الخطبة : 0940 - القرآن. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0940 - القرآن.


2004-10-15

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
 اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

القرآن :

 أيها الإخوة الكرام، بينت في الخطبة السابقة، بفضل الله عز وجل، أن علّةَ الصيام في القرآن الكريم التقوى، لقوله تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

( سورة البقرة : الآية 183)

 وكان موضوع الخطبة السابقة التي سبقت قدوم رمضان المبارك عن التقوى، ووعدت أن تكون الموضوعات في رمضان التي هي من أبرز موضوعات الصيام: القرآن الكريم، وصلة الأرحام، والإنفاق، والاعتكاف، وليلة القدر.
 هذه خطب، إن شاء الله تعالى، سوف تكون موضوعات الأسابيع القادمة.
 واليوم نحن مع القرآن الكريم.
 أيها الإخوة الكرام، رمضان شهر القرآن، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يكثر في رمضان من تلاوة القرآن، وكان يكثر في رمضان من تدبّر القرآن.

 أوصاف القرآن في القرآن :

 والقرآن بتعريف القرآن نفسه:
 هدىً، وبيان، وموعظة، وبرهان، ونور، وشفاء، وذكر، وبلاغ، ووعد ووعيد، وبشرى ونذير، يهدي إلى الحق، وإلى الرشد، وإلى صراط مستقيم، يخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فيه تبيان لكل شيء، وهو شفاء لما في الصدور..
 هذه كلها أوصاف القرآن كما وردت في القرآن الكريم.
 مرة ثانية:
 القرآن هدىً، وبيان، وموعظة، وبرهان، ونور، وشفاء، وذكر وبلاغ، ووعد ووعيد، وبشرى ونذير، يهدي إلى الحق، وإلى الرشد، وإلى صراط مستقيم، يخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فيه تبيان لكل شيء، وهو شفاء لما في الصدور.

 

 أوصاف القرآن في الحديث الشريف :

 أما وصف النبي عليه الصلاة والسلام للقرآن فعَنْ علي، رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ألا إِنَّها ستكون فتنة، قلتُ: فما المخرَجُ منها يا رسول الله؟ قال:

(( كتابُ الله، فيه نَبأُ ما قَبلَكم، وخبرُ ما بعدَكم، وحُكم ما بينَكم، هو الفَصْل ليس بالهزل، مَن تَركه من جبَّار قَصَمَه الله، ومَن ابْتَغَى الهُدَى في غيره أضلّه الله، وهو حَبْلُ الله المتين، وهو الذِّكْرُ الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تَزِيغُ به الأهواء، ولا تَلْتَبِسُ به الألْسِنَةُ، ولا يَشْبَعُ منه العلماءُ، ولا يَخْلَقُ عن كثرة الرَّدّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تَنْتِهِ الجنُّ إِذْ سمعتْه حتى قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ، مَن قال به صَدَقَ، ومَن عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَن حكمَ به عَدَل، ومَن دَعَا إِليه هُدِيَ إِلى صِراط مستقيم ))

[ من حديث ضعيف، أخرجه الترمذي ]

القرآن منهج لمعرفة الله تعالى :

 أيها الإخوة الكرام، أصل الدين معرفة الله عز وجل:
 والله عز وجل يُعرَفُ من هذا الكون، عن طريق التفكّر.
 والله عز وجل يعرف بالحوادث التي تقع في الكون، لأنها أفعاله عن طريق النظر.
 والله عز وجل يعرف بكلامه، وهو القرآن الكريم، عن طريق التدبر.
 إذاً: القرآن مصدر رئيس لمعرفة الله جل جلاله.
 أيها الإخوة الكرام، في قوله تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ (*)عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (*)خَلَقَ الْإِنْسَانَ (*)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

( سورة الرحمن1-4)

 لا يعقل أن يعلّمَ الله الإنسانَ القرآنَ قبل أن يخلقه، ولكن هكذا ترتيب الآية، فما هو السبب؟
 العلماء قالوا: هذا ترتيب رتبي، وليس ترتيباً زمنياً، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه، فالمنهج يحقق للإنسان سلامته وسعادته، فذكِرَ أولاً.

 حاجة الإنسان للقرآن الكريم :

 أيها الإخوة الكرام، هذا المخلوق المكرم الذي هو الإنسان، يعدّ أعقد آلة في الكون:
 ففي خلاياه وأنسجته، وفي أعضائه وجسمه، من الدقة والتعقيد، والإتقان، ما يعجز عن فهم بنيتها وطريقة عملها أعلم العلماء.
 وفي هذا الإنسان نفس تعتلج فيها المشاعر والعواطف، وتصطرع فيها الشهوات والقيم والحاجات والمبادئ، حيث يعجز عن تحليلها وتفسيرها أعلم علماء النفس.
 وفيه عقل يحتوي على المبادئ والمسلمات، والقوى الإدراكية والتحليلية والإبداعية، ما أهَّل الإنسان ليكون سيّدَ المخلوقات.
 والآن، هذا المخلوق المكرّم، ألا يحتاج إلى كتاب من خالقه ومربيه ومدبره ومسيِّره، يبين له الهدف من وجوده، والوسائل الفعالة لتحقيق هذا الهدف؟
 ألا يحتاج هذا المخلوق المكرم إلى كتاب فيه منهج يسير عليه، ويضبط حركته في الحياة، ويصحح مساره من أجل سلامة نفسه، وعدم وقوعه في الخطأ والخلل والعبث؟
 ألا يحتاج هذا المخلوق البديع في خلقه إلى كتاب فيه مبادئ سلامته، سلامة جسده من العطب، وسلامة نفسه من التردي، وسلامة عقله من التعطيل والتزوير؟
 ألا يحتاج هذا المخلوق الأول إلى كتاب فيه مبادئ سعادته فرداً ومجتمعاً في الدنيا والآخرة؟
 إنه القرآن الكريم الذي لا يقلّ في عظمة إرشاده وتشريعه عن عظمة إيجاد السماوات والأرض، والدليل أيها الإخوة الكرام، قوله تعالى:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

(سورة الأنعام : 1)

 وقوله تعالى:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ﴾

(سورة الكهف : 1)

 فكما أن الله جل جلاله يحمد على نعمة إيجاد السماوات والأرض، كذلك يحمد، بالقدر نفسه، على نعمة الإرشاد، إرشاد الإنسان من خلال القرآن إلى طريق سلامته وسعادته الأبدية.

 من دلائل صدق القرآن الكريم  :

 أيها الإخوة الكرام، القرآن الكريم منهج، ومعنى منهج أي: فيه أوامر وفيه نواهٍ، افعل كذا وكذا، ولا تفعل كذا وكذا، والذين تعودوا أن يتحركوا في الحياة من دون قيد ولا شرط، ومن دون قيمة ولا منهج، سيرفضون التصديق أن هذا القرآن كلام الله، إذاً: لابد من أن يشهد الله لهذا الإنسان أن هذا القرآن كلامه.
 كيف ذلك؟ الله عز وجل يقول:

﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ﴾

( سورة النساء : الآية 166)

 كيف يشهد؟
 البرهان الأكبر على أن هذا القرآن الكريم كلام خالق السماوات والأرض هو:

1) تحقق الوعد والوعيد :

 قال الله عز وجل:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة النحل : الآية 97)

 فإذا آمن الإنسان كما ينبغي، وعمل صالحاً في صدق وإخلاص، أذاقه الله طعم الحياة الطيبة، من طمأنينة واستقرار، وتيسير وتوفيق، وسعادة وحبور.
 عندئذ يشعر هذا الإنسان، الذي آمن كما ينبغي، من خلال الحياة الطيبة التي يعيشها، وهي من فعل الله عز وجل، قدرها له تحقيقاً لوعده، يشعرأن فعل الله تعالى يتطابق مع ما في القرآن، ويقوم الدليل القطعي عنده على أن القرآن كلام الله.

 مثال آخر، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

( سورة طه : الآية 124)

 فمن أعرض عن ذكر الله، والقرآن هو ذكر الله، فهجره، وجعله وراءه ظهرياً، واستحلَّ محارمه، ولم يعبأ بأمره ونهيه، ولا بوعده ولا وعيده، أذاقه الله طعم المعيشة الضنك، من خوف وقلق، وضيق وشدة، وتعسير وإحباط، وشقاء وضياع.
 عندئذ يشعر هذا الإنسان الذي يحيا المعيشة الضنك، من خلال تلك المعيشة التي ذاقها مصداقاً لوعيد الله، أن الله شهد له بأن هذا القرآن كلامه، وأن هذه المعيشة الضنك هي من فعل الله، قدرها عليه تحقيقاً لوعيده.
 أي: تحقق الوعد والوعيد أكبر شهادة من الله عز وجل على أن هذا القرآن كلامه.

 مثال آخر، قال تعالى:

﴿ الم (*)غُلِبَتِ الرُّومُ (*)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غلبهم سيغلبون ﴾

( سورة الروم 1ـ3)

 والذي حدث أن الروم قد انتصروا تحقيقاً لوعد الله، فحينما يتحقق الوعد والوعيد، وحينما يشهد الله لهذا الإنسان من خلال فعله في تحقيق الوعد، وفعله في تحقيق الوعيد، يعتقد الإنسان اعتقاداً جازماً بكل خلية في جسمه، وبكل قطرة في دمه، أن هذا القرآن كلام الله.
 أيها الإخوة الكرام، هذا أحد أكبر الأدلة التي تدل على أن هذا القرآن كلام الله.

2) آيات الإعجاز العلمي :

 دليل آخر:
 حينما يأتي في القرآن الكريم ألف وثلاثمئة آية، تتحدث عن الكون، عن السماوات والأرض، عن الشمس والقمر، عن الليل والنهار، عن البحار والأنهار، عن الجبال والسهول، عن الأسماك والأطيار، عن خلق الإنسان، عن تكريم الإنسان، ويكتشف العلم بعد ألف وأربعمئة عام أن هذه الإشارات هي عين اليقين، ما معنى ذلك؟
 هذا هو الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.
 أحد روّاد الفضاء، أثناء صعوده إلى الفضاء الخارجي، وبعد أن قطع خمسة وستين ألف كيلو متر نحو الفضاء، لم يعد يرى شيئاً فجأةً، فاتصل بالقاعدة الأرضية، وقال: لقد أصبحنا عمياً.
 لأن في منطقة ما بعد الهواء ينعدم انتثار الضوء، نحن في الأرض عندنا أشعة الشمس، وعندنا ضوء، وبسبب انتثار الضوء عبر ذرات الهواء، نرى الأشياء بوضوح، فإذا تجاوزنا طبقة الهواء انعدم التناثر، وأصبح الجو مظلماً ظلاماً دامساً.
 متى عرف هذا؟ بعد أن خرج الإنسان من الأرض إلى الفضاء الخارجي.
 الآن، اقرأ قوله تعالى:

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (*)لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

( سورة الحجر 14-15)

 هذه إشارة علمية قرآنية.

 مثال آخر:
 حينما تطالعنا وكالة فضاء كبرى بصورة لانفجار في نجم يبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية، اسم هذا النجم عين القط، والصورة لا تختلف عن وردة جورية بأوراقها الحمراء الداكنة، ووريقاتها الخضراء الزاهية، والكأس الأزرق في الوسط، نتذكر قوله تعالى:

﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (*)فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾

( سورة الرحمن37-38)

 هذا الحديث يطول، والإعجاز العلمي يحتاج إلى مجلدات، ففي القرآن ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون.
 معنى ذلك أن هذا القرآن كلام خالق السماوات والأرض، لا محالة.

من يقرأ القرآن لا يضل أبداً  :

 أيها الإخوة الكرام، دققوا في هذه الآية:

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

( سورة طه : الآية 123)

 القرآن يفسر حقيقة الوجود :

 كيف يضل امرؤ يقرأ القرآن، والقرآن يقدم لنا تفسيراً صحيحاً لحقيقة الكون، ولحقيقة الحياة، ولحقيقة الإنسان، من عند مكون الأكوان، وواهب الحياة، وخالق الإنسان؟
 فالسماوات والأرض خلقتا بالحق، وهو الثبات والسمو، ولم تخلقا باطلاً، ولا لعباً، وهما الزوال والعبث.
 والسماوات والأرض مسخرتان للإنسان تسخير تعريف وتكريم، من أجل أن يؤمن ويشكر.
 والحياة الدنيا دار ابتلاء وانقطاع وعمل، والآخرة دار جزاء وخلود وتشريف.
 والحياة الدنيا كما وصفها القرآن الكريم، حياة دنيا، وليست عليا، وهي لهو ولعب، وزينة وتفاخر، وتكاثر، والآخرة خير وأبقى، وهي دار القرار.
 قال تعالى:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (*)أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص 60-61)

 والإنسان لم يخلق عبثاً، ولم يترك سدىً، وهو على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره.
 إنه المخلوق المكرم الذي خلقه الله في أحسن تقويم، وكرمه أعظم تكريم، حمل الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال.
 والإنسان خلق ضعيفاً، وخلق عجولاً، وخلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، إلا المصلين.
 وأنْ ليس للإنسان إلا ما سعى، وأنَّ سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى.
 وهو يفلح ويفوز، إذا أطاع الله ورسوله، وتزكى، وذكر اسم ربه فصلى.
 ولا ينفعه يوم القيامة مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
 وأن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.

القرآن يدل على الخالق الصانع :

 كيف يضلّ امرؤ يقرأ القرآن، والقرآن يبين له:

﴿ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

(سورة محمد : 19)

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

(سورة يوسف : 21)

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

(سورة الزخرف : 84)

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

(سورة هود : 123)

 وأن خالقه:

﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

(سورة الزمر : 62)

﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

(سورة الرعد : 41)

﴿ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

(سورة الكهف : 26)

 وأنه:

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾

(سورة هود : 56)

 وأنه:

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

(سورة فاطر : 2)

 وأنه سبحانه:

﴿ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

(سورة الرعد : 11)

القرآن يهب نعمة الأمن :

 ومن اهتدى بهدي القرآن لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، وكيف تشقى نفسه وتحزن، وقد منحه الله نعمة هي أثمن ما في الحياة، ألا وهي نعمة الأمن، تلك النعمة التي عزت على كثير من الناس، فهو حينما آمن بالله وحده، ابتعد عن الشرك الجلي والخفي، وحينما ابتعد عن الشرك ابتعد عن العذاب النفسي، قال تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

( سورة الشعراء : الآية 213)

 وحينما آمن الإنسان بالله وحده، وأن الأمر كله راجع إليه، حمله إيمانه على طاعته، وترك الإساءة إلى خلقه، عندئذ استحق نعمة الأمن، قال تعالى:

﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (*)الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

( سورة الأنعام 81-82)

 وكيف تشقى نفس قارئ القرآن، وتحزن، وهي تتلو قوله تعالى:

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

( سورة الجاثية : الآية 21)

 وهل من طمأنينة تنعم بها النفس أعظم من أن يؤكد لك خالق الكون أنه لن يضيع عليك إيمانك، ولا عملك الصالح، وأنه لن تكون حياتك كحياة عامة الناس، الذين أعرضوا عن ذكر ربهم، فاجترحوا السيئات، وتاهوا في الظلمات.

 قارئ القرآن لا يخاف ولا يحزن :

 وكيف تشقى نفس الإنسان، وتحزن وهي تتلو قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (*)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (*)نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾

( سورة فصلت 30-32)

 أيها الإخوة الكرام، هل من شعور أشد تدميراً للنفس من الخوف؟
 أنت من خوف المرض في مرض، وأنت من خوف الفقر في فقر، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها.
 وهل من شعور أشد على النفس من الندم والحزن على ما فات، فحينما يفاجأ الإنسان بدنو الأجل يصعق، ويقول:

﴿ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾

(سورة الزمر : 56)

﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

(سورة الفجر: 24)

﴿ ويو يعض الظالم على يديه يقول يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (*)يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً ﴾

(سورة الفرقان27-28)

 لكن القرآن الكريم يطمئن المؤمنين الذين آمنوا بالله، واستقاموا على أمره، بأنه لا خوف عليهم في الدنيا، لأن الله وليهم، وناصرهم، ويدافع عنهم، ويهديهم سواء السبيل، ولا هم يحزنون على فراقها، لأن المؤمن ينتقل بالموت من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، كما ينتقل الوليد من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا.

قارئ القرآن جريء في طلب الحق :

 وكيف يقعد المؤمن عن طلب حقه، وهو يتلو قوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

( سورة الشورى : الآية 39)

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران : الآية 160)

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾

( سورة محمد : الآية 7)

﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ﴾

( سورة النساء : الآية 104)

 أيها الإخوة الكرام، هذا الكتاب منهجنا ودستورنا، وطريق سلامتنا، وطريق سعادتنا، لذلك حينما تلوناه، ولم نعمل به، كنا في آخر مصاف الأمم، لابد من العمل به:

﴿ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

(سورة الرعد : 11)

أصناف الناس في القرآن :

 أيها الإخوة الكرام، بعض العلماء يروي عن الأحنف بن قيس أنه كان يوماً جالساً فعرضت له هذه الآية:

﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

( سورة الأنبياء : الآية 10)

 فانتبه، فقال: إليَّ بالمصحف لألتمس ذكري فيه، حتى أعلم من أنا، ومن أشبه.
 أي: أنه، رحمه الله، لما علم أن القرآن الكريم قد ذكَرَ جميعَ صفات البشر، وبيَّن طبقاتهم ومراتبهم، أراد أن يبحث عن نفسه في أيّ الطبقات هو، وفي أي المراتب هو، ففتح المصحف، وقرأ، فمرَّ على قوله تعالى:

﴿ كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (*)وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (*)وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

( سورة الذاريات 17-19)

 وقوله تعالى:

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

( سورة السجدة : الآية 16)

 ومرَّ بقوم ينفقون في السراء والضراء، كاظمين الغيظ، محسنين.
 ومرَّ بقوله تعالى:

 

﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

( سورة الحشر : الآية 9)

 فوقف الأحنف، ثم قال: اللهم لست أعرف نفسي هاهنا.
 أي: لم يجد هذه الصفات في نفسه حتى يعدّ نفسه من هؤلاء.
 ثم تابع القراءة، فإذا به يمرَُّ على صفات قوم:

﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾

( سورة الصافات : الآية 35)

 ومرَّ على قوم يُسألون:

﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (*)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (*)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (*)وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (*)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (*)حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (*)فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾

( سورة المدثر 42-48)

 وقف الأحنف، وقال: اللهم إني أبرأ إليك من هؤلاء، وأنا لست من هؤلاء.
 فما زال يقلب ورق المصحف، ويلتمس في أيّ الطبقات هو، حتى وقع على هذه الآية:

﴿ وآخرون اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآَخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة التوبة : الآية 102)

 فقال: أنا من هؤلاء.

أصناف الناس حسب صلتهم بالقرآن :

 أيها الإخوة الكرام، لو انتقلنا إلى السنة النبوية الصحيحة، هناك أحاديث متفق عليها في أصح كتابين بعد كتاب الله، صحيحَيْ البخاري ومسلم:

 

 عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:

(( مَثل المُؤمِنِ الَّذي يقرأُ القُرآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ، ريحُها طَيِّبٌ، طَعْمُها طيِّبٌ، ومثلُ المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مَثَلُ التمرة، لا ريحَ لها وطعمها حلوٌ، ومَثَلُ الْمنافِقِ الَّذِي يقرأُ القرآنَ مَثلُ الرَّيْحانَةِ، ريحها طيب، وطعمها مُرٌّ، ومَثَلُ المنافِقِ الذي لا يقرأُ القرآن كمثَل الْحَنْظَلةِ، لا ريحَ لها، وطعمها مُرٌّّ ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 وعن عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:

(( لا حَسَدَ إلا على اثْنَتيْنِ: رجلٌ آتَاهُ اللَّهُ القرآنَ، فقام به آناء اللَّيل وَآنَاءَ النَّهارِ، ورجلٌ أعْطاهُ اللَّهُ مالاً، فَهوَ يُنْفِقِهُ آنَاءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 وورد في الأثر: المؤمن لدى الحق أسير، يعلم أن عليه رقيباً على سمعه، وبصره، ولسانه، ويده، وإن المؤمن قيده القرآن عن كثير من هوى نفسه، وشهواته، وحال بينه وبين أن يهلك فيما يهوى.
 وورد أيضاً: لا يحزن قارئ القرآن، ولا يعذب قلب وعى القرآن.

 وورد أيضاًَ: من جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت.

 وورد أيضاً: اقرأ القرآن ما نهاك، فإن لم ينهك فلست تقرأ.

 وأخيراً :

 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

 

* * *

الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك، على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

العمل عبادة وقوة وحضارة :

 أيها الإخوة الكرام، موضوع يتعلق بصلاح الدنيا:
 عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه:

(( اللَّهمَّ أَصْلِح لي ديني الذي هو عِصْمَةُ أمري، وأصَلِح لي دُنيَايَ التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعَل الحياة زيادة لي في كلِّ خيرٍ، واجعل الموتَ راحة لي من كل شَرٍّ ))

[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 أيها الإخوة الكرام، الأمم القوية، أحد أسباب قوتها: إتقان أعمالها، ورغبتها في عمل دؤوب.
 والدول المتخلفة، من أبرز سماتها: عدم الاهتمام بالعمل، والتكاسل عن كل عمل مفيد.
 لذلك أنقل لكم أيها الإخوة الكرام، ولا سيما الشباب الذين هم في مقتبل العمر، بعض النصائح النبوية، وأخرى وردت من علماء كبار أو من الصحابة الكرام.

سنة الأنبياء والصحابة والعلماء :

 أيها الإخوة الكرام:
 يجب أن يقتنع الشاب بشرف العمل، ويجب أن يعتقد أيضاً أن العمل من سنن الأنبياء والشرفاء، فما من نبي إلا ورعى الغنم، كان عليه الصلاة والسلام يرعى الغنم، وكان داود حداداً، وكان نوح نجاراً، وبالمقابل فإنه لا بد من أن يقتنع الشاب بدناءة البطالة والاتكاء على الآخرين:
 فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الكسب أطيب، أو أفضل؟ قال:

(( عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور ))

[ حديث صحيح، أخرجه الحاكم في المستدرك ]

 ويقول عمر رضي الله عنه: أرى الفتى فيعجبني، فإذا قيل: لا حرفة له، سقط من عيني.
 ويقول كذلك: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، وهو يقول: اللهم ارزقني، وقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة.
 وقد شوهد الصِّدِّيق في اليوم التالي لتوليه خلافة الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جعل على كتفه حزمةً من الثياب متوجهاً إلى السوق ليبيعها.
 وحينما تولى الخلافة، وكان من عادته أن يحلب شياهاً لجارة له عاجزة، طرق بابها في اليوم الأول لتوليه الخلافة، لكن العجوز أيقنت أن هذه الخدمة توقفت، ولن تستمر، لأنه أصبح خليفة المسلمين، فقالت لحفيدتها: افتحي الباب، فلما عادت، قالت: مَن بالباب؟ قالت: يا جدتي، جاء حالب الشاة ليحلب لنا الشياه.
 هذا خليفة المسلمين.

 أيها الإخوة الكرام، أحد علماء الكبار، أجَّر نفسه للحراسة في الليل ليستعين بأجرتها في النهار، وكان إبراهيم بن الأدهم يسقي، ويرعى ويعمل بالأجرة، ويحفظ البساتين، ويحصد بالنهار، ويصلي في الليل.
 أيها الإخوة الكرام، يجب أن يؤمن الشاب أنه من يتقِ الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب، وأن يؤمن الشباب بأن العمل الشريف عبادة ينال عليها الأجر والثواب، لأمر النبي عليه الصلاة والسلام:
 عن الزبير بن العوام، رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:

(( لأن يأخذ أحدكُم أحْبُلَهُ، ثم يأتي الجبلَ، فيأتي بحُزْمة من حَطَب على ظهره فيبيعها، خير له من أن يسأل الناس، أعْطَوْهُ أم مَنَعوُه ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ]

 وورد في الأثر أن النبي عليه الصلاة والسلام، رأى شاباً في وقت العمل يتعبد، قال: من يطعمك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك.
 وسيدنا عمر، رأى شاباً يقرأ القرآن في وقت العمل، فقال: إنما أنزل هذا القرآن ليعمل به، أفاتخذت قراءته عملاً؟

 التوكل على الله في الرزق :

 أيها الإخوة الكرام، ينبغي أن يوقن الشباب في التوكل على الله في طلب الرزق، فإن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:
 عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لو أنكم توكَّلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً ))

[ حديث صحيح، أخرجه النسائي ]

 والشباب ينبغي ألا يترددوا في قبول أيّ عمل يعلمون يقيناً أنه يرضي الله عز وجل، ولو بمقابل يسير، فالرزق الحلال يباركه الله عز وجل، والحرام ممحوق البركة في الدنيا والآخرة.
 أحياناً لا يقبل شاب إلا عملاً عالي المستوى، ودخله كبير، أو يبقى بلا عمل، ويتكفف الناس، ويكون كَلاًّ على الآخرين.
 أيها الإخوة الكرام، لا تعبأ لمن ينظر إليك، لا تجعل أعين الناس مانعاً من مزاولة عمل شريف، فإن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة، وليحذر الشباب أن يقعوا فريسةً لاستدرار أموال الناس، والتذلل بين أيديهم، فمن جلس إلى غني، وتضعضع له ذهب ثلثا دينه.
 عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، يخرج من مكة مهاجراً، لا يملك من ماله إلا ما يرتديه من ثياب، فيقدم المدينة فقيراً، فيعرض عليه أخوه من الأنصار، سعد بن الربيع، أن يناصفه ماله، فيأبى، ويقول قولة رائعة: بارك الله لك في مالك، ولكن دلني على السوق.
 هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

  الصبر مفتاح الرزق :

 ثم إن الشباب ينبغي أن يتذكروا أن الصبر مفتاح الرزق، بعض هذه الشركات العملاقة، شركات الأغذية التي لها مبيعات في الخمس قارات، يروى أن مؤسس هذا المعمل، من أجل أن يعرض بضاعته طرق أبواب أكثر من ألفي مؤسسة تبيع الغذاء، ولم يقبل أحد بهذه البضاعة.
 ولكن مع المثابرة، والصبر يكون النجاح.
 أيها الإخوة الكرام، هذا الكلام أسوقه بسبب ما يعاني الشباب من أزمة بطالة، وأزمة البطالة من أخطر ما تعانيه الأمة.
 أيها الإخوة الكرام، يجب أن نعلم علم اليقين، أنه من يتقِ الله يجعل له مخرجاً، عليك أن تتقي الله، وعلى الله الباقي:

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

(سورة الزمر : 66)

 ولا بد من الإخلاص في العمل، والأمانة في الأداء، حتى يتحقق ما ورد في الأثر:
 الأمانة غنى.

  الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك ورحمتك، أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، أذل أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين، شتت شملهم، فرق جمعهم، خالف فيما بينهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بتدميرهم كما أريتنا قدرتهم في تدميرنا، يا رب العالمين، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018