحمين أعلِ بفضلك كلمة الحق و الدين، وانصر الإسلام و أعزَّ المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى،إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018