الخطبة : 0434 - التوبة - العبادات معللة بِمصالح الخلق. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0434 - التوبة - العبادات معللة بِمصالح الخلق.


1993-04-02

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر .
 اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

المعاني التي تقفز إلى ذهن الإنسان بعد انقضاء رمضان :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ بعد انقضاء شهر رمضان ، تقفز أمام الإنسان مجموعةٌ من المعاني ، المعنى الأول : هو أن رمضان انقضى ، فمن صامه ، ومن قامه ، سعد بهذه العبادة وانقضت المتاعب ، ومَن لم يصمه ، ومَنْ لم يقمه ، انتهت هذه الراحة المزعومة وبقيت التَبِعات ، وهكذا الدنيا ؛ " إن هذه الدنيا دار التواءٍ لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عُقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي " .
 المعنى الأول : أن الطاعة تنقضي أعباؤها وتبقى خيراتها ، وأن المعصية تنقضي لذائذها وتبقى تبعاتها ، فللصائم فرحتان ، فرحةٌ يوم يفطر ، وفرحةٌ يوم يلقى الله عز وجل ، هنيئاً لمن صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً . والنبي عليه الصلاة والسلام حينما صعد المنبر فقال : آمين . فسأله أصحابه : يا رسول الله علامَ أمَّنت ؟ قال :

(( جاءني جبريل فقال لي : رغم أنف عبدٍ أدرك رمضان فلم يغفر له إن لم يغفر له فمتى ؟ ))

[ من الدر المنثور عن أنس]

 هذا هو المعنى الأول ، المعنى الثاني أيها الأخوة : أن العاجز مَنْ عجز عن تحقيق أهدافه ، والأعجز مِنه مَنْ حقق هذه الأهداف ثم تفلَّتت من يديه . فإذا حققت أيها الأخ الكريم في رمضان إنجازاً روحياً ، فأنت قد حققت شيئاً ثميناً ، لكنك بعد أن ذُقت هذا الإنجاز الروحي ، إذا تفلَّت من يديك ، وعدت بعد رمضان كما كنت قبل رمضان ، فأنت أعجز من العاجز .

 

بطولة الإنسان الانتصار على نفسه أثناء رمضان و بعده :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ لقد كان شهر الصيام من أجل انتصار الإنسان على نفسه، يقودها نحو سعادتها الأبدية ، فلقد رُكِّبَ المَلَك من عقلٍ بلا شهوة ، ورُكَّبَ الحيوان من شهوةٍ بلا عقل ، ورُكِّبَ الإنسان من كليهما ، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ليست البطولة أن ننتصر على النفس في رمضان ، ثم ننخذل أمامها بقية العام ، ولكن البطولة أن نحافظ على هذا النصر على طول الدوران وتقلّبات الزمان والمكان ، ليست البطولة أن نضبط ألسنتنا في رمضان ، فننزِّهها عن الغيبة والنميمة وقول الزور ، ثم نُطْلِقها بعد رمضان إلى حيث الكذب والبُهتان ، ولكن البطولة أن تستقيم منا الألسنة ، وأن تصلح منا القلوب ما دامت الأرواح في الأبدان ، ليست البطولة أن نَغُضَّ أبصارنا عن محارم الله ، وأن نضبط شهواتنا غير المشروعة في رمضان ، ثم نعود إلى ما كنا عليه بعد رمضان ، إنا إذاً كالتي نقضت غزلها من بعد قوةٍ أنكاثاً ، ولكن البطولة أن تصوم جوارحنا عن كل معصيةٍ في رمضان ، وبعد رمضان ، فلا تفطر حتى تلقى الواحد الديان .
 هذا الإنجاز الذي حققته في رمضان كل بطولتك أن تحافظ عليه ، أن تحافظ على صلاة الفجر في المَسجد ، أن تحافظ على غَضِّ البصر ، أن تحافظ على ضَبْطِ اللسان ، أن تحافظ على تحرير الدَخْل ، أن تحافظ على صلواتك ، وعلى عباداتك ، وعلى أذكارك ، وعلى أورادك ، وعلى أعمالك الطيّبة ، وعلى تلاوتك ، وعلى إنفاقك . ليست البطولة أيها الأخوة أن نتحرى الحلال في رمضان خوفاً من أن يرد علينا صيامنا ، ثم نتهاون في تحرّيه بعد رمضان ، على أنه عادةٌ من عوائدنا ، ونمطٌ شائعٌ من سلوكنا ، ولكن البطولة أن يكون الورع مبدءًا ثابتاً وسلوكاً مستمراً . . ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مُخَلِّط .
 ليست البطولة أن نبتعد عن مجالس اللهو في رمضان ، إكراماً لشهر رمضان ، ثم نعود إليها وكأن الله ليس لنا بالمرصاد في بقية الشهور والأعوام . ليست البطولة أن نُراقب الله في أداء واجباتنا وأعمالنا ، ما دمنا صائمين ، فإذا ودَّعنا شهر الصيام آثرنا حظوظ أنفسنا على أمانة أعمالنا وواجباتنا .
أيها الأخوة الأكارم ؛ اسمحوا لي أن أقول لكم هذه الكلمة ، وربما بدت قاسيةً للبعض : مثل هذا الإنسان الذي لم يَفْقَه حقيقة الصيام ، ولا جوهر الإسلام ، إنه كالناقَة عقلها أهلها ثم أطلقوها ، فلا تدري لا لِمَ عقلت ولا لِمَ أطلقت ؟ لا لِمَ صام ولا لِمَ أفطر ؟

أبواب التوبة مُفَتَّحَةٌ على مصاريعها في كل أشهر العام :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ مع أن شهر الصيام شهر التوبة والغفران ، ولكن هذا لا يعني أن التوبة مقصورةٌ عليه ، محصورةٌ فيه ، بل إن أبواب التوبة مُفَتَّحَةٌ على مصاريعها في كل أشهر العام ، لو أن واحداً من المؤمنين فاته إنجازه الروحي في رمضان ، ماذا يفعل ؟ ينتظر إلى رمضان الآخر ؟‍! لمثل هذا الإنسان نقول : كل أشهر العام رمضان ، يمكن أن تَفْتَحَ مع الله صفحةً جديدة في أوّل شوّال ، يمكن أن تعقِد التوبة عقب الصيام ، يمكن أن تبدأ خطةً روحيةً مكثفة بعد رمضان ، لا تنتظر إلى رمضان الآخر ، أبواب التوبة مُفَتَّحَةٌ على مدار العام، فمَن فاته الخير في رمضان فليبدأ به بعد رمضان ، ربنا جل جلاله يقول :

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الزمر : 53]

 إنه جل وعلا يدعو المُسرفين على أنفسهم إلى التوبة ، فكيف بالمُقْتَصدين ؟ كيف لا والله جل وعلا يقول في كتابه العزيز :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾

[ سورة التحريم : 8 ]

 والتوبة النصوحُ كما قال بعض العلماء : الندم بالقلب ، والاستغفار باللسان ، والإقلاع عن الذنب .
 أيها الأخوة ؛ كيف لا ، وفي الحديث القدسي الذي رواه الإمام أنس بن مالك رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( يا بْنَ آدَمَ إَّنكَ ما دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ ما كانَ منْكَ وَ لا أُبالي ، يا بْنَ آدَمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ ، يابْنَ آدَمَ! لَوْ أتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطايَا ثُمَّ أتَيْتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئاً لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِها مَغْفِرَة ))

[ من الأذكار النووية عن أنس ]

 إنه شرطٌ واحد ؛ ألا تشرك به شيئاً . كيف لا أيها الأخوة ، والله أفرح بتوبة عبده التائب من الظمآن الوارد ، ومن العقيم الوالد ، ومن الضال الواجد . فمن تاب إلى الله توبةً نصوحاً أنسى الله حافظيه ، وجوارحه ، وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ جلَ جلاله ، وعزَّ نواله ، يقول في الحديث القدسي :

(( أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنِّطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ))

[ البيهقي عن أبي الدرداء ]

 كيف لا أيها الأخوة ، و . .

(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن أيتها الخلائق هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))

[ورد في الأثر]

 سقت لكم هذه الآيات ، وتلك الأحاديث من أجل أن الذي فاتته التوبة في رمضان ، ألا ينتظر إلى رمضان آخر ، بل أن ينصرف إلى ربه ، وأن يقبل عليه بعد شهر الصيام مباشرةً ، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له .

 

التوبة علمٌ وحالٌ وعمل :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ التوبة كما يقول العُلماء : علمٌ وحالٌ وعمل . فهي علمٌ لأنها معرفةٌ لضرر الذنوب ، وكيف أن الذنوب حجابٌ بين العبد وبين المحبوب ، وهذا العلم بضرر الذنب ، يولِّد حالةً نفسية هي الشعور بالندم على ما اقترف من الذنوب ، وعلى ما فات من الخَيْرات ، وهذه الحالة النفسية ، حالة الندم تولِّد إرادةً وقصداً إلى فعلٍ له تعلقٌ بالحال ، وبالماضي ، وبالاستقبال ، فالتائب يترك الذنب الذي كان متلبِّساً به في الحال ، إقلاعٌ فوري علامة التوبة ، والتائب يعزم بقلبه على ألا يعود إليه في الاستقبال ، والتائب يسعى لإصلاح ما كان منه في الماضي . ولقد لخص النبي عليه الصلاة والسلام - وقد أوتي جوامع الكَلِم - هذه المراحل الثلاث بحديثٍ مؤلَّفٍ من كلمتين ، فقال فيما رواه الإمام أحمدٌ في مسنده ، عن أنس بن مالك قال عليه الصلاة والسلام :

(( الندم توبة ))

[البزار عن أنس بن مالك ]

 وقد فسَّر المفسرون هذا الحديث فقالوا : " لا يخلو الندم من علمٍ أوجبه ، ومن عملٍ أثمره " . الندم توبة ، الندم محصلة العلم ، والندم من نتائجه العمل ، لذلك قالوا : " لا يخلو الندم من علمٍ أوجبه ، ومن عملٍ أثمره " .

 

الأمور التي تجعل الصغائر كبائر :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في إحيائه بيَّن ما تعظم به الصغائر من الذنوب ، هناك ذنوب صغيرة تعظم ، وهناك ذنوبٌ كبيرةٌ تصغر ، ما الذي يجعل الذنب الصغير كبيراً ؟ أولاً : الإصرار والمواظبة ، إذا أصرَّ الإنسان على ذنبه وواظب عليه تنقلب الصغائر إلى كبائر . إذ لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار . ومنها : استصغار الذنب ، فالذنب كلما استعظمه العبد في نفسه صَغُرَ عند الله ، وكلما استصغره العبد في نفسه كَبُرَ عند الله . لذلك قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري :

(( إن المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه يخاف أن يقع عليه ، والمنافق يرى ذنبه كذبابٍ مر على أنفه فأطاره ))

[البخاري عن ابن مسعود]

 يمكن أن تعرف أنت مستوى إيمانك من اهتمامك بالذنب ، فإذا رأيت الذنب الصغير كبيراً فهذه حالةٌ طيِّبة ، وإذا رأيت الكبير صغيراً فهذه حالةٌ خطيرة .
 ومن الأسباب التي تجعل الصغائر كبائر أن يظهر الذنب ، أن يبوح به ، أن يذكره ، ألا يستحيي منه ، وأن يتهاون بسترِ الله عليه ، وحلمه عنه ، وإمهاله إياه ، وقد قيل : " لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت " .

 

أبواب الخير مُفَتَّحَةٌ في كل الشهور وليس في رمضان فقط :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ مع أن رمضان شهر العمل الصالح والقُرُبات ، ولكن هذا لا يعني أن فُرَص العمل الصالح قاصرةٌ على هذا الشهر ، بل إن أبواب الخير مُفَتَّحَةٌ في كل الشهور .
 أريد أيها الأخوة أن أضع بين أيديكم هذه الحقيقة : ليس في حياة المؤمن اثنينية كما يقولون أو ازدواجية ؛ ساعةٌ لنفسه وساعةٌ لربه ، شهرٌ للعبادة وشهرٌ لأخذ حظوظه من الدنيا ، حياة الإنسان موحَّدة ، العبادة تعني أن تنصاع إلى أمر الله في كل شيء ، وما رمضان إلا دورةٌ مكثفةٌ روحيةٌ هدفُها أن تقفز من خلاله قفزةً نوعيةً ثم تحافظ على هذا المستوى طوال العام ، فإذ كان كل رمضان يرتفع مستوى إيمانك وأعمالك الصالحة فأنت في صعودٍ مستمر .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أبواب الخير مفتحةٌ في كل الشهور ، ومسالك القرب نافذةٌ في كل الأوقات ، العمل الصالح قِوام حياة النفس ، كما أن الطعام والشراب قوام حياة الجَسَد ، والفقر في حقيقته فقر العمل الصالح ، والغنى في جوهره وفرة العمل الصالح ، والإمام عليٌ كرم الله وجهه يقول : " الغنى والفقر - أي الحقيقيان - بعد العرض على الله ".

 

العمل الصالح تحركٌ وتقدمٌ على الطريق إلى الله :

 يا أيها الأخوة ؛ إذا صَحَّ أن المعاصي والمخالفات عقباتٌ كؤود على الطريق إلى الله ، وأن التوبة النصوح إزالةٌ لهذه العقبات ، بحيث يصبح الطريق إلى الله سالكاً وآمناً ، فإنّه يصحُّ أيضاً أن العمل الصالح تحركٌ وتقدمٌ على هذه الطريق ، قال تعالى :

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

[ سورة الكهف : 110]

 تصوّر طريقاً إلى هدفٍ تحرص عليه ، هذا الطريق ممتلئٌ بعقباتٍ كؤود ، ماذا تعني استقامتك ؟ استقامتك تعني أن تُزيل كل العقبات ، فكل ذنبٍ حِجاب ، وماذا يعني العمل الصالح ؟ العمل الصالح يعني أن تنطلِق على هذه الطريق التي تُفْضِي إلى هدفك الكبير ، فالاستقامة طابعها سَلْبِيّ ؛ أن تزيل العقبات ، فإذا استقمت على أمر الله صار الطريق إلى الله سالكاً ، عندئذٍ لا بد من عملٍ صالحٍ ترقى به ، قال تعالى :

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[ سورة فاطر: 10]

 وقال تعالى :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

 أي من كان يرجو بلوغ هدفه . .

﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

العمل الصالح هو المَظْهَر العملي للإيمان :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ العمل الصالح هو المَظْهَر العملي للإيمان ، الإيمان ما وقر في القلب ، وأقر به اللسان ، وصدَّقه العمل . المَظْهَر المادي للإيمان هو العمل الصالح ، لذلك في أكثر من مئتي آية في القرآن الكريم قُرن العمل الصالح مع الإيمان ، لأن العمل الصالح بلا إيمان لا يكون ، والإيمان بلا عمل جنون ، العلم الصالح ثمرة الإيمان .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ العمل الصالح - كما قلت قبل قليل - هو المظهر العملي للإيمان ، وهو مشعرٌ به ، مؤكدٌ لوجوده ، دالٌ على صحَّته ، فإذا قُرن العمل الصالح بالإيمان معنى ذلك أنك حققت مُجمل الإيمان ، جانب فكري وجانبٌ سلوكي ، منطلقاتٌ نظرية تطبيقاتٌ عملية ، فكرٌ وعمل .

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ﴾

[ سورة الكهف: 107 ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الأبلغ من ذلك أن مكانة المؤمن عِند الله يُحَدِّدها حَجم عمله الصالح ، قال تعالى :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

[ سورة الأحقاف : 19 ]

 وإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ، بل إن تحريك الإيمان ، ورفع مستواه ، لا يتم إلا بالعمل الصالح . قد يشكو لك أحدهم فتور همته ، وضعف عزيمته ، وميله إلى الراحة ، هذا الفتور بسبب نقصِ عمله الصالح ، من قصَّر بالعمل ابتلاه الله بالهَم .

 

شروط العمل الصالح ليكون مقبولاً عند الله عز وجل :

 ولا يكون العمل الصالح أيها الأخوة صالحاً للعرض على الله جل جلاله ، والحق جل جلاله لا يتقبّل من العمل إلا ما كان له شرطان ؛ خالصاً لوجهه الكريم وموافقاً للسُنَّة ، فقد ورد في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ ، مَنْ عَمِل عَمَلاً أشرك فيه مَعي غيري تركتهُ وشِرْكَهُ ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 فالدرهم الذي ينفق في إخلاصٍ خيرٌ من ألف درهم ينفق في رياء ، وقد وصف الله تعالى إخلاص المؤمنين فقال :

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 9]

 ولا يكون العمل الصالح - شرطٌ آخر ، أول شرط الإخلاص - صالحاً للعرض على الله إلا إذا سَلِمَ من التخليط ، والتخليط أن يخلط المرء عملاً صالحاً بآخر سيئاً ، فقد روى الديلمي في مسند الفردوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعة من مخلط))

[ الديلمي عن أنس]

 وقد قيل : من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا ، لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله . وربما كان العمل الصالح مقدماً على العبادة ، لأنه ثمرتها ، ودليل صحتها ، فقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن عمر :

(( ولأن أمشيَ مع أخٍ في حاجتهِ خيرٌ لي من صيام شهرٍ واعتكافي في مسجدي هذا ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر]

 وقد كان ابن عباسٍ رضي الله عنهما معتكفاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج من المسجد ليمشي في حاجة أخٍ له ، فقيل له : أنسيت أنك معتكف ؟ قال : لا . ولكني سمعت صاحب هذا القبر والعهد به قريب - فدمعت عيناه - وهو يقول : " من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيراً له من اعتكاف عشر سنين " وقد سأل زيد الخير رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله ما علامة الله فيمن يريد وما علامته فيمن لا يريد ؟ قال: " كيف أصبحت يا زيد ؟ "قال : أصبحت أحب الخير وأهله ، وإن قدرت عليه بادرت إليه، وإن فاتني حزنت عليه وحننت إليه . فقال عليه الصلاة والسلام : " هذه علامة الله فيمن يريد " إذا أحببت الخير وبادرت إليه ، و إن فاتك الخير فحزنت عليه فهذه علامةٌ طيبةٌ جداً .

 

بطولة الإنسان أن يعمل الخير و يحافظ عليه :

 يا أيها الأخ الكريم ؛ لا يمنعنَّك من اصطناع المعروف للناس جحودهم وإساءاتهم ، فقد روى مالكٌ عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( اصنع المعروف إلى من هو أهله وإلى غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله ، وإن لم تصب أهله كنت أنت أهله ))

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا الموضوع ؛ موضوع التوبة والعمل الصالح ، وموضوع أن الحياة تنقضي سريعاً ويبقى من العمل الصالح مكافأته ، ويبقى من العمل السيّئ تبعته ، هذا الموضوع الأول يجب أن يكون بين أعيننا في كل الأيام بعد رمضان .
 شيءٌ آخر هو أن البطولة لا أن تحقق إنجازاً روحياً في رمضان لكن البطولة كل البطولة أن تحافظ على هذا الإنجاز بعد رمضان .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأمانيّ .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

العبادات معللة بمصالح الخلق :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ للإمام الشافعي قولٌ لطيف يقول : العبادات معللة بمصالح الخلق .
 أيْ أَنَّ العبادات لو أُدِّيَت على النحو الذي أراده الله - أدقق على هذه الكلمة - لو أن العبادات أديت على النحو الذي أراده الله لجعلت من المؤمن شخصيةً فذة ، لها تنجذب النفوس ، بها تتعلَّق الأبصار ، من نورها تهتدي القلوب ، لو أديت العبادات على النحو الذي أراده الله لجعلت من المؤمن رجلاً نيِّر الذهن والقلب معاً ، حادَّ البصر والبصيرة جميعاً ، تتعانق فكرته وعاطفته ، فلا تدري أيُّهما أسبق ؛ صدق أدبه أم حُسن معرفته ؟ ولا تدري أيهما أروع ؛ خصوبة نفسه أم فطانة عقله ؟
أيها الأخوة الأكارم ؛ لو أُدِّيَت العبادات على النحو الذي أراده الله عز وجل لجعلت من المؤمن شخصيةً فذةً كما قلت ، لجعلت المؤمن ذا أُفِقٍ واسع ، ونظرٍ حَديد ، ومحاكمةٍ سليمة ، ولجعلته منغمساً في سعادةٍ لا تقوى مُتَع الأرض الحِسِّية أن تصرفه عنها ، ولجعلته ذا أخلاقٍ أصيلة لا تستطيع سبائك الذهب اللامعة ولا الضغوط المانعة أن تقوّضها .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ المؤمن الحق كالجبل رسوخاً ، كالصخر صلابةً ، كالشمس ضياءً ، كالبُركان تَدَفُّقاً ، كالبحر عُمْقاً ، كالسماء صفاءً ، كالربيع نضارةً ، كالماء عُذوبةً ، كالعذراء حياءً ، كالطفل وداعةً .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أمَّا إذا حاد الإنسان عن مبادئ فطرته ، ولم يعبُد الله عز وجل ، وخرق حدود إنسانيته بالإثم والعدوان ، اختل توازنه الداخليّ ، وأحسَّ بكآبةٍ مدمرة بصحته النفسية ، وهذا ما يسميه علماء النفس أو أطباء النفس : التوتُّر النفسي ، الذي هو سببٌ رئيسيٌ لكثير مِن الأمراض .

التوبة والعمل الصالح أساس الصحة النفسيّة :

 ننتقل إلى حقيقةٍ خطيرة هي : أن أكثر الأمراض تكمن أسبابها في التوتّرات النفسية وفي الكسل العضلي .
 فيا أيها الأخوة ؛ من الأمراض التي تصيب العضوية والتي أسبابها نفسية ، تسرُّع ضربات القلب ، اضطراب نظم القلب ، تضيّق الشرايين ، ارتفاع ضغط الدم ذو المَنشأ العصبي ، تقرّحات الجهاز الهضميّ ، أمراض الحساسية ، أمراض الأعصاب والشلل العضوي ذو المنشأ النفسيّ . وحينما يصطلح الإنسان مع الله ؛ فيتوب من ذنوبه ، ويستقيم على أمر ربه، ويعمل الصالحات تقرُّباً إليه ، يشعر بأنه أزيح عن صدره كابوسٌ ضاغط كأنه جبلٌ جاثم ، وأن ظلمات بعضها فوق بعض قد تبددت من أمامه .
 يشعر المؤمن مشاعر من السعادة لا توصف ، وأن مشاعر الكآبة أيها الأخوة والضيق قد اختفت إلى غير رجعة ، وعندئذٍ يشعر أن في قلبه من الطمأنينة والسعادة ما لو وزِّعت على أهل بلدٍ لأسعدتهم جميعاً ، وعندها تتأثّر العضوية بهذه الصحة النفسية تأثراً إيجابياً، فتزول أكثر أعراض الأمراض العضوية ذات المنشأ النفسي .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ التوبة والعمل الصالح أساس الصحة النفسية ، إذا أردت نفساً صحيحةً متألقةً ، عالية المعنويات ، متفائلة فعليك بالصلح مع الله ، فإذا اصطلحت معه صلحت حياتك كلها ، لهذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( استقيموا ولن تحصوا ))

[ أحمد عن ثوبان ]

 وقد وضَّح الإمام المناوي في شرحه لهذا الحديث : أنه إذا استقمتم فلن تحصوا الخَيْرات التي تجنوها من استقامتكم .

 

الله جلّ جلاله لا يضيع أجر من أحسن عملاً :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ كل عامٍ وأنتم بخير ، هذه الجمعة الأخيرة التي نَجْبي بها التبرّعات للجمعيات الخيرية وللمعاهد الشرعية ، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد بذلتم أكثر مما طُلِبَ منكم ، ففي الأسابيع الأربعة التي عشناها في رمضان بذلتم أضعاف ما كان يرتجى من هذا المسجد ، وهذه الجمعة الأخيرة ، فمعنا كتبٌ من السيد مدير أوقاف دمشق يحثكم فيها على التبرّع إلى جمعية القنوات الخيرية ، وإلى جمعية الصالحية الخيرية ، وهاتان الجمعيتان تتعهدان بتلبية حاجات من في المسجد ، وجمعية شارع بغداد الخيرية ، وجمعية العمارة دار العجزة ، وجمعية رعاية دار الأيتام ، وجمعية المجتهد الخيرية ، هذه الجمعيات السِت قَصَدَت هذا المسجد في الأسبوع الخامس الذي يُعَدُّ من رمضان ، فادفعوا يدفع الله عنكم كل مكروه ، والله جل جلاله لا يضيع أجر من أحسن عملاً .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018